منير فرو
02-03-2008, 02:06 PM
نظــــــــرة في السّيا سة !!!
منير فرّو
قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمرمنكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا "، فالسياسة في معناها الصحيح هي "العلم الطبيعي" الذي تحدث عنه أحد فلاسفة العرب الفقيه العالم والطبيب والرياضي والفلكي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي القرطبي المتوفي سنة 1198 ميلادية والذي اعنى به "كتاب النفس"، لان سياسة النفس كما جاء في احاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم- هي الجهاد الأكبر لان النفس كما قال عنها تعالى : " النفس امارة بالسوء الا من رحم ربي " وقد اهتم ابن رشد كغيره من فلاسفة المسلمين العرب كالفارابي وابن خلدون وابن سيناء والغزالي وغيرهم بقلسفة الاغريق كارسطو وافلاطون وجالينوس وغيرهم لكون فلسفتهم هي اساس العلوم المنطيقية والبراهين العقلية والرياضية المختصه في تنظيم المجتمع وسياسته وتبيين الفروق بين فئتين الاولى فئة "الخاصة" تلك النخبة التي تسوس المجتمع والتي هي "اهل البرهان" والثانية فئة "الجمهور" أي العام من الناس والتي هي "أهل الخطاب الخطابي"،والفئة الخاصة هي القليلة العدد القادرة على إدراك المعنى الباطن للشريعة كالانبياء والعلماء بينما الجمهور يكتفون بالمعنى الظاهر من الاقوال الشعرية والخطابية والجدلية، وكان ابن رشد قد صرح : "إن كلا العملين الاخلاق لارسطو ، والسياسة لافلاطون انما يشكلان جزئين مكملين لبعضهما البعض في العلم السياسي"، فسياسة النفس تقييدها بالمثل العليا والاخلاق والفضيلة مما يجلب لها السعادة والسرور ورؤية الاشياء على حقيقتها لان الجسد يحيا بالنفس وبها يبصر ويسمع ويشم ويذوق ويلمس فصار هو الة للنفس، ومن القبيح ان يكون الجسد الذي هو الالة ان يدير النفس التي هي بمثابة الصانع او الامر والناهي كمثل ان يدبر الفرس الفارس او الرعية السلطان ، ، لذلك من الواجب المفروض على القائد أو المسؤول ان يكون مهذبا لاخلاقه، متبعا مسلك الفضيلة، بعيدا عن الرياء، والكذب، والنفاق، والمخادعة، والمداهنة التي تضر بالمجنمع وتقوده الى الهلاك، ليتمكن من قيادة المجتمع والامة الى شاطيء الامان، لذلك السياسة الاجتماعية هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة، فالسياسة لغويا مشتقة من كلمة ساس يسوس سياسة، بمعنى رعى شؤونه، قال في المحيط :"وسست الرعية سياسة أمرتها ونهيتها"، وهذا هو رعاية شؤونها بالأوامر والنواهي، فالسياسة هي الادارة والتسييس وهي مسؤولية كبرى ملقاة على الفرد، ثم الاسرة، ثم العائلة، ثم الحمولة، والقبيلة، والمجتمع، والقرية، والمدينة، ثم الدولة حتى تصل الى الامبراطورية، او حكم الولايات، والسياسة كانت تعطى لرجال الدين الذين يقودون المجتمع كالانبياء والرسل والخلفاء والعلماء، كما في التوراة انبياء بني اسرائيل كموسى واشعيا وداوود وسليمان عليهم السلام والقضاة والملوك، وفي زمن الانجيل كيسوع المسيح المعلم وتلامذته والحواريين عليهم السلام والرسل ورسالاتهم من بعدهم والقياصرة الخاضعون للقديسيين وحتى النظام البابوي والكنسي، وفي زمن الاسلام شرّع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نظام الدولة كبيت المسلمين في جمع الزكاوات والخراج والجزية وتنظيم الجيش والسلطة ودور القضاء والمنار والخطب وتعليم الناس قراءة القران والاحاديث واقامة الفروض الدينية والواجبات كالحج ، ثم خلفه الخلفاء الراشدون والصحابة ثم الامويون والعباسيون وغيرهم ممن استن بسنن القران والرسول، ليصححوا الاعوجاج، ويعلمونهم ما انزله الله تعالى على الانبياء والرسل، ويحاربون الجهل، ويبنون بيوت الله والعبادات، ويرغبون الناس في الاخرة، والزهد في الدنيا، ونشر الالفة والمحبة بين الناس، وتقريب الخصوم، وحل المشاكل، لذلك كانت طاعتهم واجبة وهي الولاية لهم، فهم يسوسون المجتمع او الامة، ويديرون شؤونهم المدنية والدينية والعسكرية والامنية والتنظيمية والحياتية بكل نواحيها، وهنا يقول المعلم الفيلسوف شهيد الانسانية كمال جنبلاط : " السياسة يفرض فيها أن تكون أشرف الاداب اطلاقا ، لان كل تدبير لأمر مادي أو معنوي هو سياسة في المعنى الصحيح للكلمة "، فاولى الناس في سياسة المجتمع هم رجال الدين، الذين اليهم يرجع في كل الامور، فهم ورثة الله في الارض، وعليهم تقع المسؤولية الكبرى والشاقة في القضاء بين الناس، وفي التشريع الديني، من قضايا زواج، وارث، وفض المشاكل، واصلاح ذات البين، هذا من الناحية الاجتماعية، اما من الناحية الاقتصادية فهذا يعود الى الانسان نفسه، وفي مؤهلاته، وللدين ايضا في الاقتصاد وتشريعاته، واهم شيء عدم الاتجار بالمحرمات، وتعاطي الربا الذي هو سبب ويلات هذا العالم وانحطاطه، وسلب الاجير حقوقه، لذلك اعتبر الفلاسفة الاغريق الاقتصاد السياسي هو ايضا سياسة تدبير الاشخاص والاشياء وإدارتها، لان تدبير الاشخاص لا تنفصل عن الاشياء لاستحالة فصل المدرك(بكسر الراء) عن الغرض المدرك (بفتح الراء) في مجلى العيش وانفعال الانسان بالمجنمع وبالحياة، فالنظام والادارة هنا بموجب ما شرعه الله في الاديان وهو النظام المثالي، ولكن الذي ادخل العطب الى السياسة هو العلمانية التي دعت الى عزل الدين عن الدولة، واستبدلت الدين يقوانين مادية تسير على نظام مؤسسات، مما ادخل الفساد على المؤسسات لعدم تقيدها بالدين، ومخافة الله والعمل بما امر به في كتبه المنزلة، مما سبب الظلم والفساد واهمال الرعية التي اصبحت بلا مرجع ،لان السياسة التي اعتمدت عليها الدولة باتت تخدم مصلحة ذاتية دون الاهتمام بمصالح الفرد، فاقصاء رجال الدين، وعدم الاخذ بمشورتهم، والسماع لاوامرهم، ابعد السياسة عن الحق، وجعلها تتلوث بمفاهيم علمانية تدعو الى الحريات الفوضية والزائفة دون خوف او وجل او رادع ديني، مما جعل رجال الدين يبتعدون عن هذه السياسة الانتهازية والانانية المخالفة، ويتحايدونها، وصار كل من يقترب من السياسة كانه يعرّض نفسه لوابل من الاتهامات والاباطيل والنفاق والاكاذيب والمكر والحيل، فبات السياسي وكأنه دجال ماكر ومحتال يموه على الناس، ويدعوهم للايمان بقدراته التضليلية، وكلها لاسباب مصلحة ذاتية وانتهازية انانية، ما تلبث حتى تظهر حقيقتها كالجفاء على وجه الماء،وعلى هذا الاساس ايضا فسّر المعلم كمال جنبلاط فشل الديمقراطيات في الغرب وفي الدول الشيوعية والاشتراكية( كان كمال قد تنبأ بسقوط النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ) بقوله : "يعود الى إهمالهم مفهوم النخبة ودور النخبة في تكوين المجتمع والدولة وفي توجيه الانسان، فانظمة الغرب تنزع الى فوضى الشورى الديمقراطية باسم الحرية ، وانظمة الشرق تنزع الى الديكتاتورية الفردية والاتوقراطية باسم الحزب او الطبقة او المجتمع وباسم الحرية والتحرر ايضا وفي النهاية تنقضها وتناقضها، ويضيف متسائلا : ألم تفشل الشيوعية والاشتراكية نسبيا ، في عصرنا، في بناء الإنسان والمجتمع متكاملين لأنهما لم يأخذا بعين الاعتبار القيم الاجتماعية والمعنوية والروحية والإنسانية الدائمة، التي كانت ولا تزال عبر التاريخ تشكل أهدافا لتطور التيار الحي، بالرغم من أن الشيوعية والاشتراكية هما بحد ذاتهما مباديء وعقائد سامية ؟ "، فالسياسة حسب دراسة المعلم كمال جنبلاط هي مسلك شريف لان لها علاقة بقيادة الرجال وتوجيههم، وتنبع عن معرفة عقلية صحيحة، وتهذيب شعوري، وتجرد عن الاهواء، وعن المصالح الفردية والفئوية والحزبية، ومن استيعاب لتجربة الاخرين، وتجربة الحياة، ومن الاسترشاد بالمثل العليا، لذلك يقول المعلم:" فالسياسة إذن ليست شطارة ولباقة ، وشعوذة وانتهازية،أو لعبا على الحبال، كما يتصور بعضهم في عصرنا، ولو أن اللباقة والشطارة المهذبة المخلصة، والذكاء الصادق تدخل من ضمن اللعبة السياسية، وتذكّيها،كما يعدل الملح والتوابل مذاق الطعام،على أن الانسان لا يستطيع أكل الملح والتوابل صرفا وحدها "، فالسياسة يجب ان تبنى على الاخلاق الحميدة والفضائل لا على الفساد والاخلاق السئية والرذائل، كما في عصرنا هذا، وتكون مجردة عن الاهواء والاغراض كتجرد القاضي من غضبه ليحكم بموجب الحق والقانون ليصبح بذلك موضوعيا يقضي بالعدل فينصف المظلوم، ويغرم الظالم، فالسياسة الحكيمة العادلة تنشيء مجتمعا فاضلا منضبطا يسري في عروقه الخير، والعمل الصالح، فالرعية مرآة الراعي والمسؤول، فاذا اعوج اعوجت، واذا استقام استقامت، وكلما تغييرت احوال الرعية من سيء الى اسوأ فهذا يدل على السياسة التي يتبعها السياسيون سياسة عقيمة منقادة لاهواء واغراض ذات منفعة ذاتية، مما يجلب تفكيك المجتمع وتمزيقه وبالتالي ضياعه، لذلك السياسي القائد يجب ان يكون قاضيا عادلا، وحاكما نزيها، وشيخا حنيفا، وناسكا صوفيا لا يطمع بملاذ الدنيا وشهواتها، ولا عزها ولا جاهها، لا يطمح بالوصول الى منصب ما، بل هدفه الوحيد تنفيذ الامانة الملقاة على عاتقه في ادارة المجتمع، والحرص على مصالحه، والقيام بالواجب على اتم وجه، وبرضى وجدان، لذلك يقول المعلم كمال جنبلاط : " فالطموح المتسم بالطابع الفردي كثيرا ما يكون شهوة في النفس تحتجب ورائها الانانية، وبالتالي نقصا تولده حاجة ... ومن يكن له أو فيه حاجة ليتممها، لا تستقيم ولايته، ولا يتصوّب حكمه، ولا يسلم قضاؤه "، ومن هنا يطالب هذا الفيلسوف بان يكون الحكم والادارة والقضاء في يد النخبة الحقيقية في المجتمع، لا تلك الوجوه التي تفرزها معظم الاحيان المطامع، وانخداع المواطنين، والدجل السياسي، وانتهازية المواقف والفرص، ودعاوة المال ودعامة الجاه"، ومن هنا ما يتحدث به السياسي للجماهير عن الديمقراطية وسواها من المفاهيم والشعارات الطنانة والمعسولة والمزركشة بشتى الوعودات اضحت تقود الناس على غير هدى، وهذا ما نراه في عالمنا الذي يسميه البعض بـ "الحضاري أو المتطور" من قيادات انتهازية همها الوصول الى اطماع ذاتية، ورغبات فئوية، فتنغص عيش مجتمعاتها بسبب سوء الادارة والفساد، فيتحكم بالمؤسسات مدراء فاسدون والنتيجة فوضى عارمة في شتى المجالات، لذلك يقول المعلم كمال جنبلاط : " فالسلطة علاقة جدلية بين القائد والموجه والحاكم وبين جمهور المحكومين من المواطنين، وفي هذه العلاقة أخذ وعطاء، وتنافر واستقطاب، وفعل وانفعال، وكل ذلك يجري على الصعيدين الشعبي والقيادي في ضوء قيم معنوية ثابتة هي قيم العقل والمجتمع .. فاذا لم يتوفر للقيادة هذا السمو في العلاقة وهذه الاصالة بالانتساب الى الخير وهذه الرفعة في تصور العقل لاهداف الحياة واستيعاب غاية العيش على حقيقتها فكيف تسلم القيادة من الشطط، وكيف تستطيع ان توجه الانسان، وكيف يمكن ان يصح للانسان حكم او قضاء او اي سلطان ؟ "، لذلك في نظر المعلم كمال جنبلاط الديمقراطية والسيادة الشعبية تبقيان كلمة جوفاء الى ان تتوفر لها النخبة القائدة لتحقيقها عمليا، لذلك المجتمع هو وحدة تكاملية كتكامل اعضاء الجسد، اذا تلف عضو اختل عمل الجسد فيصبح عاجزا عن ادارة ذاته مما يسيء لسلامته، فيصير معتلا، فالقائد هنا بمثابة العقل السليم والمجتمع كالجسم الصحيح، فاذا تشوش العقل يختل ايضا تدبير الجسم ويصير كالانسان المجنون او السكران غير منتظم مما يجعل الناس تخاف منه لفقدان توازنه وعشوائية تمشيه، لذلك السياسة الحكيمة المربوطة بعقل متصل بالدين هي الطريقة الصحيحة لادارة المجتمع، وبالتالي الموصلة به الى السعادة في الدنيا والاخرة، ومن هنا دعوة العلمانية الى الفوضوية بفصل الدين عن الدولة وهو سبب تدهور هذا العالم، واختلال نظامه، لان العلمانية هي بمعناها الصحيح "اللا دينية" التي تدعو الى محاربة الاديان المفطورة في جبلات البشر وقمعها من نفوسهم، وبالتالي نزع الايمان منهم، فيصبحون بلا رادع، لذلك هي سبب الحروب والفتن الطائفية وزعزعة امن العالم، لانها جاءت بما يخالف القواعد والاسس التي بنى الله تعالى هذا الابداع الكوني العجيب والمرتبط كل الارتباط بنظام العقل المجرد عن الهوى والشهوات كتجرد عقل القاضي من حرارة الغضب والطيش والنزاقة والميل والعنصرية ليحكم بالعدل ويظهر الحقيقة ويبيّن الظالم من المظلوم ويعطي كل ذي حق حقه .
منير فرّو
قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمرمنكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا "، فالسياسة في معناها الصحيح هي "العلم الطبيعي" الذي تحدث عنه أحد فلاسفة العرب الفقيه العالم والطبيب والرياضي والفلكي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي القرطبي المتوفي سنة 1198 ميلادية والذي اعنى به "كتاب النفس"، لان سياسة النفس كما جاء في احاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم- هي الجهاد الأكبر لان النفس كما قال عنها تعالى : " النفس امارة بالسوء الا من رحم ربي " وقد اهتم ابن رشد كغيره من فلاسفة المسلمين العرب كالفارابي وابن خلدون وابن سيناء والغزالي وغيرهم بقلسفة الاغريق كارسطو وافلاطون وجالينوس وغيرهم لكون فلسفتهم هي اساس العلوم المنطيقية والبراهين العقلية والرياضية المختصه في تنظيم المجتمع وسياسته وتبيين الفروق بين فئتين الاولى فئة "الخاصة" تلك النخبة التي تسوس المجتمع والتي هي "اهل البرهان" والثانية فئة "الجمهور" أي العام من الناس والتي هي "أهل الخطاب الخطابي"،والفئة الخاصة هي القليلة العدد القادرة على إدراك المعنى الباطن للشريعة كالانبياء والعلماء بينما الجمهور يكتفون بالمعنى الظاهر من الاقوال الشعرية والخطابية والجدلية، وكان ابن رشد قد صرح : "إن كلا العملين الاخلاق لارسطو ، والسياسة لافلاطون انما يشكلان جزئين مكملين لبعضهما البعض في العلم السياسي"، فسياسة النفس تقييدها بالمثل العليا والاخلاق والفضيلة مما يجلب لها السعادة والسرور ورؤية الاشياء على حقيقتها لان الجسد يحيا بالنفس وبها يبصر ويسمع ويشم ويذوق ويلمس فصار هو الة للنفس، ومن القبيح ان يكون الجسد الذي هو الالة ان يدير النفس التي هي بمثابة الصانع او الامر والناهي كمثل ان يدبر الفرس الفارس او الرعية السلطان ، ، لذلك من الواجب المفروض على القائد أو المسؤول ان يكون مهذبا لاخلاقه، متبعا مسلك الفضيلة، بعيدا عن الرياء، والكذب، والنفاق، والمخادعة، والمداهنة التي تضر بالمجنمع وتقوده الى الهلاك، ليتمكن من قيادة المجتمع والامة الى شاطيء الامان، لذلك السياسة الاجتماعية هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة، فالسياسة لغويا مشتقة من كلمة ساس يسوس سياسة، بمعنى رعى شؤونه، قال في المحيط :"وسست الرعية سياسة أمرتها ونهيتها"، وهذا هو رعاية شؤونها بالأوامر والنواهي، فالسياسة هي الادارة والتسييس وهي مسؤولية كبرى ملقاة على الفرد، ثم الاسرة، ثم العائلة، ثم الحمولة، والقبيلة، والمجتمع، والقرية، والمدينة، ثم الدولة حتى تصل الى الامبراطورية، او حكم الولايات، والسياسة كانت تعطى لرجال الدين الذين يقودون المجتمع كالانبياء والرسل والخلفاء والعلماء، كما في التوراة انبياء بني اسرائيل كموسى واشعيا وداوود وسليمان عليهم السلام والقضاة والملوك، وفي زمن الانجيل كيسوع المسيح المعلم وتلامذته والحواريين عليهم السلام والرسل ورسالاتهم من بعدهم والقياصرة الخاضعون للقديسيين وحتى النظام البابوي والكنسي، وفي زمن الاسلام شرّع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نظام الدولة كبيت المسلمين في جمع الزكاوات والخراج والجزية وتنظيم الجيش والسلطة ودور القضاء والمنار والخطب وتعليم الناس قراءة القران والاحاديث واقامة الفروض الدينية والواجبات كالحج ، ثم خلفه الخلفاء الراشدون والصحابة ثم الامويون والعباسيون وغيرهم ممن استن بسنن القران والرسول، ليصححوا الاعوجاج، ويعلمونهم ما انزله الله تعالى على الانبياء والرسل، ويحاربون الجهل، ويبنون بيوت الله والعبادات، ويرغبون الناس في الاخرة، والزهد في الدنيا، ونشر الالفة والمحبة بين الناس، وتقريب الخصوم، وحل المشاكل، لذلك كانت طاعتهم واجبة وهي الولاية لهم، فهم يسوسون المجتمع او الامة، ويديرون شؤونهم المدنية والدينية والعسكرية والامنية والتنظيمية والحياتية بكل نواحيها، وهنا يقول المعلم الفيلسوف شهيد الانسانية كمال جنبلاط : " السياسة يفرض فيها أن تكون أشرف الاداب اطلاقا ، لان كل تدبير لأمر مادي أو معنوي هو سياسة في المعنى الصحيح للكلمة "، فاولى الناس في سياسة المجتمع هم رجال الدين، الذين اليهم يرجع في كل الامور، فهم ورثة الله في الارض، وعليهم تقع المسؤولية الكبرى والشاقة في القضاء بين الناس، وفي التشريع الديني، من قضايا زواج، وارث، وفض المشاكل، واصلاح ذات البين، هذا من الناحية الاجتماعية، اما من الناحية الاقتصادية فهذا يعود الى الانسان نفسه، وفي مؤهلاته، وللدين ايضا في الاقتصاد وتشريعاته، واهم شيء عدم الاتجار بالمحرمات، وتعاطي الربا الذي هو سبب ويلات هذا العالم وانحطاطه، وسلب الاجير حقوقه، لذلك اعتبر الفلاسفة الاغريق الاقتصاد السياسي هو ايضا سياسة تدبير الاشخاص والاشياء وإدارتها، لان تدبير الاشخاص لا تنفصل عن الاشياء لاستحالة فصل المدرك(بكسر الراء) عن الغرض المدرك (بفتح الراء) في مجلى العيش وانفعال الانسان بالمجنمع وبالحياة، فالنظام والادارة هنا بموجب ما شرعه الله في الاديان وهو النظام المثالي، ولكن الذي ادخل العطب الى السياسة هو العلمانية التي دعت الى عزل الدين عن الدولة، واستبدلت الدين يقوانين مادية تسير على نظام مؤسسات، مما ادخل الفساد على المؤسسات لعدم تقيدها بالدين، ومخافة الله والعمل بما امر به في كتبه المنزلة، مما سبب الظلم والفساد واهمال الرعية التي اصبحت بلا مرجع ،لان السياسة التي اعتمدت عليها الدولة باتت تخدم مصلحة ذاتية دون الاهتمام بمصالح الفرد، فاقصاء رجال الدين، وعدم الاخذ بمشورتهم، والسماع لاوامرهم، ابعد السياسة عن الحق، وجعلها تتلوث بمفاهيم علمانية تدعو الى الحريات الفوضية والزائفة دون خوف او وجل او رادع ديني، مما جعل رجال الدين يبتعدون عن هذه السياسة الانتهازية والانانية المخالفة، ويتحايدونها، وصار كل من يقترب من السياسة كانه يعرّض نفسه لوابل من الاتهامات والاباطيل والنفاق والاكاذيب والمكر والحيل، فبات السياسي وكأنه دجال ماكر ومحتال يموه على الناس، ويدعوهم للايمان بقدراته التضليلية، وكلها لاسباب مصلحة ذاتية وانتهازية انانية، ما تلبث حتى تظهر حقيقتها كالجفاء على وجه الماء،وعلى هذا الاساس ايضا فسّر المعلم كمال جنبلاط فشل الديمقراطيات في الغرب وفي الدول الشيوعية والاشتراكية( كان كمال قد تنبأ بسقوط النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ) بقوله : "يعود الى إهمالهم مفهوم النخبة ودور النخبة في تكوين المجتمع والدولة وفي توجيه الانسان، فانظمة الغرب تنزع الى فوضى الشورى الديمقراطية باسم الحرية ، وانظمة الشرق تنزع الى الديكتاتورية الفردية والاتوقراطية باسم الحزب او الطبقة او المجتمع وباسم الحرية والتحرر ايضا وفي النهاية تنقضها وتناقضها، ويضيف متسائلا : ألم تفشل الشيوعية والاشتراكية نسبيا ، في عصرنا، في بناء الإنسان والمجتمع متكاملين لأنهما لم يأخذا بعين الاعتبار القيم الاجتماعية والمعنوية والروحية والإنسانية الدائمة، التي كانت ولا تزال عبر التاريخ تشكل أهدافا لتطور التيار الحي، بالرغم من أن الشيوعية والاشتراكية هما بحد ذاتهما مباديء وعقائد سامية ؟ "، فالسياسة حسب دراسة المعلم كمال جنبلاط هي مسلك شريف لان لها علاقة بقيادة الرجال وتوجيههم، وتنبع عن معرفة عقلية صحيحة، وتهذيب شعوري، وتجرد عن الاهواء، وعن المصالح الفردية والفئوية والحزبية، ومن استيعاب لتجربة الاخرين، وتجربة الحياة، ومن الاسترشاد بالمثل العليا، لذلك يقول المعلم:" فالسياسة إذن ليست شطارة ولباقة ، وشعوذة وانتهازية،أو لعبا على الحبال، كما يتصور بعضهم في عصرنا، ولو أن اللباقة والشطارة المهذبة المخلصة، والذكاء الصادق تدخل من ضمن اللعبة السياسية، وتذكّيها،كما يعدل الملح والتوابل مذاق الطعام،على أن الانسان لا يستطيع أكل الملح والتوابل صرفا وحدها "، فالسياسة يجب ان تبنى على الاخلاق الحميدة والفضائل لا على الفساد والاخلاق السئية والرذائل، كما في عصرنا هذا، وتكون مجردة عن الاهواء والاغراض كتجرد القاضي من غضبه ليحكم بموجب الحق والقانون ليصبح بذلك موضوعيا يقضي بالعدل فينصف المظلوم، ويغرم الظالم، فالسياسة الحكيمة العادلة تنشيء مجتمعا فاضلا منضبطا يسري في عروقه الخير، والعمل الصالح، فالرعية مرآة الراعي والمسؤول، فاذا اعوج اعوجت، واذا استقام استقامت، وكلما تغييرت احوال الرعية من سيء الى اسوأ فهذا يدل على السياسة التي يتبعها السياسيون سياسة عقيمة منقادة لاهواء واغراض ذات منفعة ذاتية، مما يجلب تفكيك المجتمع وتمزيقه وبالتالي ضياعه، لذلك السياسي القائد يجب ان يكون قاضيا عادلا، وحاكما نزيها، وشيخا حنيفا، وناسكا صوفيا لا يطمع بملاذ الدنيا وشهواتها، ولا عزها ولا جاهها، لا يطمح بالوصول الى منصب ما، بل هدفه الوحيد تنفيذ الامانة الملقاة على عاتقه في ادارة المجتمع، والحرص على مصالحه، والقيام بالواجب على اتم وجه، وبرضى وجدان، لذلك يقول المعلم كمال جنبلاط : " فالطموح المتسم بالطابع الفردي كثيرا ما يكون شهوة في النفس تحتجب ورائها الانانية، وبالتالي نقصا تولده حاجة ... ومن يكن له أو فيه حاجة ليتممها، لا تستقيم ولايته، ولا يتصوّب حكمه، ولا يسلم قضاؤه "، ومن هنا يطالب هذا الفيلسوف بان يكون الحكم والادارة والقضاء في يد النخبة الحقيقية في المجتمع، لا تلك الوجوه التي تفرزها معظم الاحيان المطامع، وانخداع المواطنين، والدجل السياسي، وانتهازية المواقف والفرص، ودعاوة المال ودعامة الجاه"، ومن هنا ما يتحدث به السياسي للجماهير عن الديمقراطية وسواها من المفاهيم والشعارات الطنانة والمعسولة والمزركشة بشتى الوعودات اضحت تقود الناس على غير هدى، وهذا ما نراه في عالمنا الذي يسميه البعض بـ "الحضاري أو المتطور" من قيادات انتهازية همها الوصول الى اطماع ذاتية، ورغبات فئوية، فتنغص عيش مجتمعاتها بسبب سوء الادارة والفساد، فيتحكم بالمؤسسات مدراء فاسدون والنتيجة فوضى عارمة في شتى المجالات، لذلك يقول المعلم كمال جنبلاط : " فالسلطة علاقة جدلية بين القائد والموجه والحاكم وبين جمهور المحكومين من المواطنين، وفي هذه العلاقة أخذ وعطاء، وتنافر واستقطاب، وفعل وانفعال، وكل ذلك يجري على الصعيدين الشعبي والقيادي في ضوء قيم معنوية ثابتة هي قيم العقل والمجتمع .. فاذا لم يتوفر للقيادة هذا السمو في العلاقة وهذه الاصالة بالانتساب الى الخير وهذه الرفعة في تصور العقل لاهداف الحياة واستيعاب غاية العيش على حقيقتها فكيف تسلم القيادة من الشطط، وكيف تستطيع ان توجه الانسان، وكيف يمكن ان يصح للانسان حكم او قضاء او اي سلطان ؟ "، لذلك في نظر المعلم كمال جنبلاط الديمقراطية والسيادة الشعبية تبقيان كلمة جوفاء الى ان تتوفر لها النخبة القائدة لتحقيقها عمليا، لذلك المجتمع هو وحدة تكاملية كتكامل اعضاء الجسد، اذا تلف عضو اختل عمل الجسد فيصبح عاجزا عن ادارة ذاته مما يسيء لسلامته، فيصير معتلا، فالقائد هنا بمثابة العقل السليم والمجتمع كالجسم الصحيح، فاذا تشوش العقل يختل ايضا تدبير الجسم ويصير كالانسان المجنون او السكران غير منتظم مما يجعل الناس تخاف منه لفقدان توازنه وعشوائية تمشيه، لذلك السياسة الحكيمة المربوطة بعقل متصل بالدين هي الطريقة الصحيحة لادارة المجتمع، وبالتالي الموصلة به الى السعادة في الدنيا والاخرة، ومن هنا دعوة العلمانية الى الفوضوية بفصل الدين عن الدولة وهو سبب تدهور هذا العالم، واختلال نظامه، لان العلمانية هي بمعناها الصحيح "اللا دينية" التي تدعو الى محاربة الاديان المفطورة في جبلات البشر وقمعها من نفوسهم، وبالتالي نزع الايمان منهم، فيصبحون بلا رادع، لذلك هي سبب الحروب والفتن الطائفية وزعزعة امن العالم، لانها جاءت بما يخالف القواعد والاسس التي بنى الله تعالى هذا الابداع الكوني العجيب والمرتبط كل الارتباط بنظام العقل المجرد عن الهوى والشهوات كتجرد عقل القاضي من حرارة الغضب والطيش والنزاقة والميل والعنصرية ليحكم بالعدل ويظهر الحقيقة ويبيّن الظالم من المظلوم ويعطي كل ذي حق حقه .