المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كمال العيادي - لماذا أدونيس وليس محمود درويش ؟!


ادارة المنتدى
05-06-2008, 02:40 AM
لماذا أدونيس وليس محمود درويش ؟!

بقلم : كمال العيادي - ميوتخ

إليه, في عيد ميلاده/ وحيدا في الزحام


مثلما كان الأمر دائما, وكما هوّ الشّأن في كلّ مرّة يتمّ فيها الإعلان عن أسماء الفائزين بأحد الجوائز الأدبيّة, كيفما وأينما كانت, جهويّة أم وطنيّة
عربيّة أو عالميّة, فقد صاحب الإعلان عن فوز الشّاعر الكبير- أدونيس-بجائزة نوبل للآداب لهذه السّنة الكثير الكثير من التململ واللّغط والهمز والغمز. وكأنّه كان هناك مرشّح عربي أهمّ من أدونيس لنيل هذه الجائزة المتواضعة.
وقد وصلت الوقاحة ببعض أنصاف وأرباع المثقّفين وأشباه الكتّاب من الكتبة المحلّيين, لحدّ التشكيك صراحة في نزاهة الجائزة وحيادها, زاعمين
أنّ رئيس لجنة التّحكيم الذي يتمتّع (حسب القانون الدّاخلي لهيئة الجائزة) بأربعة أصوات, مقابل صوت واحد لكلّ عضو من بقيّة الأعضاء, قد لعب
دورا رئيسا من جديد في التّأثير على زملائه, وكأنّ ذلك ليس من حقّه الذي يضمنه له القانون الدّاخلي الواضح, وضميره ككاتب لا يرقى الشّكّ لنزاهته
إضافة لعدم ارتباطه بأيّ جهة سياسيّة أو تكتّل خطّي في أيّ يوم من الأيّام.
وبالرّغم من أنّ الجميع كان يعرف بأنّ أدونيس أكثر المرشّحين للجائزة جدارة بنيلها, فلم يكن الأمر سهلا كما يظنّ البعض, فقد كانت هناك أيضا
ضروف موضوعيّة هامّة لم يكن من البساطة تجاهلها, كما كان هناك عدّة أسماء كلّ منها يستحقّ الجائزة وأكثر ومن بين هؤلاء, جان ماري لوكليزيو
وكونديرا وفليب روث وبول اوستر والألباني إسماعيل كاداريه وعلي مصباح ورشيد بوجدرة وصموائيل شمعون وثروة عكاشة والكاتب التّركي الشّاب أورهان ياموك وجوم ابدايك وجون اشبوري وسعدي يوسف ومحمود درويش إضافة طبعا لمؤسّس الجائزة الذي سبق وأن فاز بها مرّتين من قبل بتزكيّة منه شخصيّا وبالأجماع .
وبمجرّد الإعلان عن الجائزة على السّاعة التّاسعة والنّصف, مساء الخميس الموافق لـ السّادس من اكتوبر من الشّهر الجاري, تجمّع العديد من المثقّفين بمقهى العالم الواحد بمنطقة شفانتالا- ستراسيا, وسرعان ما انقسموا إلى مجموعتين, إحتلّتا يمين ويسار الطّاولات المنتشرة بالبهو والفسحة. وسمع الكثير من اللّغط, والجدال الحادّ, خاصّة عند الطّاولة الثّانية يمينا, التي تجمّع حولها العديد من أعضاء النّادي الفلسطيني, ورغم عدم درايتهم بالموضوع والحيثيّات, ورغم عدم إهتمامهم بالأدب أصلا, فضلا عن الشّعر, فقد كانوا مستائيين جدّا من أنّ الجائزة لم تمنح لشاعرهم محمود درويش المعروف جدّا خاصّة بين أفراد الجاليّة السّوريّة والفلسطينيّة بل أنّه يحظى أيضا بمساندة العديد من المهاجرين المغاربة اللّذين يحفظون قصيدة – مديح الظلّ العالي- عن ظهر قلب, أضافة لبعض المقاطع المناسبة من ديوانه – لماذا تركت الحصان وحيدا- تصلح في صورة حفظها مشكولة مع أبيات أخرى للأبي الطيّب المتنبّي ولأبي نوّاس للإستشهاد بها خلال الحوارات والنّقاشات السّاخنة التي تتشكّل عفويّا أو بمواعيد مضبوطة مسبقا بشارع شفابينغ وشيلنغ.
وحتّى يكون الأمر واضحا, ولقطع دابر كلّ الإشاعات المغرضة, فقد بيّن السيّد رئيس لجنة التّحكيم, الأسباب التي من أجلها تمّ منح الجائزة للشّاعر العربيّ الكبير – أدونيس- وليس للشّاعر الفلسطيني محمود درويش, ولخّص هاته الأسباب في أربع نقاط جوهريّة كانت كالتّالي :

1- أسباب علميّة بحتة : منها أنّ وظيفة الشّعر التّحرّش بقانون الجاذبيّة :

ذلك أنّ الكائن البشري, لازال يتعرّض لإهانات مخزية, بدأت بمقايضة
قيمته بتفّاحة لا قيمة لها, كانت السّبب في بطحة إلى الأرض وتركه لمصيره الذي لم يختره في يوم من الأيّام, ولم تعرف الأنظمة القمعيّة عبر التّاريخ الكوني والبشري, عقابا مفتوحا, استمرّ كلّ هذه الآلاف من السّنين من أجل جرم تافة مثل الذي تعرّض له جدّنا المناضل الفاضل – آدم – الذي تعلّم الاسماء, ثمّ نسيّها ليعاقب بتذكّرها في ما بعد.
وأكثر قسوة من ذلك, كلّ تلك الخدع المكشوفة لتكريمه الرّمزي لاحقا وما كان أشبه ذلك التّكريم بالنّياشين التي كانت تمنحها حكومة ألمانيا الشّرقيّة لمواطنيها المخلصين, الذين كانوا لا يتورّعون عن الإبلاغ بفلذات أكبادهم من أجل وسام قصديري يباع الآن وبعد خمسة عشر سنة فقط بمبلغ ثلاثين سنت بسوق الخردة. وكأنّ ذلك لم يكف, فقد لعبت نفس الثّمرة اللّعينة دورا خطيرا في إذلال الأحفاد مستغلّة سذاجتهم وقصور بصيرتهم وبصرهم, بغواية العلم هذه المرّة, فكان أن تساقطت تفّاحة أخرى على رأس المدعوّ – نيوتن- نافثة فيه من غنج سمّها ما جعله يعتقد بأنّه إكتشف قانونا خطيرا, يتمثّل ( يا للبلاهة ) في انتباهه إلى أنّ التّفاّح يسقط فعلا ولا يطير, وبذلك شرّع لقبول قانون الجاذبيّة الفاشي الذي سرعان ما فرّخ العديد من القوانين الأخرى إنتهت بوباء الكهرباء والعياذ بالله, وغيره من القوانين والأمراض التي كانت تنهش شاعريّة الكون والعناصر من الدّاخل, وكان من أثار ذلك ما تعرفون من إخضاع الورد لدبابيس المجهر وصولا للبول فوق سطح القمر وإرسال الكلبة الهجينة – لايكه- للدّوران حوله قبل ذلك, كمزيد من الإذلال والحطّ من أهمّ ما كان يلهم الشّعراء البائسين لوصف من يحبّون أو ببساطة للشّكوى والمناجاة, فكان صباحا أغبر ونذير شؤم حين نفثوا في كلّ الأجهزة الخشبيّة في ذلك الوقت صورا تبيّن – يا للفضيحة- فعلا أنّ القمر كوكب قبيح وتافه وأنّ قلبه ميّت وجاف.
فكان التّفاح بذلك ألدّ أعداء الشّعر. الشّعر الذي يتماهى أساسا بتجاوز القوانين الثّابتة
والعطاء بدل الأخذ والتسامح بدل العقاب, والوعد بدل الوعيد والإرتفاع بدل السّقوط.

2- ما دخل كلّ ذلك في منح الجائزة لأدونيس وليس لمحمود درويش ؟

الجواب سهل وبسيط, فشعر محمود درويش متدلّق إلى الارض. مرتبط بها إرتباطا لا سبيل للفكاك منه. ولولا نفس قطعة الأرض تلك المدنّسة بالدّم والتي كانت عبر كلّ العصور مذبحا ومسرحا لسفك دماء لا نهاية لكفكفة نزيفها,
لما كان محمود درويش, أو الأصحّ لكان محمود درويش, ذلك أنّه أبدع في مواضع كثيرة رغم كلّ ثقل تاريخ أرضه الصّغيرة وحدّة أسياخ جغرافيّتها.
واستطاع أن يكون مع الوقت ما يشبه ضميرا يتكلّم بلسان أمّة مظلومة مقهورة,
فكان خطابه ومشروعه الشّعري مشدودا بذلك لمواقف وأحداث آنيّة, هيّ طويلة نسبيّا بقياس متوسّط العمر البشري, ولكنّها لاشيئ أمام ديمومة الشّعر, ومتوسّط حيّز الخلود والتّاريخ خارج جغرافيّة التّاريخ وحدوده.
مقابل ذلك, نجد أنّ شعر – أدونيس – يحلّق بعيدا بعيدا عن هذه المدارات المحدودة, فقد انتبه منذ زمن طويل, إلى أنّ قضيّة الشّعر هيّ تخليصه من كلّ ما هوّ أرض فيه. فكانت الأرض بالنّسبة له بقعة تحت قدميه تذكّره بفضاضة عسكريّة, أنّه ليس إله. وكانت علاقته بها علاقة الفطن لخطورة أمومة الأنثى في أسر طينتها ووليدها. فكان في أغلب شعره مارقا متحدّيا فاضحا لمكر الأرض والعلم والزّمن وكلّ العصابة المتحالفة ضدّ تحرّر الشّعر واستقلاليّته و أعاد الإعتبار لوظيفة العناصر الممكنة بمحاولة خلقها من جديد ثمّ تسميّتها, بدل تكريسها وإعادة تجريبها وتلمّسها على إعتبار أنّها كانت موجودة بالفعل قبل وجودها الأصلي. ( وعلّمنا آدم الأسماء كلّها ).
لذلك فليس من الغريب في ضوء كلّ هذه المعطيات أن يعرف محمود درويش ببيته الشّهير – نازلا من نخلة الجرح القديم إلى تفاصيل البلاد …-
في حين يجيبه – أدونيس من هناك, من السّماء اللّتي سوّاها, قائلا : ( حاضنا سنبلة الوقت ورأسي برج نار…) ومن خلال مئات الأمثال المشابهة تتوضّح لنا ملامح الهمّ الحقيقي لكلّ منهما, متراوحا بين إطارين, الزّمان والمكان.

3- أسباب وعوائق لغويّة أيضا, تفضح التّرجمة بعضها بحدّة مؤلمة :

من البديهيّ أن يكون الشّعر عالميّ. ذلك أنّ كتابته أوّل الأمر بلغة معيّنة
لا يفقده شيئا من تعاليه على كلّ اللّغات, وأنّ ذلك لم يكن إلاّ لقصور ومحدوديّة إمكانيّات تدوينه. فاللّغة, كلّ لغة صندوق صغير مصنوع بعناية من خشب أو طين الأرض وفق حاجيّات ملّحّة للتّواصل, وهي تتآكل من جوانب وتينع من جوانب أخرى, حسب الحاجة وتغيّر أمكانيّات الإتّصال والأنفصال. ووفق تراكم متقاطع.
ولا غرابة أن نجد أنّ أبسط مساعد كيميائي يعرف من أسماء الزّهور ووظائفها أكثر من أيّ شاعر بنفس الزّمن والأرض. وربّما بسبب ذلك, بقي الشّعر متخلّفا في أغلب مناطق الأرض, عبر كلّ العصور, ما عدا بعض البلدان الأقلّ مصابا, كالصّين مثلا أو اليونان بسبب كبرياء ابداعيّة خاصّة جدّا. في حين نجد أنّ الشّعر العربي كان في أغلب الوقت مجرّد استعراض عضلات في اتقان لعبة اسمها التبييت لركوب بحر. والمحافظة بحذر في مسك رويّ وتوزيع الجراح بين صدر وعجز. هذا طبعا باستثناء بعض الحالات النّادرة جدّا إستطاعت التحايل والخروج من هذا المأزق بقدرة شياطين أصحابها بالأساس ومنهم بعض اصحاب المعلّقات وثلاثة شعراء من العهد الأموي ثمّ مثل ذلك من العهد العبّاسي ونفس العدد موزّع على ألف سنة أخرى.
ولم تعرف التّجربة الإنسانيّة فترة لإزدهار الشّعر مثل هذا القرن الذي نعيشه ونصف القرن الذي سبقه, حيث أمكن لنا عبر ترجمات متقنة وتقارب حدود الأرض من تطوير أدواتنا للفهم والتّّذوّق وقبول الشّعر كتجربة إنسانيّة تخاطب الكائن البشري من داخل قضبان ضلوعه, فكان من نتاج ذلك أن تمدّدت مفاصل القصيدة أوّل الامر, متخلّصة من حدودها المتخشّبة لتلد قصيدة تّفعيلة حسناء فتيّة يانعة, لكنّها تلوك الكثير من معتقدات أمّها وتكاد ترفل في نفس الثّوب التقليدي الدّاكن, بعد أن تمّ تفصيله لها من جديد بحيث أصبح أكثر إغراء وانحصارا عند الصّدر و الكفل والرّكبتين وبعض الثّنايا الأخرى كما يليق بفتاة جميلة ومتحضّرة وتفهم الدنيا, في ذلك الوقت وبمقاييسه
ثمّ لم تلبث أن انتصرت طبيعة الشّعر كما كان عليه منذ البدء أن يكون, ولم يكن من الممكن إعادة المارد المخصيّ المبنّج لقمقمه بعد ذلك, فرمى بكلّ القيود مذكّرا إيّانا بصيحة شمشوم الجبّار حين جذب إليه بالعامودين صارخا :
” عليّ وعلى أعدائي. ” … ولا أرى داعيا للتّذكير بأنّ أدونيس كان وراء كل ذلك.
وهو الذي هندس بتخطيط جبّار بدأ بمراجعتة للثّابت والمتحوّل مع كثير من الشّاعريّة أمكن تطويرها بصبر ومهارة مذهلة , لم الممكن إكتسابها ولا تعلّمها.
وهو بذلك كان أيضا, كان المتسبّب في فقإ عين الدّمّلة ليحدث الجرح الضّروري.
ومن المؤكّد أنّ الحشرات ستلعق من عطب هذا الجرح, ومن المؤكّد أنّ الجراثيم ستزيد رخوته و بطء إلتآمه, ولكنّ الأمل كبير, ولم يكن في أيّ وقت من الأوقات أكبر, لرجوع الشّعر لأصوله وعافيته, ولعب دوره الحقيقي والنّبيل في الإساءة لحرّاس القيود من الكائنات والجماد والظّنون, وفضح مزاعم ومكر العلم العميل.

في ضوء كلّ ذلك, تساعد التّرجمة الجيّدة في الإسراع بوصول الشّعر لغايته من ناحيّة, ثم أنّها تتّخذ دور الحكم المحايد في غربلة خام الشّاعريّة
وفائض الشّعر من المحلّيّة و الشّعارات والتّحذلق و بقايا المقوّيات و الدّسم المضرّ.
وقد بدأنا فعلا في التّمتع بثمار ذلك منذ ترجمة رامبو وليركه وغوته ونيرودا و قبلهم بوشكين وليرمنتوف ودافيدوف ويلسين وبودلير ومئات من الأسماء التي ساهمت في نقاحة جسم الشّعر العالمي العليل, بشدّ بعضه بعضا وتبادل الوظائف والخبرة بين مراكز تجمّع خلاياه. وسيكون لكلّ نصّ شعري حقيقيّ ومتين مترجم دور هامّ في التّخلّص من الدّاء والخدر. والآن أطرح سؤالا ماكرا, ولن أجيب عليه :
ماذا استفاد الآخرون وماذا استفاد الشّعر العالمي, من ترجمة محمود درويش ؟ لنقل مثلا بالألمانيّة أو اليابانيّة أو البلغاريّة أو حتّى الهولنديّة :
( وكنت وحدي…أه يا وحدي ….؟؟؟؟؟ )

شخصيّا حاولت الكثير إقناع سيّدة ألمانيّة تعبد الشّعر بقصائد لمحمود درويش مستعينا بترجمات بين يديّ محترمة جدّا, لعلّها أفضل ما يوجد في سوق الكتب, ولكنّها كانت تنابعني ببلاهة ثمّ بشفقة قبل أن تطلب كأسا آخر من الكونياك…طيّب, لقد سحرتها في نفس اللّيلة حين قرأت لها ما أحفظ من شعر – أدونيس- وكانت تتنهّد كامل الوقت…
طيّب, لقد سحرتها في نفس اللّيلة حين قرأت لها ما أحفظ من شعر – أدونيس- وكانت تتنهّد كامل الوقت, حتّى انّها سألتني أن كان يأكل بلحا ويركب الجمال مثلنا…وهي الآن تعلّق صورته حين كان في الخمسين من العمر في قاعة الضّيوف, وتلوي شفتيها حين يسألها زائر عن الصّورة, وتجيبه : - أندونس !!

4- أنّ جائزة نوبل جائزة متواضعة, لكنّ مؤسّسها يمنحها لمن يشاء :

بعد كلّ هذه الشّروح, فإنّ جائزة نوبل جائزة شخصيّة ومتواضعة يمنحها النّادي الثّقافي أبو القاسم الشّابي بميونيخ, وبالتّحديد رئيسه والمشرف عليه شخصيّا , القيرواني المتواضع, كمال العيّادي, وقيمتها مبلغ مئة وسبعين أورو يعلم الله كيف وفّرناه, إضافة لقلم حبر جيّد ومحفظة جلديّة من الصّناعات التّقليديّة.
ويمكن لكلّ شخص لم يعجبه قرار منحي للجائزة لأدونيس أن يبعث بنفسه جائزة ويمنحها لمن يشاء ممّن يراه جديرا بذلك. دون التّهجّم على شخصي بدون موجب.
أنا حرّ أن أهب جائزتي لمن أشاء. وربّما غيّرت إسمها أيضا حتّى لا يظنّ الصّائدون في الماء العكر. المتربّصون بي وبالنّادي الثّقافي الذي أشرف عليه بميونخ
أنّني سميّتها كذلك لإستغلال إسم جائزة عالميّة معروفة جدّا تكتب بحرف الباء
B – NOBEL
وليس بحرف الـباء اللاّتينيّة والتي يكتبها الكثر بدمغ ثلاثة نقاط في الاسفل.
P / NOPEL
كما هوّ الشّأن مع جائزتي هذه, التي أمنحها لنفسي ولأصدقائي ممّن أؤمن بهم حقّا, وأفعل ذلك بكلّ نزاهة, مقتطعا قيمتها من مصروفي الشّخصي وعلى حساب ميزانيّة النّادي الذي أموّله من ثلاث سنوات بنفسي. رافضا أن يركبه أيّ حمار أو بغل, يأكل من زادي ويمسكني على حدّ قول المتنبّي . ثمّ بصراحة ليست مشكلتي أنّ الحروف الأبجديّة توفّر حرف الباء بكرم ولكنّك لا تجد بها حرف الباء المقصود لحدّ اليوم.

كمال العيادي - ميونيخ.

عن موقع دروب

صفاء ابو صالح
05-10-2008, 12:19 PM
أدونيس لـ «الشرق الأوسط» :والدتي فلاحة تجاوزت المائة وفيها كل أشياء الطبيعة / عن دار الكشكول

عندما يجلس مع نساء عائلته فكأنما هي الجنة على الأرض


أدونيس: أحببت نساء عديدات وما زلت أحب


دبي: شاكر نوري

صدر لأدونيس، أخيراً كتابان جديدان عن «دار الساقي»، احدهما يحمل عنوان «اهدأ هاملت/ تنشق جنون اوفيليا» والآخر عنوانه «وراق يبيع كتب النجوم». والكتابان لا يختلفان في روحهما المتمردة العنيدة، عن الكتاب الثالث الذي كان قد صدر العام الماضي باسم «تاريخ يتمزق في جسد امرأة». وإذا كان ادونيس قد قال الكثير في كتبه الأخيرة هذه، فإن موضوع المرأة العزيز على قلبه يبقى، مع ذلك موضع سؤال، ومكان حماسة الشاعر. الحوار مع ادونيس مثير على الدوام، لكنه اكثر اثارة حينما يدور حول المرأة. فهل حقا يكتب ويتحدث ادونيس عن المرأة الواقعية ام عن المرأة المطلقة في خياله ووجدانه، خاصة وانه محاط بعالم انثوي بامتياز في احضان والدته وبين زوجته وابنتيه و«عشيقاته» اللواتي يزرن مخيلته كلما ازداد حنينه إليهن. فمن تكون المرأة في مخيلة ادونيس يا ترى، هذا ما حاولنا ان نعرفه من طرح هذه الاسئلة:
> من هي المرأة في خيال ادونيس وشعره؟

ـ أنت تعرف ان قطبي العالم، هما الذكورة والأنوثة ولكن ابطال العالم هم على الدوام من الذكور. الانوثة هي القطب الاساسي في هذا الوجود باعتبار ان قطب الذكورة ليس موجودا إلا بهذه الوحدة بين الذكورة والانوثة. واول من نبه لأهمية الانوثة في تاريخنا المكتوب هم المتصوفون، وبشكل خاص محيي الدين بن عربي، إذ يقول: «لكي يصل الانسان الى المطلق، أي الى الله، لا بد له من ان يمر بالانوثة». وهذا يعني ان الانوثة هي طريق الانسان الى المطلق. نستطيع ان نقول تبعا لذلك، بالنسبة الي شخصيا، ان الانوثة هي طريقي الى نفسي. فلكي اجد نفسي، لا بد لي ان امر او اعيش في الانوثة. ولذلك فإن الوجود دائما حسب ابن عربي يتجسد في قوله«كل مكان لا يؤنث لا يُعول عليه». وبناء على ذلك، فالرجل نفسه او الذكورة لا بد ان تكون مُلقحة بالانوثة. والانوثة لا بد ان تكون ملقحة بشيء من الذكورة، لأن هناك وحدة أساسية بين هذين القطبين. للأسف، تم فصل هذه الوحدة ونظر الى المرأة بوصفها كائنا مستقلا، عن الرجل الذكر، وفي موقع دوني. كأن الروح حلت محل الرجل وكأن الجسد صار هو المرأة. وبهذا المعنى هُمشت المرأة، وبدل أن تظل قطبا أساسيا مثل الرجل، صارت موضوعا، بل وشيئا من الأشياء، تستخدم كما تستخدم الأشياء الأخرى.

علاقتي بالمرأة هي علاقة كيانية، اذا ما نظرنا الى الانسان باعتباره نوعا من التوق المتواصل الى معرفة نفسه من جهة والى معرفة العالم من جهة أخرى. فبعد الانوثة يجب ان يكون جوهريا في فكره وفي سلوكه أيضا. ولذلك فالمرأة بالنسبة اليّ أكثر من جسد وأكثر من كونها رفيقة حياة، هي تمثل العمق الذي أبحث عنه باستمرار في الكون، وفي الوجود، كما لو كانت غيبا متجسدا. وهذا الغيب المتجسد، يظل غيبا يحثك على بحث متواصل لكي تلمسه أو تصل اليه. وكلما وصلت أو خُيل اليك انك وصلت، تكتشف أنك ما تزال على مسافة بعيدة من الجوهر الاساس. وبهذا المعنى يقال شعبيا ان المرأة لا تفهم. فالمرأة لا تفهم بالمعنى العميق، لا لصفاتها التي تطلق عليها وانما لطبيعة وجودها وطبيعة ما تمثله في العالم. هي جزء من سر العالم الذي يظل سرا لحسن الحظ. تصور لو أننا وصلنا فعليا للمعرفة الكاملة والنهائية لهذا الجسد او هذه الانوثة، لكان العالم ينتهي. ولحسن الحظ، لا الانسان الذكر يعرف نفسه، ولا يعرف الانوثة ايضا. فهذه من المحرضات الاساسية من أجل أن يظل الوجود في حركة دائمة، ويظل الانسان تواقا الى اكتشاف العالم. واذا هبطنا من هذا المستوى النظري المبدئي، الى مستوى الحياة اليومية، فكل شيء يظهر عندنا خاطئا.

>لماذا ما يزال العرب ينظرون الى المرأة نظرة دونية؟

ـ أعتقد أن السبب الاساسي في ذلك يعود الى الثقافة التي نظرت الى المرأة، نظرة دونية واعتبرتها مجرد انتاج للتناسل فقط. من أجل ذلك أصبح كل ما يتعلق بالمرأة مشوها او مكانا للخطيئة كأن جسد المرأة واسطة للخطيئة ومكان لهذه الخطيئة. وأستغرب أنا شخصيا من استمرار مثل هذه النظرة وأتساءل: اذا كانت المرأة فعلا مكانا للخطيئة، كيف لها ان تلد انبياء وقديسين وعظماء. اذاً من خلال المرأة يجب ان يعاد النظر في ثقافتنا، ولا يعاد فقط على المستوى النظري، بل وعلى المستوى العملي ايضا.

وأعتقد اذا كانت هناك روح فهي تبدأ بالجسد بكل خلية من خلاياه، ولذلك فإن مفهوم الخطيئة يجب ان ينتهي. نظرتي في هذا الصدد، متناقضة تناقضا كليا، مع النظرة السائدة. وعلى هذا الاساس، عندما اكتب عن المرأة لا اكتب عن امرأة محددة ولكن أكتب عن معنى المرأة، لكن هذا المعنى في الوقت نفسه ينطلق من تجربة حية، متجسد مع امرأة محددة. لذا أعطي هذه المرأة المحددة هذا البعد الكوني. ولكي انشر، لا شعوريا، عدوى ما افكر به، فإن كل ما اكتبه قائم على هذه الفكرة، ومستمد من هذه الانوثة. المرأة حاضرة في كل شعري حتى عندما لا اذكرها. هي مثل هواء، مثل نفس كوني، مدسوس في كل شعري وكتاباتي.

> تبحث عن المرأة بهذا المفهوم، وقد تخطيت السبعين، يعني ذلك أن البحث عن المرأة لا علاقة له بالعمر الزمني.

ـ المرأة بهذا المعنى هي حب أيضا، ولا عمر للحب. فالعمر الزمني لا يؤثر ولا قيمة له، ثم هناك اشياء نفسية تساعد المرأة في هذا الحب: مثلا هناك نساء يحببن آباءهن، ونساء يبحثن عن اولادهن في عشاقهن..

>أدونيس هل أحببت نساء كثيرات في حياتك؟

ـ نعم أحببت نساء عديدات، ولا أزال أحب. وجزء من تمردي العام على الثقافة التي ورثناها هو تمردي أيضا على النظر الى مستوى العلاقة بالمرأة. لكن ما ابيحه لنفسي كرجل أبيحه لشريكتي الأنثى أيضا.

> أنت محاط بعالم أنثوي وبحب غامر من الأم والزوجة والبنتين، فما شعورك حين تكون بينهن؟

ـ عالمي اجمالا عالم أنوثة وفيَّ خصائص من الأنوثة كثيرة. وأنا سعيد بذلك جدا. ووجودي معهن هو كوجودي في الجنة على الأرض، رغم ان لدي أخوة. لكن للجنة مشكلاتها، ولحسن الحظ ان للجنة مشكلاتها، والا لكانت مملة ورتيبة، لكن هذه المشكلات لمزيد من التعرف، ولمزيد من الكشف، يعني تتحول هذه المشكلات الى ايجابيات. لا راحة في الحب، فالحب نوع من النضال والجهد والاكتشاف، وكل هذا فيه شيء من التعب، الراحة البليدة هي مرض. وأنا لا أحب الراحة البليدة، أحب الراحة الملقحة بتساؤلات، والملقحة بشيء من المشكلات، والملقحة بالتأثيرات، لكي يظل الانسان يقظا ومتحركا. والدتي لا تقرأ ولا تكتب، والآن تجاوزت المائة من عمرها بثلاث أو بأربع سنوات، وعلاقتي بها مثل علاقتي بالطبيعة. لا أستطيع ان أتناقش معها، لأنها كما قلت لا تقرأ ولا تكتب. فهي فلاحة، لكن فلاحة فيها كل اشياء الطبيعة، يعني احسها في الوقت نفسه جبلا وبحرا وواديا وغابة وشجرة مفردة وسهلا بلا نهاية، حقلا بلا نهاية. فهي بالنسبة اليّ الطبيعة، التي اسافر فيها، واتقلب بحسب طقوسها وبحسب فصولها. هي تجسيد فعلا للطبيعة، أكثر مما هي من جهة العقل والنظر والتأمل.

> هل تعتقد أن الثقافة الغربية وصلت الى حلول في النظر الى المرأة؟

ـ لا إطلاقا. لا تنسى، ان الثقافة المسيحية نظرت بدونية أيضا الى الجسد الذي هو رمز الخطيئة. المرأة في الغرب، خارج نطاق الزوجية، شعرت أو أخذت تشعر انها حرة وتستطيع ان تعشق من تشاء. لكن ما زالت هناك مشكلات كبرى في البنية الاساسية للمجتمعات الغربية. أي لا تزال النظرة الدونية للجسد قائمة وموجودة وعندها مشكلات، إنما غطى على هذه المشكلات تطور القانون في الغرب. أعطيت المرأة حقوقها القانونية الكاملة، لكن هناك ما وراء القانون، هناك الحياة الاجتماعية اليومية، وهو موضوع آخر. وكل ما يشاع عن المرأة الفرنسية، انها متفلتة وحرة، اعتقد انها صورة خاطئة. لأن المرأة الفرنسية لا تزال في اعماقها محافظة حتى الآن.

> ما هو رأيك عندما يقال بأن نزار قباني شاعر المرأة؟

ـ نزار قباني صديقي وحبيبي. عشنا معا لفترة، وأنا احترم تجربته، واعتقد انه شاعر كبير، لكن نظرته للمرأة لا أقرها لأنه ساعد المرأة على التحرر الشكلي من القيود والمعوقات، وجعلها تعتني بجسدها كما تشتهي، لكنه لم يلامس الجذور العميقة لمسألة التحرر. التحرر يجب ان يبدأ من تحرر الذات، الداخل، انه تحرر الأفكار والمفاهيم. نزار لم يذهب بعيدا في هذه الخطوات التي بدأها، وهي مهمة جدا.

> إلام يعود ذلك القصور، الى الوعي أو الى الثقافة العربية السائدة؟

ـ لا أعرف. هناك شروط اجتماعية، لأن الفرد أيضا مشروط بمجتمعه مهما تمرد. هناك مجتمع بنيته متخلفة أو غير متقدمة أو متزمتة، يدفع الشاعر الثمن باعتباره متمردا أو كامرأة متمردة، لأن المجتمع لم يتحرر بعد. حتى يتحقق التحرر الفردي، يجب ان يتحرر المجتمع ايضا، بحيث يصبح المتحرر كأنه يرتكب خطيئة بالنسبة للمجتمع ويدفع ثمن ارتكاب هذه الخطيئة. ولذلك نتمنى ان ننقل افكارنا في التحرر الى مختلف الفئات الاجتماعية. المجتمع كله يتحرر لا بأفكاره وحدها وإنما بمؤسساته أيضا، ينشئ مؤسسات قانونية واجتماعية تحمي هذه الحرية الفردية وتحتضنها.

> مَن من الشعراء القدامى أعطى صورة ناصعة للمرأة، حسب رأيك؟

ـ تعرف ان الشعراء القدامى كانوا ينظرون الى المرأة نظرة غزلية. كان الشاعر العربي، يغزو المرأة ويزهو بانتصاراته في هذا الغزو، ويكتب عنها بهذه العقلية الغازية المنتصرة. هناك شعر جميل بهذا المعنى. وهناك شعراء كتبوا عن المرأة بوصفها قلعة يحاول الشاعر ان يفتتحها ويهدم أسوارها لكي يصل اليها. فالشعر العربي بهذين الاتجاهين، اما انه غزا ونجح في غزوه، ويصف هذا النجاح، واما انه يخطو الى افتتاح هذه القلعة، ويتألم ويشكو، وربما لا يصل أو يصل قليلا. ليست هناك صورة للمرأة ككيان حر في الشعر العربي، انما هذه الصورة تعطيها المرأة بالعكس، المرأة هي التي تعطي عن نفسها صورة حرة، مثلا، تقول ولادة بنت المستكفي:

أُمكنُّ عاشقي من صحن خدي

وأعطي قبلتي من يشتهيها

المرأة هي التي تعبر. النساء العربيات قبل الاسلام كن يتزوجن بأنفسهن ويخترن الرجل، وكن هن اللاتي يطلقن الرجل أيضا. فهناك امرأة مشهورة تزوجت اربعين مرة، ولم يقل عنها أحد انها امرأة زانية، ولم ينتقدها أحد على الاطلاق. وكانوا يقولون هذا من حقها. إذاً نجد الصورة الحقيقية للمرأة الحرة، عند المرأة العربية، أكثر مما نجدها عند الرجل العربي.

الشرق الأوسط/21 نوفمبر 2007

صفاء ابو صالح
05-10-2008, 12:31 PM
أوراق في الريح /أدونيس
-1-

لأنني أمشي

أدركني نعشي.

-2-

أسيرُ في الدرب التي تُوصلُ اللهَ

إلى الستائر المُسدلَهْ

لعلّني أقدر أن أبدلَهْ.

-3-

قالَ خَطْوي وَرَدّتْ أبعادي:

"قد تكون الحياةُ أضيقَ من ثقبٍ صغيرٍ في كومةٍ من رمادِ".

-4-

كاللعبِ

تركض في مفاصلي

كلّ رياحِ التّعبِ ،

هل رُوّعتْ من لَهبي

فالتجأت لريشتي

واختبأتْ في كتبي ؟

-5-

حولي ، على وجه الضّحى ، صدَأٌ

يغفو على بابي

في شكل أظفار وأنيابِ

أرنو له بغدي وأغسلهُ

بدمي وأعصابي.

-6-

ألموعد المجهولُ في صمت العذابِ

إبرٌ تخيّط لي إهابي.

عَمِيتْ دروبي: أين وَجْهُ الأفْق يقرأ لي كتابي؟

-7-

وطني يُغَلْغِلُ في متاهٍ أجردِ

هذا غدٌ ؟ لا لستُ من هذا الغدِ.

-8-

نهر العالم ارتوى

من سراديب رجسهِ

أرضه، منذُ كوّنت

أَطفأتْ شمعة الغدِ ،

قال عنه تجدّدي:

"أنا أجري بعكسهِ".

-9-

لكي تقول الحقيقَهْ

غيِّر خطاكَ ، تهيّأْ

لكي تصيرَ حريقهْ.

-10-

كلّ العالم فِيّ جديدُ

حين أريدُ.

-11-

لأنّه روّى من دمِه قولَهْ

لأنّه أسمى

من كلّ مَن حولَهْ،

قالوا له: "أعمى"

وانتحلوا قولَهْ.

-12-

حتى الخطيئهْ ،

تتلبّس الصُّور المضيئهْ

وتقول: "حدسيَ مطلقٌ بكرٌ ن وتجربتي بديئه".

-13-

يبتكرون الحياةَ بالعددِ

بواحدٍ جائعٍ بدون يدِ،

وآخرٍ نصْفهُ من الزّبدِ:

لا يُبدع الرّملُ أيّ أغْنيةٍ

ولا تُحسُّ الأشياءُ بالأبَدِ.

-14-

يطغى بي الحُلُمُ

فأضيعُ مِن شَغَفٍ،

وأكاد بالعَبثِ الفضيّ أرتطمُ.

-15-

لا ، لا . أحبّ ، أحبّ أن أثقا:

وبسطتُ أجنحتي ومنحتُها الأفُقا

فتناثرت مِزَقا...

-16-

بنثرةٍ من الملَلْ ،

أردم كلّ لحظةٍ

بُحيرةً من الأمَلْ.

-17-

في جانحيّ دليلٌ

يسير بي للطّريق

وفي الطّريق رمادٌ

يخبو ، ووهجُ حريق.

-18-

أمسحُ بانتظاري

عناكبَ الغُبارِ...

-19-

بغد غَدٍ أبني

بيتيَ بالأمسِ

وأمسِ كالرَمسِ:

وارحمةَ الشمسِ...

-20-

قال لي تاريخيَ الغارِسُ في الرفض جذورَهْ:

"كلما غبتَ عن العالم أدركتَ حضورَهْ".

-21-

ناضلْ حتى يصل الحجَرُ

للشمس - لِما لا يُنتظَرُ.

-22-

في الطّاقة الخَرزيّهْ

مازال خيطُ بصيصٍ

من الضحى، وبقيّه.

-23-

أصوغ من وساديَ المحجّرِ

أغنيتي وريشتي ودفتري.

-24-

لا، لم يُقطَفْ بعدُ الثّمَرُ

فهو جنينٌ مُنْتَظَرُ..

-25-

أجدرُ بالحاضرِ لو يُقَلَبُ:

لو كعبُهُ يحلمُ، أو يكتُبُ..

-26-

قال الربيعُ:

"حتى أنا في كل ثانيةٍ أضيّعها، أضيعُ".

-27-

أنا بيت الضّوء الذي لا يُضاءُ:

قلقي شعلةٌ على جبل التّيه

وحبّي منارةٌ خضراءُ.

-28-

في عروقي تغفو طواعيةُ الحلم، وتبكي قيثارة الأشياءِ:

ما على الفجر لو ترسّم خطوي

ما علي الشمسِ ، لو تسيرُ ورائي ؟

-29-

في بلادي تمشي أماميَ حُفْرَهْ

صُنِعت من دمٍ وعَسْفٍ ومكرِ،

في بلادي تُبنى السماء بشَعْرَهْ

وتُهدُّ الدنيا بلطْمة ظفْرِ.

-30-

رَقصت بين جفوني الخائِفَهْ

جثة الليل وحرْباءُ المدينَهْ،

فَتقنّعْتُ بعشتار الحزينَهْ

ورسمتُ العاصِفَهْ.

-31-

أمسِ ، فأرَه

حَفَرتْ في رأسيَ الضائعِ حُفْرَه ؛

ربما ترغب أن تَسكن فيهِ

ربما تطمح أن تملك فيهِ

كل تِيه

ربما ترغبُ أن تُصبحَ فكْرَه..

-32-

أَعْطِ للفأرة سوطاً

تتبختَرْ كالطُّغاةِ ،

رَحِمُ الفأرةِ مزحومٌ بذئبٍ وبِشاةِ.

-33-

شَدّ على لسانِه وكَمّا

فمات ، بعد برهةٍ ، أصمّا.

-34-

بدلّ حتى خطَاه

بِلألأهْ:

كيف يصوغُ مَبْدأهْ ؟

-35-

يا وجهَ الممكن ، وجهَ الأفُقِ

غيَرْ شمسَك ، أو فاحترقِ...

-36-

أعمقُ أن أغيبا

أن أسكنَ الغريبا ،

لكي أصوغَ شكلَ السؤال، أو أجيبا.

-37-

هذا الجيل الطالع بعدي مثلَ هدير الأشياءِ

هذا الجيل وقفتُ عليه كل غنائي

لم يُولد بعد، ولكن ها هو ينبض في أعماق الوطن

ها هو يحرق ثوب العفَنِ.

ها هو ينقب سدّ الأمسِ،

بيد الشّمسِ،

ذاك الجيل الطالع بعدي مثل الماءِ

مثل هدير الأشياءِ.

-38-

قلبت كرسيّ عرشي:

فحين أزهو وألهو

أصوغ، في السرّ ، نعشي

وحين أتعبُ ، أمشي.

-39-

تيْبسُ ، تيبسُ أعصابي

كالقَشِّ ، كفأس الحطّابِ :

أيّ دخيلٍ تحت إهابي ؟

-40-

لأنّه الأفْقُ صدىً كلُّهُ

قلبٌ من الآتي وتسبيحُ،

لا تهرمُ الريحُ.

-41-

أرقبُ اللهَ عن كثَبْ

بَصري نورُ شمععة

وحنايايَ من لهَبْ:

وحدَهُ ، يفهم التَعَبْ.

-42-

لا أنحني

إلا لأحضن موطني

أنا صدرُ أمّ مرضعٍ تحنو ، وجبهةُ مؤمنِ.

-43-

من يرى الموتَ مِثلَهُ والحياةَ ،

يكتب الليلَ والنهار يعينيه

وتمحو أوراقهُ الممْحاةَ.

-44-

لأنّه يحيا صدىً وأشتاتا ،

إحساسُه ماتا.

-45-

هذا العالم ، منذُ ابتدأَ

لم يطفئْ حتى .. حتى الظَمأَ ..

-46-

يتّكئْ السجنُ على قَملتينْ:

إحداهما حُبلى ، وتلك التي

ماتت ، تصبّ الأكل في قَصْعتينْ.

-47-

يا شمعةَ المستقبل البصيرَهْ ،

مالي أخاف الطّرُقَ القصيرَهْ ؟

-48-

أحسّ المغيّب ينبت قربي:

خطايَ اكتشافٌ

وسيريَ أبعدُ من كل دربِ .

-49-

قال الغد الحائرْ:

"إن طفر اللحنُ

من شفتيْ طائِرْ ،

لا يطربُ الغصنُ".

-50-

هذا العالمُ: من يبنيهِ

يرميه أكثرَ في التّيهِ.

-51-

رأسه تحت وجهه

والعصافير فوق رأسهِ

تتلهّى بيأسِه ،

والليالي تخثّرت

عَلَقاً مِلْءَ نفسِه.

خلف عينيه قصّةٌ

لم تُترجم حروفها

جذعها الشكّ والحذرْ

والمآسي قطوفها.

عمره شقُّ حفرةٍ

وسراديبُ تُبتكَرْ

هو دنيا طويلةٌ

برغيفين تُختَصرْ.

غده خلف أمهِ

وحانياه للتهرّؤِ والقي مشتلُ ،

كادت الأرض تجفلُ

حين همّت بلمسِه.

...

زمن الشمس في خطاه جليدٌ محجّرُ

والثواني تفسّخت عبثاً لا يُفسّرُ

في ينابيع حدسهِ.

...

قلبه خيط سنبلٍ

واختلاجاته قصبْ

رُبّ جفنين من حطبْ

رفْرفا عبر هجِه:

لا تقل مات يأسهُ

نبضه سرّ يأسِه.

-52-

بعد الموتِ،

لا صوتَ يجسِّدُ لي صوتي.

-53-

أتفهمني وأنا كالحياة عميقٌ بعيدُ؟

وكيف تحقّقتَ أني أحبّ وأني أريدُ

وفي رغبتي للرّياح مقرٌّ وقطبُ

وفوق لساني حديدُ؟

أتفهمني؟ لون عينيّ شمسٌ

ولونُ خطايَ جليدُ.

-54-

أَطعمِ الأيام زندَكْ،

تكبرِ الأشياء بعدَك.

-55-

أعمق ما يفسّر الأرضا

حشرجةُ المرضى.

-56-

أجيءُ مع الناس للكونِ حلماً

وأذهبُ حُلما

وحسبي ، أضيفُ لهذا الوجودِ

صباحاً ، ورفّةَ جَنْحين ، واسْما .

-57-

هُوذا ، يرفض أن يرقى

إلا حرْقا ،

فيه نارٌ لا تخبو

فيه القلبٌ.

-58-

نوافذُ من الدموع هاجرتْ

وجبلٌ من الزّنودِ غائِرٌ

يرصدُه الهواءُ والصَنوبرُ الحزينُ ، كلّ لحظةٍ.

وتينةٌ عتيقةٌ

جفونها من البكاء التصقت بساقِها

والصّمتُ سنَّ إبرَ النسيجِ:

خاطَ جَرساً من الحُفَرْ.

خُيِّلَ لي كأنني

أسمعُ لغوَ طفلةٍ تسمّرت على السرير كفُّها

وعَلِقت جفونُها بخاطرٍ تحسبه فراشةً

أو كرةً أو لعبةً لم تلمح السماءُ مثل لونها.

خُسِّل لي كأنني في سهَرٍ وفي سَمَرْ

أجلس مع سيدةٍ تظنني حفيدها

تأسرنا بالقصص الغريبِ كلّ ليلةٍ:

"جنّيةُ المياه في غلالةٍ من الدّجى

تبدو لنا شرارةً أو شبحاً

تحبّنا ، تأخذنا لأرضها،

تُلبسنا ثيابَها الريحيّة ، الخفيّة الخيوطِ .

وحارسُ القطيع في تلالِه

تقتله الذئابُ أو يقتلُها.

والفارس الجميلُ في هجومه

يقضي على غريمه بلفتةٍ

ويخطفُ الحبيبةَ الحلوة من خِبائها".

...

خُيّل لي كأنني

أُمسِكُ شعرَ الزمن المسافر الذي عَبَر

أجدله أُعيده نوافذاً

وطفلةً صغيرةً وجدّةً

وأستعيدُ ما غَبَرْ.

-59-

عِشْ ألَقاً وابتكر قصيدةً وامضِ:

زدْ سَعة الأرضِ.