المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر ابراهيم مالك - بعض من التجربة


بواسطة مشرفي المنتدى
03-15-2008, 10:45 PM
بعض من التجربة


خطوط اولية لدراسة حول الشعرالحديث


بقلم الشاعر : ابراهيم مالك

أعني بتجربتي،في الأساس،تجربةالكتابة ألأدبية وخاصة كتابة القصيدة الحديثة.
بدأتُ هذه التجربة الواعية والمصمِّمَة في بداية التسعينات من القرن الماضي،بدأتها في الواقع متأخرا نسبيا ، يمكن القول أنَّها،أيّ التجربة،بدأت في هذه الفترة الزمنية من عمري تتسم بالنضوج. وكانت لي تجارب كتابية في حقل الشعر منذ بدايات الشباب، لكنها وللحقيقة لم تكن مرضية لي، أعتبرها فجَّةً نوعا ما فلم أحتفظ ولو ببعض منها. وكان ديواني الشعري الأول"في انتظارأن تأتي" يُبقي الإنطباع وكأنه باكورة بداياتي المتأخرة.
وقد أقنعتني هذه التجربة أنَّ كتابة الشعر لا تعرف جيلا محدَّدا،فقد تكون ولادة التفتح الشعري مبكرة وقد تكون متأخرة وبعد تراكم خبرة حياتية ونضج معرفي،يسهم في تطوير فلسفة حياتية،هي من أكثر ما يحتاجه الشاعر في تطور شاعريته وانطلاقها.

***

كانت تجربة ًتتميَّزُ في البداية ببعض الخجل ، لكنني سرعان ما واتتني الجرأة والثقة بالنفس،ورحت تدريجيا أنسلخ عن الحياة السياسية،لاأتنكَّر لها،وأكرس معظم كتاباتي لكتابة الشعر أو النصوص الجميلة. وبدأتُ أكوِّنُ لنفسي معشوقة مُتخيَّلة ومشروعا شعريا،أعطيه جلَّ عقلي وذاكرتي وحبي.وأكسبتني معارفي الواسعة نسبيا،التي اكتسبتها بالقراءة والمطالعة،قناعة متراكمة بضرورة بناء شخصيتي الشعرية الخاصة بي وتطوير ذاتي بصورة مستقلة،فلا أقلد أحدا ،أيا كان،وممارسة التجريب دائما ، كأنّ ما أكتبه نصوصٌ متنوعة لقصيدة واحدة،أستفيد من تجارب الآخرين ولكني أحرص على تنمية تجربتي الخاصة بي.وبات بمرور الوقت وتعمق التجربة أكثر وضوحا لي أنني لن أستطيع أن أكون ذاتي الخاصة والمستقلة،إلاّ إذا طورت شيئا غير مألوف، فاللامألوف هو غالبا ما يكون الحديث الجديد.
وانطلاقا من هذا الفهم المُدرِكِ لحقيقة ما أريد،هربت من الشبلونات الشعرية التقليدية والتي أكثر ما تتجلَّى في الأوزان الشعرية المتوارثة والمنقولة وموسيقاها المكرَّرة.
شهِدَتْ هذه التجربة بدايات توهجها قبل المرض في شباط 2003 ولكن عَرِفتْ انطلاقتها الحقيقية بعد المرض. وهي فترة زمنية من عمري تميَّزتْ بتكريس كتابة القصيدةالمتحررة من التفعيلة والوزن الأحمدي بصورة عامة ومتحررة من الشعارات الشعبوية، التي كانت تميِّزأكثر شعرنا في الفترة بين الخمسينات والثمانينات.ورحت أركز على القصيدةالمشحونة بالتأمُّل والإيحاءات والاستعارات الجماليةالمختلفة وبالمتخيَّل العقلي.فبات العقل هو الذي يتحكَّم بالمُتخيل والصور الإيحائية في شعري.

***

أعتقد أنّ القصيدة الحديثة المتحررة من التفعيلة والوزن الأحمدي هي من أصعب الشعر المكتوب.وما زالت تبحث عن استدارة في نموّها وعن شكل شبه مكتمل قابل وقادرأن يمنحها ما حرمت الأوزان الشعرية التقليدية القصيدة القديمة المتجددة منه،وهو ما أسميه الفضاء الشعري المُشرَع على فضاءات لا تعرف حدودا.
ما يميِّزُ هذه القصيدة أنها دائمة التجدد من حيث موسيقاها الداخلية وموضوعاتها. وهي تعتمد الفقرة الشعريّة لاالبيت الشعري الموزون والمقفى.
القصيدة الحديثة قد تتشكّل من فقرة واحدة وقد تتشكل من فقرات،تفصل بينها أدوات وقف أو قطع كالنقطة أوالفاصلة وغيرها.
وهي لا تحتمل الاطالة،انما يُشترط بها أن تكون شديدة الاختزال،باعثة على الدهشة ومنكشفة على احتمالات تأويل وإيحالات،تتسع من قارىء لقارىء.ويشترط بها تناول حدث أوحادثة،التعبيرعن شعورأوعن فكرة أو لنقل صورة متخيلة أو حقيقية.كل ذلك من خلال اقتصاد ملحوظ ومتعمّد للكلمات،التي تشكل أدوات الشاعر،غِنى،تلوُّن أو فقر عالمه الرؤيوي والمتخيل، عمقه الثقافي والمعرفي أو ضحالته،وطريقته في التعبيرعمّا يحِسُّ وعمّا يريد أن يقول.والشاعرالمُجيدُ هومن يُجْهِدُ نفسه ،عقله،كثيرا في انتقاء الكلمات،التي تعبرأحسن تعبيرعن مشاعره المشتعلة والمتوترة،لحظة الكتابة، وتكون هذه اللحظة أشبه بلحظة الشحنةالكهربائية،التي تتكفّل لمستها بايصال التيار الكهربائي بأقصرالطرق وأسرعها.
وقد لجأت الى الفقرة الشعرية منعا للإطالة أو للحشو ولتحقيق شدة الإختزال ما أمكنني عقلي المتخيِّل وتجربتي الكتابية وسعة موروثي الثقافي.والفقرة كما أسلفت قد تنوب عن دور البيت الشعري في القصيدة الموروثة والذي يمكن أن يغني بعمق فحواه وإيحاءاته عن القصيدة المطولة.ولا أغالي حين أقول أن بيتا شعريا وحيدا في معلقة ، نحفظه عن ظهر قلب ونردِّده في ذاكرتنا دوما مهما طال الزمن وتقدم العمر بنا ،يمكن أن يمثل عالم المعلقة والشاعر ،عالم عصره وبيئته، وتحضرني في هذه العجالة عدد من بيوت الشعر لعنترة العبسي في معلقته الجميلة، يمثل كل بيت منها عالم إيحاءات متعددة ومنوعة ، عالم قيم وجماليات فنية وإنسانية،وأبيات شعر رائعة لعروة بن الورد وأخرى لزهير ابن أبي سلمى وغيرهم من شعرائنا القدامى.

***

وحين أتحدث عن الإختزال أسوق عددا محدودا من الأمثلة من شعري القديم نسبيا ومن شعر معدٍّ للنشر ومن شعر زميلي الجميلين،الكرملي معين حاطوم ونعيم عرايدي من المغار.
قصيدتي الأولى سبق وظهرت في مجموعتي الشعرية الثانية،وهي عن المرأة التي أحب.
تتشكل القصيدة المذكورة من أربع فقرات قصيرة.ولو طُلِب اليوم مني إعادة نشرها لاستغنيت عن فقرتين من القصيدة ولا أظن أنها ستفقد بذلك شيئا من جماليتها (في نظري) ونشرت مجددا متضمنة الفقرتين الثانية والثالثة فقط وهما:

المرأةُ التي أحِب
أحبُّ فيها جَسَدا ً
يشعل روحي ومضُهُ
وكم أحب
لو أنَّ روحي نبضُهُ .

المرأة التي أحِب
مِشكاةُ نورٍ
نِصفِيَ المُضاء
وكم أحِب
لو أنَّ عتمتي
بوهج نصفها تُضاء .

كان يجمل بي أن أكتفي بهاتين الفقرتين .
وأما القصيدة الأخرى فهي من قصائدي الأخيرة،سبق ونشرتها مؤخراً.وهي تتشكل من ثلاث فقرات قصيرة أيضا.ستظهر في مجموعتي الشعرية الجديدة( الخامسة)وعنوانها" ياعود الرمان" ولكن بفقرتين،سأستغني عن الفقرة الثلثة.
كتب إليَّ الشاعرالصديق الفلسطيني المقيم في برلين،أحمد بهجت،وقد قرأعددا من قصائدي الأخيرة،كتب في ختام رسالة قصيرة جدا:

"ولكن أحيانا وليس دائما أشعر أنه يمكن تكثيف القصيدة وإزالة الإيضاحات والتحديدات التي فيها".

وهو ما أحاول،جاهدا قدرالإمكان،الإستفادة منه ما طال بي العمر وقدرت علىالكتابة مستقبلاً.
أصدرزميلي الشاعر الكرملي،معين حاطوم، قبل مدَّةٍ مجموعته الشعرية الجديدة "مجالس العشق والإدراك" . وهي في حقيقتها قصيدة واحدة مطولةومن أجمل ما قرأت في شعرنا المحلي. وقد همست في أذنيِّ معين أنَّه يجدر به أن يعيد قراءتها جيدا،يختار بعض مقاطعها القابلة للإختزال وينشرها ثانية في وقت سيأتي ،فيكون أهدانا وأهدى حركتنا الأدبية واحدة من أجمل المجموعات الشعرية.
سأكتفي هنا بالإشارة الى قصيدة " قال الكرمل" والتي فيها يشكو وحدته.

" قال الكرمل :
ويحك أيتها الوحدة
قالها وبكى"

كانت هذه هي الفقرة الأخيرة في القصيدة القصيرة أصلا.
وأعتقد أنه كان يمكن الإكتفاء بها. فهي من القوة الموحية ما يجعلها كافيةوحدها.
فالقارىء سيجد نفسه منغمسا بأسئلة كثيرة عن هذه الوِحدة ،وِحدةُ من تكون ومدى قساوتها المبكية حتى للكرمل الجبل! وما هي حدود التماهي بين الشاعر والمكان الذي يحبه مثل نفسه.
لوتأملنا قليلا خاتمة القصيدة " قالها وبكى"، لرأينا أنَّ هذه الجملة الشعرية تلخص بكلمتين، قد تبدوان عاديتين،تلخص كلَّ ما أراد الشاعر معين حاطوم قوله على لسان شَبيهِهِ – الكرمل. فالفاعل في هذه الجملة هو الحاضر الغائب الذي رَمَزَ من خلاله الى ذات الشاعر الحقيقية والمفعول به هو المضمر الماثل بقوة –قولة - " ويحك أيتها
أيتها الوحدة "، وهي الدالة إلى ما أراد أن يقول.وكلمة بكى هي الدالة التي تكشِفُ بقول مكثّف عن النتيجة الخلاصة-بكاء الشاعر.
وكم كانت متعتي الذهنية محلقة وأنا أقرأ مؤخراً مجموعة زميلي الشاعرنعيم عرايدي من المغار "أعطني فرصة أخرى"،وقد رأيت فيها نموذجا للقصيدة النثرية الحديثة،كما أفهمها.
المجموعة المذكورة حافلة بما أقول .
ولكن سأكتفي هذه المرة،للدلالة،بالإشارة الى القصيدة الخامسة من مجموعة "نشيد الجليل"،لما تمثِّله من جماليات القصيدة الحديثه كالتكثيف الشديد للفكرة والاستفادة القصوى ،تلميحا،من الموروث الثقافي والربط الذكي بين الجمال الانساني( جمال المعشوقة المُتخيّلة أو المعشوق المتخيل في ذهن الشاعر)وقدرته الخارقة،فبه وبسحره يتحول الشيء إلى نقيضه المستحيل،كأن يصيرالجان إنسانا والملك عبدا في حضرة هذا الجمال،
تقول القصيدة:

استرحتُ تحتَ السِندِيان
على ساحِلِ البُحَيْرَةِ
فإذا بالجان يحمل صندوقاً
لتخرجَ مِنهُ أجمل الحوريات
فتجعل الجان إنسانا
وتجعل الملك عبدا ً

أستطيع القول إن هاتين الفقرتين المكثفتين، حتى الإدهاش،في مجموعتي معين ونعيم هو ما أعنيه، حين أتحدث عن تكثيف القصيدة ، فهذا هو الشعر كما أفهمه ، وهوَ ما يتسم بالتكثيف ،شِدَّة الإيحاء،شفافية الترميز ,عدم الغرق في التعمية،فضلا عن الإجادة في توظيف الإستعارة والتلميح الأسطوري.وهوَ ما يمنح الكلمات العادية سمة السحر:
الإدهاش الخارق والمميَّز،لكن الباقي .

***

والفكرة في هذه القصيدة،القصيدة النثرية الحديثة،أوالحدث وحتى الصورة المتخيلة تتطورعبرالفقرات التي تشكل وحدة شعرية متجانسة وذات جرس موسيقي مُتآلف صعودا وهبوطا كماهوحال القصةالقصيرة والحديثة.
" وأنصح " بالابتعادعن الإفراط في التعمية المتعمدة أوغيرالمتعمدة وبالإبتعاد عن الرمزالمغرق في الابهام والغرابة وكذلك عن التسطيح فيما يرتبط بالفكرة أو الصورة المتخيلة.
كما تشترط القصيدة الحديثة سعة الخيال وجموحه والتوظيف الذكي للأسطورة وإيحاءاتها ورموزها.
والخيال الذي لا ينطلق من عقل واع لموجودات عالمنا، حياتنا ونفسنا الانسانية،قد يصير شططا لايجمِّل القصيدة ولا يكسببها شفافية التخيل.
أدرك أن الحالة الشعرية،تتولَّد في لحظة لا وعي ،هي مناخ وشرط ظهورالحالةالشعرية،ظهورهاجس الكتابة الشعرية أو شرط مخاضها. ولحظة اللاوعي التي أتحدث عنها هي من شروط الشعر والتي فيها يستطيع الشاعر تجاوز ذاته الواقعية والتحول إلى ذات أخرى ، يكون فيها هو وليس هوفي آن،كالممثل على المسرح.
وهذه الخاصية،التحوُّل إلى ذات أخرىفي اللاوعي،لا تعني عدم الوعي بأشياء عالمنا الحسية والذهنية.
وأكثر مايسيءالى فنّية هذه القصيدة وجماليتها هوالحشوالذي كثيرامانجده في بعض الشعرالمقفى والموزون ، قديمه وحديثه،وغالبا ما نجده عند الاطالة.

***

أشعر بلزوم الحذر وأنا أورد كلَّ ما سلف ، فأنا لا أضع قواعد منتهية لأحد أو جاهزة للمحاكاة،فالقصيدة الحديثة لا تتحمَّل المحاكاة.
ما أورده هنا هو تجربتي في الكتابة وما آمله هو أن تكون جزءا نافعا وتنضمُّ إلى تجارب آخرين من زملائي الذين أرى فيهم منشدي القصيدة الحديثة ، شعرائها الجديرين بهذا الإسم والعاملين،بجلد وجهد،على تطويرها.
ما أورِدُه هنا،هو وجهة نظري وخلاصة فهمي لتجربتي،وهو،كما أظن،ما يمنح القصيدة الحديثة قوّتها،يشكل شرط حداثتها وتلوّنهاالصوري ويُبقي في القارىء أو المتلقي شعورالصدمة الذهنية.
فالقصيدة المتحرّرة من التفعيلةوالوزن التقليدي يلزم أن تحدث في القارىء المتلقّي والمتأمِّل ما يشبه الصدمة (الذهول المندهش) فيشرع في تأويل ما عناه الشاعر وما تحمله من جماليات فنية وإيحاءات كلمات تلك القصيدة.