المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : امرأة لا تعرف التقشف


نبال شمس
04-07-2008, 01:19 AM
امرأة لا تعرف التقشف
نبال شمس

"أشعر به يقتحمني, يمشي في شراييني كسرطان لا ينهك جسدي, بل يميت روحي". هذه الجملة وجدتها في دفاتر أختي المركونة في أرجاء غرفتها منذ سنين طويلة, كانت قد كتبتها في عدة أمكنة وفي عدة أوراق من أوراقها السرية, لكن حب استطلاعي الشديد ورغبتي بمعرفة ما حوته تلك الأوراق, هو الذي جعلني أتسلل إلى غرفتها في ساعات غيابها عن البيت لأقرأ ما تكتبه, أو لأشاهد ما ترسمه من أجساد عارية لنساء جميلات وقبيحات. سمينات ونحيفات . أحيانا كنت أرى بعض الشخبطات غير المفهومة, وأحيانا كنت أقرأ بعض الجمل المنقولة عن بعض الكتاّب, وأغلب الأحيان كنت أقرأ ما تكتبه هي أو ما تبدعه أناملها الرقيقة.
كنت في كل مرة أفرغ بها من القراءة أفتح جوارير خزانتها لأرى ملابسها الداخلية التي تشتريها. وأكثر ما كنت أحب هي الرائحة المنبعثة من الخزانة بسبب عطورها وطلاء أظافرها. قد كنت أعشق أشياء النساء, ربما شقاوة مني, أو ربما لأني شاب مشاكس على حد قولها, لكن على الأرجح هو الحرمان الذي نتشرّبه من أهالينا ومن محيطنا فنلجأ لتعلم الأشياء التي تخص أجسادنا خلسة دون أي إدراك.
أحببت أوراق أختي كثيراً, فأثناء قراءتي لتلك الأوراق, كنت أشعر وكأني على ظهر مركب في بحيرة ساكنه وهادئة. أختي مبدعة حقا ولا أعرف كيف تلبسها الإبداع. كلماتها عميقة وجميلة وحلوة, لكن نصيبها أن تقع في محيط لا يؤمن بقدرات الفرد, فكيف وان كانت امرأة جميلة وكاتبة ورسامة وحلوة كأختي؟ فأية مصيبة جمالُ المرأة وأنوثتها في مجتمع ما زال يذبح الرشا ويأكل لحمها. كنت كلما نظرت في وجه أختي الجميل شعرتُ بأن هناك عيوناً أخرى تقرأ خارطة جسدها وتشتهيها كاشتهائي لمعرفة أسرارها ومكنونات روحها الحلوة, فقد جمع الله فيها جمال الروح وجمال الجسد والوجه ومن ثم أضاف إلى تلك الروح ، روح الإبداع.
أسئلة كثيرة سألتها عندما جلست أكتب هذه الكلمات, فهذه هي المرة الأولى في حياتي أكتب لإمرأة وقلبي يفيض ألما وحزنا عليها. امرأة مصنوعة من صمت ومجبولة من عمق وتأمل.
ياسمين أختي الوحيدة بين أربعة ذكور. كانت تكبرني بثلاث سنوات , لكن الحلم كان يكبرها بقرون كثيرة, فبيني وبين نفسي كنت أدرك بأن أختي لن تكون سعيدة في حياتها ما دامت لا تعرف التقشف في طلب ما هو روحي وروحاني. ياسمين ملكت الكثير من الجمال والإبداع والموهبة لكنها ما زالت تبحث عن الكثير. إنها ليست امرأة عادية كما النساء في بلادي... متقشفات الحلم.
حلم أختي كان يتناسل كل فجرعند استيقاظها مع شروق كل شمس وغياب كل ليل. لقد اعتادت على الجلوس وحدها فجرا... تتقشف ، تحلم وتتمرد رغم أني لا أذكر أنها أزعجت أحدا في البيت. أتذكر رائحة القهوة التي كانت تنبعث مع نسيم الصباح. ومع تلاشي رائحة القهوة كنت أعود لرحمة الجسد المنهك.
ياسمين اعتادت أن تنهض فجر كل يوم لترسم خلسة. ترسم طهرها وعنفها وسرها. ترسم أجساد النساء والرشا الغائرة والمغرية. كانت تنهض لتحقق قليلا من الحلم المكبوت.
ولادة أختي كانت بعد ثلاثة ذكور, وبعدها بثلاث سنوات ولدت أنا, فترعرعت على وجهها الجميل الأبيض وعيونها الخُضر. نشأت على صوتها الرقيق وأوامرها الجميلة... فأغلب وقتي كنت اقضيه معها إما في البيت وإما في الحارة, عندما كانت تصطحبني بحنان ورفق وكأني ابنها, حتى أثناء اللعب . لقد كانت دائما تمثل دور الأم وأنا أمثلُ دور الابن المؤدب أحيانا والمشاكس أحيانا أخرى.
ياسمين, بالنسبة لي ، لم تكن إنسانة عادية. ففي طفولتي كانت لي أم ٌ جميلة صغيرة وحنونة, لديها كل الوقت لتكون معي بروحها وعيونها. فليس لديها زوج ٌ وأطفال ٌ آخرون . وليس لها أعمال ٌ منزلية وتنظيف يومي. كانت مكرسة كلها لي. عندما قطعت مرحلة الطفولة كانت هي قد أصبحت فتاة مكتملة الأنوثة جسدا, فكنت أرافقها لانتقاء القصص الغرامية. وعند ذهابها لشراء الملابس كنت أحرس لها الباب لئلا يدخل أحد ٌ عليها أثناء قياسها للملابس. وعند غيابها عن البيت كنت أتسلل إلى غرفتها لأرى ما لم أره هناك في الحانوت وما اشترته خلسة ووضعته في كيس أسود َ كان دوماً يثير حب استطلاعي.
إنها أختي, تلك الجميلة التي علمتني وجه الدنيا الأنثوي الذي يفيض حنانا وحبا. علمتني كيف أصغي لصوت الطير وصوت فيروز وصوت المطر وصمت الثلج. علمتني كيف أكتم السر وأتزين بصورة أحب بها نفسي. علمتني دون أن تعلم كيف أرسم حزنها على الهواء, وهموم الإناث على الوسادة. فعودتي اليوم إلى غرفتها لرغبة مني أن ْ أترك هذه الأوراق بين أوراقها. فعندما تعود ياسمين سوف تعرف كم أحبها وكم احمل همومها وانكساراتها وانهزاماتها لأنها امرأة كان يجب أن لا تولد على الأرض.
أختي, تكتب سرا وتتنفس سرا وتقتل سرا.
أختي, تتنفس الظلام والعتمة. حروفها تخرج من عمق متعب, مرهق وتائه.
ياسمين تنهض فجرا لتجد نفسها في العالم الغريب. فهي دائمة البحث عن ذاتها التي لا تجدها.
أختي تمارس الفرح خلسة فجر كل نهار, قبل استيقاظ الذكور.
أختي رشا قوية, تعدو وراء الحلم لتصله, فهي مفرطة في الحلم لكنها ممنوعة عنه.
ياسمين تحب النور, لكن لا كيان لها داخل النور.
"أشعربه يقتحمني, يمشي في شراييني كسرطان لا ينهك جسدي, بل يميت روحي".
الجملة أمامي مكتوبة على الكثير من الأوراق. وياسمين غائبة عن الغرفة. أراها تتأرجح بين قطبين. تحاول عبور الزمان والمكان . فجملتها دمرت كل المقاييس . فلسفة جديدة أثارت اهتمامي . فكيف ستحيي ياسمين ُ الجسدَ بدون الروح؟
كيف للأنامل الرقيقة أن تكتب مثل هذه الكلمات العميقة والعنيفة؟ فعودتي إلى ياسمين وأوراقها لكي أقول لها إني ما زلت معها في غرفتها, بين كتبها وأوراقها وفناجين قهوتها المبعثرة وملابسها الجميلة.
روحي ما زالت هنا يا حبيبتي . جئت لأعطيك عمري الذي انتهى منذ سنين, عندما قبلتيني آخر قبلة, وبكيت بحرارة وانهرتُ بين الأجساد.
كنت أرقبك يا ياسمين. أرقب أناتك الخارجة ولوعتك التي استوطنت بك . كنت أرقب جسدك وأحاول معرفة ماهية موت روحك.
جئت لأعطيك نصي وكلماتي, لأتفقد أسرارك ومسوداتك الحلوة المبعثرة بإتقان . أتيت من باطن البحيرة الخطرة التي حذرتيني من الدخول إلى مياهها والغوص في أعماقها . كلانا مجنون يا أختي . فقد عرفتك تحبين الغوص في الأعماق . تحبين الخطر والتمرد, وأنت من علمني ذلك.
انتهت قصتنا يا ياسمين
انتهت قصتنا يا حلوة الحلوات
انتهت حكايتنا يا امرأة لا تعرف التقشف في حلمها.
يا امرأة شمسها في حروفها وأناتها في لوحاتها العارية.
كم أحبك يا ياسمين . فهل وصلت كلماتك إلى روحك التي قتلت؟
انتهى نصي وأنهيت كلماتي . وضعتها تحت وسادة ياسمين . كنت متأكدا أن ياسمين لن تقرأ كلماتي . لأن روحها قتلت وجسدها دفن على سفح الجليل.
جمعت أوراقها ولوحاتها . أما ملابسها وعطورها وطلاء أظافرها فقد وضعتها في كيس بالزاوية لتأتي أمي وتتصرف بها... فقد أرادوا الغرفة ليتزوج بها أخي الأكبر.

الدكتور نجم السراجي
04-10-2008, 05:58 AM
قراءة مبسطة لنص (( امرأة لا تعرف التقشف )) للكاتبة نبال شمس

النص

امرأة لا تعرف التقشف
نبال شمس

"أشعر به يقتحمني, يمشي في شراييني كسرطان لا ينهك جسدي, بل يميت روحي". هذه الجملة وجدتها في دفاتر أختي المركونة في أرجاء غرفتها منذ سنين طويلة, كانت قد كتبتها في عدة أمكنة وفي عدة أوراق من أوراقها السرية, لكن حب استطلاعي الشديد ورغبتي بمعرفة ما حوته تلك الأوراق, هو الذي جعلني أتسلل إلى غرفتها في ساعات غيابها عن البيت لأقرأ ما تكتبه, أو لأشاهد ما ترسمه من أجساد عارية لنساء جميلات وقبيحات. سمينات ونحيفات . أحيانا كنت أرى بعض الشخبطات غير المفهومة, وأحيانا كنت أقرأ بعض الجمل المنقولة عن بعض الكتاّب, وأغلب الأحيان كنت أقرأ ما تكتبه هي أو ما تبدعه أناملها الرقيقة.
كنت في كل مرة أفرغ بها من القراءة أفتح جوارير خزانتها لأرى ملابسها الداخلية التي تشتريها. وأكثر ما كنت أحب هي الرائحة المنبعثة من الخزانة بسبب عطورها وطلاء أظافرها. قد كنت أعشق أشياء النساء, ربما شقاوة مني, أو ربما لأني شاب مشاكس على حد قولها, لكن على الأرجح هو الحرمان الذي نتشرّبه من أهالينا ومن محيطنا فنلجأ لتعلم الأشياء التي تخص أجسادنا خلسة دون أي إدراك.
أحببت أوراق أختي كثيراً, فأثناء قراءتي لتلك الأوراق, كنت أشعر وكأني على ظهر مركب في بحيرة ساكنه وهادئة. أختي مبدعة حقا ولا أعرف كيف تلبسها الإبداع. كلماتها عميقة وجميلة وحلوة, لكن نصيبها أن تقع في محيط لا يؤمن بقدرات الفرد, فكيف وان كانت امرأة جميلة وكاتبة ورسامة وحلوة كأختي؟ فأية مصيبة جمالُ المرأة وأنوثتها في مجتمع ما زال يذبح الرشا ويأكل لحمها. كنت كلما نظرت في وجه أختي الجميل شعرتُ بأن هناك عيوناً أخرى تقرأ خارطة جسدها وتشتهيها كاشتهائي لمعرفة أسرارها ومكنونات روحها الحلوة, فقد جمع الله فيها جمال الروح وجمال الجسد والوجه ومن ثم أضاف إلى تلك الروح ، روح الإبداع.
أسئلة كثيرة سألتها عندما جلست أكتب هذه الكلمات, فهذه هي المرة الأولى في حياتي أكتب لإمرأة وقلبي يفيض ألما وحزنا عليها. امرأة مصنوعة من صمت ومجبولة من عمق وتأمل.
ياسمين أختي الوحيدة بين أربعة ذكور. كانت تكبرني بثلاث سنوات , لكن الحلم كان يكبرها بقرون كثيرة, فبيني وبين نفسي كنت أدرك بأن أختي لن تكون سعيدة في حياتها ما دامت لا تعرف التقشف في طلب ما هو روحي وروحاني. ياسمين ملكت الكثير من الجمال والإبداع والموهبة لكنها ما زالت تبحث عن الكثير. إنها ليست امرأة عادية كما النساء في بلادي... متقشفات الحلم.
حلم أختي كان يتناسل كل فجرعند استيقاظها مع شروق كل شمس وغياب كل ليل. لقد اعتادت على الجلوس وحدها فجرا... تتقشف ، تحلم وتتمرد رغم أني لا أذكر أنها أزعجت أحدا في البيت. أتذكر رائحة القهوة التي كانت تنبعث مع نسيم الصباح. ومع تلاشي رائحة القهوة كنت أعود لرحمة الجسد المنهك.
ياسمين اعتادت أن تنهض فجر كل يوم لترسم خلسة. ترسم طهرها وعنفها وسرها. ترسم أجساد النساء والرشا الغائرة والمغرية. كانت تنهض لتحقق قليلا من الحلم المكبوت.
ولادة أختي كانت بعد ثلاثة ذكور, وبعدها بثلاث سنوات ولدت أنا, فترعرعت على وجهها الجميل الأبيض وعيونها الخُضر. نشأت على صوتها الرقيق وأوامرها الجميلة... فأغلب وقتي كنت اقضيه معها إما في البيت وإما في الحارة, عندما كانت تصطحبني بحنان ورفق وكأني ابنها, حتى أثناء اللعب . لقد كانت دائما تمثل دور الأم وأنا أمثلُ دور الابن المؤدب أحيانا والمشاكس أحيانا أخرى.
ياسمين, بالنسبة لي ، لم تكن إنسانة عادية. ففي طفولتي كانت لي أم ٌ جميلة صغيرة وحنونة, لديها كل الوقت لتكون معي بروحها وعيونها. فليس لديها زوج ٌ وأطفال ٌ آخرون . وليس لها أعمال ٌ منزلية وتنظيف يومي. كانت مكرسة كلها لي. عندما قطعت مرحلة الطفولة كانت هي قد أصبحت فتاة مكتملة الأنوثة جسدا, فكنت أرافقها لانتقاء القصص الغرامية. وعند ذهابها لشراء الملابس كنت أحرس لها الباب لئلا يدخل أحد ٌ عليها أثناء قياسها للملابس. وعند غيابها عن البيت كنت أتسلل إلى غرفتها لأرى ما لم أره هناك في الحانوت وما اشترته خلسة ووضعته في كيس أسود َ كان دوماً يثير حب استطلاعي.
إنها أختي, تلك الجميلة التي علمتني وجه الدنيا الأنثوي الذي يفيض حنانا وحبا. علمتني كيف أصغي لصوت الطير وصوت فيروز وصوت المطر وصمت الثلج. علمتني كيف أكتم السر وأتزين بصورة أحب بها نفسي. علمتني دون أن تعلم كيف أرسم حزنها على الهواء, وهموم الإناث على الوسادة. فعودتي اليوم إلى غرفتها لرغبة مني أن ْ أترك هذه الأوراق بين أوراقها. فعندما تعود ياسمين سوف تعرف كم أحبها وكم احمل همومها وانكساراتها وانهزاماتها لأنها امرأة كان يجب أن لا تولد على الأرض.
أختي, تكتب سرا وتتنفس سرا وتقتل سرا.
أختي, تتنفس الظلام والعتمة. حروفها تخرج من عمق متعب, مرهق وتائه.
ياسمين تنهض فجرا لتجد نفسها في العالم الغريب. فهي دائمة البحث عن ذاتها التي لا تجدها.
أختي تمارس الفرح خلسة فجر كل نهار, قبل استيقاظ الذكور.
أختي رشا قوية, تعدو وراء الحلم لتصله, فهي مفرطة في الحلم لكنها ممنوعة عنه.
ياسمين تحب النور, لكن لا كيان لها داخل النور.
"أشعربه يقتحمني, يمشي في شراييني كسرطان لا ينهك جسدي, بل يميت روحي".
الجملة أمامي مكتوبة على الكثير من الأوراق. وياسمين غائبة عن الغرفة. أراها تتأرجح بين قطبين. تحاول عبور الزمان والمكان . فجملتها دمرت كل المقاييس . فلسفة جديدة أثارت اهتمامي . فكيف ستحيي ياسمين ُ الجسدَ بدون الروح؟
كيف للأنامل الرقيقة أن تكتب مثل هذه الكلمات العميقة والعنيفة؟ فعودتي إلى ياسمين وأوراقها لكي أقول لها إني ما زلت معها في غرفتها, بين كتبها وأوراقها وفناجين قهوتها المبعثرة وملابسها الجميلة.
روحي ما زالت هنا يا حبيبتي . جئت لأعطيك عمري الذي انتهى منذ سنين, عندما قبلتيني آخر قبلة, وبكيت بحرارة وانهرتُ بين الأجساد.
كنت أرقبك يا ياسمين. أرقب أناتك الخارجة ولوعتك التي استوطنت بك . كنت أرقب جسدك وأحاول معرفة ماهية موت روحك.
جئت لأعطيك نصي وكلماتي, لأتفقد أسرارك ومسوداتك الحلوة المبعثرة بإتقان . أتيت من باطن البحيرة الخطرة التي حذرتيني من الدخول إلى مياهها والغوص في أعماقها . كلانا مجنون يا أختي . فقد عرفتك تحبين الغوص في الأعماق . تحبين الخطر والتمرد, وأنت من علمني ذلك.
انتهت قصتنا يا ياسمين
انتهت قصتنا يا حلوة الحلوات
انتهت حكايتنا يا امرأة لا تعرف التقشف في حلمها.
يا امرأة شمسها في حروفها وأناتها في لوحاتها العارية.
كم أحبك يا ياسمين . فهل وصلت كلماتك إلى روحك التي قتلت؟
انتهى نصي وأنهيت كلماتي . وضعتها تحت وسادة ياسمين . كنت متأكدا أن ياسمين لن تقرأ كلماتي . لأن روحها قتلت وجسدها دفن على سفح الجليل.
جمعت أوراقها ولوحاتها . أما ملابسها وعطورها وطلاء أظافرها فقد وضعتها في كيس بالزاوية لتأتي أمي وتتصرف بها... فقد أرادوا الغرفة ليتزوج بها أخي الأكبر.
انتهت

القراءة :
د . نجم السراجي

اعتمدت الكاتبة في نصها (( امرأة لا تعرف التقشف )) الموسوم بالبساطة وسلاسة الطرح ظاهرا ً لكنه من الناحية الفنية والتقنية والتحليلية معقد التركيب متعدد الجوانب والإشكاليات ، على ملاقحة الأشكال البنائية والصورية بشكل ذكي واشتغلت كثيرا على فكرة جر المتلقي بأسلوب شيق ولغة سليمة وواضحة وأسلوب مباشر بسيط مرة ومتعرج إيحائي بعيد عن المباشرة والتقريرية مرة أخرى معها حيث تريد وحيث تدور وتنتقل دون كسر أو صدع في انسيابية النص وتلاصق المتلقي معها .
اعتمدت الكاتبة أيضا على كتلة الموضوع والنص معا وجعلته قطعة واحدة دون فواصل او تجزئة تتوالى الجمل والصور الفنية بشكل متتالي مرتب تتم عملية الانتقال فيها من مادة او صورة او حدث إلى مادة أو صورة أو حدث آخر بشكل سلس انسيابي متواصل متماسك رغم اختلاف الأماكن والأزمنة والأحداث . واعتمدت كذلك على عنصر مهم في القصة وهو الراوي الذي تبادلت معه الكاتبة المراكز أو قل اندمج واتحد صوت الراوي مع صوتها أو صرخاتها المنبثقة من أعماق وعوالم أحزانها وآلامها وأسرارها ، ركز الراوي هنا على اللغة والوصفية التي شرّحّتْ البطلة وتناولتها خارجيا بوصف جسمها وتقاسيمه التفصيلية وأماكن تواجدها وطباعها ومواعيد نومها واستيقاظها ونوع قهوتها وأدوات الرسم ومواضيع الرسم وتاريخ ومكان ولادتها والأجواء العائلية والعادات والتقليد والمنطقة والفقر والعمل حتى وصل إلى غرفة نومها وكتبها ودفاترها وخزانة ملابسها وملابسها الداخلية وعطرها المفضل وتناولتها داخليا لتلقي كامل الأضواء على روحها وعلاقة الروح والجسد التي سأتناولها بتفصيل أكثر وحالاتها النفسية والتغيرات النفسية والتحليلية وارتباط الوعي باللاوعي عندها وحبها للرسم والفجر والأمل والأحلام الوردية والسكون والوحدة والعزلة والخيال والفنتازيات المصحوبة بالرومانسية المسحوقة في داخلها تحت عجلة الكآبة المصاحبة لها والجهد أو الشد النفسي على اقل تقدير وتناولتها من الناحية الاجتماعية والأسرية وطبيعة الحياة والأجواء التي تعيشها هذه العائلة وهي الأنثى الوحيدة بين الذكور وتحت وطأة عنصر أو رمز الفحولة المنتشر أو الثابت المهيمن الغير قابل للنقاش او المداولة ، واختارت الكاتبة في ظل هذه الأجواء المهيمنة كلمة ـ الذكور والإناث ـ ولم تتطرق في النص أبدا إلى كلمة ـ الرجل ـ لأنها تعي وتدرك تماما الفارق الكبير بين الرجولة التي تعني الإنسانية والشجاعة والحق والغيرة والحمية والنخوة والموقف الملتزم وبين الفحولة أو الذكورة التي تعني الهيمنة والتسلط والغريزة الجامحة والتميز الفسيولوجي والبيولوجي والتي هي صفة مشتركة بين الإنسان والحيوان .إن الصفة الذكورية في المجتمعات الشرقية عامة تعتبر عادية وطبيعية لأنها غالبة ومتفق عليها ضمنا اجتماعيا بحالة ازدواج الشخصية للذكور بشكل عام لكن ذكاء الكاتبة نقل هذه الأجواء المفروض ان تكون عادية وغير ملفتة للنظر إلى أجواء أكثر تعقيدا أدخلت عوامل الشك والغموض والريبة في نفس المتلقي لتلك الإحداث لتعود به بعد جولة الشك هذه إلى بر الأمان والتصديق وهو تلاعب يحتاج إلى الدقة والمهارة في عواطف أو وجدان المتلقي أجادت لعبته الكاتبة نبال شمس.
أعود إلى نقطة مهمة وهي أساس بناء ونقطة ارتكاز فكرة النص وما يدور في مخيلة الكاتبة ألا وهو ــ العلقة الجدلية بين الروح والجسد وحالة التأثر والتأثير فيما بينهما ـ
قد يرى البعض أن هذه العلاقة هي علاقة سلبية او عكسية بالمفهوم والحسابات الرياضية وهي علاقة السجين المتمثلة بالـ ( الروح ) والسجان الذي يمثله الـ ( الجسد ) ولا بد للروح من الانفصال عن ذلك الجسد كي تسمو وتتعالى في عالم الأثير ـ الملكوت ـ الخالية من القوى الغريزية الحيوانية والخاضعة بشكل تام إلى القوى العقلية لتترك الجسد في رحلة العودة إلى أصله ـ التراب ـ ، وتعتبر الروح الجهة المنيرة من الحياة وهي جوهر الحياة التي تمنحها الخلود ، أما التراب فهو الجانب المظلم منها.
ويرى البعض الآخر على أن هذه العلاقة بين الروح والجسد هي علاقة ايجابية طردية توافقية تكاملية فحين تفرح الروح ينتعش البدن وحين تتعرض إلى الصدمات ينكمش البدن ويذبل تضامنا معها وحين تصرخ الروح يتألم البدن وهذا قول له دلالات طبية مثبته واجتماعية مثبته أيضا فحالة الحب أو العشق المنبثقة أساسا من الروح وإفرازاتها من عواطف وأحاسيس ورغبات تنبثق من الروح أولا لتمر عبر الأجساد . وهذا يدل على حالة التناغم والتوافق والانسجام والتكامل بين الروح والجسد .
إجمالا نص (امرأة لا تعرف التقشف ) من النصوص المحيرة جمعت الكاتبة نبال شمس ونسقت فيه بين الفكرة والمضمون ووازنت بينهما وراهنت فيه على عنصر التشويق وقوة السرد وتسلسل الأحداث وراهنت أيضا على فكرة ـ الإيحاء أو الرمز ـ ووضع النص على طاولة التشريح وتركت للمتلقي اختيار طريقة التشريح ونوع المشرط ، لكني قد أقف عند نقطتين :
ـ "أشعر به يقتحمني, يمشي في شراييني كسرطان لا ينهك جسدي, بل يميت روحي". هذه الجملة وجدتها في دفاتر أختي
تمنيت لو استبدلت الكاتبة ( هذه الجملة وجدتها ) بهذا المقطع وجدته في دفاتر أختي لأنه في الحقيقة أكثر من جملة مفيدة واحدة
ـ "أشعر به يقتحمني, يمشي في شراييني كسرطان لا ينهك جسدي, بل يميت روحي".
أقف هنا عند كلمة ـ السرطان ـ التي هي دلالة واضحة بحد ذاتها ولا تقبل التأويلات الكثيرة لأنها تقريبا محددة المعنى ، للان السرطان أما أن يكون حميدا ولا يمكن له أن يؤثر لا على الروح ولا على الجسد بالشكل التفصيلي الموصوف بالنص وأما أن يكون سرطانا خبيثا وهذا يأكل الروح والجسد معا وبلا هوادة ولم يبق أمامي غير تحليلي حالة السرطان هذه على إنها حالة استثنائية غير مألوفة يخرج فيها السرطان الخبيث عن طوره المعتاد لينحاز لصالح الروح أو الجسد على حساب الآخر ليتفق مع المفهوم التصويري للنص والهدف الفلسفي منه واترك الإيضاح لصاحبة الشأن الكاتبة نبال شمس
شكرا لك سيدتي ، نص متكامل جميل يشد القارئ
تحياتي
الدكتور نجم السراجي
النمسا 2008-04-13