صفاء ابو صالح
04-20-2008, 07:09 PM
الشاعر سميح القاسم يدعو للاستشهاد بحزام الثقافة الناسف
الشاعر سميح القاسم:
قصيدتى أعمق من «تى اس إليوت» و«سان جون برس»
حاورته: رماح مفيد- حيفا
عن العرب اون لاين - 20\04\2008
فى تاريخ الأمم، عشرات من الذين قالوا كلمتهم ثم عانقوا الألم والموت على شرف ما قالوا. إنّ السجن والتهديد بالقتل والتعذيب لم يثن شاعرنا الكبير عن قول كلمته وإكمال مشواره، بل زاده إصراراً على المواصلة والتحدّي، فالشاعر اليوم على استعداد لأن يموت شهيد كلمته وقصيدته ويدعو إلى الاستشهاد بحزام الثقافة الناسف..
لقد وحد شاعرنا بين كلمته وموقفه منذ البدء ومن دون مواربة، لكونه يحترم كرامة القصيدة، ومن هنا حفظت قصائده وتُردد الآن على لسان الجميع.. نستطيع القول: إنّ سميح القاسم شاعر تخلو روحه من الازدواجية المقيتة ما بين الفن وسلوكه، الازدواجية التى هى فى جوهرها عجز عن المواجهة، حين يكون المرء مطالبا بتطبيق ما قاله. الحق فى الكلمة والموقف الثابت هما الميزتان الأساسيتان لدى شاعرنا الكبير، بل هناك الكثيرون غيره جمعوا بينهما، ولكن الذين صمدوا حتى النهاية كانوا قلة، والذين لا يزالون يصرون على الاستمرار هم قلة قليلة أيضاً..
سميح القاسم كما نراه ويراه الآخرون ظاهرة إنسانية ووطنية وقومية فذّة وفريدة، وبين كل هذه الوجوه يطل القاســــم على الجرح العميق فى خاصرة الوطن، وما كان حوارنا هذا إلاّ محاولة إبحار على خريطة رحلة لم تنته بعد ونتمنى أن تطول لأنها رحلة غنية وممتعة فى آن واحد ـ فصديقنا المشترك القاسم هو أحد أهم الشعراء المعاصرين الذين حافظوا على أصالة الشعر والحياة مستغلاً قدراته الإبداعية والمعرفية، لإبراز التراث والأدب الفلسطينيين بأسلوب حداثي، دون التنكر للماضى ودون الخوض فى الماضوية.. إنها الحداثة الخالصة المستمدة من الواقع العربى الحي. التقينا الشاعر ودار بيننا هذا الحوار:
* كيف تنظر إلى قصيدة النثر والنصّ المفتوح ومفهوم الحداثة الشعرية؟
- حق الشاعر فى المغامرة الفنية غير محدود، فليغامر كما يشاء لا أحد يستطيع وضع حدود للعملية الإبداعية. ويبقى هذا فى إطار الشكل، تغير الأشكال اختراع أشكال جديدة وإبداع وسائل وطرق تعبير، هذا حق مقدس للشاعر، لكن ممارسة الحق لا تعنى بالضرورة زودة المردود، إذا غيرنا الشكل ولم نبدع فى النتاج الكلى شكلاً ومضموناً يبقى مقدار المغامرة الفنية محدوداً فى مردوده وغير مبرر، ليس بالضرورة أن يكون كل شيء جديداً، المهم أن يكون جيداً، هذا هو المقصود. فى النهاية هناك إما الشعر وإما اللاشعر، إما الإبداع وإما اللاإبداع، هذا هو المهم
. أما بالنسبة إلى موضوع الحداثة فأنا أميز بين الحداثة والاستحداث، الحداثة تنبع من أعماق الشاعر ومن تجربته والحداثة فى نظرى هى استمرار للأصالة، لا حداثة من دون أخذ التراث والجذور بعين الاعتبار. لذلك أنا أبنى حداثتى على أصالتى وتراثي، أنطلق من التراث لأبنى حداثتي، وأرفض التنكر للتراث لأنه يتحول إلى ما أسميه بالاستحداث، وهو أخذ أشكال جديدة من مصادر من الغرب أو من الشرق والسقوط فى التقليد والضحالة وفقدان الصلة بعنوان المرسل إليه فى الإبداع الذى هو الإنسان فى المطلق والإنسان فى البيئة التى نعيش فيها، ما قيمة قصيدتى إن لم تكن عنصراً مؤثراً فى أمتى وما قيمة قصيدتى إن لم تكن عنصراً مؤثراً فى الإنسان فى المطلق فى أى إنسان يقرأها، إذن الحداثة القائمة على التقليد والشعور بالدونية والشعور بالنقص إزاء المصادر الأخرى لا أحترمها وأسميها بالاستحداث، مثل أن تعطى أعرابياً سيارة آخر موديل يقودها وهو ليس شريكاً فى إنتاجها ولم ينتج "برغيا" فيها فهذا يقع فى باب الاستحداث وليس فى باب الحداثة.
* أغلب الظنَّ أن التنوع فى الكتابة قد يؤدى إلى تشتت فى الأفكار وعدم التركيز على الفعل الإبداعي، وأنت تسعى إلى التنوّع ألا يؤثر ذلك على مشروعك الشعرى الأساسي؟
هذه فرضية قابلة للجدل، بمعنى إن كان التنوع مبنياً على مجرد التنوع أو بالأحرى رغبة فى مجرد التنوع يمكن أن يكون سؤالك صحيحاً، لكن إذا كان التنوع عفوياً ومن منطلق ذاتى مبنى على تجربة وعلى قدرات أيضاً، هنا يصبح التنوع بركة لا نقمة. النهر المتدفق تخرج منه جداول، ينتج بعض الجزر تنبت على ضفافه أشجار وتعيش حيوانات وطيور. هو يفعل ذلك بصورة تلقائية بصورة عفوية لا نلومه لأنه أنتج جزيرة أو أنتج شاطئاً، النهر لا يلام على تدفقه، يلام إذا كان النهر جدولاً ويريد أن يتصرف كمحيط، هنا يقع الخلل، والتنوع عندى كما أرى هو ضرورة فنية وضرورة حياتية، فى لحظات معينة أجلس لأكتب قصيدة فإذا بى أكتب مقالة أو أبدأ بمشروع مسرحية، المهم الحالة الإبداعية إذا كانت صادقة لا يجوز لنا حصر هذه الحالة فى شكل من الأشكال، فثمة حرية الإبداع، حرية التغير فى الشكل وفى القوالب أيضاً.
النقاد والشاعر
* النقد أحياناً لا يقدم الكثير للشاعر المحترف، على اعتبار أنّ قيمة الشاعر تكمن فى نصه، وليس فيما يكتبه النقاد عنه، وأن العلاقة بين الشاعر والمتلقى أقوى بكثير من العلاقة بين الشاعر والناقد، ما رأيك؟
- النقاد أنواع، هناك ناقد يريد أن يتملق وناقد يريد أن يهدم وناقد موضوعى وناقد ذاتى وهناك وناقد يريد أن يتثقف وناقد اعتباطي، إذن ليس هناك شيء فى المطلق اسمه النقد هناك مدارس وتيارات. الناقد الموضوعى والعميق يساعدنى من دون شك فى اكتشاف أمور قدمتها تلقائياً وهو يوضحها لى وللآخرين.. هناك أستاذة أمريكية، دارى ديونك، كتبت دراسة مذهلة عن تجديد الجناس عندى أنا لم أنتبه لهذا الموضوع وهى لفتت نظرى إليه.. أشكرها على ذلك، أنا لا أعرفها شخصياً وهى لا تعرفني، إذن هنا كان النقد إيجابياً بمعنى أنه أضاف للنص أيضاً، القارئ ربما لم ينتبه إلى ما أشارت إليه هذه الناقدة، وهناك نقاد يؤلهون الشعر وهناك نقاد آخرون يحاولون تدميره.
إذن تتوقف المسألة على منطلق الناقد وعلى مضمون النقد وثقافة هذا النقد، لكن فى رأيى النقد يتبع النص، النقد يصدر عن النص فلولا النص لما وجد النقد، واستعمل دائماً تلك الطرفة عن المتنبي، ألف شاعر وناقد هجوا المتنبى وهاجموه ـ ربما بصدق وربما بجدارة وربما عن حق فى كثير من المسائل، لكن قوة المتنبى أبقته واختفى هؤلاء الذين انتقدوه رغم أن البعض منهم انتقده على حق.
*الواقعية فى توصيل الفكرة ليست مجرد رؤية قديمة، بل هى تخضع كذلك لضرورات شعرية بالقياس إلى وحدات التخيل والفنتازيا واستعمال الرموز، كيف توضح هذه الفكرة؟
- هناك اعتقاد غير دقيق يثمثل فى أن الواقعية تعنى إلغاء المخيلة وهذا غير صحيح على الإطلاق، الإبداع بشكل عام هو نتاج علاقة بين الواقع وبين المخيلة، بين الواقع والحلم، هذا لا أسميه صراعاً ولا أسميه صداماً أسميه حواراً وجدلية بين الواقع وبين الحلم، هو المصدر الأهمّ للإبداع والواقعية لا تعنى التخلى عن المخيلة بالعكس، فبقدر عمق الواقعية يكون أيضاً عمق المخيلة.
* يمكن القول إن النص السهل لا يترك للقارئ فرصة مشاركة فى إنتاج المعانى ولا يساعده على شحن مخيلته، ألا تعتقد أن ذلك يناقض مبدأ التكثيف والتوسع ومبدأ التلاقح بين الأفكار؟
-أنا أريد التمييز بين النص السهل وبين النص السهل الممتنع.. النص السهل الممتنع هو من أصعب الفنون كشعر نزار قبانى مثلا- الشعر الذى يبدو سهلاً تقرأه وتشعر بأنك قادر على كتابة مئة قصيدة من هذا النوع لكن إذا جلسنا لنكتب لا نستطع، هذا هو السهل الممتنع، وهو أصعب الفنون هو سهل فى مظهره لكنه فى جوهره وفى أعماقه شديد الصعوبة لأنه يحقق ما يشبه المعجزة، معجزة الوضوح والمشبع بالغموض، الغموض الفنى والوجدانى ووضوح النص، هو شديد التركيب إلى درجة أنه يبدو بسيطاً ـ أعتقد أنه اللعبة الشعرية الأكثر خطورة، وهو الامتحان الذى يكرم فيه الشاعر أو يهان، هناك نصوص سهلة وسطحية تقرأها لكنها لا تترك فيك أثراً ـ لكنك أنت ذكرتِ نص قصيدة الانتفاضة، لا بد من وجود سر يحول القصيدة إلى رمز وإلى صيحة وجدان أمة، أنا فوجئت بأنه فى إيران يحفظون لى هذه القصيدة وهم ليسوا عربا،ً فوجئت بأن القصيدة قد تكون أكثر القصائد انتشاراً بين الناس، المثقفين الكبار منهم والأميين، إذن السهل الممتنع برأيى هو اختبار شديد وصعب وهو نتاج ضرورة.
أنا لا أقرر انى سأكتـــب الآن قصيدة من السهل الممتنع أو سأكتب قصيدة موغلة فى التجرد أو الرمزية أنا لا أقرر ذلك، هو يأتى بشكل تلقائي. لكن لا يعقل أن نكتب عن الانتفاضة قصيدة غامضة، الدم واضح والدمار واضح، الاحتلال واضح والعنف واضح وتدمير الأشجار وهدم البيوت وقتل الأطفال والنساء كلها أمور واضحة فبأى حق يطالبنى كائن من كان بأن أكتب قصيدة غامضة، هذا تناقض غير مبرر.
الرموز التراثية والتاريخية
* كيف تنظر إلى الرموز التراثية الأدبية فى حال توظيفها فى النص الشعري؟
-بعض النقاد يتحدثون عن الأقنعة أنا لا أقر بهذه التسمية فحين كتبت عن انتقام الشنفرى، لم آخذ الشنفرى لأجعله قناعاً على وجهى ولأتكلم من خلاله، أبداً هذا يصح فى المسرح ربما، لكن فى الشعر لا يوجد قناع بل يوجد تماه، يمكن أن يتحول الشاعر فى لحظة معينة إلى شنفرى، أن يصبح هو الشنفرى، لكن بين الشنفرى فى الجاهلية والشنفرى المعاصر هناك فارق.. لذلك الشنفرى فى قصيدتى يرتدى البلوجينز، هو أشبه بشاب معاصر، هو مقاتل فلسطينى وهو شاب عربى مشحون بالمأساة وبالكوارث التى تنزل على العرب، لذلك ليس غريبا أن أستفيد من ثقافتى ومن التراكم المعرفى عندي، واستفيد من العلاقة الاستثنائية بينى وبين الشنفرى، علاقتى بالشنفرى ليست علاقة شاعر معاصر بشاعر جاهلي، هى علاقة بين إنسان وإنسان، اضطهادى ذكّرنى باضطهاد الشنفرى وثورتى ذكرتنى بثورته لذلك حصل ما يمكن أن نسميه بالتماهي.
* ما مدى تأثير الرمز التراثى أو التاريخى على ذهن القارئ؟ من دون شك أن استعمال الرموز التراثية سواء الدينية أو القومية يـساعد النـــص الشعرى والأدبى بشكل عام على التوغل فى ذات المتلقى وعلى ترسيخ الفكرة وإيصال رؤية، أليس لدينا رموز معاصرة يمكن أن تستلهم فيها تجربة البطل الثورى المعاصر؟
- طبعا لدينا "هوشى منه"، جمال عبد الناصر، سلطان الأطرش، عمر المختار، والآن؟ لا يجوز الحـــديث عن رمز إلاّ ببعد تاريخ معين، لدينا الآن قادة شبان مثل حسن نصر الله هو فى رأيى قائد مدهش فى ثقافته وفى وعيه وفى نضجه، لكنه ابن عصره ولم تكتمل تجربته بعد، وما زال فى دور التكوين أنا لست من الناس الذين يتعجلون فى الأمور أنا لا يمكن أن أتعامل مع شخص وكأنه رمز ما دام على قيد الحياة وما دام قابلا للخطأ والصواب.
* قد تكون حالة تنبؤ أو لنقل بعد نظر؟
- التنبؤ هو مجموعة من الرؤى المجردة لكن فى المجال السياسى وفى المجال الثقافى وفى أى مجال التنبؤ خطر يصبح شكلاً من أشكال المقامرة. مثلاً قد يقدم لى شاعر شاب قصيدة تعجبنى جداً أقول هنا توجد موهبة رائعة وقد أكتب هذا الكلام لكن لا أستطيع أن أقول هذا هو فرس الرهان للمستقبل، أحياناً هناك شعراء يبدعون فى قصيدة واحدة فقط، شعراء القصيدة الواحدة معروفون فى التاريخ، عدد كبير منهم، ابن زريق اشتهر بقصيدة "لا تعذليه فإن العذل يولعه". فى السياسة وفى الثقافة وفى الشعر والفنون لا تجوز المراهنة غير المؤكدة، لأنها تصبح شكلاً من المقامرة، لذلك لا أستطيع اعتبار حسن نصر الله رمزاً، لا أستطيع ذلك وما زال يجرب ويخطئ ويصيب والمستقبل أمامه، أرجو له التوفيق، وأنا مستعد إن لم تبايعونى خليفة للعرب فسأبايع حسن نصر الله إذا صدقت رؤيتى فيه، إذا استمر بالشكل الصحيح وإذا خرج من مأزق المشروع الحزبى الطائفى وتحول إلى مشروع قومي، لا يوجد أى سبب يمنع من تبنى هذا المشروع ودعمه.
الماضوية والحداثة
*لماذا يحاول البعض الخوض فى الماضوية على حساب النصّ الحداثيّ المعاصر؟
-إسمحى لى أخت "رماح"، هذا الكلام به خلط، الماضوية شيء والحداثة شيء آخر، لكن إذا كان الالتصاق بالتراث والاهتمام به يعتبر ماضوية فهذا خطأ، الماضوية هى بناء المستقبل على شاكلة الماضي، هذه هى الماضوية وهى بهذا المعنى خاطئة، لكن الاستفادة من الماضى ومن التراث لبناء مستقبل جديد هى الحداثة كما أراها، وفى هذا أختلف ربما مع كل الشعراء العرب المعاصرين، أنا أرفض ما يسمى الآن بالحداثة الشعرية العربية وأعتبره ضحلاً وسطحياً وغير أصيل وغير جدى أيضاً، لا حداثة من دون أصالة وأعتقد بأن قصيدتى تقدم النموذج الواضح للحداثة الشعرية العربية الملتحمة عضوياً وموضوعياً بالتراث العربي، لا أعتقد أننى لا أكون حداثياً إلا إذا كنت "تى اس إليوت" العربي، أو "سان جون برس" العربي، أنا لا أريد أن أكون "تى اس إليوت" ولا "سان جون برس"، لا تعتبرى هذا الكـــلام غروراً أنا أعتبر قصيدتى أعمق وأكبر من "إليوت" ومن "برس" ومن أى شاعر غربي. لماذا يريدوننى أن أتقزم وأنحنى أمام موهبة أقل وطاقة أقل وانجازية أقل وإبداعية أقل؟ هم ينتجون طائرات أفضل من طائراتنا من دون شك وسيارات أفضل من سياراتنا لكن قصيدتنا تظل سيدة القصائد إلى الآن وربما فى المستقبل، لا أعلم، لا أستطيع أن أتنبأ مرة أخرى.
أين الاستشهاديون بالثقافة الناسفة؟
* كونك شــــاعرا كبيرا وكذلك قارئاً حصيفاً للأدب العربيّ، أتعتقد أنّ الشاعر العربيّ المعاصر كتب النص الذى يوازى حجمَ الصراع القائم على الأرض؟
-وسائل الإعلام اهتمت بتعبير أطلقته فى مهرجان قرطاج، قلت لدى الأمة العربية عدد كبير من الاستشهاديين بالأحزمة الناسفة لكن أين الإستشهاديون بالثقافة الناسفة؟ لا يعقل أن تكون الأمة الآن خالية من ابن رشد مثلاً، لا يوجد عندنا مثقف مستعد للشهادة بحزام ثقافي، الثقافة دجنت المثقفين، الشعراء، الكتاب الصحافيين، المفكرين المبدعين، الأساتذة… الخ. المثقفون أصبحوا أشبه بالموظفين، هذه حالة مأساوية فى نظرى وكارثية، لم يمن عليّ الله بالشهادة لكننى دائماً على استعداد للشهادة الثقافية. صحيح أننى سجنت وطردت من عملي، هددت بالقتل وتعرضت لشرور كثيرة، لكن لم ينعم عليّ الله بالشهادة، أنا على استعداد لأن أكون شهيدا فكريا وشهيد قصيدتى وشهيد موقفي.
أنا واجهت دولاً عربية بمواقف ثقافية، للأسف الشديد كان المثقفون العرب يتدافعون ويتهافتون على أعتاب الدول حين كنت فى صراع معها.. كان صراعا ثقافيا، ولم يكن صراعاً شخصياً، والغريب فى الأمر أن الدول التى استبعدتنى وتنكرت لى لسنوات عادت الآن لتدعونى ولم تعد تلتفت لهؤلاء الذين استكلبوا للنفاق وللمجاملة وللانحناء، أنا لا انحني، لا لملك ولا لرئيس ولا لكائن بشري، لديّ علاقات شخصية قد تصل حد الصداقة أحياناً مع ملوك ورؤساء وزعماء وشيوخ.. أنا أنحنى لخالقى فقط وأنحنى لأى طفل ولأى طفلة من هذا الشعب الصابر والصامد والجميل والشجاع.. أنحنى لهم لكن لا أنحنى لسلطة.
* يسود أدب الشباب فى العالم العربى تأثّر فاضح بالأشكال الأوروبية والغربية، كيف تنظر إلى هذه القضية؟
-أولاً لا بــــد من الانفتاح على الثقافات كلها وذلك ضروري، أنا قرأت الشعر الأوروبى والأمريكى واليابانى والصيني، يجب أن نعرف الآخر، يجب أن نعرف ثقافات العالم.
وبالمناســـــبة، الحضارة العربية الإسلامية التى هى من أروع الحضارات البشرية لم تتكوّن إلاّ بالانفتاح. العرب والمسلمون الأوائل كانوا منفتحين على الثقافات والحضارات واللغات، أخذوا وأعطوا، أخذوا من الاغريق ومن الهند ومن الصينيين ومن الأوروبيين.
أخذ أجدادنا وكونوا وأضافوا وأعطوا، هذا هو سر عظمة الثقافة العربية الإسلامية وسر عبقرية الإنسان العربى المسلم القديم، نحن انغلقنا، بدأ تراجعنا من نهايات القرن الرابع عشر الميلادي، فى رأيى العقل العربى أصيب بشيء من الشلل وفقدان التوازن، دخلت مؤثرات الاحتلال العثمانى والنفوذ الفارسى والاستعمار الغربى بوسائل شتى، وهذه القوى الشـــــريرة فى رأيى حجمت العقل العربى وجمدت الروح العربــــية، وسادت لدينا ثقافات وافدة ذوبت ما نريد إدخاله فى ذاتنا، لخلق تعبير جديد، لا يوجد هناك شيء نقرأه إلاّ ويؤثر فى داخلنا، هذه هى ثقافة الروح، ثقافة الوعي، أنا لا أرى التــــناقض بين المتنبى وبين بايرون الانكليزى أو لوركا الاسبانى أو نيرودا التشيلي، لا أرى تناقضاً بينهم، جميعهم مبدعون كبار خرجوا من إطار القومى المحلى وأصبحوا عالميين إنسانيين، من الضرورى أن نقرأهم ونتــــعرف عليهم لكن دون أن نتخلى عن روحنا، عن وجهنا، عن شخصيتنا، عن ذاتنا وعن كياننا، لا مانع من أن نستفيد من تجاربهم لكن علينا أن نبدع كياناً جديداً، وعلينا أن نتطور لا أن نقلد.
* كيف نستطيع أن نحل المشكلة؟
-للأسف المؤسسات الثقافية العربية عاجزة وقاصرة، اتحادات الكتــــاب والروابط والصحف، لا تعمل بما فيه كفاية لإنقاذ أجيالنا الجديدة من محنة "القزامة" تجاه الأجنبي، هو أقوى منا فى التكنولوجيا نعم، نحن نعترف، لكن هذا لا يعنى أن ننكسر، نحن متساوون مع كل البشر.
*تقفُ الأشعارُ مع أطفالِ الحجارة وأطفالِ قانا، ولا يقف الشاعرُ العربيُّ معهم فهل حلّت الكلمةُ محلَّ الفعل اليوم فى أوطاننا؟
-هنا يوجد تجن فى الحقيقة، فدور الشاعر يتجسد من خلال الشعر، لكن أنا مع التداخل بين الموقف والموقع، يعنى من الأمور المعروفة ومن ضمنها أول مظاهرة نظمت ضد العدوان على غزة والعدوان على لبنان، كان لى شرف المشاركة فيها، لكن الشاعر ليس مطالباً بأن يركض مع الأطفال وأن يقذف حجارة، إلاّ إذا صادف أن كنت فى غزة وجيش الاحتلال يداهمنى وأنا معى بعض الأطفال، حينها، سأحمل حجراً مثلهم وسأضرب، لكن لا يطلب من الشاعر أن يكون مقاتلاً فى الميدان يجب التركيز على التخصص، الشاعر بقصيدته، المقاتل بسلاحه الفلاح بزراعته، العامل بعمله، يجب أن يكون هناك تداخل بين جميع شرائح الشعب ومكوناته، القصيدة والحجر والوردة والسنبلة التى ينتجها الفلاح والآلة التى ينتجها العامل فى المصنع كلها تشكل حالة مقاومة، لكن لا تجوز القطيعة بين مكونات الروح ومكونات المجتمع، لا يعقل أن أكتب عن الانتفاضة بقدرات ذهنية ومهنية فقط، يجب أن أعيش التجربة.
أنا فى القدس كدت أختنق بالغاز، قذفت بالغاز مع المتظاهرين وهناك نشأت قصيدة "تقدموا"، قصيدة الانتفاضة، من خلال التجربة وليس من خلال المخيلة فقط، لكن إذا كتبت قصائد عن حرب الفيتنام، لم أكن فى فيتنام ولم أقاتل فيها، من حقى كشاعر أن أعكس تجربتى كفلسطينى على التجربة الفيتنامية، هنا يدخل موضوع التداخل الإنساني، لا يفرض على الإنسان أن يكون "سوبرماناً"، لكنه مطالب بأن يحترم كلمته، للقصيدة كرامتها أيضا، وللعمل الإبداعى كرامته وللثقافة كرامتها، لا يعقل أن أكتب ضد الاستعمار وفى أقرب فرصة أنزل ضيفاً على البيت الأبيض، وأن يقدموا لى جائزة،.. مثلاً عرضت عليّ إسرائيل أن أتسلّم جائزة فى وسائل الإعلام وبعدها مباشرة، قالوا، تأخذ جائزة نوبل فكان جوابي: لا أريد جائزة نوبل ولا جائزة إسرائيل، أهم جائزة لديّ هى إنسان، طفل أو امرأة أو رجل أو عامل أو طالب أو فلاح عربى يشعر بأننى أعطيته شيئاً من القوة للصمود، للبقاء، يجب الايقاء على كرامة القصيدة، كرامة المقاومة، لا يجوز استعمال القصيدة كسلم للوصول إلى مراكز وإلى جوائز.
* لماذا تكتب؟
-أنا ضد الادعاء، ضد محاولة الشعراء والفنانين لأن يخلقوا هالة حول أنفسهم، لذلك لنقلها بصراحة، أنا لا أكتب لا للأمة ولا للثورة، ولا للانتفاضة ولا للحرية ولا للتحرر، أنا أكتب حتى أتمكن من التنفس، أكتب لأنقذ ذاتى من الجنون أو الانتحار.. هذا الوضع السائد يؤدى إما للجنون وإما للانتحار..
ويبدو أن هناك نفوساً كثيرة فى الأمة العربية تعانى نفس الشعور، لذلك تجد تعبيراً عن نفسها فى قصيدتي، هذا يخلق حالة حب منقطعة النظير، لا أعتقد أن هناك فى التاريخ شاعراً أُتيحت له حالة حب مع جماهير الشعر ومع الجماهير بشكل عام كالحالة التى أتمتع بها، وأحس بهذا حيثما أذهب فى الوطن العربي، أحس به مع الأطفال ومع الشيوخ، مع المثقفين ومع الأميين، فى الرسائل والاتصالات والمقالات والهدايا البسيطة، مثل أن تقدم إليّ صبية مغربية باقة فل صغيرة، بالنسبة إليّ هذا أهم من جائزة نوبل وأهم من أية جائزة، أن تكون حالة وجدانية، أن تساعد الإنسان الذى هو أنت..
أخشى أن يساء الفهم لكن فى الحقيقة أشعر بأنى كل عربي، العربى الصادق والنبيل والحر العربى الذى يسعى للكرامة والحرية والحضارة، هو أنا وأنا هو، معركتنا واحدة، قضيتنا واحدة همنا واحد، حلمنا واحد وجرحنا واحد، وقصيدتنا بالتالى واحدة، حين أكتب لا يكون أحد فى بالي، ولا فى ذهنى ولا فى مخيلتي، لا جمهور ولا وطن ولا دولة ولا أى شيء، مرة أخرى أعترف بأنى أكتب لأنقذ نفسى وبما أن الآخرين يشاركوننى هذا الشعور فإذن هم يلتقون معى بالقصيدة.
*هل ما زال القلق المصطحب بوهجِ التغير يؤثّر فى الأجيال الجديدة بنفس القوة التى ظهر بها فى عقلِ الأجيال التى سبقتهم؟
-مراحل التاريخ لا تتحرك بشكل مستنسخ. التاريخ يتغير، مثل ماء النهر، كلنا نتحدث عن نهر النيل، لكن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن نهر النيل يتغير كل ثانية، كل لحظة، المياه تتغير إذن النهر فى حالة تغير مستمر، وهو يتحقق بتغيره، لو لم يكن هذا التغير فى مياه النيل لأصبح بحيرة أو بحرا، إذن التغير جزء من الحياة، من الاستقرار، والاستقرار فى التغير، تستقر صورة النهر لأنه يتغير لو لم يتغير لما استقرت صورة النهر، إذن التغيير ورغبة التغيير دائمان لدى الإنسان، لكن أنا ضد الاتكالية فى التغيير بمعنى: غيرى سيغير، "لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
تكرار مفردات القاموس
* هل يعتبر تكرار الصور والمفردات المعينة عند أيّ شاعر و إضافة بمنطقِ "الأسلوب المدرسة الاستهلاك"؟
-توجد فى قاموس اللغة العربية بالذات ملايين الاشتقاقات، لكن لكل شاعر لغة خاصة به، شاء أم أبى، ولست مخيراً مثل أن أقول سأغير لغة سميح القاسم. إن ذلك ليس وارداً فى الحسبان، هذه تتكون بمرور الزمن، نقرأ قصيدة غير موقعة فنقول هذه لنزار قباني، نقرأ قصيدة أخرى غير موقعة فنقول هذه لأدونيس أو للجواهري، تتكون لغة وحالة خاصة بالشاعر وتتكرر بداخل هذه اللغة تعابير عندى مثل: الجواد الأبيض، السنبلة، الزهرة، الجمجمة، اليد، الليل، هناك تعابير تتكرر وهى لا تتكرر رغبة فى التكرار لكنها تتكرر لأن الحالة التى صدرت عنها متكررة مستمرة، يعنى ما دام هناك احتلال ستظل مفردة الحرية، ومفردة الاحتلال، والانتفاضة كوجودة، ستتكرر لأن الاحتلال مستمر ومتكرر، لا يعقل أن نقول كتبنا كثيراً عن الانتفاضة، ويكفى هذا، إذا كانت الانتفاضة مستمرة، يجب أن يكون التعبير عنها بحالة استمرار، لست ملزماً ولا يستطيع أحد أن يلزمني، أنا فى حياتى لم أكتب بناء على طلب ولا ألتزم لا بحزب ولا بثورة ولا بشعب ولا بأمة ولا بأحد، لا التزم إلاّ بذاتي، هى مسألة عفوية.
إذا أحس أحدهم بالتعب من المقاومة من حقه أن يتخلى لأنه تعب ولا يريد المقاومة، لكن إذا كان هناك من يريد أن يستمر فى المقاومة فلا يحق لنا أن نلومه وأن نقول له أنت تكرر نفسك، ماذا يعنى إذا كرر نفسه؟، ما زال هناك احتلال والمقاومة مستمرة، إذا كان هو يكرر نفسه بالنصوص، ذلك خطأ النصوص ولا بد أن تتجدد دائماً، الذى يتكرر هو الحالة، والحالة مستمرة فما العمل؟
*لقد اعتبرَ النقادُ أن نقطةَ التحول لدى سميح القاسم فى شعرهِ كانت فى قصيدة "رجل غير مرغوب فيه"، ومن هؤلاء النقاد نبيه القاسم وفهمى هويدى فما هو تعليقُك؟
-من حق الناقد أن يرى ما يرى، أنا لا أتدخل فى رؤية الناقد، أعتقد أن كل مجموعة من مجموعاتى ما كنت لأنشرها لو لم تكن هى إضافة لما سبقها، وأنا أراجع نسخة الطبعات الأولى، انتابتنى القشعريرة، لم أتخيل أننى اشتغلت بهذه الدرجة، ولا يوجد هنا كتاب إلاّ واختلف عن الذى سبقه، وهى وجهة نظر أن يروا التحول فى ديوان "رجل غير مرغوب فيه"، لم أكرر نفسى قط، هناك احتلال مقيت ويجب أن أقاومه، لا يوجد لديّ ملل وتعب، ما دام الاحتلال مستمراً إذن سأقاوم، لكن شكل المقاومة يتغير وكذلك شكل القصيدة يتغير من قصيدة إلى أخرى.
اسرائيل والشعر الثوري
*كشاعر فلسطينى مررت بكل مراحل المأساة الفلسطينية، الا تشعر بأنّ إسرائيل كانت سبباً فى أن تكرّس مجهودك للشعر الثورى أكثر منه للتأمل، علماً أن الشاعر هو كتلة من المشاعر والإحساسات؟
-هناك فرضية خاطئة وكأن الشعر الثورى يناقض التأمل، أنا لا أقر بأن الشعر الثورى لا يوجد فيه تأمل، والتأمل لا يوجد فيه ثورية، الشعر الثورى الحقيقى هو الذى يبقى ويعيش وهو أرقى أشكال التأمل.. هناك أيضا ادعاء بأن الشعر الثورى يوضع مقابله الشعر الذاتي، "الفيندجوالزم"، هذا عند الغرب، عند الغرب ظهرت حالة أن الفرد ينقطع عن المجتمع وعن الآخر ويتحول إلى كتلة ذاتية منقطعة عن الآخرين، يعبر عن نفسه من دون شك وقد يكون تعبيراً جميلاً جداً وراقياً جداً، لكنه يكون أقل فائدة، لأن من الممكن أنت لديك زهرة بلاستيك وزهرة طبيعية، وأحياناً تكون زهرة البلاستيك مصنوعة بشكل أجمل، لكن الطبيعية فيها حياة، فيها روح، فيها عطرها، فيها حياتها، أنا مع الزهرة الحية ولست مع زهرة البلاستيك..
ضعى فى البيت لوحتين لوحة جميلة جداً، تعطيك سعادة معينة وإلى جانبها لوحة لنقل الجيرنيكا، لبيكاسو، الجيرنيكا جميلة لكنها تعبر عن قضية عن مأساة شعب، أنا أفضل الجيرنيكا على اللوحة الأخرى الجميلة جداً. لا أقلل من جماليتها، لكن هناك جمال للجمال وجمال للحياة، أحبّ أعمال سلفادور دالى كثيراً لأنه رسام سوريالى، أعماله جميلة جداً، كذلك أحب أعمال اشر، هو فنان غرائبى ولا أنكر أنى أحب أعمال الجميع، لكن إذا خيرت بين لوحة بيكاسو وسلفادور دالى، بين سكيروس واشر، سآخذ لوحة بيكاسو وسكيروس، بسبب المضمون الإنساني، هذا هو الفرق.
أنا مع الجمال فى المطلق لكنى مع الجمال المفيد للإنسان، لم أكتب بسبب إسرائيل، كتبت بسبب سميح القاسم وشعبه، مثلاً هناك أناس يقولون انتم شعراء المقاومة لولا السياسة ولولا القضية الفلسطينية لما كنتم موجودين، أما فرضية سخيفة مثل: هاينش هارنى لولا النساء اللاّتى أحبّهن لما كان موجوداً، بالمناسبة هو كتب شعر حب وأبدع فيه، ولولا الجرح الفلسطينى لما كنا موجودين، إذن ماذا تريدون أن تقولوا؟ البعض يقول هذا الكلام للأسف الشديد، أحياناً، لغيرة أو حسد، وقد يستعمله لتغطية النقص الذى لديه... هناك آلاف الشعراء كتبوا عن الانتفاضة، وعن القضية، لكن هناك احترام للتاريخ وللقضية وللشعب الفلسطيني، هناك شاعر مغتاظ من شاعر برز فى الكتابة الشعرية، هذا يدل على التفاهة مثل أن أقول أفضل من شوقى ومن المتنبي، هذا عيب، هنا أكون غير مثقف وغير شريف أيضا، هنا أكون إنساناً ساقطاً، عليك الاعتراف بالآخرين، وليعترف الآخرون بما لديك لا أكثر ولا أقل، لا أطلب جوائز ولا مكافآت نحن لا نركض وراء الشهرة والإعلام والشهرة نتيجة للقصيدة وليست القصيدة نتيجة للشهرة، أنا لا أسوق قصيدتى بل هى التى تسوقني..
* هل يوجد قاسم مشترك ما بين المأساة "التراجيديا" الإغريقية القديمة والمأساة الفلسطينية التى يسببها الصراع الإسرائيلى الفلسطينيّ؟
-هناك شبه واحد، فى حديث معى قلت إنى سأستبدل تعبير المأساة الإغريقية بتعبير المأساة الفلسطينية، لأنها تكررت، المأساة الإغريقية تكونت عبر عقود طويلة من الزمن والعقود الطويلة من الزمن أيضاً مرت على المأساة الفلسطينية ووجعها صار شيئاً عالمياً، يمكن أن نتحدث اليوم ونقول حدثت فى بنغلاديش مأساة فلسطينية، مثل أن نقول حدثت فى فلسطين مأساة إغريقية ولكن المأساة هى المأساة والإنسان هو الإنسان سواء كان فلسطينياً أم عربياً، تركيا أم روسياً، الإنسان هو الإنسان، وبالمناسبة المأساة اليهودية وظفتها فى تجربتى الشعرية وأنا متعاطف مع ضحايا النازية ضد هتلر، إحذروا نحن نفقد إنسانيتنا إذا وقعنا فى العنصرية الضد، مثل أن نقول ما دام هؤلاء النازيون ذبحوا اليهود، إذن الله يسلم أيديهن وفى هذه الحالة نحن نفقد إنسانيتنا وهى أغلى وأعز ما نملك، وهى جوهر حضارتنا، نحن لسنا عنصريين، العرب والمسلمون ليسوا عنصريين، ثقافتهم ليست عنصرية، ثقافتهم ثقافة تسامح وإنسانية وتكافل وعطف، العنصرى ليس منا، لكن فى الوقت ذاته، أنتقد توظيف المأساة اليهودية فى الصراع الفلسطينى مثل ما تفعله الحكومة الإسرائيلية، الوحش النازى اضطهدكم ونحن ندفع الثمن؟ نحن معكم ضد الوحش النازي، لكننا لا نسمح لكم بتقمص شكل الوحش النازي، أنتم تهينون ضحاياكم إذن..
الشاعر سميح القاسم:
قصيدتى أعمق من «تى اس إليوت» و«سان جون برس»
حاورته: رماح مفيد- حيفا
عن العرب اون لاين - 20\04\2008
فى تاريخ الأمم، عشرات من الذين قالوا كلمتهم ثم عانقوا الألم والموت على شرف ما قالوا. إنّ السجن والتهديد بالقتل والتعذيب لم يثن شاعرنا الكبير عن قول كلمته وإكمال مشواره، بل زاده إصراراً على المواصلة والتحدّي، فالشاعر اليوم على استعداد لأن يموت شهيد كلمته وقصيدته ويدعو إلى الاستشهاد بحزام الثقافة الناسف..
لقد وحد شاعرنا بين كلمته وموقفه منذ البدء ومن دون مواربة، لكونه يحترم كرامة القصيدة، ومن هنا حفظت قصائده وتُردد الآن على لسان الجميع.. نستطيع القول: إنّ سميح القاسم شاعر تخلو روحه من الازدواجية المقيتة ما بين الفن وسلوكه، الازدواجية التى هى فى جوهرها عجز عن المواجهة، حين يكون المرء مطالبا بتطبيق ما قاله. الحق فى الكلمة والموقف الثابت هما الميزتان الأساسيتان لدى شاعرنا الكبير، بل هناك الكثيرون غيره جمعوا بينهما، ولكن الذين صمدوا حتى النهاية كانوا قلة، والذين لا يزالون يصرون على الاستمرار هم قلة قليلة أيضاً..
سميح القاسم كما نراه ويراه الآخرون ظاهرة إنسانية ووطنية وقومية فذّة وفريدة، وبين كل هذه الوجوه يطل القاســــم على الجرح العميق فى خاصرة الوطن، وما كان حوارنا هذا إلاّ محاولة إبحار على خريطة رحلة لم تنته بعد ونتمنى أن تطول لأنها رحلة غنية وممتعة فى آن واحد ـ فصديقنا المشترك القاسم هو أحد أهم الشعراء المعاصرين الذين حافظوا على أصالة الشعر والحياة مستغلاً قدراته الإبداعية والمعرفية، لإبراز التراث والأدب الفلسطينيين بأسلوب حداثي، دون التنكر للماضى ودون الخوض فى الماضوية.. إنها الحداثة الخالصة المستمدة من الواقع العربى الحي. التقينا الشاعر ودار بيننا هذا الحوار:
* كيف تنظر إلى قصيدة النثر والنصّ المفتوح ومفهوم الحداثة الشعرية؟
- حق الشاعر فى المغامرة الفنية غير محدود، فليغامر كما يشاء لا أحد يستطيع وضع حدود للعملية الإبداعية. ويبقى هذا فى إطار الشكل، تغير الأشكال اختراع أشكال جديدة وإبداع وسائل وطرق تعبير، هذا حق مقدس للشاعر، لكن ممارسة الحق لا تعنى بالضرورة زودة المردود، إذا غيرنا الشكل ولم نبدع فى النتاج الكلى شكلاً ومضموناً يبقى مقدار المغامرة الفنية محدوداً فى مردوده وغير مبرر، ليس بالضرورة أن يكون كل شيء جديداً، المهم أن يكون جيداً، هذا هو المقصود. فى النهاية هناك إما الشعر وإما اللاشعر، إما الإبداع وإما اللاإبداع، هذا هو المهم
. أما بالنسبة إلى موضوع الحداثة فأنا أميز بين الحداثة والاستحداث، الحداثة تنبع من أعماق الشاعر ومن تجربته والحداثة فى نظرى هى استمرار للأصالة، لا حداثة من دون أخذ التراث والجذور بعين الاعتبار. لذلك أنا أبنى حداثتى على أصالتى وتراثي، أنطلق من التراث لأبنى حداثتي، وأرفض التنكر للتراث لأنه يتحول إلى ما أسميه بالاستحداث، وهو أخذ أشكال جديدة من مصادر من الغرب أو من الشرق والسقوط فى التقليد والضحالة وفقدان الصلة بعنوان المرسل إليه فى الإبداع الذى هو الإنسان فى المطلق والإنسان فى البيئة التى نعيش فيها، ما قيمة قصيدتى إن لم تكن عنصراً مؤثراً فى أمتى وما قيمة قصيدتى إن لم تكن عنصراً مؤثراً فى الإنسان فى المطلق فى أى إنسان يقرأها، إذن الحداثة القائمة على التقليد والشعور بالدونية والشعور بالنقص إزاء المصادر الأخرى لا أحترمها وأسميها بالاستحداث، مثل أن تعطى أعرابياً سيارة آخر موديل يقودها وهو ليس شريكاً فى إنتاجها ولم ينتج "برغيا" فيها فهذا يقع فى باب الاستحداث وليس فى باب الحداثة.
* أغلب الظنَّ أن التنوع فى الكتابة قد يؤدى إلى تشتت فى الأفكار وعدم التركيز على الفعل الإبداعي، وأنت تسعى إلى التنوّع ألا يؤثر ذلك على مشروعك الشعرى الأساسي؟
هذه فرضية قابلة للجدل، بمعنى إن كان التنوع مبنياً على مجرد التنوع أو بالأحرى رغبة فى مجرد التنوع يمكن أن يكون سؤالك صحيحاً، لكن إذا كان التنوع عفوياً ومن منطلق ذاتى مبنى على تجربة وعلى قدرات أيضاً، هنا يصبح التنوع بركة لا نقمة. النهر المتدفق تخرج منه جداول، ينتج بعض الجزر تنبت على ضفافه أشجار وتعيش حيوانات وطيور. هو يفعل ذلك بصورة تلقائية بصورة عفوية لا نلومه لأنه أنتج جزيرة أو أنتج شاطئاً، النهر لا يلام على تدفقه، يلام إذا كان النهر جدولاً ويريد أن يتصرف كمحيط، هنا يقع الخلل، والتنوع عندى كما أرى هو ضرورة فنية وضرورة حياتية، فى لحظات معينة أجلس لأكتب قصيدة فإذا بى أكتب مقالة أو أبدأ بمشروع مسرحية، المهم الحالة الإبداعية إذا كانت صادقة لا يجوز لنا حصر هذه الحالة فى شكل من الأشكال، فثمة حرية الإبداع، حرية التغير فى الشكل وفى القوالب أيضاً.
النقاد والشاعر
* النقد أحياناً لا يقدم الكثير للشاعر المحترف، على اعتبار أنّ قيمة الشاعر تكمن فى نصه، وليس فيما يكتبه النقاد عنه، وأن العلاقة بين الشاعر والمتلقى أقوى بكثير من العلاقة بين الشاعر والناقد، ما رأيك؟
- النقاد أنواع، هناك ناقد يريد أن يتملق وناقد يريد أن يهدم وناقد موضوعى وناقد ذاتى وهناك وناقد يريد أن يتثقف وناقد اعتباطي، إذن ليس هناك شيء فى المطلق اسمه النقد هناك مدارس وتيارات. الناقد الموضوعى والعميق يساعدنى من دون شك فى اكتشاف أمور قدمتها تلقائياً وهو يوضحها لى وللآخرين.. هناك أستاذة أمريكية، دارى ديونك، كتبت دراسة مذهلة عن تجديد الجناس عندى أنا لم أنتبه لهذا الموضوع وهى لفتت نظرى إليه.. أشكرها على ذلك، أنا لا أعرفها شخصياً وهى لا تعرفني، إذن هنا كان النقد إيجابياً بمعنى أنه أضاف للنص أيضاً، القارئ ربما لم ينتبه إلى ما أشارت إليه هذه الناقدة، وهناك نقاد يؤلهون الشعر وهناك نقاد آخرون يحاولون تدميره.
إذن تتوقف المسألة على منطلق الناقد وعلى مضمون النقد وثقافة هذا النقد، لكن فى رأيى النقد يتبع النص، النقد يصدر عن النص فلولا النص لما وجد النقد، واستعمل دائماً تلك الطرفة عن المتنبي، ألف شاعر وناقد هجوا المتنبى وهاجموه ـ ربما بصدق وربما بجدارة وربما عن حق فى كثير من المسائل، لكن قوة المتنبى أبقته واختفى هؤلاء الذين انتقدوه رغم أن البعض منهم انتقده على حق.
*الواقعية فى توصيل الفكرة ليست مجرد رؤية قديمة، بل هى تخضع كذلك لضرورات شعرية بالقياس إلى وحدات التخيل والفنتازيا واستعمال الرموز، كيف توضح هذه الفكرة؟
- هناك اعتقاد غير دقيق يثمثل فى أن الواقعية تعنى إلغاء المخيلة وهذا غير صحيح على الإطلاق، الإبداع بشكل عام هو نتاج علاقة بين الواقع وبين المخيلة، بين الواقع والحلم، هذا لا أسميه صراعاً ولا أسميه صداماً أسميه حواراً وجدلية بين الواقع وبين الحلم، هو المصدر الأهمّ للإبداع والواقعية لا تعنى التخلى عن المخيلة بالعكس، فبقدر عمق الواقعية يكون أيضاً عمق المخيلة.
* يمكن القول إن النص السهل لا يترك للقارئ فرصة مشاركة فى إنتاج المعانى ولا يساعده على شحن مخيلته، ألا تعتقد أن ذلك يناقض مبدأ التكثيف والتوسع ومبدأ التلاقح بين الأفكار؟
-أنا أريد التمييز بين النص السهل وبين النص السهل الممتنع.. النص السهل الممتنع هو من أصعب الفنون كشعر نزار قبانى مثلا- الشعر الذى يبدو سهلاً تقرأه وتشعر بأنك قادر على كتابة مئة قصيدة من هذا النوع لكن إذا جلسنا لنكتب لا نستطع، هذا هو السهل الممتنع، وهو أصعب الفنون هو سهل فى مظهره لكنه فى جوهره وفى أعماقه شديد الصعوبة لأنه يحقق ما يشبه المعجزة، معجزة الوضوح والمشبع بالغموض، الغموض الفنى والوجدانى ووضوح النص، هو شديد التركيب إلى درجة أنه يبدو بسيطاً ـ أعتقد أنه اللعبة الشعرية الأكثر خطورة، وهو الامتحان الذى يكرم فيه الشاعر أو يهان، هناك نصوص سهلة وسطحية تقرأها لكنها لا تترك فيك أثراً ـ لكنك أنت ذكرتِ نص قصيدة الانتفاضة، لا بد من وجود سر يحول القصيدة إلى رمز وإلى صيحة وجدان أمة، أنا فوجئت بأنه فى إيران يحفظون لى هذه القصيدة وهم ليسوا عربا،ً فوجئت بأن القصيدة قد تكون أكثر القصائد انتشاراً بين الناس، المثقفين الكبار منهم والأميين، إذن السهل الممتنع برأيى هو اختبار شديد وصعب وهو نتاج ضرورة.
أنا لا أقرر انى سأكتـــب الآن قصيدة من السهل الممتنع أو سأكتب قصيدة موغلة فى التجرد أو الرمزية أنا لا أقرر ذلك، هو يأتى بشكل تلقائي. لكن لا يعقل أن نكتب عن الانتفاضة قصيدة غامضة، الدم واضح والدمار واضح، الاحتلال واضح والعنف واضح وتدمير الأشجار وهدم البيوت وقتل الأطفال والنساء كلها أمور واضحة فبأى حق يطالبنى كائن من كان بأن أكتب قصيدة غامضة، هذا تناقض غير مبرر.
الرموز التراثية والتاريخية
* كيف تنظر إلى الرموز التراثية الأدبية فى حال توظيفها فى النص الشعري؟
-بعض النقاد يتحدثون عن الأقنعة أنا لا أقر بهذه التسمية فحين كتبت عن انتقام الشنفرى، لم آخذ الشنفرى لأجعله قناعاً على وجهى ولأتكلم من خلاله، أبداً هذا يصح فى المسرح ربما، لكن فى الشعر لا يوجد قناع بل يوجد تماه، يمكن أن يتحول الشاعر فى لحظة معينة إلى شنفرى، أن يصبح هو الشنفرى، لكن بين الشنفرى فى الجاهلية والشنفرى المعاصر هناك فارق.. لذلك الشنفرى فى قصيدتى يرتدى البلوجينز، هو أشبه بشاب معاصر، هو مقاتل فلسطينى وهو شاب عربى مشحون بالمأساة وبالكوارث التى تنزل على العرب، لذلك ليس غريبا أن أستفيد من ثقافتى ومن التراكم المعرفى عندي، واستفيد من العلاقة الاستثنائية بينى وبين الشنفرى، علاقتى بالشنفرى ليست علاقة شاعر معاصر بشاعر جاهلي، هى علاقة بين إنسان وإنسان، اضطهادى ذكّرنى باضطهاد الشنفرى وثورتى ذكرتنى بثورته لذلك حصل ما يمكن أن نسميه بالتماهي.
* ما مدى تأثير الرمز التراثى أو التاريخى على ذهن القارئ؟ من دون شك أن استعمال الرموز التراثية سواء الدينية أو القومية يـساعد النـــص الشعرى والأدبى بشكل عام على التوغل فى ذات المتلقى وعلى ترسيخ الفكرة وإيصال رؤية، أليس لدينا رموز معاصرة يمكن أن تستلهم فيها تجربة البطل الثورى المعاصر؟
- طبعا لدينا "هوشى منه"، جمال عبد الناصر، سلطان الأطرش، عمر المختار، والآن؟ لا يجوز الحـــديث عن رمز إلاّ ببعد تاريخ معين، لدينا الآن قادة شبان مثل حسن نصر الله هو فى رأيى قائد مدهش فى ثقافته وفى وعيه وفى نضجه، لكنه ابن عصره ولم تكتمل تجربته بعد، وما زال فى دور التكوين أنا لست من الناس الذين يتعجلون فى الأمور أنا لا يمكن أن أتعامل مع شخص وكأنه رمز ما دام على قيد الحياة وما دام قابلا للخطأ والصواب.
* قد تكون حالة تنبؤ أو لنقل بعد نظر؟
- التنبؤ هو مجموعة من الرؤى المجردة لكن فى المجال السياسى وفى المجال الثقافى وفى أى مجال التنبؤ خطر يصبح شكلاً من أشكال المقامرة. مثلاً قد يقدم لى شاعر شاب قصيدة تعجبنى جداً أقول هنا توجد موهبة رائعة وقد أكتب هذا الكلام لكن لا أستطيع أن أقول هذا هو فرس الرهان للمستقبل، أحياناً هناك شعراء يبدعون فى قصيدة واحدة فقط، شعراء القصيدة الواحدة معروفون فى التاريخ، عدد كبير منهم، ابن زريق اشتهر بقصيدة "لا تعذليه فإن العذل يولعه". فى السياسة وفى الثقافة وفى الشعر والفنون لا تجوز المراهنة غير المؤكدة، لأنها تصبح شكلاً من المقامرة، لذلك لا أستطيع اعتبار حسن نصر الله رمزاً، لا أستطيع ذلك وما زال يجرب ويخطئ ويصيب والمستقبل أمامه، أرجو له التوفيق، وأنا مستعد إن لم تبايعونى خليفة للعرب فسأبايع حسن نصر الله إذا صدقت رؤيتى فيه، إذا استمر بالشكل الصحيح وإذا خرج من مأزق المشروع الحزبى الطائفى وتحول إلى مشروع قومي، لا يوجد أى سبب يمنع من تبنى هذا المشروع ودعمه.
الماضوية والحداثة
*لماذا يحاول البعض الخوض فى الماضوية على حساب النصّ الحداثيّ المعاصر؟
-إسمحى لى أخت "رماح"، هذا الكلام به خلط، الماضوية شيء والحداثة شيء آخر، لكن إذا كان الالتصاق بالتراث والاهتمام به يعتبر ماضوية فهذا خطأ، الماضوية هى بناء المستقبل على شاكلة الماضي، هذه هى الماضوية وهى بهذا المعنى خاطئة، لكن الاستفادة من الماضى ومن التراث لبناء مستقبل جديد هى الحداثة كما أراها، وفى هذا أختلف ربما مع كل الشعراء العرب المعاصرين، أنا أرفض ما يسمى الآن بالحداثة الشعرية العربية وأعتبره ضحلاً وسطحياً وغير أصيل وغير جدى أيضاً، لا حداثة من دون أصالة وأعتقد بأن قصيدتى تقدم النموذج الواضح للحداثة الشعرية العربية الملتحمة عضوياً وموضوعياً بالتراث العربي، لا أعتقد أننى لا أكون حداثياً إلا إذا كنت "تى اس إليوت" العربي، أو "سان جون برس" العربي، أنا لا أريد أن أكون "تى اس إليوت" ولا "سان جون برس"، لا تعتبرى هذا الكـــلام غروراً أنا أعتبر قصيدتى أعمق وأكبر من "إليوت" ومن "برس" ومن أى شاعر غربي. لماذا يريدوننى أن أتقزم وأنحنى أمام موهبة أقل وطاقة أقل وانجازية أقل وإبداعية أقل؟ هم ينتجون طائرات أفضل من طائراتنا من دون شك وسيارات أفضل من سياراتنا لكن قصيدتنا تظل سيدة القصائد إلى الآن وربما فى المستقبل، لا أعلم، لا أستطيع أن أتنبأ مرة أخرى.
أين الاستشهاديون بالثقافة الناسفة؟
* كونك شــــاعرا كبيرا وكذلك قارئاً حصيفاً للأدب العربيّ، أتعتقد أنّ الشاعر العربيّ المعاصر كتب النص الذى يوازى حجمَ الصراع القائم على الأرض؟
-وسائل الإعلام اهتمت بتعبير أطلقته فى مهرجان قرطاج، قلت لدى الأمة العربية عدد كبير من الاستشهاديين بالأحزمة الناسفة لكن أين الإستشهاديون بالثقافة الناسفة؟ لا يعقل أن تكون الأمة الآن خالية من ابن رشد مثلاً، لا يوجد عندنا مثقف مستعد للشهادة بحزام ثقافي، الثقافة دجنت المثقفين، الشعراء، الكتاب الصحافيين، المفكرين المبدعين، الأساتذة… الخ. المثقفون أصبحوا أشبه بالموظفين، هذه حالة مأساوية فى نظرى وكارثية، لم يمن عليّ الله بالشهادة لكننى دائماً على استعداد للشهادة الثقافية. صحيح أننى سجنت وطردت من عملي، هددت بالقتل وتعرضت لشرور كثيرة، لكن لم ينعم عليّ الله بالشهادة، أنا على استعداد لأن أكون شهيدا فكريا وشهيد قصيدتى وشهيد موقفي.
أنا واجهت دولاً عربية بمواقف ثقافية، للأسف الشديد كان المثقفون العرب يتدافعون ويتهافتون على أعتاب الدول حين كنت فى صراع معها.. كان صراعا ثقافيا، ولم يكن صراعاً شخصياً، والغريب فى الأمر أن الدول التى استبعدتنى وتنكرت لى لسنوات عادت الآن لتدعونى ولم تعد تلتفت لهؤلاء الذين استكلبوا للنفاق وللمجاملة وللانحناء، أنا لا انحني، لا لملك ولا لرئيس ولا لكائن بشري، لديّ علاقات شخصية قد تصل حد الصداقة أحياناً مع ملوك ورؤساء وزعماء وشيوخ.. أنا أنحنى لخالقى فقط وأنحنى لأى طفل ولأى طفلة من هذا الشعب الصابر والصامد والجميل والشجاع.. أنحنى لهم لكن لا أنحنى لسلطة.
* يسود أدب الشباب فى العالم العربى تأثّر فاضح بالأشكال الأوروبية والغربية، كيف تنظر إلى هذه القضية؟
-أولاً لا بــــد من الانفتاح على الثقافات كلها وذلك ضروري، أنا قرأت الشعر الأوروبى والأمريكى واليابانى والصيني، يجب أن نعرف الآخر، يجب أن نعرف ثقافات العالم.
وبالمناســـــبة، الحضارة العربية الإسلامية التى هى من أروع الحضارات البشرية لم تتكوّن إلاّ بالانفتاح. العرب والمسلمون الأوائل كانوا منفتحين على الثقافات والحضارات واللغات، أخذوا وأعطوا، أخذوا من الاغريق ومن الهند ومن الصينيين ومن الأوروبيين.
أخذ أجدادنا وكونوا وأضافوا وأعطوا، هذا هو سر عظمة الثقافة العربية الإسلامية وسر عبقرية الإنسان العربى المسلم القديم، نحن انغلقنا، بدأ تراجعنا من نهايات القرن الرابع عشر الميلادي، فى رأيى العقل العربى أصيب بشيء من الشلل وفقدان التوازن، دخلت مؤثرات الاحتلال العثمانى والنفوذ الفارسى والاستعمار الغربى بوسائل شتى، وهذه القوى الشـــــريرة فى رأيى حجمت العقل العربى وجمدت الروح العربــــية، وسادت لدينا ثقافات وافدة ذوبت ما نريد إدخاله فى ذاتنا، لخلق تعبير جديد، لا يوجد هناك شيء نقرأه إلاّ ويؤثر فى داخلنا، هذه هى ثقافة الروح، ثقافة الوعي، أنا لا أرى التــــناقض بين المتنبى وبين بايرون الانكليزى أو لوركا الاسبانى أو نيرودا التشيلي، لا أرى تناقضاً بينهم، جميعهم مبدعون كبار خرجوا من إطار القومى المحلى وأصبحوا عالميين إنسانيين، من الضرورى أن نقرأهم ونتــــعرف عليهم لكن دون أن نتخلى عن روحنا، عن وجهنا، عن شخصيتنا، عن ذاتنا وعن كياننا، لا مانع من أن نستفيد من تجاربهم لكن علينا أن نبدع كياناً جديداً، وعلينا أن نتطور لا أن نقلد.
* كيف نستطيع أن نحل المشكلة؟
-للأسف المؤسسات الثقافية العربية عاجزة وقاصرة، اتحادات الكتــــاب والروابط والصحف، لا تعمل بما فيه كفاية لإنقاذ أجيالنا الجديدة من محنة "القزامة" تجاه الأجنبي، هو أقوى منا فى التكنولوجيا نعم، نحن نعترف، لكن هذا لا يعنى أن ننكسر، نحن متساوون مع كل البشر.
*تقفُ الأشعارُ مع أطفالِ الحجارة وأطفالِ قانا، ولا يقف الشاعرُ العربيُّ معهم فهل حلّت الكلمةُ محلَّ الفعل اليوم فى أوطاننا؟
-هنا يوجد تجن فى الحقيقة، فدور الشاعر يتجسد من خلال الشعر، لكن أنا مع التداخل بين الموقف والموقع، يعنى من الأمور المعروفة ومن ضمنها أول مظاهرة نظمت ضد العدوان على غزة والعدوان على لبنان، كان لى شرف المشاركة فيها، لكن الشاعر ليس مطالباً بأن يركض مع الأطفال وأن يقذف حجارة، إلاّ إذا صادف أن كنت فى غزة وجيش الاحتلال يداهمنى وأنا معى بعض الأطفال، حينها، سأحمل حجراً مثلهم وسأضرب، لكن لا يطلب من الشاعر أن يكون مقاتلاً فى الميدان يجب التركيز على التخصص، الشاعر بقصيدته، المقاتل بسلاحه الفلاح بزراعته، العامل بعمله، يجب أن يكون هناك تداخل بين جميع شرائح الشعب ومكوناته، القصيدة والحجر والوردة والسنبلة التى ينتجها الفلاح والآلة التى ينتجها العامل فى المصنع كلها تشكل حالة مقاومة، لكن لا تجوز القطيعة بين مكونات الروح ومكونات المجتمع، لا يعقل أن أكتب عن الانتفاضة بقدرات ذهنية ومهنية فقط، يجب أن أعيش التجربة.
أنا فى القدس كدت أختنق بالغاز، قذفت بالغاز مع المتظاهرين وهناك نشأت قصيدة "تقدموا"، قصيدة الانتفاضة، من خلال التجربة وليس من خلال المخيلة فقط، لكن إذا كتبت قصائد عن حرب الفيتنام، لم أكن فى فيتنام ولم أقاتل فيها، من حقى كشاعر أن أعكس تجربتى كفلسطينى على التجربة الفيتنامية، هنا يدخل موضوع التداخل الإنساني، لا يفرض على الإنسان أن يكون "سوبرماناً"، لكنه مطالب بأن يحترم كلمته، للقصيدة كرامتها أيضا، وللعمل الإبداعى كرامته وللثقافة كرامتها، لا يعقل أن أكتب ضد الاستعمار وفى أقرب فرصة أنزل ضيفاً على البيت الأبيض، وأن يقدموا لى جائزة،.. مثلاً عرضت عليّ إسرائيل أن أتسلّم جائزة فى وسائل الإعلام وبعدها مباشرة، قالوا، تأخذ جائزة نوبل فكان جوابي: لا أريد جائزة نوبل ولا جائزة إسرائيل، أهم جائزة لديّ هى إنسان، طفل أو امرأة أو رجل أو عامل أو طالب أو فلاح عربى يشعر بأننى أعطيته شيئاً من القوة للصمود، للبقاء، يجب الايقاء على كرامة القصيدة، كرامة المقاومة، لا يجوز استعمال القصيدة كسلم للوصول إلى مراكز وإلى جوائز.
* لماذا تكتب؟
-أنا ضد الادعاء، ضد محاولة الشعراء والفنانين لأن يخلقوا هالة حول أنفسهم، لذلك لنقلها بصراحة، أنا لا أكتب لا للأمة ولا للثورة، ولا للانتفاضة ولا للحرية ولا للتحرر، أنا أكتب حتى أتمكن من التنفس، أكتب لأنقذ ذاتى من الجنون أو الانتحار.. هذا الوضع السائد يؤدى إما للجنون وإما للانتحار..
ويبدو أن هناك نفوساً كثيرة فى الأمة العربية تعانى نفس الشعور، لذلك تجد تعبيراً عن نفسها فى قصيدتي، هذا يخلق حالة حب منقطعة النظير، لا أعتقد أن هناك فى التاريخ شاعراً أُتيحت له حالة حب مع جماهير الشعر ومع الجماهير بشكل عام كالحالة التى أتمتع بها، وأحس بهذا حيثما أذهب فى الوطن العربي، أحس به مع الأطفال ومع الشيوخ، مع المثقفين ومع الأميين، فى الرسائل والاتصالات والمقالات والهدايا البسيطة، مثل أن تقدم إليّ صبية مغربية باقة فل صغيرة، بالنسبة إليّ هذا أهم من جائزة نوبل وأهم من أية جائزة، أن تكون حالة وجدانية، أن تساعد الإنسان الذى هو أنت..
أخشى أن يساء الفهم لكن فى الحقيقة أشعر بأنى كل عربي، العربى الصادق والنبيل والحر العربى الذى يسعى للكرامة والحرية والحضارة، هو أنا وأنا هو، معركتنا واحدة، قضيتنا واحدة همنا واحد، حلمنا واحد وجرحنا واحد، وقصيدتنا بالتالى واحدة، حين أكتب لا يكون أحد فى بالي، ولا فى ذهنى ولا فى مخيلتي، لا جمهور ولا وطن ولا دولة ولا أى شيء، مرة أخرى أعترف بأنى أكتب لأنقذ نفسى وبما أن الآخرين يشاركوننى هذا الشعور فإذن هم يلتقون معى بالقصيدة.
*هل ما زال القلق المصطحب بوهجِ التغير يؤثّر فى الأجيال الجديدة بنفس القوة التى ظهر بها فى عقلِ الأجيال التى سبقتهم؟
-مراحل التاريخ لا تتحرك بشكل مستنسخ. التاريخ يتغير، مثل ماء النهر، كلنا نتحدث عن نهر النيل، لكن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن نهر النيل يتغير كل ثانية، كل لحظة، المياه تتغير إذن النهر فى حالة تغير مستمر، وهو يتحقق بتغيره، لو لم يكن هذا التغير فى مياه النيل لأصبح بحيرة أو بحرا، إذن التغير جزء من الحياة، من الاستقرار، والاستقرار فى التغير، تستقر صورة النهر لأنه يتغير لو لم يتغير لما استقرت صورة النهر، إذن التغيير ورغبة التغيير دائمان لدى الإنسان، لكن أنا ضد الاتكالية فى التغيير بمعنى: غيرى سيغير، "لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
تكرار مفردات القاموس
* هل يعتبر تكرار الصور والمفردات المعينة عند أيّ شاعر و إضافة بمنطقِ "الأسلوب المدرسة الاستهلاك"؟
-توجد فى قاموس اللغة العربية بالذات ملايين الاشتقاقات، لكن لكل شاعر لغة خاصة به، شاء أم أبى، ولست مخيراً مثل أن أقول سأغير لغة سميح القاسم. إن ذلك ليس وارداً فى الحسبان، هذه تتكون بمرور الزمن، نقرأ قصيدة غير موقعة فنقول هذه لنزار قباني، نقرأ قصيدة أخرى غير موقعة فنقول هذه لأدونيس أو للجواهري، تتكون لغة وحالة خاصة بالشاعر وتتكرر بداخل هذه اللغة تعابير عندى مثل: الجواد الأبيض، السنبلة، الزهرة، الجمجمة، اليد، الليل، هناك تعابير تتكرر وهى لا تتكرر رغبة فى التكرار لكنها تتكرر لأن الحالة التى صدرت عنها متكررة مستمرة، يعنى ما دام هناك احتلال ستظل مفردة الحرية، ومفردة الاحتلال، والانتفاضة كوجودة، ستتكرر لأن الاحتلال مستمر ومتكرر، لا يعقل أن نقول كتبنا كثيراً عن الانتفاضة، ويكفى هذا، إذا كانت الانتفاضة مستمرة، يجب أن يكون التعبير عنها بحالة استمرار، لست ملزماً ولا يستطيع أحد أن يلزمني، أنا فى حياتى لم أكتب بناء على طلب ولا ألتزم لا بحزب ولا بثورة ولا بشعب ولا بأمة ولا بأحد، لا التزم إلاّ بذاتي، هى مسألة عفوية.
إذا أحس أحدهم بالتعب من المقاومة من حقه أن يتخلى لأنه تعب ولا يريد المقاومة، لكن إذا كان هناك من يريد أن يستمر فى المقاومة فلا يحق لنا أن نلومه وأن نقول له أنت تكرر نفسك، ماذا يعنى إذا كرر نفسه؟، ما زال هناك احتلال والمقاومة مستمرة، إذا كان هو يكرر نفسه بالنصوص، ذلك خطأ النصوص ولا بد أن تتجدد دائماً، الذى يتكرر هو الحالة، والحالة مستمرة فما العمل؟
*لقد اعتبرَ النقادُ أن نقطةَ التحول لدى سميح القاسم فى شعرهِ كانت فى قصيدة "رجل غير مرغوب فيه"، ومن هؤلاء النقاد نبيه القاسم وفهمى هويدى فما هو تعليقُك؟
-من حق الناقد أن يرى ما يرى، أنا لا أتدخل فى رؤية الناقد، أعتقد أن كل مجموعة من مجموعاتى ما كنت لأنشرها لو لم تكن هى إضافة لما سبقها، وأنا أراجع نسخة الطبعات الأولى، انتابتنى القشعريرة، لم أتخيل أننى اشتغلت بهذه الدرجة، ولا يوجد هنا كتاب إلاّ واختلف عن الذى سبقه، وهى وجهة نظر أن يروا التحول فى ديوان "رجل غير مرغوب فيه"، لم أكرر نفسى قط، هناك احتلال مقيت ويجب أن أقاومه، لا يوجد لديّ ملل وتعب، ما دام الاحتلال مستمراً إذن سأقاوم، لكن شكل المقاومة يتغير وكذلك شكل القصيدة يتغير من قصيدة إلى أخرى.
اسرائيل والشعر الثوري
*كشاعر فلسطينى مررت بكل مراحل المأساة الفلسطينية، الا تشعر بأنّ إسرائيل كانت سبباً فى أن تكرّس مجهودك للشعر الثورى أكثر منه للتأمل، علماً أن الشاعر هو كتلة من المشاعر والإحساسات؟
-هناك فرضية خاطئة وكأن الشعر الثورى يناقض التأمل، أنا لا أقر بأن الشعر الثورى لا يوجد فيه تأمل، والتأمل لا يوجد فيه ثورية، الشعر الثورى الحقيقى هو الذى يبقى ويعيش وهو أرقى أشكال التأمل.. هناك أيضا ادعاء بأن الشعر الثورى يوضع مقابله الشعر الذاتي، "الفيندجوالزم"، هذا عند الغرب، عند الغرب ظهرت حالة أن الفرد ينقطع عن المجتمع وعن الآخر ويتحول إلى كتلة ذاتية منقطعة عن الآخرين، يعبر عن نفسه من دون شك وقد يكون تعبيراً جميلاً جداً وراقياً جداً، لكنه يكون أقل فائدة، لأن من الممكن أنت لديك زهرة بلاستيك وزهرة طبيعية، وأحياناً تكون زهرة البلاستيك مصنوعة بشكل أجمل، لكن الطبيعية فيها حياة، فيها روح، فيها عطرها، فيها حياتها، أنا مع الزهرة الحية ولست مع زهرة البلاستيك..
ضعى فى البيت لوحتين لوحة جميلة جداً، تعطيك سعادة معينة وإلى جانبها لوحة لنقل الجيرنيكا، لبيكاسو، الجيرنيكا جميلة لكنها تعبر عن قضية عن مأساة شعب، أنا أفضل الجيرنيكا على اللوحة الأخرى الجميلة جداً. لا أقلل من جماليتها، لكن هناك جمال للجمال وجمال للحياة، أحبّ أعمال سلفادور دالى كثيراً لأنه رسام سوريالى، أعماله جميلة جداً، كذلك أحب أعمال اشر، هو فنان غرائبى ولا أنكر أنى أحب أعمال الجميع، لكن إذا خيرت بين لوحة بيكاسو وسلفادور دالى، بين سكيروس واشر، سآخذ لوحة بيكاسو وسكيروس، بسبب المضمون الإنساني، هذا هو الفرق.
أنا مع الجمال فى المطلق لكنى مع الجمال المفيد للإنسان، لم أكتب بسبب إسرائيل، كتبت بسبب سميح القاسم وشعبه، مثلاً هناك أناس يقولون انتم شعراء المقاومة لولا السياسة ولولا القضية الفلسطينية لما كنتم موجودين، أما فرضية سخيفة مثل: هاينش هارنى لولا النساء اللاّتى أحبّهن لما كان موجوداً، بالمناسبة هو كتب شعر حب وأبدع فيه، ولولا الجرح الفلسطينى لما كنا موجودين، إذن ماذا تريدون أن تقولوا؟ البعض يقول هذا الكلام للأسف الشديد، أحياناً، لغيرة أو حسد، وقد يستعمله لتغطية النقص الذى لديه... هناك آلاف الشعراء كتبوا عن الانتفاضة، وعن القضية، لكن هناك احترام للتاريخ وللقضية وللشعب الفلسطيني، هناك شاعر مغتاظ من شاعر برز فى الكتابة الشعرية، هذا يدل على التفاهة مثل أن أقول أفضل من شوقى ومن المتنبي، هذا عيب، هنا أكون غير مثقف وغير شريف أيضا، هنا أكون إنساناً ساقطاً، عليك الاعتراف بالآخرين، وليعترف الآخرون بما لديك لا أكثر ولا أقل، لا أطلب جوائز ولا مكافآت نحن لا نركض وراء الشهرة والإعلام والشهرة نتيجة للقصيدة وليست القصيدة نتيجة للشهرة، أنا لا أسوق قصيدتى بل هى التى تسوقني..
* هل يوجد قاسم مشترك ما بين المأساة "التراجيديا" الإغريقية القديمة والمأساة الفلسطينية التى يسببها الصراع الإسرائيلى الفلسطينيّ؟
-هناك شبه واحد، فى حديث معى قلت إنى سأستبدل تعبير المأساة الإغريقية بتعبير المأساة الفلسطينية، لأنها تكررت، المأساة الإغريقية تكونت عبر عقود طويلة من الزمن والعقود الطويلة من الزمن أيضاً مرت على المأساة الفلسطينية ووجعها صار شيئاً عالمياً، يمكن أن نتحدث اليوم ونقول حدثت فى بنغلاديش مأساة فلسطينية، مثل أن نقول حدثت فى فلسطين مأساة إغريقية ولكن المأساة هى المأساة والإنسان هو الإنسان سواء كان فلسطينياً أم عربياً، تركيا أم روسياً، الإنسان هو الإنسان، وبالمناسبة المأساة اليهودية وظفتها فى تجربتى الشعرية وأنا متعاطف مع ضحايا النازية ضد هتلر، إحذروا نحن نفقد إنسانيتنا إذا وقعنا فى العنصرية الضد، مثل أن نقول ما دام هؤلاء النازيون ذبحوا اليهود، إذن الله يسلم أيديهن وفى هذه الحالة نحن نفقد إنسانيتنا وهى أغلى وأعز ما نملك، وهى جوهر حضارتنا، نحن لسنا عنصريين، العرب والمسلمون ليسوا عنصريين، ثقافتهم ليست عنصرية، ثقافتهم ثقافة تسامح وإنسانية وتكافل وعطف، العنصرى ليس منا، لكن فى الوقت ذاته، أنتقد توظيف المأساة اليهودية فى الصراع الفلسطينى مثل ما تفعله الحكومة الإسرائيلية، الوحش النازى اضطهدكم ونحن ندفع الثمن؟ نحن معكم ضد الوحش النازي، لكننا لا نسمح لكم بتقمص شكل الوحش النازي، أنتم تهينون ضحاياكم إذن..