مشاهدة النسخة كاملة : زاوية الأديب المسرحي محمد الماغوط
صفاء ابو صالح
02-02-2008, 03:31 PM
ممدوح عدوان ومحمد الماغوط ... الطفل المقهور في قلب الشاعر
بغداد – ماجد السامرائي الحياة - 01/02/08
لو أتيح للشاعر ممدوح عدوان أن يكتب سيرته الذاتية الشعرية لما زاد في شيء عما جاء في كتاب «هواجس الشعر» الذي صدر عقب وفاته... بل لما زاد شيئاً على تلك الأفكار والرؤى والهواجس التي أحاط بها شاعره الأثير: محمد الماغوط، والتي لم تتجاوز الصفحات الخمس من الكتاب، بل ربما كانت تلك الصفحات ستشكل المنطلق الذي يؤسس عليه ما كان سيكتب... إذ اختزل فيها ما امتلأت به حياة ذلك «الطفل المقهور» على مدى اكثر من ستين عاماً، ومجلدان من الشعر، وعدد من المسرحيات، وعشرات الكتب صبّت خلاصتها، جميعاً، في تلك الصفحات. وعلى رغم أن عنوانها يحيل الى الماغوط، الانسان والشاعر، إلاّ أن الكاتب فيها تحدث عن «مشترك القهر» بينه وبين صاحبه، فجاء الكلام مثله في أي قصيدة كبيرة فيها من الانفجارات الذاتية، والصبوات الروحية، ما يهزّ أرض الشعر لتتمرد على أرض الواقع، ويخرج بالشعراء الى فضاء المدينة شاهرين قصائدهم في وجه زمن لم يرحم الشعر في روح الشاعر... لا لشيء إلاّ لأن هذا الشاعر (الواحد بصيغة التثنية) وقف من عصره موقف احتجاج على ما يجري من استلاب لإنسانية الانسان ومن قهر للحرية في روحه، كاشفاً، ومكاشفاً، ما في ضميره من كلمات عبّر فيها عن طفولته المقهورة، ومتسائلاً: لماذا يتم اغتيال الطفل في روح الشاعر؟ وقد انشغل الشاعر على مدى عقود من الشعر بالسؤال... لا جواباً عنه، وإنما إعاده طرح دائمة له.
وإذا كان ممدوح عدوان وجد صاحبه «لا يخجل من دموعه، ومن هزائمه، ومن الاعتراف بإذلال العالم له»، فإنه هو من تعلم منه «أن الاعتراف بهذا الذلّ هو النصر الوحيد الذي يليق بأناس مثلنا في عالم مثل هذا العالم». ولذلك – كما يقول – فإنه لم يحسّ يوماً بأنه يقرأ شاعره (ويعني الماغوط طبعاً)... «بل كنت أشعر دائماً أنه يعلمني آداب الانفجار الوقح الذي لا يليق به أن يقيم اعتباراً لشيء»... فكلاهما كان يشعر، ويعترف، بالوضاعة التي أوصله إليها هذا العالم الذي يعيش فيه!
تستوقفه من «الماغوط» عبارات شعرية، كما يستوقفنا الكثير شبيهها مضموناً، مكتوباً بكلمات أخرى، وبإيقاع ذاتي متماثل في شعره، هو الآخر. فالماغوط، وفي مجابهة مبكرة مع الواقع، لم يجد ما يحشو به مسدسه سوى الدمع. أما حين أطلق خطواته على درب الحياة فلم يكن يبحث عن شيء يتقدم بحثه عن فرصة للحنان، ما اضطره أن يحمل ملاءة سوداء ويضعها على شارة المرور في الشارع... ثم يناديها: «يا أمي!» ففي نفسيهما، الشاعر والشاعر – الكاتب هنا، ما يدعوه ممدوح: حاجة يتيمة الى الأم. ويمضي الماغوط في رحلته (كنت أريد القول: في تشرده) ليأمر الغيوم، أو يرجوها، بالانصراف... لا لشيء إلاّ «لأنّ أرصفة الوطن لم تعد لائقة حتى بالوحل» – على حدّ تعبيره.
وكلاهما، الشاعر والشاعر - الكاتب، أحب ضَعفه، وراح لشدة ما عانى من هزائم، واقعية وذاتية، يقرّ بهزيمته جهاراً ونهاراً. أما الأوطان التي وجدوها تطردهم فهي إنما تطردهم من جحيمها. وحين كان أحدهما يتشرّد، في الأرض أم في داخل الروح، كان «يتشرد متأبطاً كتبه ووطنه. أما إذا وجد أحدهما، أو كلاهما، نفسه في لحظة من لحظات هذه الهزائم مستغلاً ما يتسرب من بين حصارها من فسحة للإعلان عن الذات فإنه يخرج – كما فعل الماغوط – مستنداً الى عكازه. ولكن الشاعر وهو يرى الشاعر في الحال هذه يسرع ليؤكد ما يدفع به شبهة الشيخوخة عن صاحبه، لأنها لا تليق بمثله، فهذا، الذي يتقدم من خلال المشهد، «ليس رجلاً تقدم به العمر، بل هو رجل تقادمت فيه الهموم والأحزان والفجائع».
وكلاهما كتب كل ما كتب باعتراف شعري جامح... وكلاهما كان «مرآة لا تعرف كيف تكذب» و «لا تعرف كيف تعزّي، بل تعرف كيف تقشّر الجروح. مرآة تظهر الشيب والندوب والعاهات. مرآة تظهر الذلّ والدناءة والعوز وفقدان الأمان». فإذا كان الشاعر – الكاتب قد صرخ يوماً، منادياً بلاده: «يا بلادي التي علمتني البكاء...»، فإنه سيجد نفسه معها، قبل النداء وبعده، وهي «تتفنن كيف تبكيه كل يوم».
وكان لكل منهما أسلوبه الذي يحرج به مستمعيه ويحرضهم بشعره... لا لشيء إلاّ لأنه «ظلّ قادراً على الاحتفاظ بالطفل المقهور الذي كانه. طفل لا يندهش من الجمال ويفرح به فقط، بل يشمئز من القبح ويبكي من الظلم، ويخاف من الظلام والظُلاّم».
وكلاهما أفلت مما يسميه «أجواء الترف الشعري»، وقد مدّت بساطها الأحمر أمامه، إلاّ أنه لم ينخدع بذلك المظهر الزائف الذي أدرك زيفه مبكراً، وتمنّع على المشي على ذلك البساط الذي لا يؤدي إلاّ الى «المدجنة».. «فانفلت في الأجواء الأدبية حافياً، مشعثاً، رثاً، كما لو أنه لا يزال يلعب في الحارة».
وكلاهما جافى «الأناقة اللفظية» في الكلام مع من نصّبوا أنفسهم قادة وزعماء، وسكتت عليهم شعوبهم المقهورة مرغمة بحدّة القهر. وحين اتهموه بما لا يليق أن يتهم به شاعر قال لهم، بلغة المكاشفة التي لم يتقن سواها، والتي لم تُبق أمامها حرمة للخوف تذكر: «أنا لم أجلب الوحل من بيت أبي، ولم أتسخ في حضن أمي، ولم يكن البكاء هوايتي، ولا الجوع رياضة أمارسها. عالمكم وسخ وموحل ولعين وموحش، ولستُ معنياً بتنظيف نفسي، أو حتى أسناني، لكي أُساعدكم على التهرب من مسؤوليتكم عن وسخ عالمكم، وعن تلويثي».
والشعر عندهما هو في ما يتكلم عنه من مظاهر وأوضاع وحالات إنسانية يعيشها الانسان أو تصدر عنه ليتولاها، وقد تأتيه فيتلقاها... «فالتناقضات تتحول الى تناقضات تعبيرية»، والانسان لا يُلخّص، فهو «ذلك النقد اللامتناهي»، وكذلك مواهبه: «ففي كل انسان شاعر لأن في كل إنسان طفلاً قد تمّ قمعه لكي لا يسقط اشعته على العالم». والانسان حين يكبر، ويصبح رجلاً، يروح يبحث عن ذلك الطفل الذي قد يكون ضاع في أعماقه، وليس في أرض أُخرى.
أما المعركة الفعلية فهي «بين البراءة الأُولى وبين» ما تعلمناه. وما دام الشعر يحمل رؤية خاصة بالشاعر وحده، يشكل العالم بها او من خلالها، فإن هذا ما يجعله «يُجرّد الكلام المعروف من الكثير من معانيه، ويشحنه بما اكتشفه في اللغة، وفي نفسه، وفي العالم». وأما مهمة الشعر فهي في أن يساعد الانسان (قارئه/ متلقيه) «على أن يتوغل في نفسه».
هذا في وجه من هذه «السيرة» جاء بدلالة «الآخر». أما الوجه الآخر فيها فهو الخاص بالشاعر/ الكاتب من دون «نظيره الشعري». فهو كشاعر محدث، ومتصل بالعناصر الحية من التراث/ ويوجّه عنايته الأكبر بتوليد المعاني وبالإيقاع، يتوجه نحو ما يدعوه بـ «قصيدة التجربة» التي يجد لها أساسياتها في الشعر الجديد، إن لم تكن أساساً فيه...». وهو الذي كتب القصائد الطويلة نسبياً، شأن اسلافه في هذا: السياب، وحاوي، وعلي الجندي... يدرك أن القصيدة الطويلة إذا لم ينتظمها «خيط قصصي، فهي، فنياً، مجموعة من القصائد القصيرة». وفي هذا يمكن أن نقرأ رأيه بالتاريخ، أحداثاً وشخصيات» كبديل للأسطورة عن اسلافه ممن ذكرنا... ومن تابعوهم في «النهج الأسطوري».
ويرى أن الشعر، من حيث الاساس، خاصية لغوية، ويظل كذلك. «الشعر هو ابن اللغة البشرية، ولغة البشر تنبع من اللاوعي». أما إذا أخذناه بمعيار الفن فالفن ابتكار، فضلاً عن أنه «نابع من الانفعال الانساني» و «من رؤية خاصة في العالم». وأما الشاعر فهو «الذي يبتكر عالماً جديداً وخاصاً من خلال تعامله مع المفردات والمعاني والمشاعر».
والشاعر يقول هذا معبراً عن رؤية وموقف. فهو شاعر اتضحت قضيته في ذهنه، وعنده أن من «تتضح قضيته في ذهنه يعيش ويكتب بوضوح»، ذلك أن الموقف «من قضايا بالحياة والناس لا يقبل غموضاً أو التباساً».
وهو يكتب، شعراً، ليردّ على التساؤلات، سواء ما كان منها مصدره «الذات – الداخل» الانساني لدى الشاعر، أو الخارج، المجتمعي والحياتي والكوني، الذي يشكل مصدراً للقلق.
ومع أنه خاطب «قاهره السلطوي» ذات قصيدة في ثمانينات القرن الماضي، متمسكاً بعناده، ومصراً على رؤياه... فقال له متحدياً:
«أوَ ترانيَ بَعدَ العنادِ أُطأطئ كي أتبعكْ؟/ وأنا حاملُ من طموح المجانين رؤيا/ بأنيّ سأشهدُ، لو حُلماً، مصرعَكْ!».
... فإنه، مع هذا كله، لم يهاجر بحثاً عن «أرض أخرى» تجنّبه عذابات المواجهة وتقيه شرورها، ولا رغبة في الوصول الى «بحر آخر» يقطعه أو يلوذ به، ولم يؤمل النفس في «العثور على مدينة أخرى أفضل من هذه»، على رغم كل ما واجه فيها، بل قال لنفسه ما قاله سلفه اليوناني «كافافي» وهو يقطع الأمل باليقين: «لن تجد أرضاً جديدة، ولا بحاراً أخرى. ستتبعك المدينة، وستطوف في الشوارع ذاتها... وما دمت قد حطمت حياتك هنا، في هذا الركن الصغير، فأنت قد حطمتها في الدنيا كلها...». ولذلك وجدناه نظر الى صاحبه الماغوط يوم تشرّد وهو يتشرّد «متأبطاً كتبه ووطنه...».
الشاعر علم الدين بدرية
03-23-2008, 07:20 AM
إذ اختزل فيها ما امتلأت به حياة ذلك «الطفل المقهور» على مدى اكثر من ستين عاماً، ومجلدان من الشعر، وعدد من المسرحيات، وعشرات الكتب صبّت خلاصتها، جميعاً، في تلك الصفحات. وعلى رغم أن عنوانها يحيل الى الماغوط، الانسان والشاعر، إلاّ أن الكاتب فيها تحدث عن «مشترك القهر» بينه وبين صاحبه، فجاء الكلام مثله في أي قصيدة كبيرة فيها من الانفجارات الذاتية، والصبوات الروحية، ما يهزّ أرض الشعر لتتمرد على أرض الواقع، ويخرج بالشعراء الى فضاء المدينة شاهرين قصائدهم في وجه زمن لم يرحم الشعر في روح الشاعر... لا لشيء إلاّ لأن هذا الشاعر (الواحد بصيغة التثنية) وقف من عصره موقف احتجاج على ما يجري من استلاب لإنسانية الانسان ومن قهر للحرية في روحه، كاشفاً، ومكاشفاً، ما في ضميره من كلمات عبّر فيها عن طفولته المقهورة، ومتسائلاً: لماذا يتم اغتيال الطفل في روح الشاعر؟ وقد انشغل الشاعر على مدى عقود من الشعر بالسؤال... لا جواباً عنه، وإنما إعاده طرح دائمة له.
وإذا كان ممدوح عدوان وجد صاحبه «لا يخجل من دموعه، ومن هزائمه، ومن الاعتراف بإذلال العالم له»، فإنه هو من تعلم منه «أن الاعتراف بهذا الذلّ هو النصر الوحيد الذي يليق بأناس مثلنا في عالم مثل هذا العالم». ولذلك – كما يقول – فإنه لم يحسّ يوماً بأنه يقرأ شاعره (ويعني الماغوط طبعاً)... «بل كنت أشعر دائماً أنه يعلمني آداب الانفجار الوقح الذي لا يليق به أن يقيم اعتباراً لشيء»... فكلاهما كان يشعر، ويعترف، بالوضاعة التي أوصله إليها هذا العالم الذي يعيش فيه!
*******
تعود صديقتنا المبدعة صفاء أبو صالح بين الحين والأخر ، لتتحفنا بمقالات أدبيّة وثقافيّة متنوعة ، تحملها لقراء وأدباء المنتدى للأثراء والمطالعة الجادة ، فمدوح عدوان هذا الشاعر والفارس الجميل وآخر ما يسمى بشعراء اليقين القومي الذين يتغنون بمجد هذه الأمة في صوت أصيل متفرد يكتب الشعر، كما يعيشه أو يعيش شعره والماغوط الشاعر الكبير الذي لا يشبه احدا في عالمنا العربي على الاقل لكنه كان ذا تأثير كبير ملا اجيالا من القلوب والنفوس بمزيج من اللذة والثورة واسهم في تطوير الذوق الجمالي واخراجه من نمطية منومة كما جعل كثيرين من اجيال مختلفة يشبهونه او يسعون الى ان يشبهوه.
أشكر الصديقة صفاء على هذا المقال القيّم وأتمنى لها المزيد من الإبداع الخاص
مودتي واحترامي
علم الدين بدرية
صفاء ابو صالح
04-07-2008, 02:11 PM
محمد الماغوط: قبرك البطيء لن يبلغ الجنة أبداً
أبريل 6, 2008
خليل صويلح
في مثل هذا اليوم، وضع النقطة النهائيّة لحياته، كأنّه يوقّع مقالته الأخيرة، ليدفن في معقل القرامطة عند تخوم الصحراء. جاء إلى مائدة الشعر جائعاً وغاضباً، قلب الطاولة على الجميع، ثم صفق الباب وراءه وخرج… ثلاثة دواوين جعلت منه الأب الشرعي لقصيدة النثر
قبل رحيله بأشهر، اختار محمد الماغوط (1934 ـ 2006) اسم «البدوي الأحمر» عنواناً لكتابه الأخير. الأرجح أن هذا العنوان يمثّل صورته الأخيرة. البدوي الذي وجد نفسه في الضوء، مرتبكاً في مصعد، فشعر بالذعر. وها هو يعود إلى زهده الأول وعزلته الاختيارية، بعدما عاف الشهرة وأضواءها، إذ انتهى إلى كائن ضجر بمباهج الحياة. سوداوي ومحزون. ذهب إلى بداوته الأولى متخفّفاً مما علق بها من أمجاد وخيبات وانكسارات وهزائم. حتى إنّه استعاد أصوات مغنّين شعبيين على الربابة لترافقه في أيامه الأخيرة، قبل أن يُدفن في مسقط رأسه السلمية، معقل القرامطة عند تخوم الصحراء. هكذا، اكتملت دائرة الحنين إلى «الدمعة التي ذرفها الرومان على أول أسير فك قيوده بأسنانه ومات حنيناً إليها». الماغوط ابن الحياة التي لا سقف لها، لأنّه ولد في العراء، وظل يحاول ستر عورته إلى آخر حروفه الهاربة من أقفاص اللغة، نحو الحرية وهي متلبّسة بالجريمة الكاملة.
قبل نصف قرن، جاء إلى مائدة الشعر جائعاً وغاضباً، قلب الطاولة على الجميع، ثم صفق الباب وراءه وخرج، مثل بدوي تائه في صحراء شاسعة، لا بوصلة تهديه إلى الطمأنينة. هكذا ظلّت قصيدته «خارج السرب»، وبعيداً عمّا عداها من مقترحات الحداثة. قصيدة رعوية تعمل على المحسوس بأقصى طاقة اللغة على احتمال الوجع الفردي والصراخ، وتنطق بحنجرة شاعر أتى من القاع والأزقة الخلفية من دون بلاغة. فهو يختزل علاقته بالتراث بإشارة دالة «عندي أغنية زياد وفيروز «كيفك إنت»، أهم من كل شعر البحتري».
لم يكن قد سمع برامبو أو بودلير، ولا بتنظيرات سوزان برنار حول قصيدة النثر. حين تسلّلت قصيدته مثل حصان طروادة إلى ذائقة القارئ العادي من دون جسور أو كمائن، وذلك لفرط بساطتها وخشونتها وغضبها وتمردها وعصيانها، ما أربك النقّاد في التعامل معها، فاضطروا إلى الاعتراف بها، واستثنائها من مقترحات قصيدة النثر العربية التي أنجزتها جماعة مجلة «شعر»… فكانت «التهاباً مزمناً في الحواس»، ينتقل من سلالة شعرية إلى أخرى. وهذا ما جعل الماغوط الأب الشرعي لقصيدة النثر من دون منازع. هكذا، تُوّج باكراً أميراً للتسكع والأرصفة. ألم يقل مرّة: «ليس لدي ما يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء»، و«اختصاصي الوحيد هو الحرية»؟.
لغة نافرة، وصورة شعريّة مبتكرة، ونبرة مأساوية لمتشرد أصيل. من دون بيان شعري، اقتحم الجدران العالية ببلاغة مضادة. بلاغة الغجري وترحاله ونواحه ونزيفه: «اهربي أيتها الغيوم، فأرصفة الوطن، لم تعد جديرة حتى بالوحل».
في أوائل التسعينيات، التقيت الماغوط أول مرة. الصديق الذي رافقني لإجراء المقابلة، كان يدرك أنّ الماغوط سيرفض الإجابة عن أسئلتنا، لعلمنا المسبق بكراهيته للاستجواب و«السين ـ جيم»، لأنّه يذكّره بالتحقيق الأمني. وضعنا آلة التسجيل سرّاً تحت الطاولة وكنّا كلما سألناه عن أحد الشعراء الكبار، يجيب متهكّماً «لكنّه… ألم يمت في حرب الخليج؟».
في نهاية السهرة، اعترف صديقي بأنّنا سجّلنا الحديث على كاسيت، فما كان من الماغوط إلا أن صادر الشريط، وقال «إذا وافقت ابنتي شام على محتوياته، سأعيده لكما». بالطبع لم نستعد الشريط. وحين طالبناه بمقابلة صريحة، وعدنا «اتصلا حين يهطل المطر أول مرة»، لكنّ أمطاراً كثيرة هطلت، ولم تتم المقابلة أبداً.
خلال مرضه، كنت أزوره باستمرار وأسجّل أقواله في ذهني قبل أن أنقلها إلى الورق: أفكار عن الشعر والمسرح والسينما، وطفولته المعذّبة في السلمية، وقسوة والده، وذكرياته في سجن المزة، وتشرّده في بيروت.
لم يكتب صاحب «العصفور الأحدب» (1960)، مذكّراته، لفرط تبرّمه بالخلود الشخصي. حاولت إقناعه بإنجاز كتاب حوارات معه. تأجل المشروع مراراً بذريعة المرض والمزاج السوداوي، ثم طلبت أرشيفه الشخصي لإعداد كتاب عن حياته. في صيف 2001، أخبرني أنّه أنزل أرشيفه من السقيفة أخيراً، وكانت الغنيمة دسمة. رحتُ أرتّب مواد الأرشيف لترميمها بأسئلة تضيء جوانب خفية من حياته: مثل ذكرياته في سجن المزة أواخر الخمسينيات، وكيف كتب قصيدته الأولى «القتل» وراء القضبان على ورق سجائر لفّ، وعلاقته برفيقة دربه سنية صالح… دمشق ومقاهيها، ومجلّة «شعر» ويوسف الخال، وأنسي الحاج، وأدونيس.
اكتشفت خلال قراءة أرشيف حواراته، أنّ صاحب «الفرح ليس مهنتي» يكرر الإجابات نفسها، حتى إنّني كتبت معلّقاً في مقدّمة الكتاب، إنّه لا يغيّر أقواله، كما لو أنّه وقّع محضر شرطة في قضيّة اتهام. كأنّه يعيد الاعتراف بـ“جرائمه” مع سبق الإصرار! هكذا أنجزت «اغتصاب كان وأخواتها» (دار البلد ـ 2002)، وخلال الإعداد للكتاب، اتصل بي مرةً يدعوني لزيارته. يومها، ناولني ورقة صغيرة تحمل عبارات رقيقة وتوقيع سعاد حسني. أخبرني أنّها كتبت هذه الرسالة أثناء زيارتها له في أحد فنادق القاهرة. الأرجح أنّه فرح البدوي بما لديه من كنوز صغيرة على رغم شهرته، كأن تعترف نجمة بأهميته. وربما لهذا قال مرة: «لا توجد ثقافة في مصر… هناك سعاد حسني». يومها، أساء بعض المثقفين المصريين فهم هذا المجاز، فشنّوا عليه حملات متلاحقة. كان يعتني بإطلاق مانشيتات ساخنة، وقنابل دخانية من دون أن يهتم بحجم الدمار الذي ستخلّفه، ما أوقعه في ورطات كثيرة، لغويّة في المقام الأول. في أحد حواراته، قال: «أكره الضجر والشيوعيين». الواقع أنّه ليس للماغوط مواقف معلنة في كتاباته ضد الشيوعيين… لكنّ قوة المانشيت وطرافته قادته إلى قوله. ما يذكّر بحكايته مع القوميين السوريين، إذ يروي أنّه كان حائراً بين حزب البعث، والحزب القومي السوري، فاختار الثاني، لوجود مدفأة في مقر الحزب، وكان حينها معدماً وجائعاً تصطك أسنانه من البرد!
مرةً، شنّ حملة على عبد الوهاب البياتي لعدم اعترافه بشاعريته، فقال ساخراً إنّ البياتي يدّعي النضال السرّي ومطاردة الأنظمة العربية لأشعاره، في حين «لم يوقفه شرطي مرور في حياته»… على عكس ما كان يقوله عن بدر شاكر السيّاب. إذ كان يكنّ له موّدة خاصة، مذ تشردا معاً على أرصفة بيروت، وقد كتب عنه إحدى أجمل قصائده «أيها التعس في حياته وفي موته. قبرك البطيء كالسلحفاة لن يبلغ الجنة أبداً. الجنة للعدّائين وراكبي الدراجات». لعل هذه القصيدة تصلح لتكون مرثية للماغوط نفسه. فها هي الذكرى الثانية لرحيله تمرّ من دون تحية رسمية واحدة، أو وردة يلقيها عابر على قبره البعيد.
- المبدع في الشرق عموماً، قطّ جائع في حانوت للمعلّبات
- اتسخت اللغة من سوء الاستعمال، بل اغتُصبت وفقدت عذريتها على أيدي الدجاّلين من الخطباء والشعراء
- أنا بدوي أغنّي في أوركسترا الصحراء
- جميع الحقوق محفوظة ويكفلها القانون. قانون الطوارئ طبعاً
- محاصر بين تيار العولمة وتيار الأصولية، فكيف أوفِّق بين الاثنين؟ هل أصلّي على الإنترنت؟
- الطغاة كالأرقام القياسية، لا بد من أن تتحطّم في يوم من الأيام
- أخذوا سيفي كمحارب، وقلمي كشاعر، وريشتي كرسّام، وقيثارتي كغجري، وأعادوا إليّ كل شيء وأنا في الطريق إلى المقبرة. ماذا أقول لهم أكثر مما يقوله الكمان للعاصفة؟
محمد الماغوط
سيرة
ثلاثة دواوين «حزن في ضوء القمر» (1959)، «غرفة بملايين الجدران» (1960) و«الفرح ليس مهنتي» (1970)، وضعت محمد الماغوط في مقدمة شعراء قصيدة النثر، وظل حتى اليوم «كولومبوس» قارة الشعر الجديد. ولد عام 1934 في السلمية، محافظة حماه. درس في كلية الزراعة، لكنّه سرعان ما تركها مفضّلاًً «الحشرات البشرية». في 1955، أودع سجن المزّة لانتمائه إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي، فكتب مذكّراته على لفائف السجائر. لدى خروجه، ذهب إلى بيروت، أيام عز مجلّة «شعر»، فصار من فرسانها.
تزوّج الشاعرة سنية صالح التي فجع بوفاتها عام 1985. وكان دوماً يردّد «بدأتُ وحيداً وانتهيت وحيداً». نال جوائز عدة، أبرزها العويس (2004 ـــ 2005). صمت شعرياً في وقت مبكر، لكنّه واصل الكتابة للمسرح والسينما («الحدود»، «التقرير») بالاشتراك مع دريد لحام. وبقي يكتب مقالات غاضبة عصيّة على التصنيف، جمعها عند «دار الريّس» في «سأخون وطني» (1987)، و«سيّاف الزهور» (2001)، و«شرق عدن غرب الله» (2004) و«البدوي الأحمر» (2006). أعماله الشعريّة والمسرحيّة نشرتها «دار العودة» في بيروت، وأعادت طباعتها «دار المدى» في دمشق أواخر التسعينيات. رحل في 3 نيسان (أبريل) 2006، مختزلاً تجربته كالآتي: «ثمة لا أبدية رافقتني وسترافقني دائماً».
صفاء ابو صالح
04-07-2008, 04:14 PM
هذه هي صفحتك الخاصة
أتجول بها وحيدة كتجولك في غربتك ووحدتك على أرصفة دمشق العتيقه.
" الماغوط ابن الحياة التي لا سقف لها، لأنّه ولد في العراء، وظل يحاول ستر عورته إلى آخر حروفه الهاربة من أقفاص اللغة، نحو الحرية وهي متلبّسة بالجريمة الكاملة.
تُوّج باكراً أميراً للتسكع والأرصفة."
وأنا أتوجك أميراً للحرية
" كما قلت مرة: «اختصاصي الوحيد هو الحرية»؟.
ماذا في إمكاني أن أقدم لك بعد مرور الذكرى الثانيه على وفاتك .
ليت بميسوري أن أنثر على قبرك كل ورود العالم ليبقى معطراَ الى الأبد .
وأصنع لك قوس من النجوم أركزه فوق جبهتك وأزينة بأمجادك .
"الماغوط الطفل المقهور في قلب الشاعر"
"الأب الشرعي لقصيدة النثر"
كنت تقول:" لا يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء".
وأنا لا يربطني في مسقط رأسك السلمية، سوى قبرتفوح منه رائحة الإبداع والأمجاد ، رائحه المتسكعين المشردين على أرصفة الوطن ، حين كان الوطن غربة لشاعر .زينت حياتة بآلاف الأوسمه من الأمجاد والهزائم والإنكسارات والخيبات وسنين الظلم والقهر ، لمتشرد أصيل .
: «اهربي أيتها الغيوم، فأرصفة الوطن، لم تعد جديرة حتى بالوحل».
فها هي الذكرى الثانية لرحيله تمرّ من دون تحية رسمية واحدة، أو وردة يلقيها عابر على قبره البعيد.
كم أحببتك وتفاعلت معك بكل جوارحي حين كنت تقول:
- المبدع في الشرق عموماً، قطّ جائع في حانوت للمعلّبات
- اتسخت اللغة من سوء الاستعمال، بل اغتُصبت وفقدت عذريتها على أيدي الدجاّلين من الخطباء والشعراء
- أنا بدوي أغنّي في أوركسترا الصحراء
- جميع الحقوق محفوظة ويكفلها القانون. قانون الطوارئ طبعاً
- محاصر بين تيار العولمة وتيار الأصولية، فكيف أوفِّق بين الاثنين؟ هل أصلّي على الإنترنت؟
- الطغاة كالأرقام القياسية، لا بد من أن تتحطّم في يوم من الأيام
- أخذوا سيفي كمحارب، وقلمي كشاعر، وريشتي كرسّام، وقيثارتي كغجري، وأعادوا إليّ كل شيء وأنا في الطريق إلى المقبرة. ماذا أقول لهم أكثر مما يقوله الكمان للعاصفة؟
سلامي لروحك الخالدة
صفاء أبو صالح
حنين حاطوم
01-17-2009, 02:36 PM
من أشعار الماغوط
***الوشم***
الآن
في الساعة الثالثة من القرن العشرين
حيث لا شيء
يفصل جثثَ الموتى عن أحذيةِ الماره
سوى الاسفلت
سأتكئ في عرضِ الشارع كشيوخ البدو
ولن أنهض
حتى تجمع كل قضبان السجون وإضبارات المشبوهين
في العالم
وتوضع أمامي
لألوكها كالجمل على قارعة الطريق..
حتى تفرَّ كلُّ هراواتِ الشرطة والمتظاهرين
من قبضات أصحابها
وتعود أغصاناً مزهرة (مرةً أخرى)
في غاباتها
أضحك في الظلام
أبكي في الظلام
أكتبُ في الظلام
حتى لم أعدْ أميّز قلمي من أصابعي
كلما قُرعَ بابٌ أو تحرَّكتْ ستاره
سترتُ أوراقي بيدي
كبغيٍّ ساعةَ المداهمه
من أورثني هذا الهلع
هذا الدم المذعور كالفهد الجبليّ
ما ان أرى ورقةً رسميةً على عتبه
أو قبعةً من فرجة باب
حتى تصطكّ عظامي ودموعي ببعضها
ويفرّ دمي مذعوراً في كل اتجاه
كأن مفرزةً أبديةً من شرطة السلالات
تطارده من شريان إلى شريان
آه يا حبيبتي
عبثاً أستردُّ شجاعتي وبأسي
المأساة ليست هنا
في السوط أو المكتب أو صفارات الإنذار
إنها هناك
في المهد.. في الرَّحم
فأنا قطعاً
ما كنت مربوطاً إلى رحمي بحبل سرّه
بل بحبل مشنقة
***رجل على الرصيف***
نُصفُهُ نجوم
ونصفه الآخرُ بقايا وأشجارٌ عاريه
ذلك الشاعرُ المنكفيءُ على نفسه كخيطٍ من الوحل
وراء كل نافذه
شاعرٌ يبكي ، وفتاةٌ ترتعش ،
قلبي يا حبيبةٌ ، فراشةٌ ذهبيه ،
تحوِّم كئيبة أمام نهديك الصغيرين .
. . .
كنتِ يتيمةً وذات جسدٍ فوَّار
ولأهدابك الصافيةِ ، رائحةُ البنفسجِ البرّي
عندما أرنو إلى عينيك الجميلتين ،
أحلم بالغروب بين الجبال ،
والزوارقِ الراحلةِ عند المساء ،
أشعرُ أن كل كلمات العالم ، طوعَ بناني .
. . .
فهنا على الكراسي العتيقه
ذاتِ الصرير الجريح ،
حيث يلتقي المطر والحب ، والعيون العسليه
كان فمك الصغير ،
يضطرب على شفتي كقطراتِ العطر
فترتسمُ الدموعُ في عيني
وأشعر بأنني أتصاعد كرائحة الغابات الوحشيه
كهدير الأقدام الحافيةِ في يوم قائظ .
. . .
لقد كنتِ لي وطناً وحانه
وحزناً طفيفاً ، يرافقني منذ الطفوله
يومَ كان شعرك الغجري
يهيمُ في غرفتي كسحابه ..
كالصباح الذاهب إلى الحقول .
فاذهبي بعيداً يا حلقاتِ الدخان
واخفقْ يا قلبي الجريح بكثره ..
ففي حنجرتي اليوم بلبلٌ أحمرُ يودُّ الغناء
أيها الشارع الذي أعرفه ثدياً ثدياً ، وغيمة غيمه
يا أشجار الأكاسيا البيضاء
ليتني مطرٌ ذهبي
يتساقط على كل رصيفٍ وقبضةِ سوط
أو نسيمٌ مقبلٌ من غابة بعيده
لألملم عطر حبيبتي المضطجعة على سريرها
كطير استوائي حنون
ليتني أستطيع التجول
في حارات أكثرَ قذارة وضجه
أن أرتعشَ وحيداً فوق الغيوم .
. . .
لقد كانت الشمس
أكثر استدارةً ونعومة في الأيام الخوالي
والسماء الزرقاء
تتسلل من النوافذ والكوى العتيقه
كشرانقَ من الحرير
يوم كنا نأكل ونضاجعُ ونموتُ بحرية تحت النجوم
يوم كان تاريخنا
دماً وقاراتٍ مفروشه بالجثث والمصاحف
***الغجري المعلب***
بدون النظر إلى ساعة الحائط
أو مفكرة الجيب
أعرف مواعيد صراخي
وأنا هائم في الطرقات
أصافح هذا و أودع ذاك
انظر خلسة إلى الشرفات العالية
إلى الأماكن التي ستبلغها أظافري وأسناني
في الثورات المقبلة
فأنا لم أجع صدفه
ولم أتشرد ترفاً أو اعتباطاً
" مامن سنبلة ِ في التاريخ
إلا وعليها قطرة من لعابي "
..................................
أعرف أن مستقبلي ظلام
وأنيابي شموع
أعرف أن حد الرغيف
سيغدو بصلابة الخنجر
وأن نهر الجائعين سوف يهدر ذات يوم
بأشرعته الدامية
وفرائصه الغبراء
فأنا نبي لا ينقصني إلا اللحية والعكاز والصحراء
ولكنني سأظل شاكي السلاح
في " قادسية العجين "
وفي "واترلو الحساء" التي يخوضها العالم
هكذا خلقني الله
سفينة وعاصفة
غابة وحطابا
زنجياً بمختلف الألوان كالشفق , كالربيع
في دمي رقصة الفالس
وفي عظامي عويل كربلاء
ومامن قوة في العالم
ترغمني على محبة مالا أحب
وكراهية ما لا أكره
مادام هناك
تبغ وثقاب وشوارع.
***في الليل***
هناك نحل ... وهناك أزهار
ومع ذلك فالعلقم يملأ فمي .
هناك طرف وأعراس ومهرجون
ومع ذلك فالنحيب يملأ قلبي .
..................
أيها الحارس العجوز ياجدي
أعطني كلبك السلوقي لأتعقب حزني
أعرني مصباحك الكهربائي
لأبحث عن وطني .
من أزقة طويلة كسياط أجدادي
آتي إليك,
والاستغاثات مصظفة في حنجرتي كالمجاذيف
لأشكو لك الغبار والجماهير
الليل والزهور والموسيقى
لأشكو لك ذلك الرصيف :
ما أن شرعت بقصتي
حتى انسل من بين الأزقة كالأفعى
وتركني وحيداً ... وقدماي
تهتزان في الهواء كقدمي المشنوق
ولذا جئتك مرفرفاً بيدي كالخفاش
لا أعرف أين أمضي هذه الليلة
وكل ليلة
الأرصفة التي أعبرها
تلفظ خطواتي كالدواء المر
الجدران التي ألمسها
ترتعش تحت أصابعي كالشفاه قبل الزئير
أحسد المسمار
لأن هناك خشباً يضمه ويحميه
أغبط حتى الجثث الممزقة في الصحراء
لأن هناك غرباناً ترفرف حولها وتنعق لأجلها
آه ياجدي
لقد اشتقت للظلم للإرهاب
للتعلق بالأغصان بالشاحنات
للتمسك بأي شئ
ولو بقضبان السجون
..........................
إنني لست ضائعاً فحسب
حتى لو هويت عن أريكتي في المقهى
لن أصل إلى سطح الأرض بآلاف السنين .
***القتل***
ضع قدمك الحجريةَ على قلبي يا سيدي
الجريمةُ تضرب باب القفص
والخوفُ يصدحُ كالكروان
ها هي عربةُ الطاغية تدفعها الرياح
وها نحن نتقدم
كالسيف الذي يخترقُ الجمجمه .
. . .
أيها الجرادُ المتناسلُ على رخام القصور والكنائس
أيتها السهولُ المنحدرة كمؤخرة الفرس
المأساةُ تنحني كالراهبه
والصولجان المذهَّبُ ينكسر بين الأفخاذ .
كانوا يكدحون طيلة الليل
المومساتُ وذوو الأحذية المدبَّبه
يعطرون شعورهم
ينتظرون القطار العائد من الحرب .
قطار هائل وطويل
كنهر من الزنوج
يئن في أحشاءِ الصقيع المتراكم
على جثث القياصرة والموسيقيين
ينقل في ذيله سوقاً كاملاً
من الوحل والثياب المهلهله
ذلك الوحل الذي يغمرُ الزنزانات
والمساجد الكئيبة في الشمال
الطائرُ الذي يغني يُزجُّ في المطابخ
الساقيةُ التي تضحك بغزاره
يُربَّى فيها الدود
تتكاثرُ فيها الجراثيم
كان الدودُ يغمر المستنقعات والمدارس
خيطان رفيعة من التراب والدم
وتتسلَّق منصّاتِ العبودية المستديره
تأكل الشاي وربطات العنق ، وحديد المزاليج
من كل مكان ، الدود ينهمرُ ويتلوى كالعجين ،
القمحُ ميت بين الجبال
وفي التوابيت المستعمله كثيراً
في المواخير وساحات الإعدام
يعبئون شحنه من الأظافر المضيئه إلى الشرق
وفي السهول التي تنبع بالحنطة والديدان ...
حيث الموتى يلقون على المزابل
كانت عجلاتُ القطار أكثر حنيناً إلى الشرق ،
يلهث ويدوي ذلك العريسُ المتقدم في السن
ويخيط بذيله كالتمساح على وجه آسيا .
كانوا يعدّون لها منديلاً قانياً
في أماكنِ التعذيب
ومروحةً سميكةً من قشور اللحم في سيبريا ،
كثير من الشعراء
يشتهون الحبر في سيبريا .
. . .
البندقيةُ سريعةٌ كالجفن
والزناد الوحشي هاديءٌ أمام العينين الخضراوين
ها نحن نندفع كالذباب المسنّن
نلوِّحُ بمعاطفنا وأقدامنا
حيث المدخنةُ تتوارى في الهجير
وأسنان القطار محطّمة في الخلاء الموحش
الطفلةُ الجميلةُ تبتهل
والأسيرُ مطاردٌ على الصخر .
أنامُ وعلى وسادتي وردتان من الحبر
الخريفُ يتدحرج كالقارب الذهبي
والساعات المرعبه تلتهبُ بين العظام
يدي مغلقة على الدم
وطبقةٌ كثيفة من النواح الكئيب
تهدر بين الأجساد المتلاصقة كالرمل
مستاءةً من النداء المتعفّن في شفاه غليظه
تثير الغثيان
حيث تصطكُّ العيونُ والأرجل
وأنين متواصل في مجاري المياه
شفاه غليظة ورجال قساة
انحدروا من أكماتِ العنف والحرمان
ليلعقوا ماء الحياة عن وجوهنا
كنا رجالاً بلا شرفٍ ولا مال
وقطعاناً بربرية تثغو مكرهة عبر المآسي
هكذا تحكي الشفاه الغليظةُ يا ليلى
أنت لا تعرفينها
ولم تشمي رائحتها القويةَ السافله
سأحدثك عنها ببساطة وصدق وارتياح
ولكن
ألاَّ تكوني خائنة يا عطورَ قلبي المسكين
فالحبر يلتهب والوصمةُ ترفرف على الجلد .
. . .
غرفتي مطفأةٌ بين الجبال
القطيع يرفع قوائمه الحافيه
والأوراق المبعثرة تنتظر عندليبها
وندلفُ وراء بعضنا إلى المغسله
كجذوع الأشجار يجب أن نكون
جواميس تتأملُ أظلافها حتى يفرقع السوط
نمشي ونحن نيام
غفاة على البلاط المكسو بالبصاق والمحارم
نرقد على بطوننا المضروبة بأسلاك الحديد
ونشرب الشاي القاحلَ في هدوءٍ لعين
وتمضي ذبابة الوجود الشقراء
تخفقُ على طرف الحنجره
كنا كنزاً عظيماً
ومناهلَ سخيه بالدهن والبغضاء
نتشاجرُ في المراحيض
ونتعانق كالعشاق .
. . .
اعطني فمك الصغير يا ليلى
اعطني الحلمةَ والمدية اننا نجثو
نتحدثُ عن أشياء تافهه
وأخرى عظيمة كالسلاسل التي تصرُّ وراء الأبواب
موصدة .. موصدة هذه الأبواب الخضراء
المنتعشة بالقذاره
مكروهة صلده
من غماماتِ الشوق الناحبة أمامها
نتثاءبُ ونتقيأُ وننظر كالدجاجِ إلى الأفق
لقد مات الحنان
وذابت الشفقة من بؤبؤ الوحشِ الانساني
القابعِ وراء الزريبه
يأكل ويأكل
وعلى الشفة السفلى المتدلية آثار مأساة تلوح
أمي وأبي والبكاء الخانق
آه ما أتعسني إلى الجحيم أيها الوطن الساكن في قلبي
منذ اجيال لم أرَ زهره .
. . .
الليالي طويله والشتاءُ كالجمر
يومٌ واحد
وهزيمةٌ واحدة للشعب الأصفر الهزيل
انني ألمس لحيتي المدبَّبه
أحلم براحة الأرض وسطوح المنازل
بفتاةٍ مراهقةٍ ألعقها بلساني
السماء زرقاء
واليد البرونزيةُ تلمس صفحة القلب
الشفاهُ الغليظةُ تفرز الأسماء الدمويه
وأنا مستلقٍ على قفاي
لا أحدَ يزورني أثرثرُ كالأرمله
عن الحرب ، والأفلام الخليعة ، ونكران الذات
والخفير المطهَّم ، يتأمل قدميَ الحافيتين
وقفتُ وراء الأسوار يا ليلى
أتصاعد وأرتمي كأنني أجلس على نابض
وقلبي مفعمٌ بالضباب
ورائحة الأطفال الموتى
إن أعلامنا ما زالت تحترقُ في الشوارع
متهدلة في الساحات الضاربة إلى الحمره
كنت أتساقط وأحلم بعينيك الجميلتين
بقمصانك الورديه
والهجير الضائع في قبلاتكِ الأخيره
مرحباً بكِ ، بفمك الغامقِ كالجرح
بالشامة الحزينة على فتحةِ الصدر
أنا عبدٌ لك يا حبيبه
ترى كيف يبدو المطر في الحدائق ؟
ابتعدي كالنسيم يا ليلى
يجب ألا تلتقي العيون
هرم الانحطاطِ نحن نرفعه
نحن نشكُّ راية الظلم في حلقاتِ السلاسل
بالله لا تعودي
شيءٌ يمزقني أن أراهم يلمسونك بغلظه
أن يشتهوك يا ليلى
سألكمُ الحديد والجباه الدنيئه
سأصرخُ كالطفل وأصيح كالبغي
عيناكِ لي منذ الطفولة تأسرانني حتى الموت .
. . .
انطفأَ الحلم ، والصقرُ مطاردٌ في غابته
لا شيء يذكر
إننا نبتسمُ وأهدابنا قاتمةٌ كالفحم
هجعت أبكي أتوسَّل للأرض الميتة بخشوع
أوّاه لِم زرتني يا ليلى ؟
وأنت أشدُّ فتنةً من نجمة الشمال
وأحلى رواءً من عناقيد العسل
لا تكتبي شيئاً سأموتُ بعد أيام
القلبُ يخفق كالمحرمه
ولا تزال الشمس تشرق ، هكذا نتخيل
إننا لا نراها
على حافة الباب الخارجي
ساقيةٌ من العشب الصغير الأخضر
تستحمُّ في الضوء
وثمة أحذية براقة تنتقل على رؤوس الأزهار
كانت لامعة وتحمل معها رائحة الشارع ، ودور السينما
كانت تدوس بحريه
ووراء الباب الثالث
يقومُ جدارٌ من الوهم والدموع
جدار تنزلق من خلاله رائحة الشرق
الشرق الذليل الضاوي في المستنقعات
آه ، إنَّ رائحتنا كريهه
إننا من الشرق
من لك الفؤاد الضعيف البارد
إننا في قيلولةٍ مفزعةٍ يا ليلى
لقد كرهتُ العالم دفعة واحده
هذا النسيجَ الحشريَ الفتاك
وأنا أسير أمام الرؤوس المطرقة منذ شهور
والعيون المبلَّلة منذ بدء التاريخ
ماذا تثير بي ؟ لا شيء
إنني رجلٌ من الصفيح
أغنية ثقيلة حادة كالمياه الدفقه
كالصهيل المتمرد على الهضبه .
هضبة صفراء ميتة تشرق بالألم والفولاذ
فيها أكثرُ من ألف خفقة جنونية
تنتحبُ على العتبات والنوافذ
تلتصقُ بأجنحة العصافير
لتنقل صرخةَ الأسرى وهياج الماشيه
من نافذة قصرك المهدمة ، ترينها يا ليلى
مرعبة ، سوداء في منتصف الليل
ومئات الأحضان المهجورة تدعو لفنائها
وسقوطِ هامتها
وردمها بالقشِّ والتراب والمكانس
حتى لو قدِّر للدموع الحبيسة بين الصحراء والبحر
أن تهدرَ أن تمشي على الحصى
لازالتها تلك الحشرةُ الزاحفةُ إلى القلب
بالظلم والنعاس يتلاشى كل أثر
بالأنفاس الكريهه
والأجساد المنطوية كالحلزونات
بقوى الأوباش النائمة بين المراحيض
سنبني جنينة للأطفال
وبيوتاً نظيفه ، للمتسكعين وماسحي الأحذيه .
. . .
أتى الليل في منتصف أيار
كطعنةٍ فجائية في القلب
لم نتحركْ
شفاهنا مطبقةٌ على لحن الرجولة المتقهقر
في المقصورات الداخلية ثمة عويل يختنق
ثمة بساطة مضحكة في قبضة السوط
الأنوارُ مطفأة .. لماذا ؟
القمرُ يذهب إلى حجرته
وشقائق النعمان تحترق على الاسفلت
قشٌّ يلتهبُ في الممرات
وصريرُ الحطب يئنُّ في زوايا خفيه
آلاف العيون الصفراء
تفتِّشُ بين الساعات المرعبة العاقة
عن عاهرةٍ ، اسمها الانسانية
والرؤوس البيضاء ، مليئة بالأخاديد
يا رب تشرق الشمس ، يا إلهي يطلع النجم
دعه يغني لنا إننا تعساء
عذبْنا ما استطعت
القملُ في حواجبنا
وأنت يا ليلى لا تنظري في المرآة كثيراً
أعرفك شهيةً وناضجه
كوني عاقلة وإلا قتلتك يا حبيبه .
. . .
لتشرق الشمس
لتسطع في إلية العملاق
الحدأة فوق الجبل
الغربةُ جميلةٌ ، والرياحُ الزرقاء على الوساده
كانت لها رائحة خاصه
وطعم جيفيّ حار ، دعه
ملايين الابر تسبح في اللحم .
. . .
أين كنتَ يوم الحادثه ؟
كنت ألاحقُ امرأةً في الطريق يا سيدي
طويلةً سمراء وذات عجيزة مدملجه
إنني الوحيد الذي يمرُّ في الشارع دون أن يحييه أحد
دعني لا أعرف شيئاً
اطلقْ سراحي يا سيدي أبي مات من يومين
ذاكرتي ضعيفه ، وأعصابي كالمسامير .
. . .
أنا مغرمٌ بالكسل
بعدة نساءٍ على فراشٍ واحد
الجريمة تعدو كالمهر البري
وأنا مازلت ألعقُ الدم المتجمدَ على الشفة العليا
مالحاً كان ، من عيوني يسيل
من عيون أمي يسيل
سطّحوه على الأرض
الأشرعة تتساقط كالبلح
لقد فات الأوان
إنني على الأرض منذ أجيال
أتسكع بين الوحوش والأسنان المحطمه
أضربه على صدره إنه كالثور
سفلَه ، دعني آكل من لحمه
بشدةٍ كان الألم يتجه في ذراعي
بشدة ، بشدة ، نحن عبيد يا ليلى
كنت في تلك اللحظه
أذوق طعم الضجيج الانساني في أقسى مراحله
مئات السياط والأقدام اليابسه
انهمرتْ على جسدي اللاهث
وذراعي الممددة كالحبل
كنت لا أميّزُ أيَّ وجهٍ من تلك الوجوه
التي نصادفها في السوق والباصات والمظاهرات
وجوهٌ متعطشةٌ نشوى
على الصدر والقلب كان غزالُ الرعب يمشي
بحيرة التماسيح التي تمرُّ بمرحلة مجاعه
مجاعة تزدردُ حتى الفضيله
والشعورَ الالهي المسوَّس
لقد فقدنا حاسة الشرف
أمام الأقدام العاريةِ والثياب الممزقه
أمام السياط التي ترضعُ من لحم طفلةٍ بعمر الورد
تجلد عاريةً أمام سيدي القاضي
وعدة رجال ترشحُ من عيونهم نتانةُ الشبق
والهياجُ الجنسي
وجوه طويلة كقضبان الحديد
تركتني وحيداً في غرفة مقفلةٍ ، أمضغ دمي
وأبحث عن حقد عميق للذكرى .
النجيع ينشدُّ على طرف اللسان
والغرابُ ينهض إلى عشّه
الألمُ يتجول في شتى الأنحاء
والمغيص يرتفع كالموج حتى الهضبه
كادت تنسحب من هذا النضال الوحشي
من هذا المغيص المروع
رأسي على حافة النافوره
وماؤها الفضي يسيلُ حزينا على الجوانب
من وراء المياه والمرمر
يلوحُ شعرُ قاسيون المتطاير مع الريح
وغمامةٌ من المقاهي
والحانات المغرورقة بالسكارى
تلوح بنعومة ورفقٍ عبر السهول المطأطئة الجباه
لم يعد يورقُ الزيتون
ولم تدرْ المعاصر ، كلهم أذلاء
وأضلاعي تلتهبُ قرب البحيره
إنها تسقي الزهور ، أنا عطشان يا سيدي
في أحشاء الصحراء
أنقذني يا قمر أيار الحزين .
. . .
استيقظي أيتها المدينة المنخفضه
فتيانك مرضى ،
نساؤك يجهضن على الأرصفه
النهد نافر كالسكين
أعطني فمك ، أيتها المتبرجةُ التي تلبس خوذه
. . .
بردى الذي ينساب كسهلٍ من الزنبق البلوري
لم يعد يضحك كما كان
لم أعد أسمع بائع الصحف الشاب
ينادي عند مواقف الباصات
الحرية منقوشةٌ على الظهر
واللجام مليءٌ بالحموضه .
ضعْ قدمك الحجريةَ على قلبي يا سيدي
الريحُ تصفر على جليد المعسكرات
وثمة رجل هزيل ، يرفع ياقته
يشرب القهوه
ويبكي كإمرأةٍ فقدت رضيعها
دعْ الهواء الغريب
يكنس أقواسَ النصر ، وشالات الشيوخ والراقصات
إنهم موتى
حاجز من الأرق والأحضان المهجوره
ينبت أمام الخرائب والثياب الحمراء
وفاه ذئابٍ القرون العائدة بلا شاراتٍ ولا أوسمه
تشقَّ طريقها على الرمال البهيجة الحاره
لا شيء يُذكر الأرض حمراء
والعصافير تكسر مناقيرها على رخام القصر .
وداعا ، وداعاً اخوتي الصغار
أنا راحلٌ وقلبي راجعٌ مع دخان القطار .
صفاء ابو صالح
10-13-2009, 09:23 PM
http://207.45.177.54/local/cache-vignettes/L124xH110/arton3757-fd39a.jpg
عكازك الذي تتكئ عليه
يوجع الإسفلت
فـ"الآن في الساعة الثالثة من هذا القرن
لم يعد ثمة ما يفصل جثث الموتى
"عن أحذية المارة
*****
يا عتبتي السمراء المشوهة
لقد ماتوا جميعا، أهلي وأحبابي
ماتوا على مداخل القرى
وأصابعهم مفروشة
كالشوك في الريح
لكني سأعود ذات ليلة
ومن غلاصيمي
يفور دم النرجس والياسمين..
*****
مع تغريد البلابل وزقزقة العصافير
أناشدك الله يا أبي:
دع جمع الحطب والمعلومات عني
وتعال لملم حطامي من الشوارع
قبل أن تطمرني الريح
أو يبعثرني الكنّاسون
هذا القلم سيقودني إلى حتفي
لم يترك سجناً إلا وقادني إليه
ولا رصيفاً إلا ومرغني عليه
*****
نحن الجائعون أمام حقولنا..
المرتبكين أمام أطفالنا…
المطأطئين أمام اعلامنا..
الوافدين أمام سفارتنا..
نحن…….الذي لا وزن لهم إلا في الطائرات
نحن وبر السجادة البشرية التي تفرش أمام الغادي والرائح في هذه المنطقه …
ماذا نفعل عند هؤلاء العرب من المحيط إلى الخليج ؟
لقد أعطونا الساعات وأخذوا الزمن
أعطونا الأحذية واخذوا الطرقات
أعطونا البرلمانات وأخذوا الحرية
أعطونا العطر والخواتم وأخذوا الحب
أعطونا الأراجيح وأخذوا الأعياد
أعطونا الحليب المجفف واخذوا الطفولة
أعطونا السماد الكيماوي واخذوا الربيع
أعطونا الجوامع والكنائس وأخذوا الإيمان
أعطونا الحراس والأاقفال وأخذوا الأمان
أعطونا الثوار وأخذوا الثورة
************
إن تسكنَ وجهكَ موجةٌ
لا تعترف بذنوبها
أن تدخلَ ثوبَ التشرد
فيكون تيفالاً لسهرةٍ لكَ في أعالي
البوستر
أن تستمعَ للوردّ ناطقاً رسمياً
باسم الحرائقِ
أن تحتسي حياتكَ كأساً مع العواصم
والمقاماتِ والقرابين
أن تجتهدَ
فتصبح حرفاً يمشي
بقوائم المثنى الثلاث الرباع
لتوبيخ التاريخ
فذاك ما يفسد الأصواتَ في الأجراس
**************
[ما يؤنسكَ حقاً.. إشاراتُ المرور. فكن على درّاجتك. هناك في الأبد]
******************
لقد أعطونا الساعات وأخذوا الزمن
أعطونا الأحذية واخذوا الطرقات
أعطونا البرلمانات وأخذوا الحرية
أعطونا العطر والخواتم وأخذوا الحب
أعطونا الأراجيح وأخذوا الأعياد
أعطونا الحليب المجفف واخذوا الطفولة
أعطونا السماد الكيماوي واخذوا الربيع
أعطونا الجوامع والكنائس وأخذوا الإيمان
أعطونا الحراس والأقفال وأخذوا الأمان
أعطونا الثوار وأخذوا الثورة
محمد جمال زيدان
10-19-2009, 07:09 AM
من أرق وأروع ما كتب الاديب والشاعر محمد الماغوط في زوجته سنيه صالح
سياف الزهور
يا رب
أيها الإله المسن الوحيد في عليائه
في ليلة القدر هذه,
وأمام قباب الجوامع والكنائس
اللامعة والمنتفخة كالحروق الجلدية
أزرر سترتي
وأطوي غمامة بيضاء على ذراعي
لأصير خادمك المطيع
ووكيل نعمك , وكوارثك إلى الأبد...
أعري أشجارك في الخريف
وأملؤها بالزهور والطيور في الربيع.
أساعد الينابيع الصغيرة في جريانها
والحمائم المشردة في بناء أبراجها
وأضلل العقارب والأفاعي
عن أرجل العمال والفلاحين الحفاة
وأكسو ثياب الأطفال الفقراء
بالرقع الجديدة الملونة فيالأعياد
وفي الوقت نفسه
سأرشد زلازلك و براكينك وفيضاناتك
إلى أكثر الأكواخ والأحياء فقراً وازدحاماً
حتى لاتضيع حجرة من حممك
أو قطرة من سيولك ,
هباءً بلا جدوى
بل وسأوقظ ماركس وانجلز من قبريهما
وأرغمهما على الصراخ بأسنانهما المكشرة ,
أمام ضحايا المعتقلات
وجثث المناجم والانهيارات الثلجية
والمقابر الجماعية
وامام عائلاتهم واطفالهم
والاعتراف , وهما يضربان اخماساً بأسداس
هذه مشيئة الله.
ولكن أبق لي على هذه المرأة الحطام
.. ونحن اطفالها القصر الفقراء
سنهدي لعبنا وأقراطنا وثيابنا الجديدة
لملائكتك الصغار,
ونظل عراةو إلى الأبد ...
ولكن ابق لنا عليها ,
لبضعة شهور
لبضعة أيام فقط .
نتناوب السهر عليها
وتجفيف العرق المتدفق على جبينها .
فهي ظلنا الوحيد في هذه الصحراء
نجمنا الوحيد في هذه الظلمات
جدارنا المتبقي في هذا الخراب
ثم إنها لم تاخذ من تراب الوطن
أكثر مما يأخذه القدم من الحذاء
***
أيها الأنف الأحدب الجميل,
كسنبلة تحت طائر
أيها الفم الدقيق , كمواعيد الخونة أو الأبطال ...
يا بذرة الحروب المقبلة
لم استعجلت الرحيل
والرقاد إلى الأبد , باسمة مطمئنة
في أقرب نقطة لآل البيت
مولية ظهرك لكل ثورات العالم ؟
ولكن لاعليك يا حبيبتي
لقد رأيت بأم عيني
في إحدى الليالي الثلجية العاصفة
على ضفاف الفولغا
ماركسياً مشرداً , ينام تحت سيف القيصر .
آه كم فرحنا , انا وشام وسلافة
بالحمرة الواهية
وقد عادت إلى الخدين الشاحبين
وكم صفقنا طرباً
لشعرك القصير المنهك
وقد راح ينمو بحماسة بائسة
كشعب زنجي في حقول بيضاء ...
***
يا يتيمة الدهر وكل الدهور
من أين ورثت
هاتين الرئتين الواهنتين كرئتي عصفور؟
وهذا النمش المتجمع على ذرى الكتفين ,
كما تتجمع العصافير الخائفة في أعالي الأشجار؟
من أية مطاردة ,
تعلمت إغلاق الأبواب والنوافذ
والرقاد مع طفلتيك
لاهثة تحت الأسرة والمقاعد ؟
بل من أي معركة
ادخرت هذه الدموع المقاتلة
وهذا الرحم المنذر والمترفع كأبواق الحرب ؟
***
آه يا حبيبيت
الآن يكتمل جنوني كالبدر
كل أسلحتي عفا عليها الزمن
كل صحبتي تفرقت
وحججي فنُدت
وطرفي استنفدت
ومقاهي تهدمت
وأحلامي تحطمت
ولم يبق لي , إلا هذه اللغة
فماذا أفعل بها ,
بحروفها الملتصقة بمخارجها كبول الأفعى .
أيتها الزهرة المطرودة من غابتها
أيتها العضة العميقة في قلب الربيع
حبك لا ينسى أبداً
كالإهانة , كجراح الحسين
كل من أحببت , كن نجوماً
تضئ للحظة وتنطفئ إلى الأبد
وأنت وحدك السماء .
ثلاثين سنة ,
وأنت تحمليني على ظهرك كالجندي الجريح
وأنا لم أستطع
أن أحملك بضع خطوات إلى قبرك
أزوره متثاقلاً
وأعود متثاقلاً
لأنني لم أكن في حياتي كلها
وفياً أو مبالياً
بحب , أو شرف أو بطولة ,
ولم أحب مدينة أو ريفاً
قمراً أو شجرة , غنياً او فقيراً
صديقاً او جاراً , او مقهى ,
جبلاً او سهلاً , أو طفلاً او فراشه.
فكراهيتي لللإرهاب
لم تترك لي فرصة ,
حتى لمحبة الله .
صفاء ابو صالح
04-23-2011, 11:27 PM
رحمك الله يا محمد الماغوط كم نحن بحاجتك هذة الأوقات...
Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd