المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحمار ... ثالثنا


الدكتور نجم السراجي
04-09-2008, 02:34 AM
قصة قصيرة :

الحمار ... ثالثنا

قريتنا / أم الخيرات / أغنية ارددها كل فجر ، تطربني / صوت الملاح / ترنيمة عاشق / ناسك / تخدشها أصوات : نباح الكلاب السائبة ، نحنحة ـ عسس المكان ـ وفحيح الخوف الذي يرعب أهلها حتى تعودوا عليه / استسلموا إليه / وتركوني في حيرتي ، قرار عقلي الواعي يحدثني بضرورة التصدي له ومواجهته حتى أؤكد موته في نفسي ! أو أن اسلك دربهم ... أتكيف ، أتعايش معه ، أقرأ آية اطمئن بها قلبي كل فجر وللفجر في قريتنا رسل ٌ ، ينشطون قبل أن يستطير الضوء في الأفق ،ً يهمس أحدهم في أذن مؤذن المدينة أن ـ حي على الصلاة ـ ويهمس أخر في أذن راهب الدير أن اضرب بناقوسك ـ ابتهل ـ وآخر يداعب ندى البساتين ورابع يوقظ ديوك المدينة وبلابلها والعصافير، وخامس يحمل ( تسبيحاتَ ) و ( سجدة َ شـُكـْر ) جدتي إلى الأعالي ينثرها في السماء دفئا ً يعتقَ خيوط الفجر الصادق الذي يبشر بولادة يوم جديد :
ـــ صبحنا وصبح الملك لله .

***
يوما ً ، من أيام القيظ ، اشتدت الحرارة فيه بشكل غير معهود ، تبخرت كميات كبيرة من مياه ـ النهر الخالد ـ واستحالت غيوما تحمل السواد والمجهول ، استعمرت كامل سماء القرية وأسرت فجرها ، سحب هجينة تنذر ببلاء قادم ... قد تمر سحب خفيفة متقطعة في الصيف لكنها لا تبرق ولا ترعد وهذا ما زاد من مخاوفهم ودهشتهم ، مع ذلك خرجوا إلى ميادين رزقهم كل في محله وعمله المعتاد إلا عسس المكان ، خرجوا من ثكناتهم يطوفون الأزقة والشوارع يتقدمهم المنادي ـ لسان السلطان ـ يقرع الطبل :
فرمان سلطاني : الحاضر يبلغ الغائب :
ـ يمنع التجوال في صباح كل جمعة وحتى إشعار آخر .
ـ يمنع الهمس في كل أنحاء القرية ليلا ونهارا !
ـ تمنع التكتلات والتجمعات بكافة أنواعها .

***

تعودت أن اخرج كل فجر إلى عملي احمل خرجي وفيه رغيف خبز وقطعة جبن وحبات تمر مباركة، وأن أجمع هموم كل ( أمس ) في صرة وارميها عند الفجر إلى عين الشمس ، كنت افعل ذلك وأنا صغير ، علمتني ـ جدتي أن أجمع أسناني اللبنية الساقطة في صرة وارميها إلى عين الشمس .
في هذا الفجر لم أجد الشمس كي ارمي إليها هموم الليلة الماضية ومشاكل والدي وحالة الهلع والبرق والرعد الذي لم يخف جارنا الغريب القادم من مدينة منسية في القارة السمراء ، كان منشغلا في تحليل فكرة طرأت على باله وهو يقف جنبي عند باب الدار ننظر إلى سرعة الغيوم وسوادها وكثافتها المخيفة .
قال :
ـ أتعلم يا جاري أن البرق عندنا هو نفسه عندكم وكذلك الرعد ؟ هذا يعني أن مصدرهما /خالقهما / هنا وهناك واحد ، ويعني أن الذي خلق بشرتي السوداء هناك هو نفسه الذي خلق بشرتك البيضاء هنا ...
تأملت فكرته / تحتاج إلى وقفة / لمحت سواد بشرته ، فكرت أن اسأله عن سبب اختيار قريتنا للعيش فيها لكني لم افعل ، أولا ًلأني لا أؤمن بحدود أو لون وأن كل الأرض لكل الناس ، ، ثانيا ً خوفا ً من إحراجه.
خرجت إلى الشارع مهموما ، لم أفطر، اكتفيت بكوب شاي ، استقبلني كلبنا في باب الدار كعادته كل فجر ، يلقي علي تحية الصباح أفهمها من نظرة عينيه ، يتركني بعدها امتطي حماري / وسيلة نقلي / يودعني وأنا أقرأ تراتيل الدعاء في عينيه ، تقول جدتي أن الكلاب أفضل من القطط ، لأنها تدعوا الله أن يزيد رزق أهل البيت حتى تأكل أكثر معهم وتدعوا القطط الله على أهل البيت بالعمى حتى تأكل هي طعامهم.
في قريتنا الغنية ـ أم الخيرات ـ والنفط والجداول والبساتين لا املك إلا هذا / الحمار / سار بي على بركة الله ... وقف أمامي ـ الكلب ـ لم يفعل ذلك من قبل ، لم يعترض طريقي يوما ، لم أفهم سر معارضته / يقولون أن الكلاب من الحيوانات التي تعلم قرب حدوث الزلزال فتهجر المكان قبل وقوعه / تجاهلت نباحه ، تابعت المسير ، تبعني ...
الطريق هي الطريق ، لم يتوقف الزمن بعد كما ظننت ليلة أمس ، هناك زقزقة عصافير ، نهيق حماري ولهاث كلبي الذي تبعني ولازلت اجهل السبب ! والحيرة التي تصرخ في داخلي عن سر الصمت الذي يزداد كلما تقدمت صوب المدينة / مكان عملي / ويزداد قلقي كلما قصرت المسافة الى هناك ، ـ ـ أين الناس والأصوات والضجيج ؟ وجدتني وحيدا أطوق الأزقة والطرقات بنظراتي وخوفي وحيرتي
ـ هذا سوق العطارين والصابون والتوابل ، دكاكينه ليست كعادتها ، مغلقة ! يقول الحاج سلمان أن قائد العسس يأخذ منه التوابل الهندية الجيدة الخاصة / السلطان يحب التوابل ، يقدسها / يعشق حرارتها لكنه يفضل حرارة التصفيق والهتاف باسمه أكثر / تمنى لو يعمل له تمثالا ً من التوابل الحارة الخاصة بالسلاطين ...
ـ هذا سوق الأقمشة ( مغلق أيضا ) وهذا دكان ـ الحاج سعيد ـ ابن عم والدي ، اقسم أن يكون جهاز زوجتي من محله وعلى حسابه ، لم اصدق قسمه لأنه بخيل
ـ هذا محل العم ـ قاسم ـ ( مغلق ) خباز المدينة / حبيب السنابل والفقراء / تحرسهم / آلهة الطعام /
الصمت في هذه اللحظات يختلف عن الصمت الذي اعشقه حين أجلس تحت نخلة الدار أداعب النسيم ، الصمت هناك احتجاج وتمرد على الصخب / تحته بالضرورة بركان / هو افضل تربة ، خصوبتها ، تحفز أوهامي / إلهامي / اكتب ما يغازل أفكاري أو ما يكدرها ، ثم أمزق ما كتبت ، يضحك القمر! لكنه هنا عالم مخيف / يدور معي وأنا أجوب الطرقات ، أراه يطرق الأبواب ، يسكنها ، يحذر أهلها ...
لا أحد سواي في هذا الحي ،أ أنا الوحيد الناجي من طاعون هذه ـ المدينة ـ ومن فلتات اللسان ؟
أنا السلطان ...أخذتني نشوة الحكم وناصية الخطابة وتصفيق الجمهور الجبري ، أول مرة أحس أن لي ملكا ً ما في هذه الأرض ! الأرض لي ، الحكم لي ، العسس تحت أمري ... انا السلطان !
واصلت المسير والنشوة تعلوني ، عليَّ أجد من أسأله ، لم أجد ، همست في أذن حماري ، اعتدت أن أهمس في أذنه ، أبوح له كل أسراري ، أثق به ، هو كاتم الأسرار ... لأنه حمار! وربما لأنه كالبحر أو أن في منظومته العقلية قوى خفية يعجز عقلنا القاصر عن فهمها !
همست في أذنه ثانية ربما أجد الجواب ... أوقفني قائد ـ العسس ـ كان مختبئا ً خلف جدران ضوء الفجر
ضحك كثيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــرا :
ـ ثلاث تهم ...
أخذني مكبلا ً إلى حضرة السلطان ... لم آبه بمن حولي ، لازلت اشعر بنشوة الحكم وسلطة السلطان ! جلس على يميني قاضي القضاة يتبعه مفتي الديار وعلى شمالي قائد الجيوش / لم أر من كان خلفي لكني شممت رائحة نساء /
تقدم ـ رئيس العسس ـ وقف بخشوع أمامي :
ـ مولانا السلطان ...
عرض تهمتي / تهمي الثلاث /
أوقفوني ... انتظر دوري في ـ الجلد ـ أولُ المجلودين رُسـُلَ الفجر الذين همسوا في آذان المؤذن والراهب وقطرات الندى والعصافير والديوك / الهمس ممنوع /
جلدني الجلاد / مائة جلدة / لأني خرقت حظر التجوال ودنست صباح الجمعة ، ومائة جلدة أخرى لأني همست في أذن الحمار !
جلدني وكلبي والحمار بتهمة ـ التكتل والتجمع الذي خدش هيبة أوامر السلطان ،اعتبروه تمردا و خيانة !
سألت ـ قائد العسس ـ وأنا في طريقي إلى عالم ـ الغيبوبة ـ / تمنيت لو دخلتها بعد أول سوط لامس ضلعي المعقوف / الغيبوبة / تضمن لي عدم الإحساس بألم ما تبقى من الجلدات و تضمن لي أيضا عدم رؤية كلبي وهو يموت قبل آخر جلدة ...و تضمن لي كذلك عدم سماع ضحكات السلطان !!!
ـ أين التجمع سيدي ؟ كنت وحيدا ً في ذلك الشارع ! من غيري ؟
أشار إلى رفيقي الدرب !
ـ لكنهما : كلب و حمار...
ابتسم وقال :
ـ ......... حمير .......... كلاب ..........

انتهت

الدكتور نجم السراجي
النمسا 2007-11-05

معين حاطوم
04-09-2008, 07:32 AM
اخي الكاتب والشاعر دكتور نجم السراجي

سرديتك هذه تكشف الازمة السلطوية في شرقنا العربي !
واسمح لي ان اهمس في اذن هذا السلطان دفاعاً عنك اكان افتراضياً ام حقيقياً ما يلي :

لا تعطشوا الجمال لترضخ فلم تقدر عليها الصحارى
واقبل احر التحايا من الكرمل الاخضر

بمودة
معين حاطوم

الدكتور نجم السراجي
04-10-2008, 04:18 AM
اخي الكاتب والشاعر دكتور نجم السراجي

سرديتك هذه تكشف الازمة السلطوية في شرقنا العربي !
واسمح لي ان اهمس في اذن هذا السلطان دفاعاً عنك اكان افتراضياً ام حقيقياً ما يلي :

لا تعطشوا الجمال لترضخ فلم تقدر عليها الصحارى
واقبل احر التحايا من الكرمل الاخضر

بمودة
معين حاطوم

الكبير معين حاطوم
شرف لي هذه الكلمات ايها الاديب والاخ والصديق الكبير في خلقة وفي تواضعه وفي علمه وكامل صفاته
شكرا لك من صميم القلب
اخوك د . نجم السراجي

منال شامي
04-10-2008, 01:57 PM
الأخ الدكتور نجم السراجي

نص رائع جدًا ..
بالفعل أبدعت .. "حاشى قدرك" .. ;)

تحياتي القلبيه
منال الشامي

الدكتور نجم السراجي
04-10-2008, 05:00 PM
الأخ الدكتور نجم السراجي

نص رائع جدًا ..
بالفعل أبدعت .. "حاشى قدرك" .. ;)

تحياتي القلبيه
منال الشامي

سيدتي الكريمة منال الشامي

شكرا للك
هي نعمة كريمة سيدتي حين يستطيع الكاتب ايصال اكثر من فكرة الى المتلقي

تحياتي

يسرا الخطيب
04-27-2008, 01:56 PM
القاص القدير / نجم السراجي

واقعك بكل تفاصيلة الدقيقة ...ورصد امكنته ..وتربص نظراته ...و البحث في زواياه وتعقب خطوات عسسه ..جعلني اسير خلفك طائعة ..مسلوبة الارادة ..وكأنني اسير معك في أزقة قريتي ..
ولكنك الأسعد حظا أيها السلطان ..سلطان السرد ..وقراءة الحدث ..استطعت بلوغ النهاية
نهاية بمنتهى الحكمة ..برغم السرد المطول وجماله ..وكان لا بد من بلوغه ..الا انه العبرة دوما بالخاتمة
كنت سعيد الحظ ..لانك انتهيت باقامة دعوى حقيقية ...وغيرك يموت زورا وبهتانا ..بلا وجه حق
..لو علموا انهم بدعواهم تلك انصفوك ..لبقيت حيا لحتى اللحظة بلا دعوى او محاكمة ..

باسلوب بسيط .وروح متوثبة ..وقلم رشيق ..صورت الواقع بلغة بليغة ..فكانت صدى لواقع ما زلنا نغرق بين دواليبه
رحمة الله على السلطان .والرحمة على الكلب و الحمار
فمن تبقى ليطلب الرحمة للباقيات

مودتي وتقديري

الدكتور نجم السراجي
05-06-2008, 11:33 AM
القاص القدير / نجم السراجي

واقعك بكل تفاصيلة الدقيقة ...ورصد امكنته ..وتربص نظراته ...و البحث في زواياه وتعقب خطوات عسسه ..جعلني اسير خلفك طائعة ..مسلوبة الارادة ..وكأنني اسير معك في أزقة قريتي ..
ولكنك الأسعد حظا أيها السلطان ..سلطان السرد ..وقراءة الحدث ..استطعت بلوغ النهاية
نهاية بمنتهى الحكمة ..برغم السرد المطول وجماله ..وكان لا بد من بلوغه ..الا انه العبرة دوما بالخاتمة
كنت سعيد الحظ ..لانك انتهيت باقامة دعوى حقيقية ...وغيرك يموت زورا وبهتانا ..بلا وجه حق
..لو علموا انهم بدعواهم تلك انصفوك ..لبقيت حيا لحتى اللحظة بلا دعوى او محاكمة ..

باسلوب بسيط .وروح متوثبة ..وقلم رشيق ..صورت الواقع بلغة بليغة ..فكانت صدى لواقع ما زلنا نغرق بين دواليبه
رحمة الله على السلطان .والرحمة على الكلب و الحمار
فمن تبقى ليطلب الرحمة للباقيات

مودتي وتقديري

شكرا لك سيدتي الكريمة عل هذه الذائقة الادبية المميزة وهذا العمق والدلالة
سيدتي انت اول من اسره بان القسم الثاني والثالث من هذه القصة الحمار ثالثنا قد انجز وبقيت اللمسات الاخيره لنشره

سيدتي لك شكري واحترامي