ابراهيم مالك
06-15-2007, 05:52 PM
قراءة عاجلة لديوان العشق والادراك
للشاعر الكرملي معين حاطوم
جمالية المُتخيّل
أو
جماليةُ اللامنطق
ابراهيم مالك – كفرياسيف
وجدتُني أتناول للمرّة الثالثة الديوان الجديد للشاعر الكرملي ، ابن دالية الكرمل ، مُعين حاطوم . أقرأه قراءةً فاحصة ومُتأمِّلة . وكان عند قِراءَتِه الأولى أثار فيَّ أسئلة كثيرة ، أهمها سؤال الجمالية ، الجمالية المفترضة أو الجمالية الفنية والمُتخيلة . ولا شكّ في أن الانطباع الأول الذي خلّفه هو أنّ معين يتمتَّع بلغة طيِّعَةٍ ، شديدة الشفافية والتنوّع ، ويتناول مضامين غير مسبوقةٍ في أدبنا وفكرنا المحليين ، من حيث النوعية والاستمرارية ، فخيط رهيف يربط بين كل ما يكتب . يحسبها المرء لأوّلِ وهلة تكرار الشيء ذاته ، لكنها ، أي كتاباته ، هي شكل من التنويع الذي يقوده بحثا عمّا ينشِدُ ويتوخّى . انّه كالباحث الجاد في بحثه عن ذاته فيما يكتب ليجد ذاته الانسا نية الجميلة .
من الأمور اللافتة للانتباه ، سألت نفسي ، من أين تأتي هذه الجماليّة المُتخيلة والخلاقة وما يستتر وراءها ؟
وقد لاحظت في قِراءاتي المتعدِّدة والمتنوعة أن مصدر هذه الجمالية يعود أساسا الى ما سأسميه : خلق الوهم . فحين يخلق الانسان وهما مُتخيَّلا ، يسبغ عليه صفا ت متخيلة كذلك ، يستدعيها في ذهنه من عالم اللامعقول في لحظة لا وعي . أي ان تلك الحالة ، الموحِيَة َ ، هي في الواقع خلق تماس وانسجام ذهني بين الوعي واللاوعي . وهو ما يميِّزُ الشاعِرَ المجيد عن غيره . وكذلك هو معين .
فالانسان خلق ذاته الالهية في لحظة لا وعي ورهبة من المجهول المبهَم ولحظة رغبة
في الوصول الى المعرِفة . وكان يدرك في لاوعيه لا منطقية ما يتصوّر ، فصار دائم السؤال والبحث . لكنَّه رغبة في الانسجام والتعايش مع وهمه ، ان صح َّ هذا القول ، زيَّن لنفسه مخلوقه وأسبغ عليه صفا ت تعكس نقيض واقعه ، كالخلود ، أي التواجد خارج المكان والزمان ( نقيض واقعه المحكوم بجدلية الموت والحياة )، كلّية القدرة ( نقيض العجز ) ، واسع الرحمة ( نقيض واقعه المّعا ش والخالي من الرحمة الانسانية في
حالات ٍ كثيرة ) وغير ذلك . وهذه الحالة ، حالة الوهم ، نشأت في الواقع في أعقاب مرحلة انسانية ، تميزت بهيمنة السحر على العقل الانساني . والسحر هو خلق حالة من الوهم تزيِِّن للمرء الانسان أنه يشهد شيئا من الخوارق المخيفة او المهدِّئة والمحبَّبة ، يصدِّق
أمر حدوثها وان كان تصديقها من الأمور العصية . فهي مما لا يصدق .
ولو أخذ ت مثالا على ذلك كبار شعراء الصوفية : ابن عربي ، الحلاج وغيرهما ، فان جميل شعرهم نابع من خلق التماهي بين مخلوقين والانسجام الكلي بينهما ، الذات الالهية والذات الانسانية المحبوبة والمعشوقة . ومن الملاحظ في مثل هذه الحالة أنَّ الشاعر المعني يستخدم مواصفات انسانية ، مستمدَّة من واقعنا الأرضي ِّ والمجتمعيِّ المعاش ، حين يتحدَّ ث عن ذاته الالهية الما - وراء أرضية .
اقرأوا معي جميل ما يكتب معين في مستهل ديوانه المذكور سابقا :
وحين هللت ِ على مشارف النظر
بدعة ضوء يتراكض أماها الليل ذعراً
وحين ابتسمت وهمست ، أيقنتُ :
لأن الشمسَ ما كانت
أشرقت ِ أنت ِ !!
أشرقت ِ انت ِ!!
فأضأت ِ صومعة الألم ِ
وأحييت ِ اللهفة في لحدِها
ورحلتِ !
شعر رقيق وجميل لا شكّ في ذلك .
لكن ما لفت انتباهي هو أنَ شعراء كثيرين مُبدِعين ، وبينهم معين ، حين تطرّقوا الى الذات الالهية ، التي ينسب اليها خلق الكون من العدم ، ينظرون اليها ذاتا نسوِيَّة ، تخاطب ( بأ نتِ ) . وان كنت لا أستغرب ان تسبغ كل هذه المواصفات الجمالية الانسانية على الذات الأنثوية ، فالمرأة هي أم الحياة وأصلها وهي تكثيف للجمال الانساني . ومصطلحات اللغة المستخدمة في مثل هذا الشعر ، وهو الأمر الطبيعي ، هي مصطلحات مُستمدَّ ةٌ ومنحوتة من عالمنا الأرضي ومن واقعنا المعاش ،من مثل :أشرقت ِ ، هللتِ ، أضأ ت ِ ورحلت ِ . ولا يغيّر في هذه الملاحظة واقع استعمال لهجة ذكورية في المخاطبة الشعرية في مواقع أخرى . وحتى في هذه الحالات تكون حالة من التحبّب :
كأن تقول يا حبيبي ، ففي ذلك المصطلح تصلح مخاطبة المرأة أيضا .
أسوق مثالاً آخر من الصفحة 41 عن الكمال الغارق في لاشكله ، فهو كمال أنوثي :
في البدء ِ لم تكن الشمس ُ
لم يكن القمر
لم تكن النجوم
كان الكمال
الغارق في لا شكلِهِ
وكانت عيناك ِ ...
صحيح أنّ معين يعني في الظاهرِ كمال الذات الالهية " الكمال الغارق في لا شكله " ،
لكنه من حيث لا يقصد وربما يعني ذلك كمال معشوقته المتخيّلة ، كمال المرأة كذات انسانية ، أو كما يتمناها في لاوعيه أن تكون . فلنقرأه في الصفحة ذاتِها :
منذُها ...
يتورَّط الورد
كلّما مرَّ عطركِ في بساتينه
ويتلبَّكُ البُلبُل
كلما لمسَ همسَكِ
أغاريد الحساسين ....
وما أرق ما يكتب في الصفحة 91 :
سكب المساء بين شفتيك ِ
خَمرَةَ الضوء ِ
وفي خُضرَة ِ عينيك ِ
مَزَج َ الشفق ُ مفاتن َ العشق ِ
حرَّةٌ أنت ِ يا صديقتي كالطير ِ
وجارِح ٌ صدُّك ِ
كمخلب النسر ِ ..
ويكتب في مكان آخر ، في صفحة 118 ، مخاطبا معشوقته المتخيلة :
فحُسنك ِ لحن ٌ
ثغرك ِ رخيم ٌ
الجسد خبز ُ
وشوقي جائع ...
خيِّمي يا راحلة
في صحراء الصد
فوق حلمي وعرِّشي
كدوالي الكرمل
فما تحلَّبَ من طيفك ِ : خّمر ٌ
وما نزَّ مِن شهدِك ِ : شعر ٌ
في هذه العجالة السريعة والقصيرة لن أستطيع تقديم أمثلة أخرى عن هذه الجمالية المتخيلة المبحرة خلف المنطق الى عوالم شفافة الجمال : سماوية وما وراء أرضية ، هي في حقيقتها نتاج خيال شاعري ٍّ مبدع ، يتولد في حالة لا وعي حالم ، كالخمر الذي يتحلب من طيف المعشوقة وينزُّ من شهدها . ومثل هذا الشعر الجميل لا يكون الا حين يغمر الشاعر َ دفق شعور ، يتماهى فيه مع من يحب : الذات الالهية والأخرى الانساية .
وقبل الختا م أحب أن أؤكد أن الديوان زادني قناعة أن من أجمل الشعر وأبلغه شعورا هو ما كان مختزلا وموحيا . فلنقرأه في صفحة 135 يخاطب الكرمل : المكان الذي عشقه، فكان الضلع الثالث الجميل في مثلث عشقه ( الذات المتخيلة ، الكرمل وانسانيته ) ، يخاطبه فيقول :
قال الكرمل :
ويحك أيّتها الوحدة ُ
قالها وبكى
وما أروع هذه المفا رقة المُختزلة والموحية ، حين يقول في صفحة 197ت:
شرِقُ شمسي
ويبدأُ كلّ يوم صباحي
في المساء ِ ...
في المساء يبدأ صباحي
حين أراك !
وكم تبهرني هذه الرقة الموحية والمُختزلة الطالعة من ثنايا صوت :
أيُّها الزورق شراعُكَ يرفرف
كأهداب حبيبي
أيها الزورق تنقصك الأمواه كي تبحر
أيُّها الزورق ينقصك حبيبي
أعترف أن العجالة القصيرة والسريعة هذه لن تستطيع شمل أكثر ما في الديوان من نصوص جميلة وباعثة على الدهشة المفرحة . وسأكتفي بأن أجدني منساقا ومردّدا مع معين ( صفحة 77 ) :
أتوني بحبٍّ
أنصهر فيه حتى التماهي
وينصهر فيَّ حتى التوحُّد
دون أن نتشوه
دون أن نتغيرَ
ودون أن تذوي فينا
أحلامنا الوردية ..
وكأني بمعين يبحث بذلك عن حبه الأسمى ، حب ذاته الانسانية الحالمة والعاشقة . والحبُّ هنا لا يعني حبّ المعشوقة المتخيلة ، بل ما هو أبعد من ذلك . ديوان معين "العشق والادراك " أكَّد مجددا أن الشاعر الحق يجمل به أن يكون عاشقا ، ذا نزعة فلسفية ، خيال محلق ومتمكِّنٍ من اللغة .
للشاعر الكرملي معين حاطوم
جمالية المُتخيّل
أو
جماليةُ اللامنطق
ابراهيم مالك – كفرياسيف
وجدتُني أتناول للمرّة الثالثة الديوان الجديد للشاعر الكرملي ، ابن دالية الكرمل ، مُعين حاطوم . أقرأه قراءةً فاحصة ومُتأمِّلة . وكان عند قِراءَتِه الأولى أثار فيَّ أسئلة كثيرة ، أهمها سؤال الجمالية ، الجمالية المفترضة أو الجمالية الفنية والمُتخيلة . ولا شكّ في أن الانطباع الأول الذي خلّفه هو أنّ معين يتمتَّع بلغة طيِّعَةٍ ، شديدة الشفافية والتنوّع ، ويتناول مضامين غير مسبوقةٍ في أدبنا وفكرنا المحليين ، من حيث النوعية والاستمرارية ، فخيط رهيف يربط بين كل ما يكتب . يحسبها المرء لأوّلِ وهلة تكرار الشيء ذاته ، لكنها ، أي كتاباته ، هي شكل من التنويع الذي يقوده بحثا عمّا ينشِدُ ويتوخّى . انّه كالباحث الجاد في بحثه عن ذاته فيما يكتب ليجد ذاته الانسا نية الجميلة .
من الأمور اللافتة للانتباه ، سألت نفسي ، من أين تأتي هذه الجماليّة المُتخيلة والخلاقة وما يستتر وراءها ؟
وقد لاحظت في قِراءاتي المتعدِّدة والمتنوعة أن مصدر هذه الجمالية يعود أساسا الى ما سأسميه : خلق الوهم . فحين يخلق الانسان وهما مُتخيَّلا ، يسبغ عليه صفا ت متخيلة كذلك ، يستدعيها في ذهنه من عالم اللامعقول في لحظة لا وعي . أي ان تلك الحالة ، الموحِيَة َ ، هي في الواقع خلق تماس وانسجام ذهني بين الوعي واللاوعي . وهو ما يميِّزُ الشاعِرَ المجيد عن غيره . وكذلك هو معين .
فالانسان خلق ذاته الالهية في لحظة لا وعي ورهبة من المجهول المبهَم ولحظة رغبة
في الوصول الى المعرِفة . وكان يدرك في لاوعيه لا منطقية ما يتصوّر ، فصار دائم السؤال والبحث . لكنَّه رغبة في الانسجام والتعايش مع وهمه ، ان صح َّ هذا القول ، زيَّن لنفسه مخلوقه وأسبغ عليه صفا ت تعكس نقيض واقعه ، كالخلود ، أي التواجد خارج المكان والزمان ( نقيض واقعه المحكوم بجدلية الموت والحياة )، كلّية القدرة ( نقيض العجز ) ، واسع الرحمة ( نقيض واقعه المّعا ش والخالي من الرحمة الانسانية في
حالات ٍ كثيرة ) وغير ذلك . وهذه الحالة ، حالة الوهم ، نشأت في الواقع في أعقاب مرحلة انسانية ، تميزت بهيمنة السحر على العقل الانساني . والسحر هو خلق حالة من الوهم تزيِِّن للمرء الانسان أنه يشهد شيئا من الخوارق المخيفة او المهدِّئة والمحبَّبة ، يصدِّق
أمر حدوثها وان كان تصديقها من الأمور العصية . فهي مما لا يصدق .
ولو أخذ ت مثالا على ذلك كبار شعراء الصوفية : ابن عربي ، الحلاج وغيرهما ، فان جميل شعرهم نابع من خلق التماهي بين مخلوقين والانسجام الكلي بينهما ، الذات الالهية والذات الانسانية المحبوبة والمعشوقة . ومن الملاحظ في مثل هذه الحالة أنَّ الشاعر المعني يستخدم مواصفات انسانية ، مستمدَّة من واقعنا الأرضي ِّ والمجتمعيِّ المعاش ، حين يتحدَّ ث عن ذاته الالهية الما - وراء أرضية .
اقرأوا معي جميل ما يكتب معين في مستهل ديوانه المذكور سابقا :
وحين هللت ِ على مشارف النظر
بدعة ضوء يتراكض أماها الليل ذعراً
وحين ابتسمت وهمست ، أيقنتُ :
لأن الشمسَ ما كانت
أشرقت ِ أنت ِ !!
أشرقت ِ انت ِ!!
فأضأت ِ صومعة الألم ِ
وأحييت ِ اللهفة في لحدِها
ورحلتِ !
شعر رقيق وجميل لا شكّ في ذلك .
لكن ما لفت انتباهي هو أنَ شعراء كثيرين مُبدِعين ، وبينهم معين ، حين تطرّقوا الى الذات الالهية ، التي ينسب اليها خلق الكون من العدم ، ينظرون اليها ذاتا نسوِيَّة ، تخاطب ( بأ نتِ ) . وان كنت لا أستغرب ان تسبغ كل هذه المواصفات الجمالية الانسانية على الذات الأنثوية ، فالمرأة هي أم الحياة وأصلها وهي تكثيف للجمال الانساني . ومصطلحات اللغة المستخدمة في مثل هذا الشعر ، وهو الأمر الطبيعي ، هي مصطلحات مُستمدَّ ةٌ ومنحوتة من عالمنا الأرضي ومن واقعنا المعاش ،من مثل :أشرقت ِ ، هللتِ ، أضأ ت ِ ورحلت ِ . ولا يغيّر في هذه الملاحظة واقع استعمال لهجة ذكورية في المخاطبة الشعرية في مواقع أخرى . وحتى في هذه الحالات تكون حالة من التحبّب :
كأن تقول يا حبيبي ، ففي ذلك المصطلح تصلح مخاطبة المرأة أيضا .
أسوق مثالاً آخر من الصفحة 41 عن الكمال الغارق في لاشكله ، فهو كمال أنوثي :
في البدء ِ لم تكن الشمس ُ
لم يكن القمر
لم تكن النجوم
كان الكمال
الغارق في لا شكلِهِ
وكانت عيناك ِ ...
صحيح أنّ معين يعني في الظاهرِ كمال الذات الالهية " الكمال الغارق في لا شكله " ،
لكنه من حيث لا يقصد وربما يعني ذلك كمال معشوقته المتخيّلة ، كمال المرأة كذات انسانية ، أو كما يتمناها في لاوعيه أن تكون . فلنقرأه في الصفحة ذاتِها :
منذُها ...
يتورَّط الورد
كلّما مرَّ عطركِ في بساتينه
ويتلبَّكُ البُلبُل
كلما لمسَ همسَكِ
أغاريد الحساسين ....
وما أرق ما يكتب في الصفحة 91 :
سكب المساء بين شفتيك ِ
خَمرَةَ الضوء ِ
وفي خُضرَة ِ عينيك ِ
مَزَج َ الشفق ُ مفاتن َ العشق ِ
حرَّةٌ أنت ِ يا صديقتي كالطير ِ
وجارِح ٌ صدُّك ِ
كمخلب النسر ِ ..
ويكتب في مكان آخر ، في صفحة 118 ، مخاطبا معشوقته المتخيلة :
فحُسنك ِ لحن ٌ
ثغرك ِ رخيم ٌ
الجسد خبز ُ
وشوقي جائع ...
خيِّمي يا راحلة
في صحراء الصد
فوق حلمي وعرِّشي
كدوالي الكرمل
فما تحلَّبَ من طيفك ِ : خّمر ٌ
وما نزَّ مِن شهدِك ِ : شعر ٌ
في هذه العجالة السريعة والقصيرة لن أستطيع تقديم أمثلة أخرى عن هذه الجمالية المتخيلة المبحرة خلف المنطق الى عوالم شفافة الجمال : سماوية وما وراء أرضية ، هي في حقيقتها نتاج خيال شاعري ٍّ مبدع ، يتولد في حالة لا وعي حالم ، كالخمر الذي يتحلب من طيف المعشوقة وينزُّ من شهدها . ومثل هذا الشعر الجميل لا يكون الا حين يغمر الشاعر َ دفق شعور ، يتماهى فيه مع من يحب : الذات الالهية والأخرى الانساية .
وقبل الختا م أحب أن أؤكد أن الديوان زادني قناعة أن من أجمل الشعر وأبلغه شعورا هو ما كان مختزلا وموحيا . فلنقرأه في صفحة 135 يخاطب الكرمل : المكان الذي عشقه، فكان الضلع الثالث الجميل في مثلث عشقه ( الذات المتخيلة ، الكرمل وانسانيته ) ، يخاطبه فيقول :
قال الكرمل :
ويحك أيّتها الوحدة ُ
قالها وبكى
وما أروع هذه المفا رقة المُختزلة والموحية ، حين يقول في صفحة 197ت:
شرِقُ شمسي
ويبدأُ كلّ يوم صباحي
في المساء ِ ...
في المساء يبدأ صباحي
حين أراك !
وكم تبهرني هذه الرقة الموحية والمُختزلة الطالعة من ثنايا صوت :
أيُّها الزورق شراعُكَ يرفرف
كأهداب حبيبي
أيها الزورق تنقصك الأمواه كي تبحر
أيُّها الزورق ينقصك حبيبي
أعترف أن العجالة القصيرة والسريعة هذه لن تستطيع شمل أكثر ما في الديوان من نصوص جميلة وباعثة على الدهشة المفرحة . وسأكتفي بأن أجدني منساقا ومردّدا مع معين ( صفحة 77 ) :
أتوني بحبٍّ
أنصهر فيه حتى التماهي
وينصهر فيَّ حتى التوحُّد
دون أن نتشوه
دون أن نتغيرَ
ودون أن تذوي فينا
أحلامنا الوردية ..
وكأني بمعين يبحث بذلك عن حبه الأسمى ، حب ذاته الانسانية الحالمة والعاشقة . والحبُّ هنا لا يعني حبّ المعشوقة المتخيلة ، بل ما هو أبعد من ذلك . ديوان معين "العشق والادراك " أكَّد مجددا أن الشاعر الحق يجمل به أن يكون عاشقا ، ذا نزعة فلسفية ، خيال محلق ومتمكِّنٍ من اللغة .