جميل إبراهيم
05-24-2008, 11:48 PM
المرة ما إلك عذر...الكل عنده إجازة)...هكذا أنهى الرجل مكالمته...حتى لا يدع لي مجالا كما في كل اتصال... للتملص من الزيارة...رجل غمرني بلطفه مع أنني لم أره قط في حياتي...و كل الذي أعرفه أنه من بلدتي...عدى أن جدي و والده كانا يعملان معا في جنوب ألمانيا..
اعددت حقيبتي الصغيرة لأنه أصر أن أبقى طيلة عطلة الميلاد في ضيافته...و بدات رحلتي صباحا باتجاه الجنوب...كانت أجواء الميلاد تطغى على المشهد...حتى في عربات القطار... بدا كل شئ متجمدا ...لم يسقط الثلج كما في كل عام...كان صقيعا قاتلا...يكسو خضرة هضاب المانيا الدائمة... و جمد مجرى النهر...بطبقة خفيفة من الجليد.
حاولت حرق اربع ساعات من السفر بقراءة كتاب خارج المكان لإدوارد سعيد للمرة العاشرة على ما اعتقد...مع أنه من الإجحاف حرق الوقت بقراءة هكذا كتاب...لكن ما الذي يسليني في أربع ساعات سفر...لمقابلة شخص لا أعرفه أصلا.
وصلت المحطة...و أنا أحاول أن أتخيل كيف من الممكن أن يكون شكله...قبل أن أخرج هاتفي النقال من جيبي...لأدله على مكاني...كان رجلا قادما باتجاهي...يبدو أنه عرفني على الدم كما يقال...و من خلال تجاربي..اتضح لي أنها خاصية يتمتع بها العرب دون غيرهم...لذلك من السهل التعرف عليهم...و الإشتباه بهم في المطارات و الأماكن العامة... على الدم أيضا.
بعد أن وصلنا بيته...و كرم الضيافة اللذي لم أكن أتوقعه...و بعد أن تخلصت من حاجز الخجل...فاجأني الرجل بما لم يكن في أجندة الزيارة.
-شو رأيك أخذك على البلد اللي كان عايش فيها جدك؟؟؟
شعرت بقشعريرة رغم دفء المكان...كأن روح جدي تشاركنا القهوة...و على علم مسبق بقدومي...أعادني بذكره لجدي...أعواما بعيدة إلى الوراء...حين كنت و أخوتي نسد غليونه بالشمع محاولة منا لمنعه من حرق صحته ...كنا نستمتع بالمشهد...و هو يحاول عبثا سحب الدخان الى رئتيه...و قبل أن تعلو ضحكاتنا...كان سيلا من الشتائم العربية و الألمانية ينهمر فوق رؤوسنا...و ينال والدي المغترب في الكويت حظه من الشتائم...فقط لأنه ( اللي خلفنا).
و كنا من الوقاحة أننا لا نجد من نحتمي خلفه سواه...هربا من عقاب والدتي بعد كل حادثة.
ضحكت من أعماقي...لدرجة أثارت استغراب الرجل...و قبل أن يباغتني بسؤال أو مفاجأة أخرى...قلت له :
-بتعرف يا أبو يوسف أنه جدي كانت ألمانياته مكسرة...و على قده؟؟
-ليه؟؟شو خطر على بالك؟؟(أجابني مستغربا)
-من المسبات اللي كنت أسمعها منه لما يعصب...
أنهينا قهوتنا...و بدأت رحلة البحث عن جدي...في مكان لم يخطر ببالي أنه قضى بضعا من العمر فيه...و الأطرف من ذلك أنني أحمل إسمه...و هو من إختار لي اسمي...و ها أنا الان استحضر زمانه و مكانه...
كان الصقيع يقتل كل شي...و أغصان الأشجار العارية تلمع من شدة التجمد.
-هنا كان يسكن جدك.
يبدو كبيت قديم..على طراز ريف بايرن...ظاهرة عليه أثار الترميم المتعاقبة...شعرت برائحة تبغ جدي تنبعث من نافذته....و تمنيت لو كان باستطاعتي دخول المكان...اقتفي أثر الدخان المنبعث في خيالي...اكتفيت بالتقاط صورة للمدخل...و مضينا....نكمل نبش ذاكرة الموتى...
مررنا بمتجر...أخبرني بأن جدي كان يشتري خبزه و السردين من هنا...و بأنه و والده قضيا أعواما يعدان المقلوبة بالسمك...و لم يذوقا فيها طعم اللحم...لاعتقادهما بإنه إما لحم خنزير...أو ذبح حرام...أو توفيرا منها للنقود.
الان ادرك عزوف جدي عن تناول الوجبات المعدة باللحم...يبدو أنه لم يدمن التبغ فقط...بل و الخبز الحاف أيضا...رسمت بمخيلتي وجها لرجل يعد طعامه المكون من الخبز و الخبز...رسمت غربته خطوط الشقاء على وجهه...قضى ثلثي عمره الثمانيني متنقلا...من غربة الى غربة...كان جنديا في الحرس الوطني الخاضع للقيادة البريطانية أيام الانتداب..خدم أعواما في حيفا...و بعد النكبة بأعوام هاجر و عدد من رفاقه الى المانيا بحثا عن فرص العمل...عاد في أواخر السبعينيات الى فلسطين كهلا... إلى أن أنتقل إلى جوار ربه .
أيقظني الرجل من رحلتي في أرشيف جدي بتشغيل محرك السيارة...لنكمل رحلة التبغ الذي يعبق في ذاكرتي...و لا زلت أسمع صدى الشتائم يتردد في أذني.
لم يعد مشهد الغليون و الشمع يضحكني...ساد الصمت الى أن أيقظني مرة أخرى بقوله.
-كان هنا بستان تفاح...و حين يشتد الجوع بجدك و بوالدي...يأتيان هنا و يعودان ببعض الحبات.
حين مات جدي تجمدت الدموع في عيوني...و ها هي الان تسقط لتعلن في داخلي موته ثانية...بعد أحد عشر عام من وفاته...أدركت بأنه رحل...و أخذ معه صندوقا أسودا من ذكريات الخبز و الثلج...ربما رأفة بأسرته...و ربما كان هذا كبريائه.
لو كنت حيا...لكنت أنا من قطف لك التفاح...و لشاركتك الغليون...فأنا لم أعد طفلا... أصبحت أشرب القهوة مع الكبار...و أدخن النرجيلة.
تجمدت بقايا البستان يا جدي...دعني أقطف لي و لك...بعض الجليد...و دعني أخذ (بس نفس واحد) من الغليون.
وعدت أبو يوسف أني سأزوره الميلاد القادم...لن أنسى أن أحضر معي بعض التبغ...و التفاح.
رحل جدي في العشرين من أيار...قبل أحد عشر عاما....لروحه الراقدة في المكان...مني سلام...
اعددت حقيبتي الصغيرة لأنه أصر أن أبقى طيلة عطلة الميلاد في ضيافته...و بدات رحلتي صباحا باتجاه الجنوب...كانت أجواء الميلاد تطغى على المشهد...حتى في عربات القطار... بدا كل شئ متجمدا ...لم يسقط الثلج كما في كل عام...كان صقيعا قاتلا...يكسو خضرة هضاب المانيا الدائمة... و جمد مجرى النهر...بطبقة خفيفة من الجليد.
حاولت حرق اربع ساعات من السفر بقراءة كتاب خارج المكان لإدوارد سعيد للمرة العاشرة على ما اعتقد...مع أنه من الإجحاف حرق الوقت بقراءة هكذا كتاب...لكن ما الذي يسليني في أربع ساعات سفر...لمقابلة شخص لا أعرفه أصلا.
وصلت المحطة...و أنا أحاول أن أتخيل كيف من الممكن أن يكون شكله...قبل أن أخرج هاتفي النقال من جيبي...لأدله على مكاني...كان رجلا قادما باتجاهي...يبدو أنه عرفني على الدم كما يقال...و من خلال تجاربي..اتضح لي أنها خاصية يتمتع بها العرب دون غيرهم...لذلك من السهل التعرف عليهم...و الإشتباه بهم في المطارات و الأماكن العامة... على الدم أيضا.
بعد أن وصلنا بيته...و كرم الضيافة اللذي لم أكن أتوقعه...و بعد أن تخلصت من حاجز الخجل...فاجأني الرجل بما لم يكن في أجندة الزيارة.
-شو رأيك أخذك على البلد اللي كان عايش فيها جدك؟؟؟
شعرت بقشعريرة رغم دفء المكان...كأن روح جدي تشاركنا القهوة...و على علم مسبق بقدومي...أعادني بذكره لجدي...أعواما بعيدة إلى الوراء...حين كنت و أخوتي نسد غليونه بالشمع محاولة منا لمنعه من حرق صحته ...كنا نستمتع بالمشهد...و هو يحاول عبثا سحب الدخان الى رئتيه...و قبل أن تعلو ضحكاتنا...كان سيلا من الشتائم العربية و الألمانية ينهمر فوق رؤوسنا...و ينال والدي المغترب في الكويت حظه من الشتائم...فقط لأنه ( اللي خلفنا).
و كنا من الوقاحة أننا لا نجد من نحتمي خلفه سواه...هربا من عقاب والدتي بعد كل حادثة.
ضحكت من أعماقي...لدرجة أثارت استغراب الرجل...و قبل أن يباغتني بسؤال أو مفاجأة أخرى...قلت له :
-بتعرف يا أبو يوسف أنه جدي كانت ألمانياته مكسرة...و على قده؟؟
-ليه؟؟شو خطر على بالك؟؟(أجابني مستغربا)
-من المسبات اللي كنت أسمعها منه لما يعصب...
أنهينا قهوتنا...و بدأت رحلة البحث عن جدي...في مكان لم يخطر ببالي أنه قضى بضعا من العمر فيه...و الأطرف من ذلك أنني أحمل إسمه...و هو من إختار لي اسمي...و ها أنا الان استحضر زمانه و مكانه...
كان الصقيع يقتل كل شي...و أغصان الأشجار العارية تلمع من شدة التجمد.
-هنا كان يسكن جدك.
يبدو كبيت قديم..على طراز ريف بايرن...ظاهرة عليه أثار الترميم المتعاقبة...شعرت برائحة تبغ جدي تنبعث من نافذته....و تمنيت لو كان باستطاعتي دخول المكان...اقتفي أثر الدخان المنبعث في خيالي...اكتفيت بالتقاط صورة للمدخل...و مضينا....نكمل نبش ذاكرة الموتى...
مررنا بمتجر...أخبرني بأن جدي كان يشتري خبزه و السردين من هنا...و بأنه و والده قضيا أعواما يعدان المقلوبة بالسمك...و لم يذوقا فيها طعم اللحم...لاعتقادهما بإنه إما لحم خنزير...أو ذبح حرام...أو توفيرا منها للنقود.
الان ادرك عزوف جدي عن تناول الوجبات المعدة باللحم...يبدو أنه لم يدمن التبغ فقط...بل و الخبز الحاف أيضا...رسمت بمخيلتي وجها لرجل يعد طعامه المكون من الخبز و الخبز...رسمت غربته خطوط الشقاء على وجهه...قضى ثلثي عمره الثمانيني متنقلا...من غربة الى غربة...كان جنديا في الحرس الوطني الخاضع للقيادة البريطانية أيام الانتداب..خدم أعواما في حيفا...و بعد النكبة بأعوام هاجر و عدد من رفاقه الى المانيا بحثا عن فرص العمل...عاد في أواخر السبعينيات الى فلسطين كهلا... إلى أن أنتقل إلى جوار ربه .
أيقظني الرجل من رحلتي في أرشيف جدي بتشغيل محرك السيارة...لنكمل رحلة التبغ الذي يعبق في ذاكرتي...و لا زلت أسمع صدى الشتائم يتردد في أذني.
لم يعد مشهد الغليون و الشمع يضحكني...ساد الصمت الى أن أيقظني مرة أخرى بقوله.
-كان هنا بستان تفاح...و حين يشتد الجوع بجدك و بوالدي...يأتيان هنا و يعودان ببعض الحبات.
حين مات جدي تجمدت الدموع في عيوني...و ها هي الان تسقط لتعلن في داخلي موته ثانية...بعد أحد عشر عام من وفاته...أدركت بأنه رحل...و أخذ معه صندوقا أسودا من ذكريات الخبز و الثلج...ربما رأفة بأسرته...و ربما كان هذا كبريائه.
لو كنت حيا...لكنت أنا من قطف لك التفاح...و لشاركتك الغليون...فأنا لم أعد طفلا... أصبحت أشرب القهوة مع الكبار...و أدخن النرجيلة.
تجمدت بقايا البستان يا جدي...دعني أقطف لي و لك...بعض الجليد...و دعني أخذ (بس نفس واحد) من الغليون.
وعدت أبو يوسف أني سأزوره الميلاد القادم...لن أنسى أن أحضر معي بعض التبغ...و التفاح.
رحل جدي في العشرين من أيار...قبل أحد عشر عاما....لروحه الراقدة في المكان...مني سلام...