منير فرو
02-20-2008, 10:55 AM
نظــرة في الـــــحـــــــرّيـــــــــــــة !!!
منير فرّو
الحرية كلمة يساء فهمها بسهولة، فهي لا تعني أن نقول أونفعل كل ما نفكر به، بل أن نفكر بكل ما نقول ونعيه، لأن الحرية لها حدود وضوابط ومسارات، كمسارات الكواكب والأفلاك والنجوم، وكل خروج عن هذه الحدود والضوابط والمسارات تحدث خرابا ودمارا وتصادما واحتكاكات ، لأن كل شيء له مساره وبه مستقره، كالشمس التي تعطي عالمنا الضوء، فهي تسير بنظام كقوله تعالى : " والشمس تجري بمستقر لها "، ففائدة الشمس انضباطها في مسارها، فلو خالفت هذا المسار لتلاشى الكون، فتجاوز الإنسان لمسارات الحرية يعود عليه بالوبال، لذلك يقول مونتسكيو: "الحرية هي الحق في أن نعمل ما يبيحه القانون"، ويقول غيره : " الحرية من غير قانون ليست سوى سيل مدمر "، ،وقال أدريه موروا: " الحرية والمسؤولية توأمان، لو انفصل أحدهما عن الآخر ماتا جميعا"، فلا شيء أسمى ولا أثمن للإنسان من الحرية، تلك الحرية التي يرتكب الإنسان من أجلها الجرائم والحروب، فاقسى ما في الحياة ان يُسلب المرء حقه في اختيار الحياة التي يريد، لأن الحرية ضرورية للإنسان كما للحيوان، كضرورة الهواء للجسم، والروح للجسد، والماء للسمكة، والضوء للعين، والإبتسامة للحزين، والدواء للعليل، وقطر السماء للارض، والمعلم للتلميذ، والحرف للكلمة، والصوت للحنجرة، والنغم للموسيقى، والنكهة والملح للطعام إلخ، لذلك يقول ميخائيل نعيمة: " الحرية أثمن ما في الوجود، لذلك كان ثمنها باهضا"، وقال أحمد لطفي السيد: " إني لأعجب من الذي يظنّ الحياة شيئا والحرية شيئا آخر، ولا يريد أن يقتنع بأن الحرية هي المقوّم الأول للحياة وأن لا حياة إلا بالحرية"، ويقول أحد علماء النفس: " أنه من خلال الاختيار وحده فقط تبلغ النفس ذاتها الحقيقية"، فالحرية هي السعادة بأكملها التي تنعش الإنسان فتجعله يقضي عمره في طلبها، لذلك قال فرناندو فانديريم : " ليس هناك أحرار تماما، لأن هناك عبيدا لحريتهم"، فالبشرية في عصرنا هذا أساءت فهم الحرية، فجعلتها مطلقة لا حدود لها ولا ضوابط، فطلبتها بكل ثمن متجاوزة كل الحدود والقوانين، حتى أصبحت الحرية كسيارة تعطلت كوابحها وفراملها في منحدر والعاقبة في غامض علم الله، فعالمنا اليوم بات عبدا للحرية، مما جعل الشعوب تقوم على زعاماتها وتجعلهم اسرى لحريتهم، وهذا جعل الرعية تقود السلطان مما أفقده السيطرة عليهم وساد الرعية الفلتان، وهذا أفسد النظام الذي تقوم عليه الدولة، فاصبح الفارس عبدا لفرسه، وكما قيل عن الفارس أنه يستطيع أن يمنع فرسه من دخول الباب في أول الأمر ولكن إذا حاول اخراجها عند دخولها ترفسه رفسة قاتلة لتمكنها من الدخول، وهكذا الحرية عندما تتمكن من عقول البشر تنهزم أمامها الملوك والسلاطين، فالحرية الحقيقية هي التخلص من أثقال الجسد قيوده وتكاليفه وشهواته، ولا يتم هذا إلا بالتجرد من أهواء وغايات النفس النابعة من حب الذات التي هي الانانية والتي تجمع داخلها أفكار السوء والحقد والكراهية والبغض والحسد والعنصرية الخبيثة التي تشعر الانسان أنه أفضل أو أحسن من غيره بمجرد كونه ينتمي الى فئة معينة جعلت لنفسها ميزة خاصة، فصارت مختصة في نظر ذاتها، ومكروهه في نظر غيرها، وهذه العنصرية أي الانانية وحب الذات هي أساس تدهور الانسانية، وتقييد الحريات، وكما قال أحد الصوفيين : " أن على الأنسان أن يتجرّد من نفسه الشريرة كما تتجرد الأفعى من جلدها اي قشرها"، لكن لا توجد حرية مطلقة ، فالإنسان في الحقيقة هو عبد مهما حاول التحرّر ، فهو عبد أولا واخرا لخالقه ، وعبد لجسده وعبد لتفكيره وعبد للبيئة والطبيعة وعبد لأهوائه شهواته وغرائزه وحتى أنه عبد لحريته التي يطلبها، لأن طلب الحرية تجعل الإنسان عبدا لها، وكقول أحد الحكماء : " الناس كلهم في الذل من خوف الذل، وفي الفقر من خوف الفقر "، فالحرية التي يطلبها الانسان هي أن يتجرّد من كل قيد وهذا شيء مستحيل ، لأن الإنسان إذا جاع فإنه يصبح عبدا لرغيف الخبز ولبطنه ، فمبالغة الانسان في طلب الحرية تجعله يضيع في فلكها فيفتقد الصواب والهدف وتصبح حياته بلا معنى، لأنه لا يجد الراحة والاستقرار والهدوء والطمأنينة ، فالحرية بمفهومها الصحيح هي أن يدير الإنسان نفسه بنفسه، ويكون مخيّرا في أعماله يفعل ما يشاء، ولكن دون أن يقوم باعمال منافية للأخلاق والفضيلة، ومؤذية للاخرين ، فلا يسرق ولا يقتل ولا يزني ولا يكذب ولا يشرب الخمر ولا يتعاطى السموم والمخدرات التي تفتك بصحته وسلوكه ، وأيضا لا يحسد ولا يغتاب ولا يتعاطى النميمة والفساد بل يقوم باحترام الاخرين ، ويتواضع لهم ، ينصت لكلامهم ، يحترم ما يقولونه ، وكما يقول المثل الأميركي(أمريكا أم الحرية) : " تنتهي حريتك عندما تمس يدك الممدودة أنف رجل آخر" ، أو كما يقول مونتسكيو : " تنتهي حريتك حيث تبدأ حرية الاخرين "، ويقول فيكتور هيجو: " الحرية هي الحياة، ولكن لا حرية بلا فضيلة"، واليوم ما يعاني منه البشر في ظل الحريات، حرية الكلمة، وحرية التعبير، وحرية الرأي، ما يسمى بحرية الصحافة، والتي يطلق عليها السلطة الرابعة، تلك السلطة التي باتت تدب الخوف والذعر في قلوب رجال الساسة قبل المواطن البسيط، خوف الفضيحة والتشهير، ولكن الصحافة في الحقيقة هدفها ابلاغ المواطن البسيط كل ما يدور في فلك حياته، واطلاعه على مجريات الامور مع الحيطة والحذر من المس بحرية الاخرين، وانتهاك حرمتهم، والتعدي على حقوقهم، والتدخل في حرية الفرد التي هي ملك خاص له، وهذا أخطر ما تواجهه الصحافة اليوم، مما يخلق زعزعة وبلبلة في المجتمعات خاصة تلك المجتمعات المحافظة والتي تربطها أواصر القرابة ورابطة الدم ورابط العقيدة، وهنا الصحافة تلعب دورا في اثارة النعرات الطائفية وزرع بذور الشقاق واشعال نار الحروب، وهذا ما نراه يحدث في البلدان الاسيوية والافريقية والبلدان النائية أكثر منها في البلدان الغربية والمتحضرة، فالحرية متى كانت ملتزمة بالعقل السليم ، مقيّدة بنظام الفضيلة ، مطابقة لاقوال الفلاسفة الانبياء والحكماء ، تهدف الى بناء مجتمع فاضل مبني على الخصال الحميدة ، ومبني على المسامحة ، المحبة ، الوفاء ، العطاء ، وتدعو الى الارتقاء الفكري الديني والعلمي تخلق مجتمعا مثقفا متعلما ومتعاونا في جميع نواحي الحياة ، لأن المجتمع هو وحدة تكاملية لا يمكن تجزئته ، وفي حال انه تجزأ فانه بفقد تكامله ويصبح ناقصا ومبعثرا ومفرقا ، يفقد الجاذبية والاستقطاب ويهرب من نفسه ، وهذا ما نراه من مفهوم الحرية التي تغزو عالمنا من جهة الغرب ، فالغرب يدعو الى الحرية المنفلتة العلمانية الهدامة للدين والاخلاق، التي جاءت في زمن الثورة الصناعية الثورة على الكنيسة، والتي تدعوالى عزل الدين عن الدولة، ومستبدلة الأوامر الدينية بقوانين مادية تلعب دورا في سلوك البشر، وبالتالي الى الفوضى وعدم الانضباط، فيها يتمرد الفرد على الاسرة، وبالتالي على المجتمع والذي هو مأوى الفرد . فهذه الحرية المدمرة هي أساس الفشل والمحن والحروب والأوبئة والمجاعات في العالم والعذاب والتشريد والتقتيل والاجرام ، لأنها شعارات طنانة تخدم مصالح شخصية، فيها تستغل الشعوب وتسلب حقوقها وثرواتها الطبيعية باسم الحرية ، تلك الحرية المعسولة والتي هي السم القاتل للعنصر البشري، لما تدعوه اليه من الفلتان وعدم التقيّد بشيء ، بل تدعو الى الثورة ضد العادات والتقاليد السليمة ، فلا هيبة للكبير ولا مودة للصغير ولا احترام متبادل ولا موافقة في الاراء ولا تجاذب ، بل كلها نفور وصراع وعدم رضوخ الواحد للاخر، مما فكّك المجتمع وافقده صيغته التكاملية، وابعده من الانقياد وراء المسؤول والقائد، فانفقد القائد، مما جعل المجتمع كالقطيع بلا راع، وصار مهددا بالهلاك والضياع، وهنا لا بد أن استشهد بمثل ضربه الأديب معين حاطوم على الحرية التي أتى بها الغرب الى الشرق مدعيا أنه جاء ليحرره من زعاماته وقيوده، فيقول : " في أحد الأيام قرر قط شرس أن يقتحم أحد الأقفاص ليلتهم أحد عصفورين محجوزين فيه ... وهذه هي الحقيقة، ولكنه ادعى بأنه سيفعل ذلك حبا بالحرية ، فصدّقته الجرذان والفئران وتجمهروا يهتفون باسم القط الذي سيحررهم من الاقفاص والمصائد( كما صفق العراقيون للقوات الأمريكية عند احتلالها العراق بحجة تحريرهم من الطاغية صدام حسين) ... والحقيقة أنا لا أعرف النهاية ... فلم يبق أي فأر وأي عصفور وأي جرذ ليحدثني بالنهاية ...."، باختصار كلما تقدم الانسان في طلب الحرية فانه لا يجدها ، فاصبح عبدا لحريته مهزوما امامها ، حتى انه فقد سعادته من اجلها ومثل الانسان طالب الحرية المستحيلة كالمثل المنزل في القران بقوله تعالى : " كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله "، بل وجد تعاسته هناك، وفي الحقيقة الحرية الصحيحة موجودة في الأديان التي بعثها الله الى عباده تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتحررهم من أثقال الجسد وشهواته ليلتحقوا بالحق تعالى ليصيّرهم الحق تعالى حقا كمثله وأحرارا كحريته يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولعدل الله لم يكلف نفسا فوق طاقتها، ولم يكره أحدا للإيمان به لقوله تعالى : "لا إكراه في الدين"،" ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة"، "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً" وكما قال يسّوع المسيح ع :"تعرفون الحق والحق يحرركم" ، وأيضاجاء في رسالة الرسول بولس في الانجيل الطاهر: " إذا أيها الاخوة لسنا أولاد جارية بل اولاد الحرة، فاثبتوا اذا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها ولا ترتبكوا ايضا بنير عبودية "، وأيضا مجيء النبي موسى ع لإخراج بني إسرائيل من رق فرعون العاتي المدعي الالوهية الى الحرية في عبادته تعالى، وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، فالحرية هي تحرر الانسان من نفسه الشريرة التي قال عنها خالقها تعالى : " النفس امارة بالسوء الا من رحم ربي "، ليصبح سيدا لها، وحينها يكون هو الملك المالك والضابط لنفسه وهواه وغضبه وجميع جوارحه ومجردا من حكم المادة الفانية وهذا هو الكمال للعالم الانساني الذي شرّفه الله تعالى عن سائر مخلوقاته وجعله خليفة على الارض ليتحكم في مخلوقاتها وطبيعتها لتخدم مصالحه التي ارادها الله له .
منير فرّو
الحرية كلمة يساء فهمها بسهولة، فهي لا تعني أن نقول أونفعل كل ما نفكر به، بل أن نفكر بكل ما نقول ونعيه، لأن الحرية لها حدود وضوابط ومسارات، كمسارات الكواكب والأفلاك والنجوم، وكل خروج عن هذه الحدود والضوابط والمسارات تحدث خرابا ودمارا وتصادما واحتكاكات ، لأن كل شيء له مساره وبه مستقره، كالشمس التي تعطي عالمنا الضوء، فهي تسير بنظام كقوله تعالى : " والشمس تجري بمستقر لها "، ففائدة الشمس انضباطها في مسارها، فلو خالفت هذا المسار لتلاشى الكون، فتجاوز الإنسان لمسارات الحرية يعود عليه بالوبال، لذلك يقول مونتسكيو: "الحرية هي الحق في أن نعمل ما يبيحه القانون"، ويقول غيره : " الحرية من غير قانون ليست سوى سيل مدمر "، ،وقال أدريه موروا: " الحرية والمسؤولية توأمان، لو انفصل أحدهما عن الآخر ماتا جميعا"، فلا شيء أسمى ولا أثمن للإنسان من الحرية، تلك الحرية التي يرتكب الإنسان من أجلها الجرائم والحروب، فاقسى ما في الحياة ان يُسلب المرء حقه في اختيار الحياة التي يريد، لأن الحرية ضرورية للإنسان كما للحيوان، كضرورة الهواء للجسم، والروح للجسد، والماء للسمكة، والضوء للعين، والإبتسامة للحزين، والدواء للعليل، وقطر السماء للارض، والمعلم للتلميذ، والحرف للكلمة، والصوت للحنجرة، والنغم للموسيقى، والنكهة والملح للطعام إلخ، لذلك يقول ميخائيل نعيمة: " الحرية أثمن ما في الوجود، لذلك كان ثمنها باهضا"، وقال أحمد لطفي السيد: " إني لأعجب من الذي يظنّ الحياة شيئا والحرية شيئا آخر، ولا يريد أن يقتنع بأن الحرية هي المقوّم الأول للحياة وأن لا حياة إلا بالحرية"، ويقول أحد علماء النفس: " أنه من خلال الاختيار وحده فقط تبلغ النفس ذاتها الحقيقية"، فالحرية هي السعادة بأكملها التي تنعش الإنسان فتجعله يقضي عمره في طلبها، لذلك قال فرناندو فانديريم : " ليس هناك أحرار تماما، لأن هناك عبيدا لحريتهم"، فالبشرية في عصرنا هذا أساءت فهم الحرية، فجعلتها مطلقة لا حدود لها ولا ضوابط، فطلبتها بكل ثمن متجاوزة كل الحدود والقوانين، حتى أصبحت الحرية كسيارة تعطلت كوابحها وفراملها في منحدر والعاقبة في غامض علم الله، فعالمنا اليوم بات عبدا للحرية، مما جعل الشعوب تقوم على زعاماتها وتجعلهم اسرى لحريتهم، وهذا جعل الرعية تقود السلطان مما أفقده السيطرة عليهم وساد الرعية الفلتان، وهذا أفسد النظام الذي تقوم عليه الدولة، فاصبح الفارس عبدا لفرسه، وكما قيل عن الفارس أنه يستطيع أن يمنع فرسه من دخول الباب في أول الأمر ولكن إذا حاول اخراجها عند دخولها ترفسه رفسة قاتلة لتمكنها من الدخول، وهكذا الحرية عندما تتمكن من عقول البشر تنهزم أمامها الملوك والسلاطين، فالحرية الحقيقية هي التخلص من أثقال الجسد قيوده وتكاليفه وشهواته، ولا يتم هذا إلا بالتجرد من أهواء وغايات النفس النابعة من حب الذات التي هي الانانية والتي تجمع داخلها أفكار السوء والحقد والكراهية والبغض والحسد والعنصرية الخبيثة التي تشعر الانسان أنه أفضل أو أحسن من غيره بمجرد كونه ينتمي الى فئة معينة جعلت لنفسها ميزة خاصة، فصارت مختصة في نظر ذاتها، ومكروهه في نظر غيرها، وهذه العنصرية أي الانانية وحب الذات هي أساس تدهور الانسانية، وتقييد الحريات، وكما قال أحد الصوفيين : " أن على الأنسان أن يتجرّد من نفسه الشريرة كما تتجرد الأفعى من جلدها اي قشرها"، لكن لا توجد حرية مطلقة ، فالإنسان في الحقيقة هو عبد مهما حاول التحرّر ، فهو عبد أولا واخرا لخالقه ، وعبد لجسده وعبد لتفكيره وعبد للبيئة والطبيعة وعبد لأهوائه شهواته وغرائزه وحتى أنه عبد لحريته التي يطلبها، لأن طلب الحرية تجعل الإنسان عبدا لها، وكقول أحد الحكماء : " الناس كلهم في الذل من خوف الذل، وفي الفقر من خوف الفقر "، فالحرية التي يطلبها الانسان هي أن يتجرّد من كل قيد وهذا شيء مستحيل ، لأن الإنسان إذا جاع فإنه يصبح عبدا لرغيف الخبز ولبطنه ، فمبالغة الانسان في طلب الحرية تجعله يضيع في فلكها فيفتقد الصواب والهدف وتصبح حياته بلا معنى، لأنه لا يجد الراحة والاستقرار والهدوء والطمأنينة ، فالحرية بمفهومها الصحيح هي أن يدير الإنسان نفسه بنفسه، ويكون مخيّرا في أعماله يفعل ما يشاء، ولكن دون أن يقوم باعمال منافية للأخلاق والفضيلة، ومؤذية للاخرين ، فلا يسرق ولا يقتل ولا يزني ولا يكذب ولا يشرب الخمر ولا يتعاطى السموم والمخدرات التي تفتك بصحته وسلوكه ، وأيضا لا يحسد ولا يغتاب ولا يتعاطى النميمة والفساد بل يقوم باحترام الاخرين ، ويتواضع لهم ، ينصت لكلامهم ، يحترم ما يقولونه ، وكما يقول المثل الأميركي(أمريكا أم الحرية) : " تنتهي حريتك عندما تمس يدك الممدودة أنف رجل آخر" ، أو كما يقول مونتسكيو : " تنتهي حريتك حيث تبدأ حرية الاخرين "، ويقول فيكتور هيجو: " الحرية هي الحياة، ولكن لا حرية بلا فضيلة"، واليوم ما يعاني منه البشر في ظل الحريات، حرية الكلمة، وحرية التعبير، وحرية الرأي، ما يسمى بحرية الصحافة، والتي يطلق عليها السلطة الرابعة، تلك السلطة التي باتت تدب الخوف والذعر في قلوب رجال الساسة قبل المواطن البسيط، خوف الفضيحة والتشهير، ولكن الصحافة في الحقيقة هدفها ابلاغ المواطن البسيط كل ما يدور في فلك حياته، واطلاعه على مجريات الامور مع الحيطة والحذر من المس بحرية الاخرين، وانتهاك حرمتهم، والتعدي على حقوقهم، والتدخل في حرية الفرد التي هي ملك خاص له، وهذا أخطر ما تواجهه الصحافة اليوم، مما يخلق زعزعة وبلبلة في المجتمعات خاصة تلك المجتمعات المحافظة والتي تربطها أواصر القرابة ورابطة الدم ورابط العقيدة، وهنا الصحافة تلعب دورا في اثارة النعرات الطائفية وزرع بذور الشقاق واشعال نار الحروب، وهذا ما نراه يحدث في البلدان الاسيوية والافريقية والبلدان النائية أكثر منها في البلدان الغربية والمتحضرة، فالحرية متى كانت ملتزمة بالعقل السليم ، مقيّدة بنظام الفضيلة ، مطابقة لاقوال الفلاسفة الانبياء والحكماء ، تهدف الى بناء مجتمع فاضل مبني على الخصال الحميدة ، ومبني على المسامحة ، المحبة ، الوفاء ، العطاء ، وتدعو الى الارتقاء الفكري الديني والعلمي تخلق مجتمعا مثقفا متعلما ومتعاونا في جميع نواحي الحياة ، لأن المجتمع هو وحدة تكاملية لا يمكن تجزئته ، وفي حال انه تجزأ فانه بفقد تكامله ويصبح ناقصا ومبعثرا ومفرقا ، يفقد الجاذبية والاستقطاب ويهرب من نفسه ، وهذا ما نراه من مفهوم الحرية التي تغزو عالمنا من جهة الغرب ، فالغرب يدعو الى الحرية المنفلتة العلمانية الهدامة للدين والاخلاق، التي جاءت في زمن الثورة الصناعية الثورة على الكنيسة، والتي تدعوالى عزل الدين عن الدولة، ومستبدلة الأوامر الدينية بقوانين مادية تلعب دورا في سلوك البشر، وبالتالي الى الفوضى وعدم الانضباط، فيها يتمرد الفرد على الاسرة، وبالتالي على المجتمع والذي هو مأوى الفرد . فهذه الحرية المدمرة هي أساس الفشل والمحن والحروب والأوبئة والمجاعات في العالم والعذاب والتشريد والتقتيل والاجرام ، لأنها شعارات طنانة تخدم مصالح شخصية، فيها تستغل الشعوب وتسلب حقوقها وثرواتها الطبيعية باسم الحرية ، تلك الحرية المعسولة والتي هي السم القاتل للعنصر البشري، لما تدعوه اليه من الفلتان وعدم التقيّد بشيء ، بل تدعو الى الثورة ضد العادات والتقاليد السليمة ، فلا هيبة للكبير ولا مودة للصغير ولا احترام متبادل ولا موافقة في الاراء ولا تجاذب ، بل كلها نفور وصراع وعدم رضوخ الواحد للاخر، مما فكّك المجتمع وافقده صيغته التكاملية، وابعده من الانقياد وراء المسؤول والقائد، فانفقد القائد، مما جعل المجتمع كالقطيع بلا راع، وصار مهددا بالهلاك والضياع، وهنا لا بد أن استشهد بمثل ضربه الأديب معين حاطوم على الحرية التي أتى بها الغرب الى الشرق مدعيا أنه جاء ليحرره من زعاماته وقيوده، فيقول : " في أحد الأيام قرر قط شرس أن يقتحم أحد الأقفاص ليلتهم أحد عصفورين محجوزين فيه ... وهذه هي الحقيقة، ولكنه ادعى بأنه سيفعل ذلك حبا بالحرية ، فصدّقته الجرذان والفئران وتجمهروا يهتفون باسم القط الذي سيحررهم من الاقفاص والمصائد( كما صفق العراقيون للقوات الأمريكية عند احتلالها العراق بحجة تحريرهم من الطاغية صدام حسين) ... والحقيقة أنا لا أعرف النهاية ... فلم يبق أي فأر وأي عصفور وأي جرذ ليحدثني بالنهاية ...."، باختصار كلما تقدم الانسان في طلب الحرية فانه لا يجدها ، فاصبح عبدا لحريته مهزوما امامها ، حتى انه فقد سعادته من اجلها ومثل الانسان طالب الحرية المستحيلة كالمثل المنزل في القران بقوله تعالى : " كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله "، بل وجد تعاسته هناك، وفي الحقيقة الحرية الصحيحة موجودة في الأديان التي بعثها الله الى عباده تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتحررهم من أثقال الجسد وشهواته ليلتحقوا بالحق تعالى ليصيّرهم الحق تعالى حقا كمثله وأحرارا كحريته يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولعدل الله لم يكلف نفسا فوق طاقتها، ولم يكره أحدا للإيمان به لقوله تعالى : "لا إكراه في الدين"،" ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة"، "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً" وكما قال يسّوع المسيح ع :"تعرفون الحق والحق يحرركم" ، وأيضاجاء في رسالة الرسول بولس في الانجيل الطاهر: " إذا أيها الاخوة لسنا أولاد جارية بل اولاد الحرة، فاثبتوا اذا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها ولا ترتبكوا ايضا بنير عبودية "، وأيضا مجيء النبي موسى ع لإخراج بني إسرائيل من رق فرعون العاتي المدعي الالوهية الى الحرية في عبادته تعالى، وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، فالحرية هي تحرر الانسان من نفسه الشريرة التي قال عنها خالقها تعالى : " النفس امارة بالسوء الا من رحم ربي "، ليصبح سيدا لها، وحينها يكون هو الملك المالك والضابط لنفسه وهواه وغضبه وجميع جوارحه ومجردا من حكم المادة الفانية وهذا هو الكمال للعالم الانساني الذي شرّفه الله تعالى عن سائر مخلوقاته وجعله خليفة على الارض ليتحكم في مخلوقاتها وطبيعتها لتخدم مصالحه التي ارادها الله له .