المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زاوية الشاعر السوري " أدونيس " من أخبار وأشعار


صفاء ابو صالح
05-15-2008, 11:52 AM
حوار ما أدونيس

... وَيَرمِـي عَصَـا الشَّـكِّ في كُـلِّ يَقِـيْن

التأويلُ السائدُ للنصِّ الدِّيني في علاقته مع النِّظام السِّياسيِّ هو الَّذي يحوِّل ثقافتَنا كلَّها وحياتَنا إلى ثقافة انصياع

المنفى سَفَرٌ في النَّفْس داخل النَّفس

الحنينُ حافزٌ إلى المزيد من التقدُّم في مواجهة الموت

حـوار مع أدونيـس

أتهجَّاكِ، يا هذه الأرضُ – أَرْضيَ، أشباحُ موتِكِ في ناظريَّ،
أغانيكِ مَرْثيَّةٌ ونَواحٌ، وأيَّامُكِ احتضارٌ.

الجحيمُ الذي فِيَّ منكِ – التبسْتُ بتاريخِهِ،
وانتميتُ إليهِ،
فكيف وأيَّانَ أخرجُ منهُ؟
وأُحِسُّكِ فِيَّ الهواءَ وميراثَهُ: لا خلاصٌ.
ومَنْ فيكِ يعرفُ إنْ مُتُّ أو عِشتُ؟ عيناكِ
لا تنظران، وقَلبُكِ رَمْلٌ وقَشٌّ.

عَطشي أنَّكِ الماءُ، والماءُ وَصْلٌ.
– أدونيس، الكتاب Iii



أحمد علي الزين: ويأخذنا عليٌّ في "مائه"، يصعد بنا عاليًا إلى النبع، حيث أبجدية الماء... غيم، وبستان، وصبي معفَّر بتراب الحقل يبني بيتًا غامضًا، يرفع سقفه بالألِف، ويحني الحاء حصانًا يمتطيه نحو معرَّة النعمان، حيث المعرِّي كتاب وعقل وسؤال ورؤيا. أو يغرِّب، والساحل السوري نداءٌ غاوٍ للمضيِّ بعيدًا في الكتاب أو للسفر إلى حيث يبتعد الوصول. ويطيب الترحال – ولو في الخيال – إلى الكوفة، حيث يترجَّل المتنبِّي عائدًا من مصر ليستريح من المديح والهجاء في بستان النخيل "على قلق" وريح علي.

ويهب النسيم مشبَعًا بغناء وعطر، ويصعد في البال حزنٌ غريب. هي الرغبة! ربما هي الرغبة الجامحة في "تغيير المصير" وهدم الجدار، هي الرغبة في التمرد، في الجريان كالنهر أو في التجذيف بعكس التيار، في الصعود نحو القمة العالية ليوقد النار للرعاة والليل.

ويأخذنا عليٌّ، يأخذنا إلى المطارح الأولى، إلى الولادات الأولى، إلى بيت عتيق في القرية. هو الحنين إلى طيف أنثوي، إلى شيخ جليل يعلِّمه فكَّ الحرف، إلى دمشق، إلى بيروت، حيث الانبثاق، ومخاضات وولادات، وجنون وحب وشعر.

لا يمكن وصفُه كما ينبغي أو كما تراه. فهو متعدِّد. يسكن غابة الشعر. تلمحه بين الظلال. يستخلص من الكتب القديمة النوافل، ويعثر على الذهب، يلمِّعه، ثم يذهب إلى مائه ويواصل التدفق. يصعد إلى جبله، يوقد النار، ويتأمل في هذا الليل العربي الطويل!



أدونيس: كلَّما هبَّ نسيمٌ، يذكِّره وصْلاً، فيضيء على حافة الليل قصيدةً ويرمي عصا الشك في كلِّ يقين.


ما بواعث الغُصَّة بعد التكريم؟


أ.ع.ز.: منذ فترة، لِنَقُلْ في أواخر حزيران [2007] على ما أظن، كُرِّمتَ في الجامعة الأميركية في بيروت، ومُنِحتَ دكتوراه فخرية شهادةَ تقدير. طبعًا أنت رددتَ التحية للَّذين كرَّموك، ورددتَ تحيةً أكبر لبيروت – "المدينة العالية"، كما سمَّيتَها. وهكذا فاضت العينان قليلاً بالدمع والشجن. ما هي بواعث هذه الغُصَّة، ذلك الحزن؟

أدونيس: سأحاول أن أجيب... أظن أن هناك مناطق في النفس – ومناطق في الفكر أحيانًا – يتعذَّر التعبيرُ عنها باللغة أو بالكلام، فيُعبَّر عنها بمثل هذه الغُصَّات! لا أجد تفسيرًا آخر في هذه اللحظة...

أ.ع.ز.: ربما هو إعلان عن نوع من الحبِّ لهذه المدينة التي أحبَّتك أيضًا...

أدونيس: لا، الحب من أول نظرة في خصوص بيروت يقع عند معظم الناس الذين رأيتُهم وعرفتُهم. إذا عشتَ في مدينة مثل بيروت فإنك لم تعشْ فقط، وإنما ولدتَ فيها ثقافيًّا. إنِّي أنظر إلى بيروت بوصفها، أو بوصف حياتي فيها، ولادة ثانية...

أ.ع.ز.: ولادة شعرية؟

أدونيس: ... ولادة ثقافية عامة. بالمناسبة، لقد ولدتُ ثلاث مرات: الولادة الطبيعية، المشتركة بيننا جميعًا؛ والولادة الثانية هي ولادتي في بيروت – الولادة "الثقافية" –، وهي التي جعلتْني أكثر قدرةً على الاتصال بالعالم؛ ثم، من بعد الحرب الأهلية والغزو الإسرائيلي وتعطُّل الحياة تقريبًا في لبنان، سافرتُ إلى باريس، حيث أعيش الآن، وأظن أن ولادتي الثالثة والأخيرة، في باريس، كانت ولادة كونية.

أ.ع.ز.: سوف نتناول هذه المحطات – "محطات الولادات"، إذا صحَّ القول. لكنِّي أريد أن أسأل: يقيم الجسد في هذه الأمكنة... فأين تقيم الروح؟

أدونيس: بالعمق، في لبنان.


هل للإبداع علاقة بالمكان؟


أ.ع.ز.: هل تظن أن الأمكنة قد تضيق بالمرء عندما "تتسع الرؤيا"، أو أنها يمكن لها أن تتسع باتساع الرؤيا؟

أدونيس: إذا كان السؤال يقصد علاقة الإبداع بالمكان، أعتقد أن جميع الأمكنة لا تتسع لحركة الإبداع. المكان، كمثل اللغة، لا يتسعان كلاهما لحركية الإبداع. وقد يكون ذلك لحسن الحظ، ليس لسوئه! فأنا لا أستطيع أن أتصور الإنسان قادرًا على الإفصاح إفصاحًا كاملاً، لا بالنسبة للمكان ولا بالنسبة للغة. فإمكانُ ذلك يعني انتهاءَ كلِّ شيء!


سأزورُ المكانَ الذي كان صيفًا لنا
بعدَ تَرْحالِنا
بَيْنَ شطآن يوليسَ، في ليلِ دلفي،
وفي شمسِ هِيدْرا.
وسأمشي مثلما كُنْتُ أمشي
هائمًا بينَ أشْجارِهِ.
سأذكِّرُ أزْهارَهُ ورياحينَهُ
بأريجِ لقاءَاتِنَا.

وأكيدٌ سَتَسْأَلُني عَنْكِ: ما صِرْتِ؟
أينَ تكونينَ؟ ما وجهكِ الآنَ؟ لكنْ
ما تُراني أقولْ،
والفصولُ مَحَتْها الفُصولْ؟
– أدونيس، أول الجسد آخر البحر


أ.ع.ز.: قد تكون من أكثر المبدعين تجوالاً في العالم – أحدهم، حتى لا نبالغ! – من مدينة إلى أخرى، من عاصمة إلى أخرى. هل تلحُّ عليك مسألةُ المقاربة، بالقدر نفسه، بين تلك الأمكنة والحواضر وبين وطنك ومسقط رأسك والبلاد التي تنتمي إليها؟ وهل تشعر بنوع من الأسى عندما تستحضر هذا النوع من المقاربة؟

أدونيس: هناك نقطة في هذه المنطقة... فيها "شيء" خاص لا تجده في أيِّ مكان في العالم: العلاقة الجسدية بالمكان، والعلاقة الطبيعية–الإنسانية – وأكاد أسميها "جسدية"! – بالأشخاص وبالبشر؛ بمعنى أن هناك نوعًا من العلاقة قائمًا في لبنان وفي سوريا وفي المنطقة العربية إجمالاً...

أ.ع.ز.: وهذا غير متوفِّر في الخارج إجمالاً؟

أدونيس: غير متوفر إطلاقًا في الخارج – أقصد على الصعيد الإنساني الحميم. أما إذا أردتَ الانتقال إلى مستوى آخر، أي على صعيد العلاقة مع النظام أو العلاقة مع المؤسَّسة أو مع المدينة كتنظيم مدني أو كمؤسسات، فأعتقد أن هناك فرقًا كبيرًا، بمعنى أننا لم نصل إلى مرتبة المدينة بعدُ، ونظامنا كأنه يعيش في عالم آخر بعيد عن قيم الحداثة وقيم حقوق الإنسان وحرياته إلخ. وهذا يطرح إشكالاتٍ عديدة.

أ.ع.ز.: في السياق ذاته، كيف ترى صورة العالم الذي نعيشه نحن اليوم؟ – تحديدًا عالمنا العربي والإسلامي –، خاصة أنك صرفت عمرًا مديدًا كداعية من أجل تحديثه.

أدونيس: ما من أحد يستطيع الحكم على مستقبل لا نعرفه! إذ مهما كانت أوضاع الشعوب صعبةً ومتخلِّفة، فإن هذه الشعوب، في مراحل تاريخية معينة، يمكن لها أن تخرج من أزماتها وتبتكر طرقًا جديدة لحياتها. لكن متى وكيف، لا نستطيع أن نحكم. إنما لو أردتَ أن تسألني: كيف تتصور مستقبلنا استنادًا إلى اللحظة الراهنة؟ ضمن هذا التحديد، أستطيع أن أقترب من إجابة ما، لعلَّها خطأ، – وآمل أن تكون خطأ! – فأقول لك إنه إذا قسنا طاقات العرب، إذا درسنا طاقات العرب، الموضوعية والمادية والثقافية والتاريخية إلخ، إذا قسنا هذه الطاقة الهائلة الموجودة عند العرب بما يفعلونه عمليًّا، فأنا لا أستطيع أن أفهم هذا إلا بالقول إننا شعب ننقرض، بالمعنى الحضاري للكلمة، مثلما انقرض السومريون والفراعنة والإغريق والرومان وجميع الحضارات العظيمة الأخرى التي انقرضت. إذ إنه لم تعد لدينا الطاقة الإبداعية التي تتيح لنا أن نبني مجتمعًا إنسانيًّا عظيمًا، وتتيح لنا، في الوقت نفسه، أن نشارك في بناء العالم.

أ.ع.ز.: لنسأل عن السر: ما هو الداء؟ ما هو سر هذه السكونية، سر غياب العقل؟ لا بدَّ من سبب جوهري.

أدونيس: أعتقد أن هناك أسبابًا عديدة، وليس سبب واحد فقط. لكن لا بدَّ من دراسات عديدة، أنثروپولوجية وتاريخية وفلسفية، لمعرفة ذلك. ومع الأسف، نحن العرب لا نقوم بمثل هذه الدراسات. لا تتجدد الشعوب إلا إذا قرأت تاريخها ومنجزاتها، وفي ضوء هذا التاريخ وهذه المنجزات، تحاول أن تستفيد من أخطائها وتستفيد من غيرها وتتقدم. لا يُعقَل ألاَّ يكون قد طُرِحَ سؤالٌ واحد طرحًا جذريًّا على أيِّ أساس من أسُس ثقافتنا الموروثة: لا على الدين، ولا على وضع المرأة، ولا على العلاقة بين الدين والسياسة... غير ممكن! لم يُطرَح أيُّ سؤال...

أ.ع.ز.: العلاقة بين الأنا والآخر...

أدونيس: بين الأنا والآخر... وهذه القضايا كلها إما هُمِّشَتْ، وإما كُبِتَتْ، وإما قيل إن الوقت ليس وقتَ بحثها! وهكذا، بطريقة أو بأخرى، لم نفعل ما يجب أن تفعله الشعوب الحية في العالم أجمع. لماذا؟ هذا هو السؤال: لماذا؟ أعتقد، بكلِّ بساطة، أن التأويل السائد للنصِّ الديني، في علاقته مع النظام السياسي، هو الذي يحوِّل ثقافتنا كلَّها وحياتَنا إلى ثقافة قبول وانصياع وخضوع وبُعْد عن التساؤلات – وهذا يعني بُعدًا عن الحرية.


* * *


قَدَري أَنَّني
لا أُطِلُّ على الأرضِ من شُرُفاتِ القَدَرْ.

ربَّما يفهم الطِّفلُ فِيَّ العذابَ الذي يتخثَّرُ، من عهدِ آدمَ،
في رئتيَّ. اضطرابٌ
في الضِّياء الذي يتسلَّلُ من كهف حرِّيتي. ضياءٌ
آخَرٌ مِن فضاءٍ غريبٍ
يتسكَّعُ في خَيْطِ شَمْسٍ.

آخُذُ الآنَ حُلميَ شيخًا وطفلاً
وأفتح أبوابَ ليلي لَهُ
وأَنذر أهدابَهُ لِلسَّهَرْ.
– أدونيس، الكتاب Iii


أ.ع.ز.: خلاَّق، لا يستكين ولا يطمئن إلى يقين. يزاول طرح الأسئلة والتنقيب عن أجوبة لها. فالشاعر الكبير لا يمكن له إلا أن يكون مثقفًا كبيرًا ومفكرًا وسجاليًّا ومحلِّلاً يتأمل دائمًا في حركة التاريخ والزمان.

تراه يشير، في أجوبته، إلى مواضع الأعطاب، يضيء طريقًا نحوها للعلاج أو للتخفيف من الألم. فهو يعرف تمامًا أن الشحوب الذي يصيب هذه الأمَّة وهذه المجتمعات والضمور الفكري والعجز هو نابع من موروثاتها وتأويلات تطمح إلى ترسيخ المؤسَّسات الرسمية التي لا دعائم لها سوى الغيبيات وما تنتجه من وسائل للاستبداد والقهر والظلم.


"أنا لست ضدَّ الدين، وإنما ضد تأويله خطأً واستخدامه لغايات أخرى"


أ.ع.ز.: تُرى مَن يجرؤ على خلخلة هذه المفاهيم وتقويض جدران هذا السجن الفكري الهائل؟! أنت تقول، في أحد الحوارات، بأنه لا حداثة في مجتمعاتنا العربية من غير تهديم للبُنى السياسية للنظام السياسي، المستمِدَّة قوتَها من البنية الدينية – أقصد: مَن يملك الجرأة على البدء بهذا "التهديم"، إذا صح التعبير؟

أدونيس: لا أحد ضد الدين! أنا شخصيًّا لست ضد الدين، لأن الدين حاجة عميقة وأساسية لتنظيم علاقة الفرد بالعالَم الآخر، بالغيب. إذًا أنا – دفْعًا لكلِّ التباس – لست ضد الدين، أيًّا كان هذا الدين، وإنما ضد تأويله خطأً وضد استخدامه سياسيًّا واجتماعيًّا لغايات أخرى لا علاقة له بها – إذ إن ذلك يتضمن اعتداءً على الآخرين. التأويل السائد هو أن الحقيقة في النص، بينما أي مستوى معرفي يقول لك: لا، الحقيقة هي في البحث، في العلاقة بين الفكر والواقع إلى ما لا نهاية. ولذلك لا يمكن أن تكون الحقيقة محصورة في اللغة. فحَصْرُ الحقيقة في النصِّ اللغوي هو، في اعتقادي، عنصر أساسي من عناصر...

أ.ع.ز.: تغييب العقل أو منعه من السؤال...

أدونيس: تغييب العقل، وتغييب حرية البحث أيضًا. لأنه حتى المسلمون الأوائل ابتكروا مفهوم "التأويل" كي يقولوا بأن الحقيقة ليست في النصِّ أو في اللغة. النص هو شكل من أشكال الحقيقة، بينما الحقيقة تتغير وتتجدد باستمرار!


كيف يستطيع المثقَّف مواجهة رجال الدين؟


أ.ع.ز.: إذا كان المثقفون والمفكرون المهتمون بهذا الشأن هم مَن يقومون بهذا الدور عمليًّا، فسؤالي هو: كيف يستطيع المثقف مواجهة رجال الدين الذين يمتلكون حرية التعبير ومنابر للتعبير أكثر بكثير مما يمتلكه هو؟ – بالإضافة إلى أنهم يمتلكون حقَّ تصنيف الآخرين، عبر الإفتاء، في خانات التكفير ومش عارف أيش!

أدونيس: أعتقد أن المسألة، هنا، هي مسألة سياسية: أي أن ما يجب أن تقوم به السياسة أو النظام السياسي هو أن يكون النظام حَكَمًا، لا طَرَفًا. يجب أن تكون الأنظمة السياسية قائمة على إعطاء الحريات لجميع أفرادها. لكن، مع الأسف، النظام السياسي يتحالف مع هذا التأويل الديني السائد ضد الحريات وضد الإنسان، فيكون طرفًا ضد الحرية...

أ.ع.ز.: حتى الآن؟

أدونيس: حتى الآن طبعًا!

أ.ع.ز.: تقصد أن الأنظمة السياسية في العالم العربي غير متضرِّرة من وجود هذه التيارات التكفيرية الأصولية؟

أدونيس: بل متضرِّرة! ومع ذلك، لا تعطي الأنظمةُ الحريةَ للأفراد الآخرين كي يناقشوا هذه الأفكار الدينية؛ أقصد تُعطى هذه التياراتُ الحرياتِ كاملةً على جميع المستويات، وتُمنَع على جميع المستويات عن الآخرين، في حين أنه، حتى عمليًّا، أجدى للنظام السياسي أن يترك الناس يتحاورون في الدين والإلحاد، وفي غير الدين والإيمان، من أن يكون الأمر كما هو حاليًّا؛ أقصد أجدى للنظام أن يكون حَكَمًا، لا طرفًا.

أ.ع.ز.: في السياق ذاته، تقول إنه يصبح للمثقف دورٌ ما إذا تمَّ الاعترافُ به كعضو في البحث عن الحقيقة التي هي دائمًا أمامنا وليس خلفنا. مَن يعترف بِمَن؟

أدونيس: المجتمع، النظام الاجتماعي، النظام السياسي القائم عليه، يجب أن يرى إلى الثقافة كجزء حيٍّ من وجوده وليس مجرد... أقصد أن الثقافة ليست "وظيفة"! يجب أن يكون المثقف باحثًا حرًّا عن الحقيقة، ويجب أن يقولها في حرية كاملة. لكن ارتباط السياسي بالديني جعل قول الحقيقة يبدو وكأنه يزلزل البنية الدينية النظامية. وهكذا تُعامَل حريةُ التفكير كأنها "جُرْم" يُدان عليه المرءُ، يُكفَّر! هذا لم يعد موجودًا على الإطلاق إلا في البلدان المتخلِّفة، وطبعًا موجود عندنا في البلدان العربية.

أ.ع.ز.: يبدو أن هذه الأنظمة غير قادرة على الرؤية... أقصد أن الخطر يقرع أبوابها... أقصد أنها معرَّضة للخطر، للإزاحة...

أدونيس: معك حق. ولكن كلَّ نظام يكون طرفًا بهذه الطريقة، فلا يرى ما تشير إليه، يبرهن على أن سلطته اغتصاب، وعلى أنه هو نفسه خارج على السلطة – وأقصد سلطة الحرية، سلطة العقل. إنه يمتلك هذه السلطة بالعنف وبالتحالفات مع القوى الدينية، ولا يمتلكها تلقائيًّا بتفويض حرٍّ من الشعب. إن موقف الأنظمة العربية اليوم هو موقفٌ يُدينها أكثر مما يدين الآخرين.


ما الموانع التي تمنع الشعب العربي من التقدم؟


أ.ع.ز.: تقول إن الشعب الوحيد الذي يتخلَّف عن التقدم مع حركة الزمن هو الشعب العربي. فما هي الأثقال التي تمنعه من التقدم؟

أدونيس: هذه لا يمكن تفسيرها، في تقديري، إلا بالعودة إلى البنية الأصيلة للفكر العربي التي هي بنية دينية. وهذه البنية الدينية لم تُدرَس، لم تُفكَّك...

أ.ع.ز.: هذا هو سؤالي التالي: إذ إنك تقول أيضًا: يجب إعادة النظر في ثقافتنا الإسلامية، وإلا فإننا ذاهبون إلى كارثة! وقد قلتَ هذا الكلام منذ حوالى عشر سنوات. ألا تظن أننا نعيش الآن في قلب هذه الكارثة؟

أدونيس: إنها كارثة مهينة! أتمنَّى لو تكون هناك نهضة إسلامية بالمعنى الإنساني، بمعنى قراءة جديدة للإسلام، بمعنى أن الإسلام عنصر مشارك حضاريًّا في البناء العالمي اليوم. ولكن "النهضة الإسلامية" كلها قائمة اليوم على العنف والقتل والإرهاب! – إلى درجة أنني، أنا اللامتديِّن، أثور باسم الإسلام تعاطُفًا مع الروح الإسلامية والحضارة الإسلامية العالية ضد الصورة التي تُعطَى عن الإسلام اليوم. الكوارث المهينة في العالم كلُّها تحدث في العالم الإسلامي وباسم الإسلام!


غالبًا أتفقَّدُ بَيْتِيَ في اللَّيلِ أُشعِلُ ضوءَ المصابيحِ
لكنَّها لا تُضيءُ/ النوافذُ؟ أبدأُ فتحَ
النوافذِ لكنَّها لا تُضيءُ/ لعلِّيَ في البابِ
أَلقى ضياءً، أقولُ لِنفسي،
وأُسرِعُ للبابِ أَرْجوهُ،
لكنَّهُ لا يُضيءُ/ الظَّلامُ هنا مثلُ جُرحٍ
يظلُّ، على بُرئِه، نازفًا،
يقولُ ليَ الحبُّ –
يا حُبُّ مِنْ أينَ يأتي الضِّياءْ،
والسَّماءُ تخونُ السَّماءْ؟
– أدونيس، أول الجسد آخر البحر

* * *

لا أسائل موتي عن حياتي، أو حياتيَ عنه، فمَوْتي
كحياتي رحيلٌ.
ولهذا،
لا أحبُّ المُقامَ، أحبُّ الرَّحيلْ.

في الرَّحيلِ، أكون وحيدًا، وأُصغي لنفسي، ونفسي تُصْغي
إليَّ، ولا شأنَ لي في السَّماء،
ولا شأنَ لي في البقاءِ على هذه الأرضِ. وحدي
أَتَكاثَرُ في الصَّمْتِ، في ذلك الحوارِ المُعمَّى
بين ليلِ الإلهِ وبَيني –
أتَنقَّل مِن مُستحيلٍ إلى مُستحيلْ.
– أدونيس، الكتاب Iii



مَن هو "أدونيس"؟



أ.ع.ز.: "علي أحمد سعيد" – هذا اسمه في الهوية، و"أدونيس" اسم اختاره لنفسه: خيار آخر وولادة أخرى في المسافات والمدن التي شهدت انبثاقاتٍ له وولاداتٍ في الرؤى وفي القصيدة.

ولد عليٌّ في قصابين، قرية في الشمال السوري، في شتاء ليل من العام 1930 ومن أبوين فقيرين. كان والده أحمد سعيد شغوفًا بالمعرفة واللغة والشعر، وهذا كان هو الحجر الأساس في عمارة أدونيس لاحقًا. نشأ، بدايةً، وسط هذه البيئة، تعلَّم في "كتَّابها" حوالى عشر سنوات، ثم تابع دراسته في مدن الساحل، في طرطوس واللاذقية، ثم مضى إلى دمشق، حيث نال إجازته في الفلسفة سنة 1954. ومنذ بداية الخمسينيات، بدأ يرسل قصائده إلى مجلة الآداب البيروتية.

وهكذا دارت عجلةُ أيامه وفق رغبته في "تغيير مصيره"، كما كان يقول، ليحطَّ فيما بعد ترحاله في بيروت في أواسط خمسينيات القرن الماضي، حيث بدأ يشعل نارَه وحرائقَه في مسائلة الموروث، فكرًا وشعرًا ونصًّا وأنساقًا، فكان من بين أوائل الدعاة الحداثيين الذين صرفوا أعمارهم من أجل تهديم جدران السجن الكبير للخروج إلى المدينة–الإنسان، المدينة–الحرية، المدينة–العدالة.

من قصابين إلى باريس، حيث "ولادته الكونية"، كما يسمِّيها، بعد بيروت التي كانت "الولادة الثقافية". 77 عامًا وأدونيس يضيء عند كلِّ ليل منها قصيدةً وشمعةً للأيام الآتية.

أدونيس: ما أذكره من طفولتي، أولاً، أنَّني ما عرفت طفولة! أقصد ولدت في الحقل بين الأشجار، وفي طفولتي مارست مثلاً شتل التبغ، حصدت القمح، درست على النورج، نقلت الماء... أي جميع الأعمال التي يقوم بها الفلاحون عادة، قمت بها وأنا طفل صغير. ولذلك فإنني لم أعرف "طفولة" بالمعنى الذي نتحدث عنه في الكتب. ولدت كبيرًا، في سنٍّ كبيرة أقصد. لم تكن هناك مدرسة في القرية، بل كان عندنا "الكتَّاب": نذهب بين وقت وآخر ونجلس تحت الشجرة، فيعلِّمنا الشيخ كيف نقرأ القرآن وكيف نكتب. تعلَّمت تحت الشجرة، ولم أدخل المدرسة حتى سنِّ الثالثة عشر. أحاول الآن استرجاع طفولتي، استذكارها، لأنني أكتب سيرة حياتي. كأنَّ شيخوختي ليست حركة في اتجاه الموت، مثل كلِّ الناس، بل هي بالأحرى حركة في اتجاه الطفولة!

أ.ع.ز.: استعادة الطفولة؟!

أدونيس: استعادة الطفولة.

أ.ع.ز.: كأنك تقول: لتكن هذه الشيخوخة طفولتك التي افتقدتَها... سعيتَ لـ"تغيير مصيرك"؟

أدونيس: تمامًا... وعشت الحلم بالتغير. وأعتقد أنِّي حقَّقتُه، أو أنجزتُه إلى حدٍّ كبير، في حياتي كلِّها وفي تفكيري كلِّه، وحتى في تنقلاتي اليومية... يعني أنني أصبحت مسافرًا لا في المكان وحده، وإنما مسافر في الزمن أيضًا، ومسافر في نفسي داخل نفسي. وهذا ما خلق عندي شعورًا معقَّدًا، خلق عندي شعورًا كأني أعيش في منفى متحرِّك... وهذا المنفى المتحرك في المكان وفي الزمان خلق تطابقًا مع منفاي اللغوي. فأنا أشعر أني منفي لغويًّا داخل اللغة التي أكتب بها وأحاول إيجاد نفسي عِبْرَها. كلما أوغلتُ في هذه اللغة أجد نفسي أشعر كأني أبتعد عن نفسي. الكتابة هي وسيلة لمزيد من التساؤلات.

أ.ع.ز.: تبدو الكتابة عادةً كحلٍّ، أو كشيء من الحلِّ، في البداية؛ ولكنها، عندك، تحولتْ إلى مأزق؟

أدونيس: بالعكس! الكتابة عندي هي وسيلة، عمليًّا، – وسيلة لمزيد من التساؤلات، ولمزيد من الضياع، ولمزيد من المنفى، – للشعور بالمنفى، خارجًا وداخلاً. فكأنَّ الكتابة تكمِّلني، كأن هناك شخصًا ثانيًا داخل شخصي لا يعبِّر عنِّي بقدر ما يكمِّلني.

قلتُ: أسهرُ حتَّى الصباحَ لأكتبَ، لكن
ما أقول؟ انكببتُ أخطُّ وأمحو
وأبدأُ. لا شيءَ. كيف تغيَّرتُ؟
أنَّى، وكيف توارى
كلُّ ما كان عندي؟

نمتُ. كلاَّ، رمى النومُ أثقالَهُ
فوق رأسي.
في الصباح، شعرتُ كَأَنِّي شُطِرْتُ،
وأصبحتُ غيريَ، شخصًا
بعيدًا يسيرُ إلى ذاته البعيدَهْ
كاتبًا هذهِ القصيدَهْ.
– أدونيس، أول الجسد آخر البحر

أ.ع.ز.: تتحدث في مكان ما عن الحنين، تقول: "الحنين يُضمِرُ نوعًا من الكفاح ضد الموت." هل تخاف؟

أدونيس: الحنين، في اللغة العربية، هو إلى ما اختبرتَه ومضى. وما اختبرتَه ومضى يندرج في عالم الطفولة، وإذًا تذكُره، فكأن الحنين إليه هو نوع من... كأنك تدير وجهك إلى الطفولة، فيما تدير ظهرك إلى الشيخوخة والموت. وبهذا المعنى، الحنين مهم، لكنْ بشرط ألا يكون حنينًا "استسلاميًّا"؛ أي أن يكون الحنين دافعًا إلى مزيد من الهجوم وإلى المزيد من التقدم. لكنْ، إجمالاً، الحنين عندنا استسلامي؛ وبسبب ذلك يولد الحزن، والحزن قد يتحول إلى خيبة، إلى إحباط. أما عندي فإنه ليس كذلك...

أ.ع.ز.: هو حافز يدفعك...

أدونيس: حافز إلى مزيد من التقدم في مواجهة الموت.

أ.ع.ز.: يعني أنت تسعى إلى "تغيير مصيرك" حتى الآن؟

أدونيس: باستمرار.

أ.ع.ز.: مصيرُ عليٍّ – الطفل الذي كان في قصابين – تغيَّر، وأصبح أدونيس العربي والعالمي، في أكثر من مكان وزمان. عندما تنظر إلى الخلف وترى مصيرَ الآخرين، مصيرَ الأوطان، لم يتغير، ألا يُحزِنُك هذا الشيء؟

أدونيس: يُحزنني كثيرًا، يمزِّقني بالمعنى الثقافي، لأنه، في التحليل الأخير، لكي يكون الفرد عظيمًا يجب أن يكون شعبُه عظيمًا أيضًا. وأكثر من ذلك، أريد أن أقول إنه من الصعب كتابة شعر عظيم إلا في ثقافة عظيمة. النظام وما يفعله بأفراده، وبنفسه هو أيضًا، لكنْ على مستوى الأحلام العظيمة والإبداعات الكبرى وعلى المستوى الثقافي الخلاق، له أهمية كبيرة. مع الأسف، الأنظمة العربية لا تفعل شيئًا! هناك الآن توجهات نحو إعطاء جوائز، – وهذا شيء جيد، – لكن حتى هذه التوجهات فيما يتعلق بإعطاء جوائز ورصد أموال للعمل الثقافي تتَّجه نحو جعل الثقافة أكثر ارتباطًا بـ"الوظيفية" بدلاً من تحرير الثقافة من الوظيفية. وآمل ألا تتحول هذه العناية التي بدأت اليوم إلى هذا النوع من القتل للثقافة، إلى نوع من "ترويضها" وربطها أكثر فأكثر بالآلة السياسية القائمة.

أ.ع.ز.: تشعر بغربة كبيرة بينك وبين المجتمع الذي تنتمي إليه؟

أدونيس: أشعر بغربة عنه، وأشعر باندماج وذوبان فيه في الآن نفسه. لأنه، مثلاً، إذا سألتك...

أ.ع.ز.: مثلاً، أنت تقول: الأفكار الكبيرة لا يمكن أن تمرَّ بعقول صغيرة، وإذا مرَّت، فهي تصغر بدورها...

أدونيس: طبعًا، أي نص عظيم ينطبق عليه ذلك. القرآن بعقل محمد عبده شيء، وبعقل القرضاوي شيء، وبعقل أبو مصعب [الزرقاوي] شيء آخر! نص واحد يؤمن به الجميع، لكن مستوى هذا النص يختلف باختلاف مستويات العقول. ولذلك فإن النصَّ يكبر ويعظم بقدر ما يكون العقل الذي يتناوله كبيرًا وعظيمًا.

بعدَ هذا التشرُّد ملءَ المدائنِ،
بعدَ السنين التي أرهقتْ كاهليَّ،
أغنِّي لنا لطفولاتنا.

لا أُصدِّقُ أنِّيَ شَيَّخْتُ، أمشي غريبًا
لا عزاءٌ ولا أتشكَّى – لِحُبِّي وموتي
فَلكٌ واحدٌ وأُغْوي
مَنْ يجيئونَ بَعدي
أنْ يُضيئوا بنورِ الجسدْ
ظُلماتِ الأبدْ.
– أدونيس، أول الجسد آخر البحر

أ.ع.ز.: حين تجالسه، يذهب بك في شعاب المعرفة والتاريخ والشعر. ليس من حرج أن تطرق أيَّ باب شئت: فباب الحبِّ رحبٌ يفضي إلى حكايات وحدائق، وباب الشعر عالٍ خلفه ألف قصيدة، وباب الفكر يُفتَح دائمًا على الحرية. لكأن مسار حياته أبواب تفضي إلى أبواب يفتحها على الضوء. وكلما تعثَّر أمام جدارٍ ما، يفتح في قلبه كوة، وكلما علا جدار السجن، كما يقول، تصبح الخطيئة مقدسة!

قصابين، وشقاء الطفولة في مدن الساحل، في القرية، ثم دمشق، حيث هبَّ هوى العشق مع خالدة [سعيد]، رفيقة العمر، صديقةً وحبيبةً وزوجةً ومبدعة، قرأتْه بهوى الفكر. ثم بيروت: بيروت مجلة شعر مع يوسف الخال سنة 1957. (كانت مجلة شعر حجر الزاوية في بناء القصيدة الحديثة.) ثم مواقف: مجلة أخرى أو منبر آخر لموقفه من الثورة، من الحياة، من الوجود، ومن التراث، – حيث يقول في افتتاحية العدد الثالث، العام 1969: "الثوري العربي يحاصره عدوانٌ خارجي مستعمِر ومتطور، وداخلي متخلِّف وطاغية." لكأنه، في كلِّ مرة صاغ افتتاحيةً أو مقالاً أو دراسةً أو معالجةً للموروث أو للمعاصر، كان يضمِّن كلامَه بيانًا من نوع آخر، بيانًا من أجل الحداثة، بمفهومها الشامل، وليس المقتصر على الشعر فقط. نتابع مع أدونيس نحو منابع تأثراته، من بيته العتيق في قصابين إلى بيته الباريسي.


رحلة أدونيس من قصابين – لبنان


أ.ع.ز.: نبدأ الحديث عن التأثرات الأولى. أنت تقول إن الوالد كان قارئًا وشاعرًا. هل انطلقت التكويناتُ الأولى من المنزل؟

أدونيس: من المنزل، نعم. لقد عرفت الشعر العربي على يد أبي أساسًا، واطَّلعت على الكتب الدينية وكتب التصوف أيضًا في البيت بواسطته، وهو الذي فتح لي عالم الشعر. لكني، في النهاية، اكتشفت مع الوقت أنه لم يكن أبًا بالمعنى التقليدي، وإنما كان صديقًا. ولذلك اختلفت معه كثيرًا، واتجاهي الشعري كان مختلفًا عن اتجاهه، واتجاهي الفكري أيضًا كان مختلفًا عن اتجاهه. وأتذكَّر الآن أنه، مع هذا كلِّه، لم يقل لي مرة واحدة: "افعل هذا"، "لا تفعل هذا"، لم يمارس سطوة الأبوة. كان يقول لي: "يمكن لك أن تتخذ قرارًا في أية لحظة ومتى شئت... فليس أسهل من اتخاذ القرار! كل وصيتي لك هو أن لا تتخذ قرارًا إلا بعد التأمل والدرس والصبر: ادرسْ وتأمَّل، ثم خذ قرارك."

أ.ع.ز.: فقدتَه باكرًا، فقد توفي في حادث سيارة؟

أدونيس: فقدتُه باكرًا، نعم، ولم أكن أعرفه جيدًا، لأنه في أثناء حياته كنت أبحث عن طريق أخرى غير الطريق التي نشأتُ فيها بين يديه.

أ.ع.ز.: وصرتَ أبًا مكانه، إلى حدٍّ ما، أقصد في موقع المسؤولية عن العائلة، الأم، الإخوة؟ قلت لي إن الوالدة لم تزل شابة – 104 سنوات، اخزِ العين!

أدونيس: ولِدَتْ هي في سنة 1905 أو 1904. ومع أن عمرها الآن 104 سنوات فهي لا تزال قوية، وأتحدث معها بالهاتف.

أ.ع.ز.: طيب، أستاذي، بعد قصابين وسنوات الطفولة، كانت دمشق هي المحطة الثانية. دمشق كانت سنوات التفتح والأسئلة الثانية؟

أدونيس: دمشق كانت للتعلم في الجامعة فقط. طبعتْ حياتي سيدةٌ أدخلتْني إلى الوسط الثقافي – وأنا مدين لها – هي السيدة عبلة خوري؛ ساعدتْني كثيرًا، وأنا بهذه المناسبة أحيِّيها! سنواتي في دمشق كانت محدودة، أربع أو خمس سنوات فقط، أي السنوات الجامعية، بين أعوام 50-54.

أ.ع.ز.: سُجِنتَ في تلك الفترة؟

أدونيس: لا، سُجِنتُ في العام 55 بعدما تركتُ الجامعة. قلت: سأذهب لتأدية خدمة العلم. ذهبت للقيام بخدمة العلم، وكان ذلك في مدرسة ضباط الاحتياط في حلب. كنت في حلب في أثناء حادثة اغتيال المالكي، فاعتُقلت. قلت: ماذا؟! ما علاقتي بجريمة وقعت على بُعد 400 كيلومتر؟! طبعًا...

أ.ع.ز.: كنتَ آنذاك على صلة بـ"الحزب القومي"...

أدونيس: كنتُ على صلة آنذاك بـ"الحزب القومي". وهكذا أمضيت في السجن حوالى سنة، دون استجواب، ودون محاكمة، ودون أيِّ شيء...

أ.ع.ز.: تذكر أن خمس دقائق على الحدود السورية–اللبنانية قد غيَّرت مصيرك كلَّه. أظن ذلك في أثناء العام 56، خلال العدوان الثلاثي؟

أدونيس: تمامًا، في 15 أو 16 أكتوبر 56، لا أذكر بالضبط... لم أكد أجتاز الحدود السورية إلى الحدود اللبنانية حتى أُعلِنَ النفيرُ العام في سورية، واستُدعِيَ جميعُ ضباط الاحتياط إلى الخدمة، لكنْ أنا كنت في الجهة الثانية!

أ.ع.ز.: بتقديرك لو حدث ذلك يعني...

أدونيس: كان مصيري تغيَّر كله.

أ.ع.ز.: متأكد؟

أدونيس: متأكد.

أ.ع.ز.: يعني ما كنت أدونيس الذي هو الآن؟!

أدونيس: أعتقد أن مصيري توقَّف على تلك الدقائق الخمس. فقد كانت الحياة آنذاك في سورية لا تُعقَل، لا تُطاق، على أيِّ مستوى من المستويات: الإنسان لا قيمة له، والفكر لا قيمة له، ولم تكن لأيِّ شيء أية قيمة!

أ.ع.ز.: تقول إن دمشق هي "مدينة مساوَمة"، "مدينة تسوية"، لا مدينة تفجُّر وانبثاق وانبعاث وحيوية، وبيروت مدينة البدايات. "أخشى أن تتعرض بيروت لذلك" – هذا ما تقوله أيضًا في حوارك مع صقر أبو فخر...

أدونيس: تمامًا... وهذا ما وقع في بيروت وعرَّبتْه السياسة. لا عاصم للبنان، ولبيروت بالأخص، إلا ثقافتها. وأنا أستغرب، مثلاً، كيف أن لبنان القائم على هذا التنوع البشري، الذي هو في أساسه تنوع ثقافي، – كيف ينسى القاعدة الثقافية لهذه العائلات البشرية ولا يأخذ منها إلا الجانب السياسي فقط؟! تحويل ينابيع إلى صهاريج! وبدل أن تكون بيروت مجموعة من الينابيع صارت مجموعة من "الحصص" من الصهاريج. لنقل حُبِسَ الماءُ الحي في بيروت بالطائفية وبالطوائف. وأنا أتساءل باستمرار: لماذا هذا النسيان الكامل للأسُس التي سوَّغتْ أصلاً قيام لبنان ككيان سياسي؟ فلا يُفهَم لبنان سياسيًّا إذا لم يُفهَم من خلال هذا التنوع أو هذا الغنى الثقافي الطائفي. لكن مع الأسف...

أ.ع.ز.: تقصد أنك وجيلك والجيل الذي تلاكُم وضعتُم حجر أساس لم يستفد منه أحد، أي ذهب هباءً ذلك الجهدُ في التحديث...

أدونيس: حتى اللبنانيون أنفسهم، فيما سُمِّيَ بـ"عصر النهضة"، طرحوا كلَّ الأفكار الجديدة فيما يتعلق باللغة، فيما يتعلق بالعلاقة مع الآخر، فيما يتعلق بأفكار التقدم، فيما يتعلق ببناء المجتمع وفصل الدين عن الدولة – كل هذا فعله اللبنانيون! لكن الآن كل شيء...

أ.ع.ز.: عاد إلى نقطة الصفر؟...

أدونيس: عاد إلى أسوأ، عاد إلى ما هو أسوأ!

أ.ع.ز.: "تعربت" بيروت، يعني؟

أدونيس: بهذا المعنى قلت...

أ.ع.ز.: تخشى أن تتعرَّب. الكلام الذي قلتَه من سبع أو ثماني سنوات...

أدونيس: لأن نموذج لبنان ضد الواحدية، والنظام العربي قائم على الواحدية.

أ.ع.ز.: يعني العرب يخشون من لبنان، بتقديرك، أقصد الأنظمة العربية؟

أدونيس: نعم، أعتقد أنهم لا يطيقون هذا النموذج. يطيقه المفكِّرون والكتَّاب والأدباء، لكن لا تطيقه الأنظمةُ كأنظمة. ومن جانب آخر، أصبح له عدوٌّ جديد أشد بأسًا من العداء العربي، هو العداء المضمَر لإسرائيل. إسرائيل لا يوافقه أن يكون إلى جانبه نظامٌ عَلماني، تعددي، متسامح، متنوع، منفتح، – وهو النظام المغلق الواحدي، – بل توافقُه أنظمةٌ مثل الأنظمة العربية القائمة اليوم أكثر مما يوافقه نظامٌ متنوع متعدِّد كلبنان.

– آهِ، كلاَّ
لا أُريد لعينيَّ أن تَسْبَحا في فضاءٍ
غير عينيْهِ. كلاَّ
لا أُريد لحبِّي وأشيائه وضوحًا
لا أُريد انتماءً ولا نَسَبًا أو هويَّهْ.

لا أُريد سوى أن نكونَ لغاتٍ
للجموح، وأعضاؤنا أبجديَّهْ.
– أدونيس، أول الجسد آخر البحر

* * *

لحظةٌ – كَيْ أقولَ وداعًا
للبلادِ التي أنتمي إليها،
لحظةٌ يتحوَّل فيها
كلُّ شيءٍ إلى ذكرياتٍ.

هل سأبدأ من أوَّلٍ؟ أين؟ لا دجلةٌ تتراءَى
والفراتُ عصيٌّ على أيِّ حبٍّ.

هو ذا أترقَّبُ – (آهٍ،
كم ترقَّبْتُ!) ماذا؟
ما الذي يتجلَّى؟
أهنالكَ شيءٌ تَبدَّى، أهنالكَ شَخْصٌ بدا؟
إِتَّعِظْ اتَّعِظْ وتَعلَّمْ
أيُّهذا الفسيحُ البهيُّ المدَى.
– أدونيس، الكتاب Iii


**************************
أجرى الحوار: أحمد علي الزين
عن برنامج "روافد"، قناة العربية، 07 و14/09/2007

صفاء ابو صالح
05-15-2008, 11:59 AM
هذا هو اسمي

أدونيس

***

ماحيًا كل حكمةٍ هذه ناريَ

لم تبقَ - آيةٌ - دميَ الآيةُ

هذا بدْئي

دخلتُ إلى حوضكِ أرضٌ تدور حوليَ

أعضاؤكِ نيلٌ يجري

طَفَونا ترسَّبْنا

تقاطعتِ في دمي قطعَتْ صدركِ أمواجيَ

انْهصرتِ لنبْدأ: نسيَ الحبُّ شفرَةَ الليل هل

أصرخُ أنَّ الطوفان يأتي? لِنبْدأ: صرخةٌ

تعرج المدينةَ والناسُ مرايا تمشي إذا عبَر الملحُ

التقينا هل أنتِ?

- حبِّيَ جرحٌ

جسديَ وردةٌ على الجرح لا يُقطَفُ إلاّ موتًا. دمي

غُصُنٌ أسلم أوراقَه استقرَّ...

هل الصخرُ جوابٌ? هل موتكِ السيدُ النائم

يُغْوي? عندي لثدييكِ هالاتُ وَلوعٍ لوجهك الطفل

وجهٌ مثلهُ... أنتِ? لم أجدكِ.

وهذا لهبي مَاحيًا

دخلتُ إلى حوضكِ عندي مدينةٌ تحت

أحزانيَ عندي ما يجعل الغُصنَ الأخضرَ ليلاً

والشمسَ عاشقةً سوداءَ عندي...

تقدَّموا فقراءَ الأرض غطّوا هذا الزّمان بأسمالٍ

ودمْعٍ غطّوهُ بالجسد الباحث عن دفئِه... المدينةُ

أقواسُ جُنونٍ رأيتُ أن تلدَ الثورة أبناءَها, قبرت

ملايين الأغاني وجئتُ (هل أنتِ في قبريَ)? هاتي

ألمسْ يديكِ اتبعيني.

زَمني لم يجىءْ ومقبرة العالم جاءت عندي

لكل السلاطين رمادٌ هاتي يديك اتبعيني...

قادِرٌ أن أغيِّر: لغْمُ الحضارة - هذا هو اسْمي.

(لافتة)

... وقفت خطوة الحياة على باب كتابٍ محوته

بسؤالاتِيَ ماذا أرى? أرى ورقًا قيل استراحت فيه

الحضارات (هل تعرف نارًا تبكي?) أرى المئة اثنين

أرى المسجدَ الكنيسةَ سيّافيْن والأرض وردةً.

طار في وجهيَ نَسْرٌ

قدَّستُ رائحة الفوضى

ليأت الوقتُ الحزين لتستَيْقِظْ شعوب اللهيب

والرَّفض

صحرائيَ تنمو أحببتُ صفصافةً تحتارُ

بُرْجًا يتيهُ مِئْذنةً تهرمُ أحببتُ شارعًاصَفَّ لبنانُ

عليه أمعاءَهُ في رسومٍ ومرايا وفي تمائِمَ

قلتُ الآن أُعطي نفسي لهاوية الجنس وأعطي

للنار فاتحة العالم قلتُ استَقِرَّ كالرمح يا نيرون

في جبهة الخليقةِ روما كلُّ بيتٍ روما التخيُّل

والواقع روما مدينةُ الله والتاريخ قلتُ استقرَّ

كالرمح يا نيرونُ...

لم آكل العيشَّة غير الرّملِ, جوعي يدورُ كالأرضِ

أحجارٌ قصورٌ هياكلٌ أتهجّاها كخبزٍ رأيت

في دميَ الثالثِ عينيْ مُسافرٍ مزج الناس بأمواج

حلمِه الأبديِّ

حاملاً شعلةَ المسافات في عَقْلٍ نبيٍّ وفي دمٍ وَحْشيِّ.

... وعليٌّ رَمَوْهُ في الجبِّ غَطُّوهُ بقشٍّ والشمس

تحمل قتلاها وتمضي هل يعرف الضوءُ

في أرض عليٍّ طريقَهُ? هل يُلاقينا? سمعنا دمًا

رأينا أنينًا.

سنقول الحقيقة: هذي بلادٌ

رفعت فخذَها

رايةً...

سنقول الحقيقة: ليست بلادًا

هي إصطبلنا القمريّ

هي عُكَّازة السّلاطين سجَّادةُ النبيّ

سنقول البساطة: في الكون شيءٌ يسمّى

الحضور وشيءٌ

يُسمى

الغيابَ نقول الحقيقةَ:

نحن الغيابْ

لم تلدنا سماءٌ لم يلدنا ترابْ

إننا زَبدٌ يتبخَّرُ من نَهَرِ الكلماتِ

صدأٌ في السماء وأفلاكها

صدَأُ في الحياةِ!

صفاء ابو صالح
05-19-2008, 08:40 PM
عن منتدى دار كشكول




مفرد بصيغة الجمع

أدونيس

1

لم تكن الأرض جرحًا كانت جسدًا

كيف يمكن السفر بين الجرح والجسد

كيف تمكن الإقامة?

2

كان لإقامته بين الشجر والزَّرْعِ شحوبُ

القصب وسَكْرَةُ الأجنحة

تآصَرَ مع الموج

أَغْرى بِهدأة الحجر

أَقْنَع اللّغَة أن تؤسِّس حِبْرَ الخشخاش

وكان سُلَّمٌ يقال له الوقت يتكىء على اسْمِه ويصعد

نبوءةً

نبوءةً

من الأجنحة يخرج الأثير

من المصادفة يخرج الحتْم

لكن

أيتها الشمسُ.. الشمسُ ماذا تريدين مني?

وجهٌ يجتمع بُحيرةً يَفْترق بجعًا

صدرٌ يرتعش قبّرةً يهدأ لُوتَسًا

حوضٌ يتفتّح وردةً ينغلق لؤلؤةً

تلك هي أدغالُ الهجرة وراياتُ القَفْر

وللنهار يدا لعبة

وللفَلكِ نَبرةُ المهرِّج

لكن

أيتها الشمسُ.. الشمسُ ماذا تريدين مني?

يلبس الموتُ حالةَ البنفسج

يسكن النّرجسُ آنيةَ الثلج

يحلمُ أن الحبّ وجهٌ

وأنَّه مرآتُه -

الحجرُ برعمٌ, الغيمةُ فراشةٌ

وعلى العتبة جسدٌ - شرارَةٌ لقراءة الليل

ليس الموتُ عزلةَ الجسد

الموتُ عزلةُ ما ليس جسدًا

لكن,

أيتها الشمسُ.. الشمسُ ماذا تريدين مني?

أَبحث ُ عما لا يلاقيني

باسمه أنغرسُ وردةَ رياح ٍ

شمالاً جنوبًا شرقًا غربًا

وأضيفُ العلوَّ والعمق

لكن, كيف أتجه?

لعينيَّ لونُ كسرة الخبز

وجسدي يهبط ُ نحو داءٍ له عذوبةُ الزّغب

لا الحبّ يطاولني

ولا تَصل إليَّ الكراهية

لكن,

كيف أَتَّجه? وماذا تريدين مني

أيتها الشمسُ ..الشمس?

3

يمحو وجهَه - يكتشفُ وجهه

يتقدَّم الخطفُ تلبسكِ فتنةٌ بفجرها الأول

يتقدّم الوقتُ.. أينَ المكان الذي تُزْمِنُ فيه الحياة?

تتقدَّمُ العتمة أيّةُ رَجَّةٍ أنْ أوزِّعكِ في كريّات دمي

وأقولَ أنتِ المناخُ والدّورة والكُرَة

أيّة زلزلة?

يتقدّم الضوءُ يُلْيِلُ في أنحائي

أنقطعُ.. أتَّصل

والوقتُ يأخذ هيئةَ البشَرة

يخرجُ من الوقت

وسقطَ

غزوكِ

عليّ

وشَهَقَتْ إليكِ أحوالي

لماذا حين دخلتِ أخَذَتِ الحقول تشتعل وكانت

يدايَ أوَّل النار,

ولماذا, كلّ ليلةٍ,

كنت أحملُ زَغَب نهديكِ لليلةٍ مقبلة?

أُدخلي

وعلى ركبتيكِ

ترابٌ وفي الطريق إليك - إليّ

الجبالُ

وسَرْوُ المنحدرات

وشرْبينُ الأودية أقول نلتقي - نفترق

وأَستجمعُ أنحائي:

أيها الحَنْظَلُ المتناثرُ ملحًا على موائد الإباحة

أنت َالعذوبةُ وأمنحكَ طعميَ الأول.

جسدُك ِ التّيهُ.. أخرج

وأسفارُ خروجي أنتِ

آخذكِ أرضًا لا أعرفُها

تلالاً وأوديةً تغطّيها نباتاتُ البحث

امتدادات غامضةً

وآخذكِ واقفًا

قاعدًا

راقدًا

ولا أقنع بغيركِ

آخذكِ

في تنهداتي

في اليقظة والنوم

في الحالات الوسيطة

وفي ما يُعدّه لي الوقت

آخذكِ

ثنيّةً ثنيّةً

وأفتتح مسالكي

أتمدَّد فيكِ لا أصل

أتدوّر لا أصل

أتسلَّك أنتسجُ لا أصل

أصلُ من أقاصيكِ لا أصل

ما بعد المسافاتِ أنتِ ما بعد المفازات

أنتِ أين وهل وماذا وكيف ومتى وأنتِ

لا أنتِ

انْبسطي على جسدي وانْغرسي

خليّةً في خليَّة

عرْقًا في عِرْق

ولتخرجْ منكِ آلاف الشفاه

آلاف الأسنان

ولتكن غيرَ معروفةٍ لتكونَ على قَدْرِ حبِّنا

( ... )

وأكون علّقتُ صورتكِ بجميع الصور

ويكون جاءني الكشف وقلت:

هذا لقاؤنا الأخير

من أنتِ?

آخذكَ

حيوانًا

يضع السّمَّ في شفةٍ

والبلسمَ في شفةٍ

وكلّ ليلةٍ, أقول

هذا لقاؤنا الأول

أيها الأحد

ق

م

ر

ش ع ش ا ع

وليس لي معك غيرُ الهواتف

وغيرُ البوارق

وما يطوف

ويهتزّ جسدي بالكُنْهِ اللازمِ له

والملكاتِ الواجبة في أشيائه

وأصرخُ: أنتَ الهباءُ

وأنت القادِر

من أنتَ?

جسدٌ يكبَرُ في الخَزَام والخالدة

ينحدر يعلو يَسْتشرف

يجمع الضّفاف ويقرأ هذَيان القصب

جَسَسْتُكِ بِعينيَّ

رقصًا يتقدَّم في خطوات الفصول

تنهّدتُ في ناردينٍ

وأخذتْ أشكالٌ تروح وتجيء في لُججِ

الخاصرة يصطدم الغريق بالغريق

أخرج من الخيزران

أَدخل المِدقّة

أتغلغل في أخْبية القاعدة

حيث يكمن البيضُ وينتهي قَلَم السمَّة

أتجمّع كما يتجمّع اللّقاح

أخلعك أتزيّا بكِ

أنسلخ منكِ أتَّحد بكِ

وأخلق بيني وبينك

خداعًا بعلوّ الشمس

رياءً يكسر الزَّمن غصنًا غصنًا

من أنتِ?

تحت البَشرة الهويّةُ

في شراييني خَبْطةُ المسّ

أتدحرج بين أنا الجمر وأنا الثلج

وبين

الياء

والألف

أَتدلى

أَخلق في اليوم يومًا آخر

وأَربط بحبل الدقائق أهوائي

تقول المرآة اكسريني

تقول الخطوات قيِّديني

وبين آلة الموت وحيوانِ الألفاظ

أَنْغرسُ أنجذرُ

وأَلعب نَرْدَ الطبيعة.

4

(...)

دائمًا

كان

بيننا

مسافة قلنا

يمحوها اللهب الذي نسميه الحبَّ

والتصقَ النهار بالنهار الليلُ بالليل

وبقيت بيننا مسافة

أطفأنا ما لا ينطفىء

أشعلنا ما لا يشتعل

وبقيت بيننا مسافة

وفي ساعات التحام الشهيق بالشَّهيق والنطفة بالنطفة

بقيت بيننا مسافة

أيّها الحب, أيها النسل المنطفىء

تَقدّمْ واجلس على ركبتيَّ - ركبتيها

خُذْ إبرَ الدمع وانسُجِ الماء

تحيّينا أجراس الرَّغبات

نبتكر موتًا يطيل الحياة

نبتكر خداعًا بعلوِّ الطفولة

رياءً بصدق الشمس

من نحن?

يجمعنا جسرٌ لا نقدر أن نعبره

يوحّدنا جدارٌ يفصلنا أدخل فيكِ أخرج منّي

أخرج منكِ أدخل فيَّ

ما أبنيه يَهدِمني

تشبّهتِ لي أَنَّك الفضاء

وأَضْغَثْتُ الرؤيا

أمسكتُ بوردةٍ هبطتُ واديك انتظرت

بيننا نهرٌ والجسر بيننا نهر آخر

سمعتكِ تسألين: أيّنا الكبدُ

أيّنا النواح?

اختلطتِ بالجَزَعِ وأعشاشه

صرختِ اتّحدنا كرةً من النار

انْطفئي الآن أَنطفىء الآن

لِنعرفَ نعمة الجمر

نمحو وجهينا نكتشف وجهينا

هواجس

أصدافًا

مرايا

ننفذ عِبرَها إلى شخوصنا الثانية

نفتح صدرينا للأكثر علوّاً

ينفتح لنا الأكثر انخفاضًا

ويدخل كلانا في برج الوحْدنة

في عزلة عصفورٍ يُحتضر

ويتذوَّق كلانا طعم الآخر

وتسكر أعضاؤه بالحياة لحظةَ يسكر الآخر

بالموت

وكلانا يُسِرّ نعم لحظةَ يجهر لا

ويُسرّ لا لحظةَ يجهر نعم

كيف تغسلين جسدك ويزول ماؤك الثاني?

كيف أغسل جسدي ويعود لي مائي الأول?

أنا سؤالكِ

ولستِ أنتِ جوابي

عرَّفتكِ بحنيني

بشرَّتك بِه وربطتك بنفسي

لكي يتحرَّك جسدكِ حركة الحكيم

وأتحرّك به

بما فوقه

بما تحته

وبالذي بين يديه

لكي أحيطَ بكِ إحاطةً تخلَّصني من كل قاطعٍ

يقطعني عنكِ

أقرأَ كتاب كنهكِ

أتطوّرَ في أصولكِ

أذوقَ موجوداتها

وأشخَّصَهَا في أوهامي

لكي تكوني النقطة

وأكون الخطّ والشكل

لكي تكوني مِنْ وما يتلوها

عَنْ وما عندها

حيث لا تسعني الكلمات

حيث لا يسعني غير التخييل والرمز

لم أقصدكِ

لستُ بحركِ

لست البجع الذي تنتظرينه

وليس لي غير أطرافٍ

أطراف تتيهُ

تتوه في حُمَّى لم أكتشف حدودها بعد.

محوتكِ - اكتشفتكِ

بسطت على الورق أجنحتي واستدعيتكِ

قلتُ: الموت شيخ

من أين له بعد أن يلحق بنا?

قلتُ: جسدي شمالٌ والزمن جنوب

كيف لهما أن يلتقيا?

ولكِ أَماميَ الذي لا يهرم

ولك أبديّة الجهات الباقية من أعضائي

ولكِ منحتُ عينيَّ الأرقَ ويأسيَ النوم

ولك ساويتُ بين الصحراء والبحر

العينِ والشّوك

ولكِ استثنيتُ المعنى من حشود الكلمات

وسمّيته الصورة

ووفاءً لأسمائك التي أنزلتها سلطانًا

قلت للأبجدية: تشهَّيتِ ووحَّمْتكِ

ولكِ غيْرتُ وأقنعت سنواتي أن تكون جمرة التغير

ولكِ استوهَبْتُ اللهبَ أخطائي وأقنعت الجسد

أن يكون مجدَ الصفات

ألتهمكِ خليّةً خليَّةً لا تروينني

أَحتويكِ نبضةً نبضةً لا راحةَ لي فيكِ

لا الغيرة تفصلني عنك لا الكراهية

يفصلني شعور لا اسْمَ له

وأنتِ الآن الزّمنُ والموت:

من أين لي أن أَسترجعكِ?

تُحتضرينَ أندفع نحوكِ

أجسُّ بقاياكِ

وألمس كيف ترحلين

لم

أكن

لستُ إلا رذاذًا يُشهيَّ

كنت البطيءَ وسبقتْني ثيابي

موتي سُلَّمٌ لجسدي وجسدي بلا قرار أين أثبت?

أثبتّ السّحاب قلتُ للزبد أن يكون

مفتاحَ الموج أين أثبت?

ليس الاسم جذرًا ليس الجذر امرأةً ليس أين أثبت?

القشُّ يأتزر بالورد والكلمات تكسر صلبانها أين أثبت?

وجاءني الأفق سَمَّى نفسه بِاسْمي

ليس الاسم حضنًا

ليس الحضن امرأةً

آخذ شفتيَّ منكِ هذه الليلة

أيتها الأرض الوَحْمى ولا حَبَل,

لأعرفَ كيف تهطلين أيتها الصحراء

كيف تزدادين اتساعًا

لأعرفَ حَتْمَ اليأس

لأعرفَ كيف نحبّ دون أن نحبّ

كيف يذبل ما تسمَّى بأسمائنا الأولى

وارتوى بما حسبناه لا يعرف الذبول

الجرح دلتا

البلسم ألف

والجسد حروفٌ بلا نقاط

أيّة هاوية تَتّسع لأعضائي

ليس للمكان قصبةٌ لأتوكّأ

ليس في مناخهِ غيومٌ لأتوسّمَ المطر

وها أسمع في جسدي

جذوعًا تَنْبتر

وأشلاءَ تَتطاير

وها أنسكب في شظايايَ

وأَسترخي

أيّها الحبّ - الرأسُ الذي يَشجُّه الجَسد عرقًا عرقًا

أيها الحب, يا أرومةَ الماء

اتّسعْ

كن الهباءَ والشمس

وأثْبِتِ الغُبار بالغبار.

تمرحَلْ, أيها الجسد, من الآن إلى الموت

- متى وُلدتَ, ما عمرك?

تَمدَّدْ, أيها البخار, يا دمي ورافق استطالاتي

ثمة أمواجٌ تقبل من شواطىء غير مرئية

تقول إنّها استطالاتي

ثَمَّة صلصالٌ غيَّر اسمه

حَرْفٌ خرج من صوته

أُفقٌ على شَفَا الأفق

تقول إنها استطالاتي

وبين العصب والعصب صَحَارى

تقول إنها استطالاتي

وأنتِ, يا زهرة الآلام امْنحينيَ احتمالاتٍ أخرى

كوني أمومةً زهرةً بآلاف الأَسْدية والمِدَقَّات,

الكؤوس والتّويجات

امْنحيني - اذْكري وجهي

كنتِ تَنْحنين عليه كلّما جمعنا ماءٌ أو هواءٌ

لِنقرأ الموت

تمتزج رائحتانا

تنمو أطرافُنا توائمَ توائمَ

أقول لكِ: تَموتينَ مأخوذةً بالماء

تقولين لي: تموت مأخوذًا بالشمس

لكن,

لحظةَ تذبلين بين عينيَّ

يفصلنا لَهَبٌ لَهَبٌ لَهَبٌ

ومتاهاتُ الأحد السبت الجمعة الخميس

أصِلُ فيك الشهوة بطعم التراب

والفرحَ بنكهة الموت

وها هو جسدي

موشومًا ببقع الحسرة

يزحف بين كلماتي

تتكاثفُ أدغال الأرق

تعلو أمامي الجبالُ

الشجر ينام

ولكلِّ حصاةٍ أذنان تُصغيان إليَّ.

توهَّمتُ أنَّ اليدَ يَدٌ وأنَّ الوجهَ هو الوجه

وكان هذا تعاطفًا مع الرمل.

الجسدُ يتذكّر الحبّ ينسى

الحبّ أن نذهب الجسدُ أن نجيء

الحبّ أن نستوهم الجسدُ أن نتَبلبل

الحبّ - هذا الهَزْل الكوني

من أجل أن يظلَّ الأبد مشقوقًا

من أجل أن نُهَسْهِسَ الشّكّ.

7

باسم جسدي الميت - الحي الحي - الميت

ليس لجسدي شكلٌ

لجسدي أشكالٌ بعدد مَسَامِّه

وأنا لا أنا

وأنتِ لا أنتِ

ونصحّح لفظَنا ولسانيْنا

ونبتكر ألفاظًا لها أحجامُ اللسان والشفتين,

الحنَكِ

وأوائلِ الحنجرة

ويدخل جسدانا في سديم دَغَلٍ وأعراس

يَنْهدمان

يَنْبنيان

في لُجّةِ

احتفالٍ

بلا شكل

بطيئًا سريعًا

نحو ما سميناه الحياة

وكان فاتحةَ الموت.

باسم جسدي الميت - الحي الحي - الميت

ارتفع السَّرْوُ بين الاسم والوجه

عادت اللغة إلى بيتها الأول

كان الحب قبرًا دخلتُ إليه وخرجتُ

كان القبر نزهةً لراحة الأوردة

ومات النحو والصرف

وحُشرا بين يَديْ أول قصيدة كتبتها وآخر قصيدة

وأخذ الحَشْرُ يحكم ويَفْصل

يبرّئ ويَدين

لكي يأتي الليلُ

يشرد النهار خارج النهار

لكي يأتي النهار

يشرد الليل خارج الليل

لكي تحتفظ الأرض بذكرى العشب

تَتَغطَّى بالقش

باسم جسدي الحي - الميت الميت - الحي

للجسد أن يفصل بين جسدي وجسدي

له أن يعتقل عضوًا بعضو

يحارب خليّةً بخلية

له أن يزرع دمي ويحصده

وللجسد أن يكون جسدي

ضِدّ جسدي.

8

( ... )

سلامًا لآلاتٍ غير مرئية أَبتكرها لأبتكر أجسادي الأخرى

قلوبي الأخرى

سلامًا لكوكبي الجالس على طرف القيد

يتَّخذ من قدميَّ وذراعيَّ حدودًا وأعلامًا

سلامًا لوجهي يتبع فراشةً تتبع النار

// هل أفصل نفسي عن نفسيَ

هل أجامعها / هل الجما

عُ لحظة انفراد أم لحظة ازدوا

ج? هل آخذ وجهًا آخر? وما

ذا يفعل جسد تبقّعه جراحٌ لا تلتـ

ـئم? إنها الصحراء

تطبق عليّ, وها هو

الجرادُ يَحْتَنِكُ أطرافي //

أجلسْ, أيها الموتُ, في مكانٍ آخر

ولْنتبادَلْ وجهينا

أصنع نبضي نسْغًا لأبجديتي

أسوّيك الجلد

أسمّيك النظر

طعمَ الأشياء

( ... )

وأقول باسمكَ:

ابتسمْ, أيها النهر, لجفافك

امرحي, أيتها الزهرة, بين الشّوكة والشوكة

وأقول باسمكَ:

في الرّماديّ أفتحُ جسدًا أتجوّلُ في أرجائه

حيث يتمشّى قوس قزحٍ بخطوة الطفل

ويكون لخيالي أن يفترسَ عينيَّ

ويهدم الجسورَ بيني وبين ما حولي

ويكون لي أن أصعدَ وألتقفَ الهواءَ المحيط.

وأقول باسمكَ, هامسًا لأشباحك:

أيتها العطور التي تفرز الرّغبة

تزيّني

واسْتهويني.

وأقول باسمكَ:

دائمًا على شَفَا الجنون

لكنني لا أُجنّ.

اجلسْ, أيها الموت, في مكانٍ آخر ولنتبادل وجهينا

أُسمّيك الجسدَ وأسأل

كيف أعيش مع جَسَدٍ أتَّهمه

وأنا المتَّهَمُ والشاهِدُ والحكَم?

وأسميكَ جسدي

وأرى إليك إليه يتفكَّك ويتركَّب

السَّاعد فخذٌ

المعصم كاحِلٌ

اليد قَدمٌ

الكتف مِرْفقٌ

وما تبقَّى غيرُ ما تبقَّى

وأستسلمُ, أنا الراسخ,

كانهيارٍ ثلجيّ

عنقي يهبط في التّرقوة

وتهبط هذه في الصدر

ويهبط الصدر في ليل الرّدفين

والرِّدفان في شمس الأحقاء

وتكون الأحقاء رصاصًا يرسب في أطراف

الساقين وتتَنَوَّرُ بأعضائي أعضائي.

وتقول باسمي:

أسميكَ عاشقًا

وجْهًا إلى الحيوان

وجهًا إلى النبات

وأصغي إلى هذيانك يطلعُ

في لهاث العناصر:

دال تاء

- بحسب حركاتكَ يجري أمري

والليل والنهار بريدي إليك

يتراكضان كمُهرين في سباق

كيف أقمع هوائجي

والحاجة إليكَ هتكتني?

واو نون

- كيف أقمع هوائجي

والحاجة إليكِ هتكتني?

تبكين?

- لا تحرق النار موضعًا مَسَّهُ الدمع

لذلك أبكي

ينبت القرنفل في الدمع

لذلك أبكي

وأمس قرأت: (كلّ شهوة قسوة إلاّ

الجماع يُرقِّقُ ويُصفّي)

لذلك أبكي.

سين ألف

- أدخلي, كأنك نقبتِ الجحيم وخرجت منها

أو كأنك امرأة تشتري العطرَ بالخبز

أُحْصيك وأستقصيكِ

أُزمِنُ فيكِ وأُكوكب حولك أعضائي

وكنت صادَفْتُ نفسي فيكِ

وحين تبعتكِ

قلتُ: النَّفَسُ يتبع بعضُها بعضًا.

لكن,

لماذا أنا كثيرٌ بنفسي قليلٌ بكِ?

لماذا, كلما اقتربْتِ إليّ, أشعر كأنّ عضوًا يسقطُ مني?

مع ذلك, ادخلي

لا يزال جسدي رطبًا بذكركِ

وكيف أقمع هوائجي

والحاجة إليكِ هتكتني?

وأقول, باسمك, لجسدها:

جسدكِ صوتي أسمعه

نظري أتشرد فيه جسدكِ رحيلي وكل خليّةٍ منطلَق

جسدكِ مرفأي وأضلِّل المراسي جسدك الصخر يستبقيني

الغبارُ يطير بي

جَسدُكِ هبائي

ويظلِّلني

جسدك فضاؤكِ وأنا وحُوشهُ المجنّحة

جسدكِ قوسُ قزحٍ وأنا المناخُ والتحوّل.

وأسأل, باسمكَ:

أَصْحَرْتُ لا مأوى

اسْتَأْسَنْتُ من يُطهّرني?

من يعصمني من العبارةِ

تكدر,

من الإشارة

تضمحلّ

وكيف يتحرّر القفص?

وتقول, باسمي:

أَبْدع لجسدك ما يناقضه

كُنِ الهباءةَ والحصاةَ في جسدٍ واحد

أكمل جسدَكَ بنفيه

ولتكن اللّغةُ شكل الجسد

وليكن الشعر إيقاعه.

إجلسْ, أيها الموت في مكان آخر ولنتبادل وجهينا

أقول باسمك وباسمي:

نُضلِّل الحياة وهي التي تقودنا

ماذا أفعل

وجسدي أوسع من الفضاء الذي يحتويه

أنا الباحث

وليس أمامي غير الموت?

ونقول باسمها وباسمك وباسمي:

تجوهرتُ بكِ

وكنت أطمح إلى التبدّد

وفتحتك بجسدي لكن,

بماذا أختمك?

ومع أنني مَشُوبٌ بكِ

فأنا شيءٌ لا يستند إلى شيء

ليس مربوطًا

ولا ملتحمًا

ولا حالاً

لكنني أسيلُ لا أقف

وجسدي رمَى إذ رمى

بقاب قوسين

وأنا الصَّحيحُ المريض برزخُ الجنس

استوليتُ

إلبْتُ الكَمَّ والكيف

فُتُّ ما يُقال

مع ذلك,

عييت من تصوّرِك على أنحاءَ ومراتب

وأعوذُ بأسمائنا من علم اليقين

(أليقينُ شَرَكُ الضمائر

والمعرفة

أن

تعلم وتجهل)

هكذا أتحرّك في سلاسل جنوني وأنوّع الحلقات

هكذا أيّها الثابت

المتبدّل

المتصوّن

يا جسدي

وكذا

وكذا

وكذا

هكذا أسأل:

أنتَ صِراطي كيف أقطعك?

أو

أسأل:

هل أنتَ حكايةٌ محرَّفةٌ ومكذوبةٌ عليَّ?

هكذا,

أُنكر ما يفرّقني

وما يجمعني

وأقول باسمكَ:

أنا الماء يلهو مع الماء .

صفاء ابو صالح
05-21-2008, 09:10 AM
أوّل الجسد آخر البحر
أدونيس

- 1 -

خَرَجَ الوردُ منْ حوضِه

لملاقاتها،

كانتِ الشمسُ عُريانةً

في الخريفِ، سِوَى خَيْطِ غيمٍ على خَصْرِها.

هكذا يُولَدُ الحبُّ

في القريةِ التي جئتُ مِنْها.

- 2 -

نهضتُ أسْألُ عَنْكِ الفجْرَ: هَلْ نَهضَتْ؟

رأيتُ وجهَكِ حولَ البيتِ مرتَسِماً

في كلِّ غصْنٍ. رميْتُ الفجرَ عن كَتِفي:

جاءَتْ

أمِ الحلمُ أغواني؟ سألتُ ندىً

على الغصونِ، سألتُ الشمسَ هَلْ قَرأَتْ

خُطاكِ؟ أينَ لمسْتِ البابَ؟

كيفَ مَشى

الى جوارِكِ ورْدُ البيتِ والشجرُ؟

أكادُ أشطرُ أيّامي وأنْشَطِرُ:

دَمي هناكَ وجسمي هَا هُنا - ورقٌ

يجرُّهُ في هَشيمِ العالَمِ الشَّررُ.

- 3 -

صامتٌ ليلُنا.

مِنْ هُنا زهرٌ ينحني

مِـنْ هنـالك ما يُشبـه التَّلَعثُمَ.

لا رَجَّةٌ. لا افْتِتانْ.

ليلُنا يتنهّد في رئتَيْنا

والنوافذ تُطبِق أهدابَها.

- تقرأين؟

- ضع الشايَ. ضوءٌ

يتسرّبُ مِنْ جسدينا الى جسدينا

ويغيّر وجْهَ المكانْ.

- 4 -

هكذا - في عناق الطّبيعةِ والطَّبْعِ، نعصفُ أو نَهْدأُ

لا قرارٌ، ولا خِطَّةٌ، - عَفْوَ أعضائِنا،

ننتهي، نَبْدأُ.

جسدانا

كوكبٌ واحِدٌ.

نتبادَلُ أحزانَنا

نتبادل أحشاءَنا،

جسدانا دَمٌ واحِدٌ.

نحن صِنْوانِ في الجرحِ، مفتاحُ أيّامِنا

ومفتاحُ أفراحِنا وأَحزانِنا،

جَسدانا.

- 5 -

فَكَّتِ الأرضُ أَزْرارَها، وسارَتْ

حُرَّةً في خُطانَا،

عندما سألَتْنا وقلنا:

نعرف الحبَّ يا أرضَنا. جَبَلْنا

طينَنا مِن هَباءِ مسافاتِهِ، وجَبَلْنَا

فتنةَ القمر المتشرّد في طَمْثهِ بأوجاعِنا،

ورسَمْنا

كُلَّ ما لا يُرى مِن تقاطيعهِ،

بتقاطيعِنا.

هي ذي أرضُنا، -

نتوقّعُ أن يعشقَ الحبُّ أسماءَه

كيفما دُوِّنَتْ

في دفاتر أيّامِها.

- 6 -

نَهَرٌ - مِنْجَمٌ

نهرٌ غامرٌ

يتلبّس أعضاءنا

ويسافر فيها -

يدخلُ البحرُ فيه

تخرجُ الأرضُ منه،

والبقيةُ لا تُفهَمُ.

لا أحدّدُ لا أرسمُ

الدخول الى ليل حبي مضيءٌ

والخروج هو المعتمُ.

- 7 -

علَّمتني مراراتُ أيّاميَ الرائيهْ:

ليس للحبّ إلاَّ طريقٌ عموديةٌ

لا تُسمَّى،

وإن قيل عنها

لغةٌ في الهبوط الى آخر الليل،

في ناره العاليهْ.

- 8 -

كيف لي أن أسمّيَ ما بيننا ماضياً؟

"ليس ما بيننا قصةً،

ليس تُفَّاحَ إنسٍ وجِنِّ

أو دليلاً إلى موسمٍ،

أو مكانْ

ليس شيئاً يؤرَّخُ": هذا

ما تقول تصاريفُ أحشائنا.

كيف لي أن أقول، إذاً، حبُّنا

أخذته إليها تجاعيدُ هذا الزمان؟

- 9 -

تركتِ في جسدي ورداً، تركتِ ندىً

تركـتِ غـابـةَ ألوانٍ، تُـراهُ غدي

يُضيئها؟ أم ترى أمسي يُضيِّعها؟

أفي عروقيَ ورْدٌ آخرٌ؟ شهقتْ

إلى ترابكِ أعضائي - نمازجه

نفيضُ فيه، ونستقصي، ونبتكرُ

دمٌ هَوىً لهبٌ ماءٌ مدىً - أبدٌ

لا بالحياة ولا بالموت يُختَصَرُ.

- 10 -

ربّما،

ليس في الأرض حبٌّ

غيرُ هذا الذي نتخيّلُ أنّا

سنحظى بهِ، ذات يومٍ.

لا تَقِفْ

تابع الرَّقصَ يا أَيُّها الحبُّ، يا أيُّها الشِّعر،

حَتَّى وَلو كان مَوْتاً.

- 11 -

لا أحبُّ الرسائلَ، كلاَّ

لا أريدُ لحبّيَ هذا الأرقْ

لا أريدُ له أن يُجَرْجَرَ في كلماتٍ.

لا أحبُّ الرسائل، كلاَّ

لا أريد لأعضائنا

أن تسافرَ في مركبٍ من ورقْ.

-12 -

آهِ، كلاَّ

لا أُريد لعينيّ أن تَسْبحَا في فضاءٍ

غير عينيْهِ. كلاَّ

لا أُريد لحبّي وأشيائه وضوحاً

لا أُريد انتماءً ولا نَسَباً أو هويّهْ.

لا أُريد سوى أن نكونَ لغاتٍ

للجموح، وأعضاؤنا أبجديّهْ.

- 13 -

لا تَقُلْ، لا تُسمِّ:

الخليقةُ يا حبُّ، أشياؤها وأعمالُها

صُوَرٌ في كتاب من الظَّنِّ. خُذْني

أعطني أنْ أسافر في الوهم،

في ما تخيّلتُ أو أتخيّلُ -

أن أتمادَى

وأُشَهّيَ شَكّي بِنَفْسي

وبتمزيق ما تَنْسُجُ الكلماتُ وما أتَقرّاهُ فيها،

وما أَشْتَهيهِ

وأَنْذرُ جِسْمي لِمعراجِهِ.

أعْطِني أن تكون حياتي طريقاً إلى لا قرارٍ.

- 14 -

جالسٌ قربها

والستار الذي نسجتْه تباريحُنا مُسْدَلٌ.

قَامةُ الأفق مكسـورةُ الخصرِ،

والشمسُ تمضي الى نومِها.

مِشْطها، قلمُ الحبر، كرسيُّها، الفراشُ

على الأرض، أكداسُ أوراقِها -

كتباً ودفاترَ، بستانُ وردٍ

تتناثر أكمامهُ.

أتذكّر حتَّى كأني أرى الآنَ: ها بيتُها

يَتنهَّدُ، هَا شُرفاتُ النوافذ تُسلم أحضانَها

للمُريدِ المولَّه،

والشمس في أوّل اللَّيل،

تخلع آخر قمصانها.

- 15 -

لا الزمانُ سريرٌ ولا الأرضُ نومٌ،

شجرُ الحبِّ عارٍ

والمكان الذي شاءه الحبُّ دونَ غطاءٍ.

أتُرَى، أيقظَ اللَّيلُ أحلامَهُ

وهي الآنَ تركضُ في شارعِ الشمسِ؟ ظَنِّي

أنّ هذي الشموسَ التي تَتَثاءبُ

فِي فلكِ الحبِّ

ليسَتْ على الأرض إلاَّ جراحاً.

سأُغنّي لهذا المكان المُضاءْ

بحُطامِ المحبّين قبلي،

ليسَ هذا الوجودُ سوى فُسْحةٍ للغِناءْ.

- 16 -

يدها في يدي

وكلانا غريبٌ

وكلانا غداً ميّتٌ

في فراشٍ بعيدٍ.

سَرْبلينا بأوهامنا

وبأشباحنا،

يا أساطيرَ أيّامنا،

واضطربْ واقتربْ

أيُّهذَا البعيدُ الجميلُ الأَحَدْ،

أيُّهذا الجسدْ.

- 17 -

غالباً أتفقَّدُ بَيْتِيَ في اللَّيلِ أُشعِلُ ضوءَ المصابيحِ،

لكنّها لا تُضيءُ/ النوافذُ؟ أبدأ فتح

النوافذِ لكنَّها لا تُضيءُ/ لعلِّيَ في البابِ

ألقى ضياءً، أقولُ لِنفسي،

وأُسرعُ للبابِ أَرْجوهُ،

لكنَّهُ لا يُضيءُ/ الظَّلامُ هنا مثلُ جُرحٍ

يظلُّ، على بُرئه، نازفاً،

يقولُ ليَ الحبُّ -

يا حُبُّ مِنْ أيـنَ يـأتي الضِّياءْ،

والسَّماءُ تخونُ السَّماءْ؟

- 18 -

ها هو السَّهرُ المُرُّ يأتي ويُشعِلُ قِنْديلَهُ.

هل أُعيدُ رسائلَ حُبّي إلى حِبرها؟

هل أُمَزِّقُ تلكَ الصُّوَرْ؟

أقرأ الآنَ جِسْمي،

وأملأُ بالحُزْنِ قِنْديلَ هذا السَّهَرْ.

- 19 -

أفتحُ الباب، يأتي هواءٌ يزورُ الرسومَ التي تتدلّى

ويُداعِبُ أَطْرافَها.

بَغْتةً، يتثاءَبُ، يمضي حانياً ظهرَهُ.

لَمْ يكُنْ حُبُّنا هنالِكَ، أطيافُهُ

حملَتْ كلَّ ما رَسَمَتْهُ

في السَّريرِ، وَفَوْقَ الوسائدِ، في قبضةِ البابِ،

في قُفْلِهِ وغابتْ.

أَتَخيّلُ؟ لكنْ

كلُّ هذا تؤكِّده غيمةٌ -

غيمةٌ تعبُرُ الآنَ، غابتْ.

لا هواءٌ يزور، ولا مَنْ يقولُ لِتلكَ الرسومْ

كيفَ تُروَى أساطيرُنَا

كيفَ يُكْتَبُ تاريخُ هذي الغيومْ.

- 20 -

ما الذي سوفَ يبقى

ويُشعِلُ للعاشقين قناديلَ أيّامِنا؟

ما الكلامُ الذي سوفَ يَبْقى

من مَعَاجِمِ أحشائِنا وأعضائِنا

مِنْ أساطيرِنا البعيدهْ؟

ما الذي سوفَ يَبْقى

غَيرُ ما قاله قاتِلونا:

كَتَبْنا بحبرِ مَرَارَاتِنا هَوانا

وعِشْنَا بلا حِكْمةٍ

وَسَكنّا قَصِيدَهْ.

- 21 -

سأزورُ المكان الذي كان صيفاً لنا

بعدَ تَرْحالِنا

بَيْنَ شطآن يوليسَ، في ليلِ دِلفي،

وفي شمسِ هِيدْرا.

وسأمشي مثلما كُنْتُ أمشي

هائماً بينَ أشجارِهِ.

سأذكّرُ أزْهارَهُ ورياحينَهُ

بأريجِ لقاءَاتِنَا.

وأكيدٌ سَتَسأَلُني عَنْكِ: ما صِرْتِ؟

أينَ تكونينَ؟ ما وجهكِ الآنَ؟ لكنْ

ما تُراني أقولْ؟

والفصولُ مَحَتْها الفُصولْ؟

صفاء ابو صالح
09-08-2008, 02:10 AM
مظلّة لوردةٍ أرهقها العطش
أدونيس - الحياة - 04/09/08

- 1 –

«لا ينتهي الجسد»: قلت ذلك في ذات نفسي، فيما كانت عيناي تواكبان جسدَ امرأةٍ تتقلبُ في أحضان البحر: شاطئ «سبورتنغ كلوب»، بيروت.

كان جسدها كمثل حُزمةٍ من الأشعّة تصلُ كلَّ شيء بكلّ شيء. وقلتُ ذلك، فيما كنت أقيسُ (أحاول أن أقيسَ) المسافة بين الأفقُ وذراعيها. لا انفصال. ثمّة جسرٌ رابطٌ. خيطٌ ساحرٌ تنسجه إبرةُ الهواء.

وقلت لجسدي، هامِساً: إذاً، لا مسافةَ بينكَ وبين التراب، لا بحكمة القول: «من الغبار جئنا، والى الغبار نعود»، بل بحكمة قولٍ آخر: من السّفر يعود الجسدُ مُرهقاً لكي يغيبَ في سفرٍ آخر، في شكلٍ آخر.

لا انفصالَ بين الشيء والشَّيء. آخر النّار أَوّل الماء. والذّرّات تتطايرُ في الزمن. لا غالبَ لها.

هُوذا – أُمسِكُ بيد الشَّمس. وأنظرُ اليها كيف ترفُو الثّوب الذي يمزُقه شوكٌ، لغويٌّ على الأرجح، يصِلُ – يفصلُ بين النّهار واللّيل.

قُلْ، أيّها الشّوك اللّغويّ،

هل يقدر الهواءُ أن يدلّنا على نقطةٍ يقول عنها: هذه حدٌّ لي، وهنا أَنتهي؟

وقل: الجسدُ أثيرٌ آخر.

هوذا أجلس معها – تلك المرأة.

ألمسُ الكرسيَّ لا بيديّ وحدهما. ألمسه كذلك بشعاعٍ يجيء منها، ويجيء من عينيّ، مُتَسلّقاً شجرة الحواس.

كلا، ما لا يراه الجسم، لا تستطيع أن تراه الرّوح.

لكن، كيف أعرف أين يسكن الحلم، أو كيف يَتّكئ على وسادة، أو يتمدّد فوقَ فراشٍ، أو يجلس على مقعدٍ حتّى أمامَ بيته؟

ولماذا، إذاً، أقول: الجسدُ لا ينتهي؟

- 2 –

يكاد أن يكون صراخاً هذا الصّوت الذي يُفاجِئ أذنيّ. صوتٌ، صديقٌ قديم:

«لا نزال عبيداً لتاريخنا. لا لجسمه الدّيني وحده، وانما كذلك للنَبض القبليّ – المذهبيّ الذي يخفق في أحشائه.

كلاّ، لم نُفارقِ نظامَ الخلافة. وانظر كيف تُجرّر أذيالَها من «بصرَة الخراب» الى «الجماهيريّة العُظمى»، وكيف تأتي «مُنقَادةً» الى «أهلها». ولئن كان هناك فرقٌ بين أمسِ واليوم فليس إلاّ فَرْقاً شكليّاً: في اللّباس، والتبرّج، والزّينة.

تاريخٌ – طغيانٌ ينهض على رماد طغيان.

هل تريد أن يكون حكمك على الأشياء الرَاهنة، ناضِجاً، حقّاً؟

إذاً، ضعه فوق نار المعرفة – خصوصاً معرفة التّاريخ»،

«شكراً، يا صديقي»، همستُ كمن يستيقِظُ من حلمٍ، وأكملتُ: «ألم نقل ذلك، مراراً؟».

- «لا تنسَ المطرقة، ما دامَ هناك سندان». قال، ضاحِكاً فيما نتعانقُ، ونتذكّر أننا لم نلتقِ، منذ عشرين عاماً.

- 3 –

ينشأ نظامٌ ثقافيّ – إعلاميّ، على الصعيد الكونيِّ، مُترابطٌ، ويزداد ترابُطاً. وقد يكون، بفعل الوسائل الإعلاميّة المتنوّعة، أكثر «وحدةً» من بعض البلدان في العالم، وبخاصةٍ العربية. فقد يعرف المصريّ، مثلاً، أو السوريّ ما يحدث في لندن أو نيويورك أكثر ممّا يعرف ما يحدثُ في مدينتهِ نفسها: القاهرة أو دمشق. وربما لا يعرفُ ما يحدثُ في مدينتهِ نفسها إلاّ مُداورةً، عِبرَ عاصمةٍ إعلاميّة أجنبيّة.

كأنّ العالم يتحوّل الى مسرح في الهواء الطّلق يستطيع أن يشاهده كلّ من يَشاء، ساعةَ يشاء – إلاّ في «مناطق الظلّ»، ومعظم هذه المناطق تتمدّد هانئةً في أقاليم العروبة.

- 4 –

عَجباً! يزدهي بمجرّد التّوقيع على بيانٍ ضدّ سُلطةٍ، دفاعاً عن مُضطهَد أو انتصاراً لِمُعتقل.

لكنّه لا يفعل شيئاً، أيّ شيء، من أجل تفكيك بنية الحياة ذاتِها، الحياة المُعتقلة على جميع الأصعدة، من الألفِ الى الياء.

- 5 –

متى سيتَحقّق هذا الحلم:

أن لا تَجيء الرّابطة بين العرب من تَقليدٍ، أو إرثٍ، أو دين، بل من الحياة المشتركة المدنيّة، ومن العمل المشترك لبناء المستقبل؟

متى ستنشأ بينهم رابطةٌ – هويّةٌ جديدة تتخطّى جميع الانتماءات الإثنيّة والدّينية؟

- 6 –

«آخر القادة العمالقة»، «آخر السّاسة العمالقة»، «آخر الشّعراء العمالقة»... إلخ، أوصافٌ يطلقها بعض الكتّاب العرب على أشخاصٍ عرب، لا في أثناء حياتهم، بل بعد موتهم.

هكذا لا يعيش العرب إلاّ بين «الترمّل» و «اليُتم». أليس إطلاق هذه الصفات، هو الآخر، جزءاً من ثقافة الخلافة التي لا تزال «تجرّر أذيالَها»؟

أو لعلّه أن يكونَ نوعاً من امتداح الذّات (في علاقتها بالممدوح)، أو نوعاً من تَسْويغ «العبوديّة المختارة» (في انسياق الشخص الواصف انسياقاً أعمى وراء الشّخص الموصوف).

أو لعلّه قد يكون، على الصعيد الميتافيزيقي، نوعاً لا شعوريّاً مِن إنكار البداهة المبتذلة التي هي ظاهرة الموت، أو الهرب منها، في استسلامٍ وثوقيّ لِوهم «خُلودٍ» على الطريقة الدّينية.

يا لهذا الوعي «العملاق»، في مثل هذه اللغةِ الوَاصفةِ «العملاقة».

- 7 –

الإنسان هو في كيف «ينتهي»، أي في كيف «يحيا» وليس في كيف «لا ينتهي»، أو في كيف «يخلد».

- 8 –

ننظر نحن العرب الى تاريخنا كأنّه كنوزٌ في صناديق من الخشب، مطعّمةٍ بالذّهب. وإذا حدث أن رحنا نكتبه، فإنّنا ننسى الخشب وما يحتويه، ولا نكتب إلاّ الذّهب.

هكذا لا نكتبه أبداً، وإنما نُفرغُ صندوقاً لكي نبدّله بصندوقٍ آخر.

- 9 –

يبدو الدّين في سلوك بعض المؤمنين، كمثل السياسة في سُلوكِ بعض قادتها،

طفولةً تعيش في مأْوى لا يتّسع حتّى لعصفور.

- 10 –

كلا، لا أريد أيّ شكلٍ من أشكال العودة الى الأصول:

لا أريد أن أفتحَ نفسي إلاّ على كلّ ما هو غريبٌ عنّي.

- 11 –

يتخيّل جاريَ الفلاّح الصديق، يتخيّل دائماً أنّ سِروالَهُ يمكن أن يكون مِظلّةً لِوردةٍ أرهقها العطش.

لهذا يصفه أحياناً جيرانهُ بالجنون.

أفي هذا التخيّل جنونٌ، حقّاً؟

- 12 –

كلاّ، لن أتحرَّر من أيّة فتنةٍ تحرّر الجسد.

- 13 –

يُوصف الشيطان بطرقٍ وألفاظٍ تظهره كأنّه هو نفسُه «المادّةُ» كلّها.

ما أسعَدكِ، إذاً، أيتها «الرّوح»: تتنزهين عاليةً، كما تشائين، في حدائقِ هذه المادّة الفاتنة: الجسد.

- 14 –

أهربُ؟ كلاّ،

إنّما «الحكيمُ لا يُجابِهُ أحداً»، كما يقول شوانغ تسو.

وإذا حدث أن أبدوَ، أحياناً، هارباً، فذلك عائِدٌ الى أمرين:

الأوّل هو أنني أبتعدُ عن جُمهورٍ لا يتذوق، لا يقدر أن يتذوّق إلاّ ما لا طَعم له،

والثاني هو أنني لا أَقدرُ أن أختلفَ إلا مع اللاّنهاية.

- 15 –

حسناً، كتبتَ قصيدتكَ، أيّها الشّاعر،

الآنَ، عليك أن تقرأَها،

وأن تُصغيَ إليها.

صفاء ابو صالح
10-16-2008, 10:09 AM
http://www.alarabonline.org/data/2008/10/10-21/446p.jpg
الشاعر السورى أدونيس

الشعر واللغة والجمهور!



العرب أونلاين- أزراج عمر: بعد محاضرته عن "الممانعة الشاملة والجذرية" التى قدمنا بعض ما جاء فيها فى هذه الصفحة بالذات الثلاثاء الماضى قام أدونيس أيضا بإحياء أمسية شعرية بقاعة الأخضر السائحى بالجزائر العاصمة ألقى فيها مختارات من قصائده الجديدة التى امتزج فيها الحب الدنيوى بالكونى لحد الحلول الصوفي.

ويلاحظ أن تجربة أدونيس الشعرية على مدى نصف قرن لا تزال تثير الجدل بين النقاد والمهتمين بحركة الشعر العربى الحديث، وذلك لغموض كتاباته وتوغلها فى الرمز، والأسطورة، والاستعادة للمواقف التراثية. ومن هنا يمكن القول على ضوء القصائد التى قرأها فى هذه الأمسية بأن أدونيس الذى يدعو إلى ثورة شعرية هو من الشعراء المرتبطين بقوة، وعن معرفة، بالتراث الشعرى العربى نظريا، وتطبيقيا.

ويبدو هذا التراث بصوره المختلفة حاضرا فى قصائده رغم ما يوحى بأنه يريد الانفصال عنه شعريا ونظريا. ولقد استوقفنى فى هذه الأمسية استخدام أدونيس للموروث وللغة شعريا. من المعروف فى تجربته أنه يتعامل مع الموروث بمعيار الحداثة. إن توظيف أدونيس له يتميز بالتكثيف المركّب لحدّ التعقيد. فهو يعيد خلقه فنيا.

ويفهم من هذا أن أدونيس يلمّح نظريا وشعريا بأنه ينبغى على الشاعر أن يكون فاعلا من خلال إعادة بناء التراث. وبخصوص لغة الشاعر أدونيس فإن قصائده تعمل على تفجيرها والتفجير هنا ليس مجرد خلخلة خارجية للعلاقات اللغوية، وإنما هو إعادة بناء لنظام الكتابة من جديد.

إن التجربة النظرية النقدية للشاعر أدونيس تركز على تثوير البنية اللغوية من أجل تثوير البنيات الاجتماعية والسياسية. إن هذا يمثل لديه نظريا وشعريا ضرورة لتأسيس مفهوم جديد للشعر وللحياة معا على نحو عضوي.

عندما تفجّر القصائد النظام اللغوى السائد فى الشعر العربى فذلك لا يعنى أنه يرغب فى إعادة صياغة البنية السطحية للغة، وإنما يريد فتح آفاق مختلفة للحياة داخل اللغة، وللغة داخل الحياة. وهنا أجد أدونيس يدرك اللغة ليس ككلمات، بل كسجل رمزى لهوية ولثقافة ما.

خلال قصائده التى قرأها أمام جمهور واسع يحس المرء بأن أدونيس يريد إحداث تغيير جذرى فى مفهوم الشعر، وخاصة السائد منه فى الشعر العربي.

إن التحويل الشعرى وفق طموح أدونيس هو تغيير الرأسمال الرمزى فى الحياة العربية، وبدون ذلك فإن الوضع سوف يبقى متخلفا، واستعادة للماضي، أى أنه لن يتقدم خطوة فى مسار التحديث، أى تحديث الوعي، والموقف والأخلاقيات.

إن المناقشة التى دارت حول الشعر والنقد بعد إنتهائه من إلقاء قصائده قد كشفت عن العديد من القضايا المتعلقة بالكتابة الشعرية الحديثة. فالشاعر أدونيس أكد مرارا بأنه لا يكتب للجمهور. وهذا يعنى فى التحليل الأخير أنه لا يعكس فى شعره السائد فى قيم وثقافة الجمهور.

وفى هذا الإطار نجد أدونيس يقف إلى جانب الشعر الذى يخلق "معادلا ثوريا باللغة" لخلخلة البنية الثقافية العربية الموروثة" بما فى ذلك ثقافة الجمهور.

عندما نتحدث عن الجمهور فى مجتمعاتنا والشعر، فإننا نمس قضية إشكالية ومعقدة فعلا. هناك أولا نسبة تتراوح بين 30 و40 بالمئة من هذا الجمهور المفترض مكبلة بالأمية الحرفية، وهناك نسبة منه قد تربت على الثقافة التقليدية التى تقف حجرة عثرة أمام الانتقال إلى الثقافة والقيم الجديدتين المخالفتين. ومن هنا يمكن القول بأن جمهور الشعر الحديث قليل، وربما نادر.

وفضلا عن ذلك فإن تربية الذوق الفنى فى مؤسساتنا التربوية والعائلية شبه غائب. كما أن النقاد المفترض أن يلعبوا دور الوسيط بين الشاعر الحديث وبين القراء شبه منعدمين. وبناء على هذه المعطيات فإن الشاعر فى حالة عزلة، وغربة فى المجتمع، وأن التغيير الذى ينشده بطيء ونخبوى من حيث النتائج فى الغالب.

إن هذه الغربة ليست متولدة فقط من مقاومة تكلس اللغة، وعاداتها المجترة، بل هى وليدة عدم وجود أرضية مشتركة للشاعر على مستوى القيم، والرؤيا، والمشروع التحريرى – للذهنية وما تراكم فيها على مدى قرون طويلة من عناصر التخلف، والرجعية، ومعاداة تجاوز القيود إلى الحرية – مع ما يدعى بالجمهور الذى هو مصطلح ملتبس، وعام.

إن انعدام هذا المشترك هو الذى يعطى المبرر للشاعر لأن يكون حديثا وغريبا فى آن معا، أو على الأقل لأن يحس بأنه يكتب للمستقبل.

صفاء ابو صالح
05-13-2009, 04:58 PM
أدونيس - «جَذْرُ السَّوْسَن» ... (قصيدة جديدة)
http://www.jawlany.com/photos/062009/w0406200905.jpg

I - بيره مَه كرون

الجبلُ الشَّيخ في السُّليمانيّة يلبس عباءةً من الظلّ والضّوء ويلوّح للفرات.

أنظر إليه في ماء يتدفّق من جرار غيمٍ

ينزلق فوقه على سلالم من حبالٍ بيضاء.

أنظر إليه وأقرأ ذروات الأفق.

إن كنتَ صديقاً، فسوف يسبقُكَ منادياً: يا أخي.

هوذا يربّتُ على كَتِفَيْ أرضٍ تنبسطُ أمامي، وكلّ مكانٍ فيها عُرسٌ للجسد.

قلتُ له: أحبّ شيخوختي، غيرَ أنّني أشتهي الآن أن أعود طفلاً، أتعلّم كيف ألعب حقّاً مع الثلج والغيم.

وقلتُ لنفسي: أتخيّل، إذاً، خيمةً آخذ إليها قوافلي كلّها من الشعر والحبّ والصداقة، وأصطحبُ أشياءَ لا أسمّيها لكي تظلّ أسراراً أبعثرها في القرى والمدائن، حيث يرغبُ المعنى.

كنتُ قد استيقظتُ بين قافلةٍ من فراشاتٍ تلتهم رحيقَ الحقول. واستيقظَتِ الكلماتُ كمثلِ عاشقاتٍ فَكَكْنَ أزرارَهنّ: في هذه الكلمة يختبئ وادٍ، في تلك مَجْثَمٌ لكواسرِ الجبال. وتكمن في بعضهنّ أعشاشٌ لغرائب الأجنحة.

وكانت كلّ لحظةٍ إبريقاً لماء الشهوة.

مراراً، أخطأتُ في الأحلاف التي كنتُ أعقدها مع الهواء. وكان الهواءُ يخفّفُ عنّي هذا الخطأ، قائلاً عن نفسه: أحتاجُ إلى التشرّد والضياع لكي أُحْسِنَ الحبّ.

ألهذا أحبّ غالباً ما لا أعرفه؟ ألهذا أُسَرُّ، غالباً، عندما أسمع يقظةَ الجنون تسخر من وسادة العقل؟ ألهذا تكون، غالباً، ريشةُ السؤال عبئاً على عروش اليقين؟

لكن، ألَن تستسلمَ، أخيراً، إلى الحِبْر،

أيّها الشّرِسُ الشّفيعُ، أيها المستحيل؟

II - عُمَري خاور

باكراً، كما ينهض الفجرُ من سريره، ويخرج لابساً معطفَ الشمس، ذهبْنا إلى حَلَبْجة. رافقتنا ذِكرى مرْشوشةٌ بسائلٍ كيماويّ، كنتُ أنظرُ إليها تلتهبُ في ذاكرة الحقول. رافَقَنا سحابٌ يتقطّع، ينفصلُ يتّصلُ، ويهبط كأنّه شهيقُ الرّياح وزفيرها.

وقلنا للهباء الذي تحمله ريحُ الجنوب: رجاءً، أَرْجئ هبوبَك.

الطريقُ بيوتٌ كمثل تضاريسَ في عَضَل المادّة. رأيتُ الطبيعة تغسلُ في هذه البيوت نهديْها وقدميها. رأيتها تتّكئ على العتبة. تُسدِلُ شعرَها الطّويلَ وتسلّم على أبنائها الغادين الرائحين.

الطّريقُ أطفالٌ يُزنّرون الشجرَ بأحلامهم.

الطريقُ جراحٌ نازفةٌ في هياكل التّراب.

الطريقُ صمتٌ تتقوّسُ فوقَه خاصرةُ الفضاء.

فجأةً حلبجة: عُمَري خاوَر -

سمعتُ الصورةَ. رأيتُ الأصوات.

وخِفْيَةً، كان الحجرُ يبكي.

وفي مسافةٍ تنكمِشُ في برعم زهرةٍ، بدت الشمسُ كمثلِ تجويفٍ أحمرَ في جسد النّهار.

وكانت الحقول أَسرّةً تنطرح عليها سلالمُ العذابِ، صعوداً إلى مجرّات الله.

عُمَري خاوَر -

رعدٌ في الحِسّ والمخيّلة، في الحدسِ والتّنفّس والنُّطق. هَولٌ يتمدّد على التراب

في أشكالٍ ومجسّمات يرتعش فيها الفلَك، ويتبلبل المعنى.

كيف يُمَسمَرُ الإنسان على دريئةٍ اسمها القتل؟

كيف تكون الجمجمة شعاراً للوطن؟

المعنى؟ من يقدر، من يعرف أن ينفخ في صُور المعنى؟

واختلط الموتُ بالحياة والتبس كلٌّ منهما عليّ. ورأيت الموتَ يدخل في تحوّلاتٍ

التبست هي كذلك عليّ -

موتٌ يقاتل الموت. موتٌ قمرٌ وشمسٌ في فراشٍ واحد. موتٌ ثقبٌ في جسم الموت. موتٌ يقظةٌ في الموت. موتٌ رئةٌ للحياة. موتٌ عيدٌ للموت. موتٌ قبور أطفال وقبور أنفال. موتٌ نردٌ. موتٌ دمية. موتٌ خريطة للمدارات. موتٌ حقلٌ وزرعٌ وحصاد. موتٌ ينبوعٌ في جبلّة الرمل. موت سلّمٌ للموت. موتٌ شاطئٌ. موتٌ شراعٌ ومرساة. موتٌ فرسٌ فارس. موتٌ سخريةٌ. موتٌ عناقٌ. موتٌ جالسٌ بين يدي طفل. موتٌ يستحمّ في بحيرة الدمع. موتٌ أسيرٌ آسرٌ، قتيلٌ قاتل. موتٌ فأسٌ وقيثار. موتٌ يرقص مذبوحاً. موتٌ يغنّي بالكردية، ويتذكّر بالعربية. موتٌ بغداد وإربيل في جبّةٍ واحدة.

من قال هناك مَهدٌ للحياد، والأشياءُ هامدةٌ فيه؟ الأشياء سواء كانت غباراً أو قمراً، وردةً أو سرّةً، أو كانت أفراحاً أو تباريحَ، تنام وتستيقظ في فراش البصر، وتحت غطاء البصيرة.

هكذا لا تنام حلبجةُ وإن خَيّلتِ النوم. دائماً شطرٌ منها يعانق أواخر الليل، وشطرٌ يعانق أوائلَ السّحَر. دائماً تطلع منها شمسٌ، وينشقّ فيها قمر. دائماً، ترافقها جوقةُ أشعّةٍ مما فوق النسيان، ومما بعد الحاسّة.

حَلَبْجةُ حقلُ موتٍ مسكونٌ بمحراثٍ اسمُه الحياة.

> كانت الكواكب تسير نحو أوجها، في عربةٍ تجرّها خيول الهواء. وكان الشجر يمسح الحزن عن وجهه بمناديلَ زرقٍ بيضٍ، فيما تتحوّل البراعم إلى أقلام تكتب المراثي لأطفالٍ احترقوا. آثرتُ ألاّ أفتحَ خزانة الأيام الملأى برسائل كتبتها نساء ذوّبتهنّ آلة الكيمياء.

> سياجُ الرمز حول المقبرة الجماعيّة يتفجّر صوراً

تنحني نجمة لكي تكتب اسمها على قبر امرأة.

تَغلغلْ أيها الشعر في تخاريم المكان،

تقلّب أيها الفكرُ في خفاياه.

ترك الموتُ أوراقه في دُرْج الزمن وائتمن عليها الريح.

أغلقت المقبرةُ دارها وأخذت تقرأ رسالة كنتُ كتبتها إليها.

> قبورٌ نُقش عليها: «يستطيع القصف الكيميائيّ أن يقتل كلّ شيءٍ إلاّ الحبّ».

> ماذا تقدر حلبجة أن تفعل من أجل بشرٍ يحملون أفكاراً بلا مناخٍ، ولا أبجديةَ لها؟

أفكارٌ تنخسف كمثل قصورٍ تهرّأت، والراياتُ خِرَقٌ لتنظيف الدبّابات والمدافع والطائرات. وها هي الشعوبُ اقتتالٌ، والقبائلُ أرزٌّ يُنثَر في المعسكرات. وليس في الأفق إلاّ سيولٌ من اللهب تتفجّر من أتون المذاهب.

وكلّ جمالٍ ملعون.

إنّه الحاضر يرنّ كمثل أجراسٍ ممّا قبلَ النّحاس.

إنه العصر تشنّجٌ لا يلد إلاّ الطُّغاةَ والغُلاةَ والشّتات.

صحيحٌ أنّ الريحَ تهبّ قويّةً، لكن يبدو كأنّها تهبّ دون أن تلامسَ أيّ شيء.

تعبر فوقنا، تعبر فينا، لا تصادف إلاّ الرمادَ والغبار. كأننا اللاشيء في يد الشيء.

وماذا تقدر حلبجة أن تقول لأولئك الذين يقولون:

يكفي لكي تغيّرَ العالمَ،

أن تغيّر ثوبك؟

> يقول عمري خاور: لا يكفي أن يكون لك شكل الإنسان، لكي تكونَ إنساناً.

> قولي داليا، كيف حدث أنّ قمر حلبجة اختبأ مرّةً بين نهدَي امرأةٍ كانت تُحتَضَر

مديرةً وجهها إلى قبّة الكون؟

كيف حدث أنّ الأشياء كلّها كانت تبكي كمثل الأطفال؟

داليا، لا بدّ للمرأة من أن تبتكر اسماً آخر لما يُقال له الواقع، ولما يقال له الوهم.

لا بدّ من أن تصنع سفناً ومراكبَ للحبّ تطلقها دون ربابنةٍ ودون أشرعةٍ في أمواج الحبر واللون.

> كيف أخرج من حلبجة؟

كان الشجر الذي احترق يصنع من رماده بيتاً للعشب.

في كلّ غصنٍ في كلّ شجرة،

شفتان تقرآن، وعينان تبكيان.

ورأيت الأبجدية الكرديّة تتطاير من الأنقاض والأشلاء، حرفاً حرفاً،

وصورةً صورةً،

كمثل ذرّاتٍ من غبارِ الطّلْع.

كلاّ لا تقدر القصيدة أن تقف على الورق لكي تحيي حلبجة.

لتقفْ إذن على جبين العالم.

III - الأمن الأحمر

أبجدية التاريخ مرايا مكسّرة:

قطع زجاج تستغيث -

أطلبوا من العذاب أن يهدهد الطفولة،

أطلبوا من العطر أن يرسم خرائط الورد في أجسام النساء،

أطلبوا من العين أن تتوسّل النهار لكي يكتب تاريخ الليل.

وانظروا - في كلّ زاويةٍ من الأمن الأحمر

سؤالٌ ينعصر العراقُ بين أسنانه.

ممرٌّ رواقٌ تحيط بك، فيما تعبره، قطعُ زجاجٍ - مرايا بعدد الكُردِ الذين أنفلهُمُ

الطغيان:

مئةٌ واثنتان وثمانون ألف قطعة.

في سقفه تتلألأ خمسة آلافٍ من المصابيح بعدد القتلى الذين خلّفهم القصف الكيماويّ.

لم تعد بناية الأمن الأحمر، بفعل هذا الرّواق، مجرّد كهوفٍ تغصّ بأجسامٍ عُلّقت أو صُلِبَت أو مُزّقت. تحوّلت - صارت عملاً فنّيّاً لتمجيد الإنسان، ومنارةً لأخلاق العمل والنّضال.

كان الرواق ممرّاً مفتوحاً على العذاب، وصار اليوم، بفعل الفنّ، رواقاً مفتوحاً على الحريّة. وكلّ ما كان رمزاً للموت أصبح رمزاً للحياة: أدوات التعذيب، زنازينه، مكبِّرات الصوت، أجهزة التَّسجيل الصوتي التي تبثّ أصوات الأطفال والنساء والشيوخ، المدافع والرشاشات، إضافةً إلى هدير الطائرات.

وقال مهندس الرواق: لم يكتمل التسجيل بعد. وسوف توضع في الزوايا تماثيل وهياكل تقول: هوذا الطغيان والبطش، هوذا الدمار والعذاب. هكذا، تدخل الآن إلى بناية الأمن الأحمر، كأنك تدخل إلى بيت للفنّ.

> الكرديّ مبعثرٌ في الآخر (أذلك انتصارٌ أم انكسارٌ؟) سواء كان التاريخ هو الذي يبعثره، أو كانت القوميات والعصبيات والخرائط والسياسات.

> الكرديّ آخرُ لذواتٍ متعددة - عربية، تركية، فارسيّة (أذلك امتلاءٌ أم فراغ؟) كلٌّ منها تحاول أن تنفيه.

لكن أليس نفي الآخر نفياً للذات؟ أليس هذا النفي شكلاً آخر للموت؟

> لكن، ها هو التاريخُ - معموراً بالحبّ والعمل، يغيّر صورة المكان.

IV - ملكندي

ملْكِندي - تَنْبَعِث اصواتٌ من لا مكانٍ من الأمكنة كلّها. خرافُ رعاةٍ يقيمون في الظنّ، تغزل بصوفها الملوَّنِ الأبواب والواجهات. لا إشارة غيرُ قمرٍ لا يُرى، مع أنه يُشير ويتمتم.

خطواتٌ تأتي وتذهب على البلاط والترابِ تُفْلِتُ عُنوةً من براثن الحكمة العتيقة. وبين برج العذراء وبرج السرطان يوزّع الفلك أوراق الحظّ.

كلّ شيء يتدثّر بهباء مشحون بكهرباء اللحظة. أطفالٌ يعرفون كيف يعجنون الطائرات الكيماويّة بغبار أقدامهم، وكيف يرفعون رايات الصخب الذي يرفع راية اللعب. الطعام المفضّل هو دهن الزمن، والزمن مربوطٌ بخيوط تتدلّى من النسيج الأزرق السماويّ.

تكسر الشمس كرسيّها المتنقّل وتسير حافية القدمين. وكلّ شيء يركب قطاره متّجهاً إلى المحطّة الأخيرة: الليل.

ملكندي - أشباحٌ من حلب، أطيافٌ من دمشق كمثل شواهد لقبورٍ تتحرك في الفضاء.

والحركة ابنٌ ينتهي وأبٌ لا نهاية له. وثمّة عطرٌ يرشح من قوارير يباركها إسلام الفقراء. ترى نفسك هنا، وترى ظلالاً لها تلقيها غيوم الوسوسة. وغالباً يغريك جذبٌ سرّيٌّ لكي تحرّك يديك محاولاً أن تلامس طيفاً، أو تمسك بأكمام شبح. وتشعر كأنك الغابر والحاضر في ثوب واحد.

قيصريّة النّقيبِ القِبابُ الأبواب القناطر بساتين ألوان وخطوط. وليست الشوارعُ رجاءً ولا دعاءً. الشوارعُ أعيادٌ للمادّة تأخذك من زقاق إلى آخر، مصغياً إلى جسمك تتحرّك فيه أغصانُ غابةٍ اسمها الغبطة. عطّارون، ساحة الشيخ محمود أو ساحة السراي. كتبٌ يتصدّرها هيغل ونيتشه. وفيما تسأل عن النشر وحقوقه وحريّاته، يتغيّر المشهد: نساءٌ ينتثرن وردةً وردةً.

لكلّ نجمةٍ جدائلُ تتدلّى من حبلٍ غير مرئيّ. للأخت الكبرى، الشمس، خفٌّ أبيض صنعته يدٌ كردية، وبنطالُ جينز صنعته يدٌ أخرى. إجلس أيها الوقت على مقعدٍ، حجريّ أو خشبيّ، أو اجلس على بساطٍ صوفيٍّ أحمر. شهوةٌ هناك في حانوت مستطيلٍ تطوّق بأهدابها وردة الجنس. من حانوت آخرَ مدوّرٍ، تخرج روائح قرفةٍ ويانسون وأنواعٍ أخرى من البهارات والرياحين. سوقٌ تخفق فيها الأقدام كأنها تعجن طينة الأزمنة. صورٌ فوتوغرافية تتلألأ، أو تومئ، أو ترقص. جرائد ومجلات تملأ فراغاً يظلّ فارغاً. السماء مظلاّتٌ مثقوبة، والهواء يتأوّه على طيورٍ قُصَّت أجنحتها. أصواتٌ تبتلعها حناجر الممرّات.

إنها الحياة اليوميّة تحتضن جراحها، تكوّن دروبها وتعيد التكوين. ماءٌ عابسٌ يغيب في ماءٍ ضاحك. خطواتٌ تعثّرت تنبعث في خطواتٍ تثبت وتتقدّم. إنها شهوة الحياة تستوي على عرشها. لا نعم في المطلق، لا كلاّ. يمكن الكلامُ أن يكونَ جرحاً. يمكن الجرح أن يكون أفقاً. ضع رأسك على صدر الشمس. إنها الأبدية في هيئة سروالٍ فضفاض.

V - مقهى الشعب،

(عمر شريف محمد)

يستقبلك صاحب المقهى. مرحّباً كأنه يفتح صدره لاستقبال أحبّائه.

النرد، الدومينو، مثقفون، كتّاب، شعراء، فنّانون، صحافيّون، إعلاميّون، قرّاء.

أوركسترا واحدة وإن اختلفت اللغات.

قيثارٌ بأصواتٍ متعدّدة تتموّج بين المقاعد وفناجين الشاي.

على كلّ مقعد ذاكرةٌ تركت حزنها في العراء، في صدر شجرة أو في عنق يمامة.

يبدو الأمل خيّاطاً يفتق الليل ويرتق النهار. ويبدو الزمن صورةً تتململ منتظرةً معناها

لكي تنطبق عليه.

المقهى أكثر مما هو. مسرحٌ - اسمٌ آخر لفضاء آخر، تنحدر فيه على أدراج الذاكرة

صورٌ للشعراء الكُرد -

بابا طاهر الهمداني، الملاّ أحمد الجزيري، أحمد خاني، ملاّ خضر نامي، سالم، مولوي، الحاج قادر الكويي، مَحوي، بيره مرد حمدي، أحمد مختار، فائق بيكه س، نوري الشيخ صالح، عبدالله كوران، وآخرون ليس شيركو بيكه س آخرهم، فيهم وبهم تتفجر كوامن الطبيعة الكردستانية. فيهم وبهم يُقرَأ الكون بعين الجمال والرغبة والحبّ، أو يُرسَم بحبر الأنفاس.

وتذكّرنا كتّاباً يتحدّثون عن الثقافة كمن يسبحون في الكتب، ويقرأون في الماء.

وكنّا نمزج بين الظلّ والضوء: أيّهما الخبز، أيّهما الملح - فيما نتقاسم الرغيف الأخير الذي كان يخرج آنذاك من تنّور الأمل.

كان الدّخان كمثل شرطيّ يطارد الهواء. وكنت أتغلغل سرّاً في ذلك المقهى الخفيّ داخل المقهى -

رأيت كيف تزرقّ الركب ركوعاً على حصيرة الدقائق،

وكيف تُخرِجُ السماء عناكبها باسم المستقبل، في روايةٍ لبعضهم، لكي تبني بيوتها على وجه الحاضر.

وسمعت من يقول: ينبغي أن نبتكر سماواتٍ أخرى خارج السماء.

أعطنا شاياً يا محمّد وليكن شعبيّاً.

أخرج من المقهى. امرأةٌ عابرة، رجلٌ عابر:

جسمها مليءٌ بالعيون،

جسمه مليء بالطبيعة.

> هل الفراغ توهّمٌ؟ أليست لفظة الفراغ هي نفسها فارغة؟ أحسستُ كأنّ المقهى يطرح عليّ هذين السؤالين. وأجبت في نفسي:

> لا تعَيُّنَ لما لا تراه العين.

> كوابيس جنودٍ وكيمياء ترجّ تقاطيع المقهى.

> يمزج المقهى بين سلطة العمل وفتنة الكسل:

ألهذا لا ينام الكسل

إلاّ في أحضان عملٍ آخر؟

> يقول المقهى:

«أنا المدينة الباحثة عن نفسها أبداً،

وأنا فيها اللغة التي تلهو، لكي لا تلغو».

> إبريق الغيب في المقهى

ينكسر مسكوباً في شاي الواقع.

في المقهى/

وضعنا الموت في قفص، وأطلقنا طيور الحياة.

وقال صوتٌ مفرد:

إن كانت نوافذ المقهى ماكرةً،

فلأنّ الهواء يحتفي دائماً بتنصيب نفسه ملكاً عليها.

*

تلك اللحظة،

دخل التاريخ في الشاي. دخل في ماء الطبيعة، بعد أن كان قد دخل في ماء الحبّ.

تلك اللحظة،

كان التاريخ يتمرّد على عباءة القبيلة، ويحاول أن يصير بيتاً عالياً في مدينة الكون.

تلك اللحظة،

عقد التاريخ حلفه مع الفنّ،

وأخذ يبتكر الأجنحة.

VI - عينكاوا

أزمنةٌ أنظمةٌ شعوبٌ تاريخ أوراق إباداتٌ جيوشٌ

أنهارُ حكمةٍ مضايق برازخ أمثالٌ مواعظ رسومٌ

تماثيلُ هياكل قبابٌ مرايا صروحٌ شواهد

جراحٌ جسورٌ ملحٌ - دمٌ غرفُ قتلٍ تتنقّل بين شرايين التاريخ

كهوفٌ سُمّيت كواكبَ مزامير حدودٌ هِجراتٌ طرقٌ مدائن

منابر خطب أسوارٌ ذاكرة

وما ذلك الأفق الذي يعرجُ

- كأنه لا يزال يتنفّس السراب؟

- هذا كلّه

أجزاء وفواصلُ من مقدّماتٍ

عليكَ أن تتذكّرها فيما تتقدّم نحو عينكاوا.

كنت رأيتُ في أربيل، القلعة - المتحف، كيف تخلق اليد الكرديّة داخل المتحف مُتحَفاً آخرَ لجمالٍ برّيٍّ باهر، بسطاً وثياباً وعباءاتٍ وأشياءَ أخرى فريدة كثيرة ومتنوّعة. وكنت رأيت حديقة سامي عبدالرحمن الذي قتله العنف.

سلّمت فيها على تمثال الجواهريّ، وعلى نحّاته المهاجر سليم عبدالله. سلّمت كذلك على تمثال الشاعرة المؤرّخة مستورة أردلان.

متحفان - واحد في الهواء الطّلق،

وآخرُ حميمٌ،

يتعانقان في بهاءٍ باذخ.

التقيت في عينكاوا أهل الكنيسة وأهل الكتابة - سرياناً كلدانيين وآشوريين. وزرت مركزاً للصابئة المندائيّة.

أدهشني، خصوصاً، فيهم جميعاً أنهم لا يعيشون، لا يفكّرون، لا يكتبون، كما لو أنّ شيئاً لم يكن قبلهم. على العكس:

ما مضى،

ما هو حاضر،

ما سيأتي

وحدةٌ تتلألأ في وجوههم،

وفي كلامهم وفي حضورهم.

إربيل - عينكاوا:

الاختلاف المؤتلف -

السماء غيبٌ للحلم المشتَرَك،

والأرض بيتٌ ومدينة للعقل والعمل،

للجميع دون تمييز.

وخطر لي أن أتساءل: ماذا حدث، ماذا يحدث؟

هل التاريخ رجلٌ نائم، لم يمت، غير أنه لم يعد قادراً أن يستيقظ؟

أم هو امرأةٌ آسرةٌ،

لم يعد يعرف الفجرُ نفسُه أن يتحرّر من أسرها؟

حيّيتُ مار أفرام، وكنت قرأت أحيقارَ في قوله لابن أخته نادِن:

«خيرٌ لك أن يضربكَ الحكيمُ عصيّاً كثيرة، من أن يدهنَك الجاهلُ

بالطّيب».

«إذا وقف الماء دون أرض، أو طار العصفورُ دون جناح، أو ابيضّ الغراب كالثلج، فحينذاك يصير الجاهل حكيماً».

«لا تُطلق الكلمة من فمك حتى تروزها في قلبك، فخيرٌ للرجل أن يعثر في قلبه، من أن يعثرَ في لسانه».

> لماذا بدأت الذاكرة هي نفسها تعلّم القتل؟

لماذا أخذت الذاكرة هي نفسها تمارس القتل؟

> أيّامٌ تحوّم فينا وحولنا

كأنها طيورٌ عمياء.

> أفكارٌ -

جراحٌ عميقةٌ في رأس اللغة.

> بلادٌ كمثل خاتمٍ

في إصبع السماء.

> أفواهٌ مغلقةٌ بسلاسل ليست إلاّ كلمات.

> المطلقُ مسمارٌ ناتئٌ في جبين النسبيّ.

> لماذا تُغلق أيها المرئيّ،

أبوابَك في وجه أخيك اللامرئيّ؟

> ماذا يؤكّد لك أيتها اللغة، أنه لم يعد في ينابيع المعرفة

ماءٌ يكفي لكي يطفئ نيران الجهل؟

> يوماً ستثأر الكلمات من كتّابٍ

حمّلوها أفكاراً لا تليق بالأبجدية.

خرجنا من عينكاوا، ترافقنا موسيقى طالعةٌ من قدّاساتٍ يقودها مار أفرام. قال قدّاس:

يحدث أن تحبّ الوردةُ يداً قدّمت لها الماء،

يحدث أن يقطع الإنسان يداً قدّمت له وردة.

لكن يحدث أيضاً أن يتمرّد الباب على العتبة لكي يستقبل ضيفه الهواء.

وقال قدّاس:

إذا قدرتَ أن تتفيّأ ظلّ الفراشات،

فذلك يعني أنّك قادرٌ أن تطير بأجنحتها.

وسأل قدّاس:

ما اسم هذه الشرارة التي تخرج الآن من تلك الغيمة العربية،

وهل البرق أبٌ لها أو نسيب؟

شرارة تذكّر بذلك المساء عندما غسلت حوّاء نهديها

بضوء هلال في يومه الأوّل.

VII - مثاقفة

> من أين لك القدرة المتواصلة على الكتابة في واقع يلتهم القدرة حتى على التخيّل؟

- أكتب كما لو أنني أمحو عتَباتٍ، وأقتلع أبواباً.

> نعرف أنك تنفر من المكان في هذا الواقع. كيف تسوّغ مأواك فيه؟

- أقيم فيه كأنّي الصاعقة التي ترجّه أبداً.

> قل لنا إذاً أين يطوف عقلك؟

- في الأطراف القصوى، في لُجَج ما يختمر ويتكوّن، بعيداً عمّا يسود ويهيمن.

> وما المكان الذي يُسمّى الوطن؟

- كما يقول الفيلسوف الفرنسي عمانويل ليفيناس:

«الإنسان أكثر قداسةً من الأرض ولو أنها مقدّسة. أمام الهجوم على الإنسان، تبدو هذه الأرض حجارةً وخشباً».

> هل العالم مادّة اسمها الخطأ؟

- حتى لو كان ذلك صحيحاً، فمن الممكن تصحيح هذا العالم بالإنسان ـ هذا الكائن الذي هو نفسه معجون بهذه المادة، وليس هو نفسه إلاّ حفنة من التراب.

في الإنسان سرٌّ فريد هو أنه أبعد من حدود جسمه، وأعلى مما ينجبل منه هذا الجسم، خلافاً للشيء المحدود بما هو، وضمن ما هو. بهذا السرّ يصنع الإنسان نفسه، ويصنع الحضارة، ويغيّر العالم.

> إن كانت له كواكب ومدارات،

فلأنها تنحدر من سلالة جراحه.

> لفرحه عبقريةٌ خاصّة

لا تبتكر، غالباً، إلاّ الحزن.

> البيت يتهدّم -

يحاول غباره أن ينجوَ

طائراً على جناحَي فراشة.

> الحلم في الشعر ماءٌ

وفي الفكر وردةٌ.

> يصعد على سلّم الرّؤيا محفوفاً بالعتمة،

ويهبط مغموراً بالضوء.

> باب اللاشيء

مفتوحٌ دائماً على كلّ شيء.

> سأله الضوء:

«هل تسمع صراخي

عندما أخرج من رحم الشمس؟».

> الذاكرة كتابٌ مفتوح،

إقرأه إن كنت فرِحاً

وأغلِقْه إن كنت حزيناً.

> قال لأقفاله: أنت المحيطات،

وقال لأمواجها: خذي المفاتيح.

> يكتب كمن يزرع وردةً، لغاية واحدة:

أن يلبّي رغبة العطر.

VIII - أنوثة

كان إيقاع قدميه - عَنَيتُ التاريخ، يعلو هانئاً حول صخَب فتياتٍ وفتيانٍ يقتحمون محيطات الرغبة.

زهوٌ آخر أن تفتحَ الأنوثة الكرديّة بيتها لأختها العربيّة، ولأختها السريانيّة ولأختها الصابئيّة المندائيّة.

زهوٌ آخر أن تتلاقى أطراف الأنوثة في العراق كما لو أنها بيتٌ لإيلافِ التعدّديّة العراقيّة، ضمّي إليكِ، إذاً، أيتها الأنوثة جسدَ الفجر، وقولي له أن يرسمَ وجهَك على ذهبِ الوقت.

مثلك أفكر في حياةٍ تؤاخي بين السماء والسرّة، وتجعل من الأرض سريراً للحبّ.

مثلك أقف على شرفة الكون حيث يضطرب القمر تحت أهدابك العاشقة، مثلك، أرى كيف ينسكب الزمن في موسيقى الدمع الذي لا يزال ينسكب حزناً على شقاء العالم، وأرى كيف ترسمين للمستقبل شرفاتٍ تتعانق فيها أطراف الأرض.

وسواءٌ أيتها الأنوثة الكرديّة، فقدت حبيبَك في كهوف الأمن الأحمر، أو في حقول حلبجة أو في قمم الجبال فأنت الوردة التي يتنشّقها الشعراء والعشّاق، وأنتِ الجراحُ التي يتسلّحون بها لمحوِ آلات القتْل.

وكنت رأيتُ في الجامعة قناديلَ ليست إلاّ وجوه فتياتٍ رأيت فيها ما يجمع تقاليدَ الماضي في حقائب تُقذَفُ إلى الفراغ حيث لا مكان إلاّ للفراغ والريح ولذلك الهباء الذكوريّ: ضلع آدم.

IX - عصف

ثمّة بشرٌ لا يزالون يقتلون البشرَ بدرهمٍ يسندُ عمودَ السماء، أو بسيفٍ يطيلُ قامةَ العرش. غيرَ أنهم يفعلون ما يفعلون كأنهم يحرقون الكهرباء بالقشّ، والرّعدَ بالريشة.

أو كأنّهم ينتزعون من قميص الليل أزراره الكوكبية فيما يُطلقون الرصاص على النجمة التي سمّاها الفلَكيّ العربيّ الزُّهرة.

وها هو الاحتمال كمثل ريحٍ عاصفةٍ تزعزع بيتَ الواقع، وتوشك أن تهدمه. من يقدر أن يتنبّأ بنيّة الرّيح؟ من يعرف ماذا تُضمر العاصفة؟

وتلك هي بيضة الزمن مضغوطةٌ دائماً بين الأصابع

ولا مفرّ من أن تنكسر: ما في البيضة غيرُ الإرادة -

الهباءُ للهباء،

والجَذرُ للجَذر

هنا وهنالك

في خطواتٍ على حبل العمل - ممدوداً

فوق هاوية التاريخ.

مَنِ الصديقُ في هذا العَصْفِ الذي يهزّ الخرائط؟

الصحراء واقعٌ، وليست الصخور ألفاظاً، وها هي الأيامُ رياحٌ تتلاقح.

المشهدُ حبرٌ لكلّ افتراضٍ ولكلّ احتمال، -

الهدهدُ ثائرٌ على سيّده،

وليست البومة الحكيمة عمياء.

بَنَتِ العواصفُ منازلَ هدّمتها. كتب الجسدُ نصوصاً مزّقها

وما هذه اللهجاتُ التي تهرول في شفاه الأيام جامحةً بين ثالوث المتوسّط المحيط الهادئ المحيط الأطلسيّ؟

الغسقُ يمجّد براءة الفصول. الفصول تتعثَّر بأشلائها فيما تمجّد براءة الشمس.

صقيع أفكارٍ يتغلغل في خطوات الشوارع. العابرون جراحٌ والزمن شظايا زجاجٍ والعالم سيلّوفان.

ربّما يحقّ لي أن أصغي إلى الأنوثة الكرديّة:

«كلاّ لن أفارقَ الأنوثةَ العربيّة في بغداد، ولن أحتضنَ إلا الضوء وصداقة الضوء».

ربّما يحقّ لي أن أفكر وأرفض أن تكون لي أفكارٌ خواتمُ

ربّما يحقّ لي أن تظلّ أفكاريَ امتحاناً لنفسي وللحياة والواقع.

لكن،

ينهض في مشاع البرازخ تورّمٌ يكسر فرجارَ النّظر ويهجم جالساً على بَرْدَعةِ حصانٍ ذرّيّ. تورّمٌ يتكدّس في طويّة العالم.

خذني إليكَ يا جذرَ السَّوسن، واسطعْ في خلاياي.

اللاّنهاية تستيقظُ في تَداخلٍ ضوئيٍّ مع الأنوثة، وتستبطن جسدي.

أعطني أيّها الصلصالُ، يا ترابَنا الحيَّ، أن أُبَسْتِنَ المسافات،

وأن أخالطَ عنّابَ السّرائر.

الحضورُ فيك فاتحة البصَر،

والغيبُ نرجسُ البصيرة.

X - نيلوفر

بين 14 و24 نيسان (أبريل) 2009

كان لي داخل الليل في السليمانية وإربيلَ ليلٌ آخر، ليلٌ كان يسبقني

دائماً -

يقفز من سريري ويخرج من النافذة

لكي يُمسكَ بزنّار الشمس،

وهي تنهض من سريرها.

كان لي ضوءُ قمَرٍ خفيٍّ يتيح لي أن أقرأ ما كان يكتبه النيلوفر في بحيرةِ الظنِّ، وأن أقرأ كلّ شيء حتّى تجاعيد العشب.

وعندما كان الأفق أمامي يرقص احتفاءً بالنباتاتِ وأريجِها الضائع في الحقول، كان هذا القمر يظهر لي بغمّازتين وشامةٍ على خدّه الأيسر. إنه القمر الذي يعلّم فتنةَ الكشف.

هكذا كنت أتذكّر كيف كانت تمتزج الطبيعة والأرض - الأمّ والسماء نفسها بلغةٍ أمٍّ تتمرّد بها الأنوثة على ضلع آدمَ لكي تتساوى بآدمَ نفسه، ولكي تدعو من جديدٍ نوحاً من أجل أن يعيدَ النظر في هندسة فُلْكِه، وفي وحْلِ طوفانه.

وكانت الكلمات الأولى التي تخرج من شفاه الأشجار والينابيع تتسلّق الجبالَ لكي تتنشّقَ الهواءَ الأوّل قبل وصولها إليّ. وكانت للبشر الذين التقيتهم وجوهٌ يمتزج بعضها بضوءٍ كأنّه الدّمع، ويمتزج بعضها بشررٍ كأنه يتطاير من جمر التاريخ.

وكان يُخَيَّل إليّ أنّ ثمّة صوتاً يسألني:

أنتَ، أيّها المترحّلُ، العارفُ لؤلؤَ المسافات،

أنت أيّها العابر الذي يستمسك بعروة الرّيح،

قلْ لي من أين جِئتَ، ومن تكون؟

الوقتُ إناءٌ ينضح بتاريخٍ يلتهم نفسه، بأشباحٍ لها قرونٌ من الرّمل

وأقدامٌ من الرّيح.

الوقتُ قصَبٌ يعطي سكّرَه للذرَّة، وجذورَه للغيوم.

وقتٌ -

قمَرٌ وشمسٌ في قَرنَي ثورٍ اسود.

كيف يتغيّر الوقت؟

علّقتُ نجمةً على رأسِ نخلةٍ تحيّةً لوردةٍ تسكن في أبديّة العطر.

وسوف أحاول أن أتدبّر أمري، في ما تبقّى:

أعلنت حرباً لا تنتهي بين اللانهاية واللانهائي.

نعم، أيتها اللانهاية،

سأقيم القطيعة مع بشرٍ تتقطّع حبالُ أصواتهم بين شفتَي

تاريخٍ كاذب،

ولن أخلقَ على صورتكِ إلاّ شيئاً واحداً:

الشّعر.

هكذا يُخَيَّل إليّ الآن، كأنني أتحوّل إلى جبلٍ تارةً، وتارةً إلى بحيرة.

وفيما يبكي صفصافُ الذاكرة حول الأنقاض، تهدر حولي، في كلّ مكان،

مياهُ الولادات.



(السّليمانيّة - أربيل - باريس، 14 - 30 نيسان 2009)

صفاء ابو صالح
09-13-2009, 05:08 PM
«الأصول» التي تُعطّل الحياةَ... وتأسر العقول
أدونيس - الحياة -

http://www.jawlany.com/photos/092009/w1009200905.jpg
العرب واليونيسكو(على هامش ما أثير حول حديثي في تلفزيون «ال بي سي»)- 1 -

لكلّ ثقافةٍ «أصولها». غير أن أهمية هذه الأصول ليست في أن تبقى «ثابتة»، كما كانت في نشأتها. انها، على العكس، في قابليتها أو قدرتها على التكيف والتحول مع التغيرات الزمنية والتاريخية في جميع الميادين.

ويؤكد الحراكُ الثقافي والسياسي والاجتماعي في المجتمع العربي أننا نحن العرب، خلافاً لجميع الشعوب، منغرسون في أصولنا الى درجةٍ لا تُعتقلُ فيها حياتُنا، وحدها، وإنما تُعتقلُ كذلك عقولنا.

هكذا أزداد يقيناً، منذ صدور كتابي «الثابت والمتحول» في مطلع سبعينات القرن الماضي، أنه يتعذّر فهم الجغرافية الاجتماعية الثقافية في المجتمع العربي، عملاً وفكراً، إلا في ضوء فهمنا جغرافيته السماوية - الدينية، معتقداً ومآلاً. ويتعذر، تبعاً لذلك، أي تغيير خلاقٍ على الأرض، إلا إذا تم التحرّر كلياً من القيود التي تفرضها الأصوليات، في مختلف أنواعها، على الحياة والفكر.

اللافتُ الغريبُ العجيبُ هنا هو أن جميع الحركات التي قامت في المجتمع العربي، باسم تمدينه وتحريره، على نظرياتٍ «ثوريّة» سياسية، أو «ثوريّة» فكرية، منذ بدايات القرن التاسع عشر حتى اليوم، تحوّلت هي نفسها، في معظمها، الى «أصولٍ» ثابتةٍ، كما لو أنها هي الأخرى أصولٌ «ميتافيزيقيّة - دينيّة». هكذا نبدو، نحن العرب، بعد حوالى خمسة عشر قرناً، كأننا لم نخرج بعد من سرير طفولتنا الأولى.

- 2 -

من أين تجيء قوّة «الأصل»؟

من ضمور الطاقة الخلاقة أو ضعفها عند الإنسان؟ من الانشداد غريزيّاً ونفسيّاً اليه، بوصفه منشأً كاملاً، وماضياً كاملاً ومثالياً؟ أم من شيءٍ آخر يحتاج الى تأمّلٍ طويلٍ وبحثٍ طويل؟

أَياً كان الأمر، فنحن العرب ننظر الى «الأصل» بوصفه رمزاً للوجود - الحياة، وللمصير - المعاد، وبوصفه موطن الحقيقة التي لا حقيقة بعدها، أو التي هي «أمّ» الحقائق جميعاً. ولهذا ينحصر معنى الواقع في كونه مجال اختبار لتطبيق الدلالات والمعاني التي ينطوي عليها هذا الأصل.

أولئك الذين قاموا بالحركات الثوريّة التي أشرت اليها، اتخذوا من فكر الثورة، كلٌ بحسب اتجاهه، «أصلاً» - لم يكن في العمق والممارسة، إلا شكلاً من أشكال الأصول الدينية. هكذا كان كلٌ منهم يرى أن «الخلاص» كامنٌ في الأصل الذي يؤمن به، ويدعو اليه، وليس الإيمان بغيره إلا طريقاً لا تؤدي بصاحبها إلاّ الى «الجحيم». ربما نجد في ذلك ما يفسر صراع هذه الحركات، الذي كان صراع «تكفير» فيما بينها، لا صراعَ «تفكير» و «انفتاح» و «تآزرٍ» في المشترك المعلن بينها، وهو العلمانية والمدنيةُ على الأقل، وانما كان صراع «إقصاءٍ وإلغاء». ربما نجد فيه كذلك ما يفسّر اقتتالها، الوحشي غالباً، و «أكلَ» بعضها بعضاً، شأن «الفرق» الدينية.

وكما أن الضوء الذي ينبجس من جغرافية السماء هو، وحده، الذي يضيء، في نظر أصوليي الدين، جغرافية الأرض (البشر، الثقافة، القيم، العلاقات... الخ)، فإن ضوء «الثورة»، في نظر أصولييها، هو وحده الذي يبدد ظلمات العالم، ويحقق التقدّم.

وعلى هذا تتأسس الثقافة الأصولية (الدينية، والثورية): المسألة فيها ليست كيف نسأل ونفهم ونكتب، وإنما هي كيف نؤمن ونبشّر ونجتذب. القيمة هنا ليست في الشيء بحد ذاته، ليست «فكريّة» أو «فنيّة»، وإنما هي «تبشيرية». الدّين، الفكر، الفن - هذا كله يتحوّل في هذه الثقافة «الأصولية» الى نوعٍ آخر من «المال»، أي الى «وسائط» و «وسائل».

- 3 -

يفترض التفاعل بين «الأصل» و «الواقع» مسافةً بينهما يلغيها الفكر الأصولي، بشكليه الديني والثوريّ. ويُحلّ الأصل محل الواقع. هكذا تتحول ثقافة الأصل الى أعمالٍ وأقوالٍ طقوسيّة تملأ ساحة الواقع، بحيث يحل «المشهد» محلّ الواقع.

يبدو الدّين، اليوم، مثلاً (لا في البلدان العربية - الإسلامية، وحدها، وإنما في العالم كله، تقريباً)، كأنه ليس تجربة روحية - انسانية، تجربة أعماقٍ وكشوفات وإبداعات في المجالات الإنسانية - اللاهوتية، وإنما هو، على العكس، نشاطات مشهديةٌ - طقوسية، أو هو ميدانٌ للقيام بمثلها، كما هو الشأن في الثورات السياسية والفكرية. لا نرى في الحالين إلا «الأعيادَ» و «الأعراس» و «الولائم» و «المسارح» ولا نرى وراء ذلك إلا ارادة السلطة. لا نرى أي تأمّلٍ كياني في الإنسان والوجود، وفي أحوالهما وأسرارهما، أو أيّ تطلّعٍ الى تحقيق مزيدٍ من الكشف المعرفيّ.

- 4 -

يعتقد الأصوليون أن «الأصل» لا يتجدّد، ذلك أنه هو نفسه التجدّد، كما يعتقدون أيضاً. وهذا يعني أن «الأصل» ثابت، يشعّ ويضيء. يدور التاريخ حوله بوصفه بدءاً له، وبوصفه مركز الكون.

لكن، كيف لا يعي الأصوليون أن الأصلَ يتضمن بُعد الممارسة حتى في نشأته وتكوّنه؟ والممارسة تاريخ. والتاريخُ تغيُّرٌ متواصلٌ بوصفه سيرورةً للتعاقُبِ والتحوّل. هكذا يتحول «الأصل» في الممارسة الى «صورة» أو صُورٍ، تبعاً للجماعات ونزاعاتها وتناقضاتها وسياساتها. بل إن الأصل في الممارسة «ينشق»، وفي هذا الانشقاق ما يُضيء نشوء العنف والطغيان في صراع الجماعات من أجل أن تفرض كلٌ منها ممارستها الخاصة، أو انشقاقها الخاص، وفهمها الخاص لهذا الأصل. ولا يحلّ هذه المسألة اللجوء الى «التكفير» المتبادل، أو «النبذ» و «التهميش» المتبادلين. القتل الفرديّ أو الجماعي هو نفسه كذلك لا يحلّها. الحرب هي كذلك ليست حلاً. وهذا ما تؤكده التجربة التاريخية.

لا حلَّ إلا في الحريّة وبالحرية.

دون هذا الوعي، ستظلّ الثقافة الأصولية تدفع البشر الى العيش والعمل والتفكير خارج الواقع الإنساني الموضوعي، والى إحلال الاستيهام محلّ الواقع. وستظلّ تحرّكهم لكي يتظاهروا بأن ما يملكونه حقّاً ليس ملكاً لهم، أو بأنهم على العكس يملكون ما لا يملكونه حقّاً.

إضافةً الى هذا كله، أو بفعله، نُلاحظ في الكتابات الأصولية أن الله مجرّد «لفظة» وليس فكرةً، وأن الواقع هو كذلك لفظةً لا فكرة. وهو ما نراه عند الأصوليات الثوريّة التي حوّلت الثورة نفسها الى مجرد «لفظة».

هذا العقل في شقيهِ «الديني - الأصولي»، و «الثوري - الأصولي»، آخِذٌ في تحويل «الأصول» الى معتقل، وتحويل العقل الى مجرد آلةٍ عمياء.

- 5 -

يتأكّد، في ضوء ما تقدم، وفي ضوء التجربة التاريخية، أو الوقوف عند الجوانب السياسية، وحدها، في الحركات الأصولية، وبخاصةٍ ما اتصل منها بالعنف والإرهاب، أمرٌُ يكشف عن مسألتين: الأولى، تتمثّل في فهم الأصولية فهماً ضيّقاً، ومحدوداً، وناقِصاً.

والثانية، تتمثّل في استمرار الفكر العربي المعاصر في عزوفه، بحجةٍ أو بأخرى، عن مجابهة الأصولِ والأسس التي بُني عليها المجتمع العربي، واستمراره في معالجة القضايا الإنسانية العربية، معالجةً أفقية، سطحيّة، وذات طابعٍ «دينيّ - تبشيريّ».

في هذا المنظور، يمكن القول ان الفكر العربيّ الحديث الذي يتصدّى لبناء مجتمع عربي حديث، مدنيّ وعلمانيّ، إنما هو، باستثناءاتٍ قليلة ونادرة، جزءٌ من مشكلات هذا المجتمع، أعني أنه «أصوليةٌ» أخرى، و «قيدٌ» آخر، و «حجابٌ» آخر.

- 6 -

هكذا، يُمثّل الواقع العربي، اليوم، على الصعيد الفكريّ، حالةً ثقافيةً عربيّة لم يعرفها العرب، سابقاً. فهو، من جهةٍ، «واقعٌ» لا يُدرك إلا من حيث أنه «خيال». وهو، من جهةٍ ثانية، «خيالٌ» لا يُدرك إلا من حيث أنه «واقع».

إنه خريطةٌ ترسمها وتُعيدُ رسمها رِيشةُ السّديم.

- 7 -

فلسطين قلبُ هذه الخريطة، وحبرٌ من محابر هذا السّديم: حبرٌ خاصٌ، غريبٌ أليفٌ، ملتبسٌ واضح. وهو الى ذلك ساخرٌ وتراجيدي في آن.

دم فلسطين يتدفّق:

أمّا العين فلا تراه، وانما ترى «السلطة» و «الرّاية» و «الكرسيّ».

وأما اللغة فلا تلامِسُ» إلا «المظهر»، ذلك «السلاحَ» السّاهر الحارس، في مختلف ثيابه وقُبَّعاته،

وأمّا الآراء - الأحكام فلا تقتربُ من الشيء في ذاته، بما هو وكما هو، وإنما تقف عند حدود «استخدامه» و «الإفادة» منه، و «وظيفته»، في «لغاتٍ» فائضة،

في شهواتٍ لاقتناء ما لا حاجة له،

في «اختراع» غاياتٍ تفيض هي الأخرى عن الغاية الحقيقيّة، و «تمحوها»،

في «واقع» ليس إلا رُكام ألفاظٍ حول الموت الفلسطيني - العربيّ، اليومي، المتواصل منذ أكثر من نصف قرن.

- 8 -

العرب، اليوم، في ظلّ هذا «الواقع» يعيشون في فراغٍ «واقعي». فراغٌ يمكن أن يفسّر، الى حدٍّ، يقظة الاستيهام، والاستِسلاف، والأصل. ففي ذلك ما يتيح التوهم بأنّنا نمتلكُ بأحلامنا ما أضاعته أيدينا.

لكن هذه اليقظة محكومةٌ، قطعاً، بأن تكون يقظةً - فراغاً، بوصفها نوعاً من العودة الى الوراء. كلّ عودة الى الوراء ارتكاسٌ. أو هي شكلٌ من أشكال السقوط يُشبّهُُ لنا، لضعفنا وفقرنا، أنه شكلٌ من الصعود.

يصير التوهّم الجمعي هو نفسه الحقيقة، وتصير الألفاظ هي نفسها المعرفة. وتصير الخصوصية الفرديّة، خروجاً وهرطقة.

العماءُ، وفقاً لمنطق هذا «الواقع» يجب أن يكون شاملاً وكليّاً.

هكذا يفرغ الواقع من واقعيّته ويتحوّل الى «صورةٍ»، تتماهى مع «الأصل»: «صورة» تنطوي على كلّ شيء، وتجيبُ عن كل شيء. ولئن كان «الأصل» أجاب في الماضي، كما يعتقد الأصوليون، فلا بُدّ، إذاً، من أن تجيب «صورته» عن الحاضر وعن المستقبل.

ولا يكون الواقع مرجعاً أو معياراً. على العكس، تصبح الصورةُ - الأصل، المرجعَ والمعيار، لا في السياسة وحدها، وانما كذلك في الثقافة، علوماً وآداباً وحقوقاً وقيماً.

ولا يعود الحلُّ يُلتمسُ في ما هو أو في من هو «حاضِرٌ» «حيّ» في مُجمل شروطه، وانما يُلتمسُ، على العكس، في «الغائب» وفي «الغياب» خصوصاً، في «الأبطال» الذين ماتوا. لا يعود الحلّ، بعبارة ثانية، موجوداً في الحياة، بل في الموت. ذلك أنّ الموت هو وحده الذي يوحّد بين «الصورة» و «أصلها» ويوحّد بين «الجمع»، من جهة، والصورة - الأصل، من جهةٍ ثانية، خالِقاً في الحالين «وهمَ» الحلّ.

- 9 -

الصورة - «الأصل»، البطل - «الأب»، هو دائماً، تبعاً لمنطق هذا «الواقع»، «آخر» الأبطال، سواءٌ كان سياسيّاً أو قائداً أو شاعراً، و «آخر» العظماء. وما أكثر «آخر العظماء» في تاريخنا العربيّ الحديث.

هكذا، تحلّ في المجتمع العربي الصورةُ - الأصل محلّ الواقع، متضمنةً الحقائقَ كلّها - لا جانبها الغيبيّ وحده، وإنما كذلك جانبها «الواقعي»، الإنسانيّ. صورة - أَصلٌ: ثنائيٌ ينظر اليه، بوصفه مُتعالياً حتّى في مُحايثتهِ. ومعنى ذلك ان الحياة تكونُ تجسيداً لهذا الثنائيّ، أو لا تكون إلاّ باطِلاً. لا يعود الكلام ذا معنى إلاّ بدءاً من هذا الثّنائيّ: انطلاقاً منه، واستناداً اليه، تحقيقاً لاستيهاماتِ الجمع والجماعة.

والحق أن الكتابة العربية الراهنة، بمختلف تجلياتها، وباستثناءاتٍ نادرة، لا تقيم علاقاتها مع الواقع، بقدر ما تقيمها مع هذه الاستيهامات.

وفقدان الواقع الذي يحجبه هذا الثنائيّ هو، بمعنى ما، فقدانٌ للذات.

- 10 -

الأصولي «الدّيني» و «الثوري»، إذاً، مأخوذٌ بتكوين الفرد المتبع، المقلّد، بتكوين الشبيه والقرين و «المثل»:

ثقافيّاً، يعمل القائد الأصوليّ على انتاج الفكر المُماثِل،

فيزيولوجيّاً، يعمل «الأب» الأصوليّ على انتاج الابن الذي ينشأ، مثله «أباً»، لا ابناً.

تناسُلٌ ثقافي يتم بنوعٍ من «الانشطار» الفكريّ،

وتناسُلٌ فيزيولوجي يتمّ بنوعٍ من الانشطار الخلويّ،

ولا مكان هنا للأنثى إلا بوصفها رحِماً.

إنكارٌ كاملٌ لكل تعدديّةٍ، ولكل اختلاف.

كأنها ثقافة استنساخٍ من نوعٍ آخر. وكأن التراث مجردُ «شيفرةٍ» وراثية.

حقّاً، المشكلة العربية الأساسية، من هذه الزاوية، هي، في المقام الأول، فكريّة - ثقافية.

وكلّ فكرٍ أو أدبٍ لا يُواجه حتّى الزَّلزلة، ذلك الثنائي، فكرٌ أو أدبٌ لا يُعوّل عليه. ولن يكون إلاّ جزءاً من المعضلة.

ورد عقل
11-14-2009, 04:34 AM
أدونيس
في برنامج: خلّيك بالبيت

http://www.youtube.com/watch?v=f3VcKd57Jv4&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=KeWs-3t-Wf8&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=M_QNgPbKHvs&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=yZYFi8UpD4A&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=Snq1g67pRt0&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=Nx3y08tH8Jg&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=GYeBHkBvwJQ&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=SPmXhKnagVo&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=Y1IjWTjDevw&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=JpBJzRNUqgw&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=sw39bBe09Ww&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=xBw-KzE-GxU&feature=related