المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : متهمون نحن بالإرهاب


سمير فياض
12-10-2007, 06:06 AM
متهمون نحن بالإرهاب


إن نحن دافعنا عن الوردة

و المرأة

و القصيدة العصماء

وزرقة السماء

عن وطن لم يبقى في أرجائه
ماء …… ولا هواء
لم تبق خيمة …. أو ناقة ……
أو قهوة سوداء

****************

متهمون نحن بالإرهاب


إن نحن دافعنا بكل جرأة

عن شعر بلقيس ......

وعن شفاه ميسون ........

وعن هند .... وعن دعد .....

وعن لبنى ..... وعن رباب .....
عن مطر الكحل الذي
ينزل كالوحي من الأهداب !!
لن تجدوا في حوزتي
قصيدة سرية ......
أو لغة سرية .......
أو كتبا سرية أسجنها في داخل
الأبواب
وليس عندي أبدا قصيدة واحدة
تسير في الشارع وهي ترتدي
الحجاب !!
*************
متهمون نحن بالإرهاب.....
إذا كتبنا عن بقايا وطن ...
مخلع ... مفكك مهترئ
أشلاؤه تناثرت أشلاء .....
عن وطن يبحث عن عنوانه ..
وأمة ليس لها سماء !!
****************
عن وطن .. لم يبق من أشعاره
العظيمة الأولى ....
سوى قصائد الخنساء !!
*****************
عن وطن لم يبق في آفاقه
حرية حمراء .. أو زرقاء .... أو
صفراء .....
**************
عن وطن..... يمنعنا أن نشتري
الجريدة
أو نسمع الأنباء .......
عن وطن, كل العصافير به
ممنوعة دوما من الغناء ....
عن وطن .......
كتابه تعودوا أن يكتبوا
من شدة الرعب ....
على الهواء !!
*************
عن وطن يشبه حال الشعر , في بلادنا
فهو كلام سائب .....
مرتجل ..............
مستورد .............
وأعجمي الوجه واللسان ...
فما له بداية ......
ولا نهاية .........
ولا له علاقة بالناس ... أو
بالأرض .....
أو بمأزق الإنسان !!
***********
عن وطن .....
يمشي إلى مفاوضات السلم
دونما كرامة .......
ودونما حذاء !!
***************
عن وطن رجاله بالوا على
أنفسهم خوفا ....
ولم يبق سوى النساء !!
************
الملح ... في عيوننا .....
والملح في شفاهنا ........
والملح ....... في كلامنا
فهل يكون القحط في نفوسنا
إرثا أتانا من بني قحطان ؟؟
لم يبق في أمتنا معاوية .... ولا أبو سفيان .....
لم يبق من يقول ( لا ) ........
في وجه من تنازلوا
عن بيتنا .. وخبزنا ..... وزيتنا.......
وحولوا تاريخنا الزاهي ...
إلى دكان !! .......
*****
لم يبق في حياتنا قصيدة .......
ما فقدت عفافها .....
في مضجع السلطان ....
*********
لقد تعودنا على هواننا ....
ماذا من الإنسان يبقى .....
حين يعتاد على الهوان ؟؟
********
أبحث عن دفاتر التاريخ .....
عن أسامة بن منقذ .....
وعقبة بن نافع .....
عن عمر ..... عن حمزة .....
عن خالد يزحف نحو الشام ....
أبحث عن معتصم بالله ....
حتى ينقذ النساء من وحشية
السبي .....
ومن ألسنة النيران !!
أبحث عن رجال آخر
الزمان .......
فلا أرى في الليل إلا قططا
مذعورة .......
تخشى على أرواحها ....
من سلطة الفئران !!!
************
هل العمى القومي .... قد أصابنا
وهو أبكم ؟
أم نحن نشكو من عمى الألوان
************
متهمون نحن بالإرهاب .....
إذا رفضنا موتنا .....
بجرا فات إسرائيل .....
تنكش في ترابنا ........
تنكش تاريخنا ..........
تنكش في إنجيلنا.........
تنكش في قرآننا ..........
تنكش في تراب أنبيائنا ...
إن كان هذا ذنبنا
ما أجمل الإرهاب ..........
************
متهمون نحن بالإرهاب .....
إذا رفضنا محونا ............
على يد المغول ....... واليهود
....... والبرابرة .........
إذا رمينا حجرا .......
على زجاج مجلس الأمن الذي
استولى عليه قيصر القياصرة !!
*********
متهمون نحن بالإرهاب ........
إذا رفضنا أن نفاوض الذئب
وأن نمد كفنا لعاهرة !!
*********
أمريكا .......
ضد ثقافات البشر ...
وهي بلا ثقافة .......
ضد حضارات الحضر
وهي بلا حضارة
أمريكا .....
بناية عملاقة
ليس لها حيطان !!
*********
متهمون نحن بالإرهاب .....
إذا رفضنا زمنا
صارت أمريكا
المغرورة ..... الغنية ..... القوية
مترجما محلفا ....
للغة العبرية !!
********
متهمون نحن بالإرهاب .....
وإذا رمينا وردة .......
للقدس .........
للخليل .........
أو لغزة .........
والناصرة .......
إذا حملنا الخبز و الماء ....
إلى طروادة المحاصرة .....
**********
متهمون نحن بالإرهاب ...........
إذا رفعنا صوتنا
ضد الشعوبيين من قاداتنا .........
وكل من قد غيروا سرجهم .........
وانتقلوا من وحدويين ....
إلى سماسرة !! .......
**************
إذا اقترفنا مهنة الثقافة ......
إذا تمردنا على أوامر
الخليفة
العظيم ....... و الخلافة .....
إذا قرأنا كتبا في الفقه
....... والسياسة ........
إذا ذكرنا ربنا تعالى ..
إذا تلونا ( سورة الفتح )
وأصغينا إلى خطبة يوم الجمعة
فنحن ضالعون في الإرهاب !!
*********
متهمون نحن بالإرهاب ........
إن نحن دافعنا عن الأرض,
وعن كرامة التراب
إذا تمردنا على اغتصاب الشعب
واغتصابنا ....
إذا حمينا آخر النخيل في
صحرائنا ....
وآخر النجوم في سمائنا ...
وآخر الحروف أسمائنا ....
وآخر الحليب في أثداء أمهاتنا
إن كان هذا ذنبنا ........
ما أروع الإرهاب !! ...
*********
أنا مع الإرهاب ....
إن كان يستطيع أن ينقذني
من المهاجرين من روسيا ..
ورومانيا ... وهنغاريا ... وبولونيا ...
وحطوا في فلسطين على أكتافنا
ليسرقوا ... مآذن القدس .....
وباب المسجد الأقصى .......
ويسرقوا النقوش....
والقباب .. !!
***********
أنا مع الإرهاب ........
إن كان يستطيع أن يحرر
المسيح .....
ومريم العذراء ......
والمدينة المقدسة ....
من سفراء الموت , والخراب ‍‍!!
**********
بالأمس .......
كان الشرع القومي في بلادنا
يصهل كالحصان .......
وكانت الساحات أنهارا
تفيض عنفوان ......
..... وبعد أوسلو
لم يعد في فمنا أسنان .......
فهل تحولنا إلى شعب
من العميان .... والخرسان ؟؟
**********
متهمون بالإرهاب ....
إن نحن دافعنا بكل قوة
عن إرثنا الشعري
عن حائطنا القومي
عن حضارة الوردة ...
عن ثقافة النايات .. في جبالنا
وعن مرايا الأعين السوداء .........
************
متهمون نحن بالإرهاب ....
إن نحن دافعنا بما نكتبه ......
عن زرقة البحر .....
وعن رائحة الحبر
وعن حرية الحرف ...
وعن قدسية الكتاب ... !! ‍‍
************
أنا مع الإرهاب ......
إن كان يستطيع أن يحرر الشعب
من الطغاة ..... و الطغيان .......
وينقذ الإنسان من وحشية الإنسان
ويرجع الليمون , والزيتون
والحسون ,
للجنوب من لبنان ...
ويرجع البسمة للجولان ........
**********
أنا مع الإرهاب ........
إن كان يستطيع أن ينقذني
من قيصر اليهود ....
أو من قيصر الرومان ‍‍....
************
أنا مع الإرهاب .....
مادام هذا العالم الجديد .....
مقتسما
ما بين أمريكا.... وإسرائيل
بالمناصفة ‍‍‍‍‍‍ !! !!
*****************
أنا مع الإرهاب ....
بكل ما أملك من شعر
.... ومن نثر
ومن أنياب ......
ما دام هذا العالم الجديد
بين يدي قصاب ‍‍.... !!
**************
أنا مع الإرهاب .....
مادام هذا العالم الجديد.... قد صنفنا
من فئة الذباب !!

أنا مع الإرهاب .....
إن كان مجلس الشيوخ في
أمريكا
هو الذي في يده الحساب
وهو الذي يقرر الثواب ...
والعقاب ‍‍ !!
***************
أنا مع الإرهاب ...
مادام هذا العالم الجديد
يكره في أعماقه
رائحة الأعراب!!
**************
أنا مع الإرهاب .....
مادام هذا العالم الجديد ...
يريد أن يذبح أطفالي ......
ويرميهم إلى الكلاب !!
**************
من أجل هذا كله ...
أرفع صوتي عاليا :
أنا مع الإرهاب !!
أنا مع الإرهاب !!
أنا مع الإرهاب !! ........
نزار قباني

لندن 15 نيسان 1997

معين حاطوم
12-12-2007, 05:47 PM
أخي سمير فياض

بوركت

أترى ؟ صدقت

ان الحياة كلها وقفة عز فقط


بمودة
معين حاطوم

نجدي حاطوم
12-12-2007, 10:40 PM
اخي سمير فياض

دائما تاتي بالجميل والرائع الى الكلمه

محبتي لك

نجدي حاطوم

منال شامي
12-21-2007, 11:37 AM
الأخ أو العم سمير


لقد تابعت مسلسل نزار قباني
ومع أنه عكس لي حياة الشاعر
نزار الطائشه مع جنس حواء
وعلاقاته التي لا تنتهي ..
إلاّ أنه بقي بنظري وبنظر الكثيرين
إنسان محترم .. وشاعر عظيم ..
شكراً لكَ على نقل هذه القصيده
الرائعه ...

تحياتي
منال الشامي

سمير فياض
12-24-2007, 01:35 AM
الشاعر الرائع والاديب معين حاطوم
شكرا لطيب مرورك
وعبرك للغالي نجدي
مازلت انتظر الشريط وبعض منشورت الاستاذ معين:):):)

سمير فياض
12-31-2007, 12:50 AM
اخي سمير فياض

دائما تاتي بالجميل والرائع الى الكلمه

محبتي لك

نجدي حاطوم
اخي نجدي
نحن ان كتبنا ما هو جميل فبعض ما عندكم
دم بعز

سمير فياض
01-20-2008, 01:44 AM
الأخ أو العم سمير


لقد تابعت مسلسل نزار قباني
ومع أنه عكس لي حياة الشاعر
نزار الطائشه مع جنس حواء
وعلاقاته التي لا تنتهي ..
إلاّ أنه بقي بنظري وبنظر الكثيرين
إنسان محترم .. وشاعر عظيم ..
شكراً لكَ على نقل هذه القصيده
الرائعه ...
منال الشامي

نعم ان ذكرتينه عن الشاعر صحيح
فهو كتب شعر جميل عن المراة وصل بعضه للاباحية
لكن بعد قتل زوجته الشاعرة بلقيس اتجه لكتابة
الشعر الملتزم وكانت البداية مع قصيدة بلقيس
شكرا لعبق مرورك
دمت بعز
شُكْرَاً لَكُمْ
شُكْرَاً لَكُمْ
فحبيبتي قُتِلَتْ وصارَ بوسْعِكُم
أن تشربوا كأساً على قبرِ الشهيدة
وقصيدتي اغتيلت ..
وهَلْ من أُمَّةٍ في الأرضِ ..
- إلاَّ نحنُ - تغتالُ القصيدة ؟

بلقيسُ ...
كانتْ أجملَ المَلِكَاتِ في تاريخ بابِِلْ
بلقيسُ ..
كانت أطولَ النَخْلاتِ في أرض العراقْ
كانتْ إذا تمشي ..
ترافقُها طواويسٌ ..
وتتبعُها أيائِلْ ..
بلقيسُ .. يا وَجَعِي ..
ويا وَجَعَ القصيدةِ حين تلمَسُهَا الأناملْ
هل يا تُرى ..
من بعد شَعْرِكِ سوفَ ترتفعُ السنابلْ ؟
يا نَيْنَوَى الخضراء ..
يا غجريَّتي الشقراء ..
يا أمواجَ دجلةَ . .
تلبسُ في الربيعِ بساقِهِا
أحلى الخلاخِلْ ..
قتلوكِ يا بلقيسُ ..
أيَّةُ أُمَّةٍ عربيةٍ ..
تلكَ التي
تغتالُ أصواتَ البلابِلْ ؟
أين السَّمَوْأَلُ ؟
والمُهَلْهَلُ ؟
والغطاريفُ الأوائِلْ ؟
فقبائلٌ أَكَلَتْ قبائلْ ..
وثعالبٌ قتلتْ ثعالبْ ..
وعناكبٌ قتلتْ عناكبْ ..
قَسَمَاً بعينيكِ اللتينِ إليهما ..
تأوي ملايينُ الكواكبْ ..
سأقُولُ ، يا قَمَرِي ، عن العَرَبِ العجائبْ
فهل البطولةُ كِذْبَةٌ عربيةٌ ؟
أم مثلنا التاريخُ كاذبْ ؟.

بلقيسُ
لا تتغيَّبِي عنّي
فإنَّ الشمسَ بعدكِ
لا تُضيءُ على السواحِلْ . .
سأقول في التحقيق :
إنَّ اللصَّ أصبحَ يرتدي ثوبَ المُقاتِلْ
وأقول في التحقيق :
إنَّ القائدَ الموهوبَ أصبحَ كالمُقَاوِلْ ..
وأقولُ :
إن حكايةَ الإشعاع ، أسخفُ نُكْتَةٍ قِيلَتْ ..
فنحنُ قبيلةٌ بين القبائِلْ
هذا هو التاريخُ . . يا بلقيسُ ..
كيف يُفَرِّقُ الإنسانُ ..
ما بين الحدائقِ والمزابلْ
بلقيسُ ..
أيَّتها الشهيدةُ .. والقصيدةُ ..
والمُطَهَّرَةُ النقيَّةْ ..
سبأٌ تفتِّشُ عن مَلِيكَتِهَا
فرُدِّي للجماهيرِ التحيَّةْ ..
يا أعظمَ المَلِكَاتِ ..
يا امرأةً تُجَسِّدُ كلَّ أمجادِ العصورِ السُومَرِيَّةْ
بلقيسُ ..
يا عصفورتي الأحلى ..
ويا أَيْقُونتي الأَغْلَى
ويا دَمْعَاً تناثرَ فوقَ خَدِّ المجدليَّةْ
أَتُرى ظَلَمْتُكِ إذْ نَقَلْتُكِ
ذاتَ يومٍ .. من ضفافِ الأعظميَّةْ
بيروتُ .. تقتُلُ كلَّ يومٍ واحداً مِنَّا ..
وتبحثُ كلَّ يومٍ عن ضحيَّةْ
والموتُ .. في فِنْجَانِ قَهْوَتِنَا ..
وفي مفتاح شِقَّتِنَا ..
وفي أزهارِ شُرْفَتِنَا ..
وفي وَرَقِ الجرائدِ ..
والحروفِ الأبجديَّةْ ...
ها نحنُ .. يا بلقيسُ ..
ندخُلُ مرةً أُخرى لعصرِ الجاهليَّةْ ..
ها نحنُ ندخُلُ في التَوَحُّشِ ..
والتخلّفِ .. والبشاعةِ .. والوَضَاعةِ ..
ندخُلُ مرةً أُخرى .. عُصُورَ البربريَّةْ ..
حيثُ الكتابةُ رِحْلَةٌ
بينِ الشَّظيّةِ .. والشَّظيَّةْ
حيثُ اغتيالُ فراشةٍ في حقلِهَا ..
صارَ القضيَّةْ ..
هل تعرفونَ حبيبتي بلقيسَ ؟
فهي أهمُّ ما كَتَبُوهُ في كُتُبِ الغرامْ
كانتْ مزيجاً رائِعَاً
بين القَطِيفَةِ والرُّخَامْ ..
كان البَنَفْسَجُ بينَ عَيْنَيْهَا
ينامُ ولا ينامْ ..

بلقيسُ ..
يا عِطْرَاً بذاكرتي ..
ويا قبراً يسافرُ في الغمام ..
قتلوكِ ، في بيروتَ ، مثلَ أيِّ غزالةٍ
من بعدما .. قَتَلُوا الكلامْ ..
بلقيسُ ..
ليستْ هذهِ مرثيَّةً
لكنْ ..
على العَرَبِ السلامْ

بلقيسُ ..
مُشْتَاقُونَ .. مُشْتَاقُونَ .. مُشْتَاقُونَ ..
والبيتُ الصغيرُ ..
يُسائِلُ عن أميرته المعطَّرةِ الذُيُولْ
نُصْغِي إلى الأخبار .. والأخبارُ غامضةٌ
ولا تروي فُضُولْ ..

بلقيسُ ..
مذبوحونَ حتى العَظْم ..
والأولادُ لا يدرونَ ما يجري ..
ولا أدري أنا .. ماذا أقُولْ ؟
هل تقرعينَ البابَ بعد دقائقٍ ؟
هل تخلعينَ المعطفَ الشَّتَوِيَّ ؟
هل تأتينَ باسمةً ..
وناضرةً ..
ومُشْرِقَةً كأزهارِ الحُقُولْ ؟

بلقيسُ ..
إنَّ زُرُوعَكِ الخضراءَ ..
ما زالتْ على الحيطانِ باكيةً ..
وَوَجْهَكِ لم يزلْ مُتَنَقِّلاً ..
بينَ المرايا والستائرْ
حتى سجارتُكِ التي أشعلتِها
لم تنطفئْ ..
ودخانُهَا
ما زالَ يرفضُ أن يسافرْ

بلقيسُ ..
مطعونونَ .. مطعونونَ في الأعماقِ ..
والأحداقُ يسكنُها الذُهُولْ
بلقيسُ ..
كيف أخذتِ أيَّامي .. وأحلامي ..
وألغيتِ الحدائقَ والفُصُولْ ..
يا زوجتي ..
وحبيبتي .. وقصيدتي .. وضياءَ عيني ..
قد كنتِ عصفوري الجميلَ ..
فكيف هربتِ يا بلقيسُ منّي ؟..
بلقيسُ ..
هذا موعدُ الشَاي العراقيِّ المُعَطَّرِ ..
والمُعَتَّق كالسُّلافَةْ ..
فَمَنِ الذي سيوزّعُ الأقداحَ .. أيّتها الزُرافَةْ ؟
ومَنِ الذي نَقَلَ الفراتَ لِبَيتنا ..
وورودَ دَجْلَةَ والرَّصَافَةْ ؟

بلقيسُ ..
إنَّ الحُزْنَ يثقُبُنِي ..
وبيروتُ التي قَتَلَتْكِ .. لا تدري جريمتَها
وبيروتُ التي عَشقَتْكِ ..
تجهلُ أنّها قَتَلَتْ عشيقتَها ..
وأطفأتِ القَمَرْ ..

بلقيسُ ..
يا بلقيسُ ..
يا بلقيسُ
كلُّ غمامةٍ تبكي عليكِ ..
فَمَنْ تُرى يبكي عليَّا ..
بلقيسُ .. كيف رَحَلْتِ صامتةً
ولم تَضَعي يديْكِ .. على يَدَيَّا ؟

بلقيسُ ..
كيفَ تركتِنا في الريح ..
نرجِفُ مثلَ أوراق الشَّجَرْ ؟
وتركتِنا - نحنُ الثلاثةَ - ضائعينَ
كريشةٍ تحتَ المَطَرْ ..
أتُرَاكِ ما فَكَّرْتِ بي ؟
وأنا الذي يحتاجُ حبَّكِ .. مثلَ (زينبَ) أو (عُمَرْ)

بلقيسُ ..
يا كَنْزَاً خُرَافيّاً ..
ويا رُمْحَاً عِرَاقيّاً ..
وغابَةَ خَيْزُرَانْ ..
يا مَنْ تحدَّيتِ النجُومَ ترفُّعاً ..
مِنْ أينَ جئتِ بكلِّ هذا العُنْفُوانْ ؟
بلقيسُ ..
أيتها الصديقةُ .. والرفيقةُ ..
والرقيقةُ مثلَ زَهْرةِ أُقْحُوَانْ ..
ضاقتْ بنا بيروتُ .. ضاقَ البحرُ ..
ضاقَ بنا المكانْ ..
بلقيسُ : ما أنتِ التي تَتَكَرَّرِينَ ..
فما لبلقيسَ اثْنَتَانْ ..

بلقيسُ ..
تذبحُني التفاصيلُ الصغيرةُ في علاقتِنَا ..
وتجلُدني الدقائقُ والثواني ..
فلكُلِّ دبّوسٍ صغيرٍ .. قصَّةٌ
ولكُلِّ عِقْدٍ من عُقُودِكِ قِصَّتانِ
حتى ملاقطُ شَعْرِكِ الذَّهَبِيِّ ..
تغمُرُني ،كعادتِها ، بأمطار الحنانِ
ويُعَرِّشُ الصوتُ العراقيُّ الجميلُ ..
على الستائرِ ..
والمقاعدِ ..
والأوَاني ..
ومن المَرَايَا تطْلَعِينَ ..
من الخواتم تطْلَعِينَ ..
من القصيدة تطْلَعِينَ ..
من الشُّمُوعِ ..
من الكُؤُوسِ ..
من النبيذ الأُرْجُواني ..

بلقيسُ ..
يا بلقيسُ .. يا بلقيسُ ..
لو تدرينَ ما وَجَعُ المكانِ ..
في كُلِّ ركنٍ .. أنتِ حائمةٌ كعصفورٍ ..
وعابقةٌ كغابةِ بَيْلَسَانِ ..
فهناكَ .. كنتِ تُدَخِّنِينَ ..
هناكَ .. كنتِ تُطالعينَ ..
هناكَ .. كنتِ كنخلةٍ تَتَمَشَّطِينَ ..
وتدخُلينَ على الضيوفِ ..
كأنَّكِ السَّيْفُ اليَمَاني ..

بلقيسُ ..
أين زجَاجَةُ ( الغِيرلاَنِ ) ؟
والوَلاّعةُ الزرقاءُ ..
أينَ سِجَارةُ الـ (الكَنْتِ ) التي
ما فارقَتْ شَفَتَيْكِ ؟
أين (الهاشميُّ ) مُغَنِّيَاً ..
فوقَ القوامِ المَهْرَجَانِ ..
تتذكَّرُ الأمْشَاطُ ماضيها ..
فَيَكْرُجُ دَمْعُهَا ..
هل يا تُرى الأمْشَاطُ من أشواقها أيضاً تُعاني ؟
بلقيسُ : صَعْبٌ أنْ أهاجرَ من دمي ..
وأنا المُحَاصَرُ بين ألسنَةِ اللهيبِ ..
وبين ألسنَةِ الدُخَانِ ...
بلقيسُ : أيتَّهُا الأميرَةْ
ها أنتِ تحترقينَ .. في حربِ العشيرةِ والعشيرَةْ
ماذا سأكتُبُ عن رحيل مليكتي ؟
إنَ الكلامَ فضيحتي ..
ها نحنُ نبحثُ بين أكوامِ الضحايا ..
عن نجمةٍ سَقَطَتْ ..
وعن جَسَدٍ تناثَرَ كالمَرَايَا ..
ها نحنُ نسألُ يا حَبِيبَةْ ..
إنْ كانَ هذا القبرُ قَبْرَكِ أنتِ
أم قَبْرَ العُرُوبَةْ ..
بلقيسُ :
يا صَفْصَافَةً أَرْخَتْ ضفائرَها عليَّ ..
ويا زُرَافَةَ كبرياءْ
بلقيسُ :
إنَّ قَضَاءَنَا العربيَّ أن يغتالَنا عَرَبٌ ..
ويأكُلَ لَحْمَنَا عَرَبٌ ..
ويبقُرُ بطْنَنَا عَرَبٌ ..
ويَفْتَحَ قَبْرَنَا عَرَبٌ ..
فكيف نفُرُّ من هذا القَضَاءْ ؟
فالخِنْجَرُ العربيُّ .. ليسَ يُقِيمُ فَرْقَاً
بين أعناقِ الرجالِ ..
وبين أعناقِ النساءْ ..
بلقيسُ :
إنْ هم فَجَّرُوكِ .. فعندنا
كلُّ الجنائزِ تبتدي في كَرْبَلاءَ ..
وتنتهي في كَرْبَلاءْ ..
لَنْ أقرأَ التاريخَ بعد اليوم
إنَّ أصابعي اشْتَعَلَتْ ..
وأثوابي تُغَطِّيها الدمَاءْ ..
ها نحنُ ندخُلُ عصْرَنَا الحَجَرِيَّ
نرجعُ كلَّ يومٍ ، ألفَ عامٍ للوَرَاءْ ...
البحرُ في بيروتَ ..
بعد رحيل عَيْنَيْكِ اسْتَقَالْ ..
والشِّعْرُ .. يسألُ عن قصيدَتِهِ
التي لم تكتمِلْ كلماتُهَا ..
ولا أَحَدٌ .. يُجِيبُ على السؤالْ
الحُزْنُ يا بلقيسُ ..
يعصُرُ مهجتي كالبُرْتُقَالَةْ ..
الآنَ .. أَعرفُ مأزَقَ الكلماتِ
أعرفُ وَرْطَةَ اللغةِ المُحَالَةْ ..
وأنا الذي اخترعَ الرسائِلَ ..
لستُ أدري .. كيفَ أَبْتَدِئُ الرسالَةْ ..
السيف يدخُلُ لحم خاصِرَتي
وخاصِرَةِ العبارَةْ ..
كلُّ الحضارةِ ، أنتِ يا بلقيسُ ، والأُنثى حضارَةْ ..
بلقيسُ : أنتِ بشارتي الكُبرى ..
فَمَنْ سَرَق البِشَارَةْ ؟
أنتِ الكتابةُ قبْلَمَا كانَتْ كِتَابَةْ ..
أنتِ الجزيرةُ والمَنَارَةْ ..
بلقيسُ :
يا قَمَرِي الذي طَمَرُوهُ ما بين الحجارَةْ ..
الآنَ ترتفعُ الستارَةْ ..
الآنَ ترتفعُ الستارِةْ ..
سَأَقُولُ في التحقيقِ ..
إنّي أعرفُ الأسماءَ .. والأشياءَ .. والسُّجَنَاءَ ..
والشهداءَ .. والفُقَرَاءَ .. والمُسْتَضْعَفِينْ ..
وأقولُ إنّي أعرفُ السيَّافَ قاتِلَ زوجتي ..
ووجوهَ كُلِّ المُخْبِرِينْ ..
وأقول : إنَّ عفافَنا عُهْرٌ ..
وتَقْوَانَا قَذَارَةْ ..
وأقُولُ : إنَّ نِضالَنا كَذِبٌ
وأنْ لا فَرْقَ ..
ما بين السياسةِ والدَّعَارَةْ !!
سَأَقُولُ في التحقيق :
إنّي قد عَرَفْتُ القاتلينْ
وأقُولُ :
إنَّ زمانَنَا العربيَّ مُخْتَصٌّ بذَبْحِ الياسَمِينْ
وبقَتْلِ كُلِّ الأنبياءِ ..
وقَتْلِ كُلِّ المُرْسَلِينْ ..
حتّى العيونُ الخُضْرُ ..
يأكُلُهَا العَرَبْ
حتّى الضفائرُ .. والخواتمُ
والأساورُ .. والمرايا .. واللُّعَبْ ..
حتّى النجومُ تخافُ من وطني ..
ولا أدري السَّبَبْ ..
حتّى الطيورُ تفُرُّ من وطني ..
و لا أدري السَّبَبْ ..
حتى الكواكبُ .. والمراكبُ .. والسُّحُبْ
حتى الدفاترُ .. والكُتُبْ ..
وجميعُ أشياء الجمالِ ..
جميعُها .. ضِدَّ العَرَبْ ..

لَمَّا تناثَرَ جِسْمُكِ الضَّوْئِيُّ
يا بلقيسُ ،
لُؤْلُؤَةً كريمَةْ
فَكَّرْتُ : هل قَتْلُ النساء هوايةٌ عَربيَّةٌ
أم أنّنا في الأصل ، مُحْتَرِفُو جريمَةْ ؟
بلقيسُ ..
يا فَرَسِي الجميلةُ .. إنَّني
من كُلِّ تاريخي خَجُولْ
هذي بلادٌ يقتلُونَ بها الخُيُولْ ..
هذي بلادٌ يقتلُونَ بها الخُيُولْ ..
مِنْ يومِ أنْ نَحَرُوكِ ..
يا بلقيسُ ..
يا أَحْلَى وَطَنْ ..
لا يعرفُ الإنسانُ كيفَ يعيشُ في هذا الوَطَنْ ..
لا يعرفُ الإنسانُ كيفَ يموتُ في هذا الوَطَنْ ..
ما زلتُ أدفعُ من دمي ..
أعلى جَزَاءْ ..
كي أُسْعِدَ الدُّنْيَا .. ولكنَّ السَّمَاءْ
شاءَتْ بأنْ أبقى وحيداً ..
مثلَ أوراق الشتاءْ
هل يُوْلَدُ الشُّعَرَاءُ من رَحِمِ الشقاءْ ؟
وهل القصيدةُ طَعْنَةٌ
في القلبِ .. ليس لها شِفَاءْ ؟
أم أنّني وحدي الذي
عَيْنَاهُ تختصرانِ تاريخَ البُكَاءْ ؟

سَأقُولُ في التحقيق :
كيف غَزَالتي ماتَتْ بسيف أبي لَهَبْ
كلُّ اللصوص من الخليجِ إلى المحيطِ ..
يُدَمِّرُونَ .. ويُحْرِقُونَ ..
ويَنْهَبُونَ .. ويَرْتَشُونَ ..
ويَعْتَدُونَ على النساءِ ..
كما يُرِيدُ أبو لَهَبْ ..
كُلُّ الكِلابِ مُوَظَّفُونَ ..
ويأكُلُونَ ..
ويَسْكَرُونَ ..
على حسابِ أبي لَهَبْ ..
لا قَمْحَةٌ في الأرض ..
تَنْبُتُ دونَ رأي أبي لَهَبْ
لا طفلَ يُوْلَدُ عندنا
إلا وزارتْ أُمُّهُ يوماً ..
فِراشَ أبي لَهَبْ !!...
لا سِجْنَ يُفْتَحُ ..
دونَ رأي أبي لَهَبْ ..
لا رأسَ يُقْطَعُ
دونَ أَمْر أبي لَهَبْ ..

سَأقُولُ في التحقيق :
كيفَ أميرتي اغْتُصِبَتْ
وكيفَ تقاسَمُوا فَيْرُوزَ عَيْنَيْهَا
وخاتَمَ عُرْسِهَا ..
وأقولُ كيفَ تقاسَمُوا الشَّعْرَ الذي
يجري كأنهارِ الذَّهَبْ ..

سَأَقُولُ في التحقيق :
كيفَ سَطَوْا على آيات مُصْحَفِهَا الشريفِ
وأضرمُوا فيه اللَّهَبْ ..
سَأقُولُ كيفَ اسْتَنْزَفُوا دَمَهَا ..
وكيفَ اسْتَمْلَكُوا فَمَهَا ..
فما تركُوا به وَرْدَاً .. ولا تركُوا عِنَبْ
هل مَوْتُ بلقيسٍ ...
هو النَّصْرُ الوحيدُ
بكُلِّ تاريخِ العَرَبْ ؟؟...

بلقيسُ ..
يا مَعْشُوقتي حتّى الثُّمَالَةْ ..
الأنبياءُ الكاذبُونَ ..
يُقَرْفِصُونَ ..
ويَرْكَبُونَ على الشعوبِ
ولا رِسَالَةْ ..
لو أَنَّهُمْ حَمَلُوا إلَيْنَا ..
من فلسطينَ الحزينةِ ..
نَجْمَةً ..
أو بُرْتُقَالَةْ ..
لو أَنَّهُمْ حَمَلُوا إلَيْنَا ..
من شواطئ غَزَّةٍ
حَجَرَاً صغيراً
أو محَاَرَةْ ..
لو أَنَّهُمْ من رُبْعِ قَرْنٍ حَرَّروا ..
زيتونةً ..
أو أَرْجَعُوا لَيْمُونَةً
ومَحوا عن التاريخ عَارَهْ
لَشَكَرْتُ مَنْ قَتَلُوكِ .. يا بلقيسُ ..
يا مَعْبُودَتي حتى الثُّمَالَةْ ..
لكنَّهُمْ تَرَكُوا فلسطيناً
ليغتالُوا غَزَالَةْ !!...

ماذا يقولُ الشِّعْرُ ، يا بلقيسُ ..
في هذا الزَمَانِ ؟
ماذا يقولُ الشِّعْرُ ؟
في العَصْرِ الشُّعُوبيِّ ..
المَجُوسيِّ ..
الجَبَان
والعالمُ العربيُّ
مَسْحُوقٌ .. ومَقْمُوعٌ ..
ومَقْطُوعُ اللسانِ ..
نحنُ الجريمةُ في تَفَوُّقِها
فما ( العِقْدُ الفريدُ ) وما ( الأَغَاني ) ؟؟
أَخَذُوكِ أيَّتُهَا الحبيبةُ من يَدي ..
أخَذُوا القصيدةَ من فَمِي ..
أخَذُوا الكتابةَ .. والقراءةَ ..
والطُّفُولَةَ .. والأماني

بلقيسُ .. يا بلقيسُ ..
يا دَمْعَاً يُنَقِّطُ فوق أهداب الكَمَانِ ..
عَلَّمْتُ مَنْ قتلوكِ أسرارَ الهوى
لكنَّهُمْ .. قبلَ انتهاءِ الشَّوْطِ
قد قَتَلُوا حِصَاني
بلقيسُ :
أسألكِ السماحَ ، فربَّما
كانَتْ حياتُكِ فِدْيَةً لحياتي ..
إنّي لأعرفُ جَيّداً ..
أنَّ الذين تورَّطُوا في القَتْلِ ، كانَ مُرَادُهُمْ
أنْ يقتُلُوا كَلِمَاتي !!!
نامي بحفْظِ اللهِ .. أيَّتُها الجميلَةْ
فالشِّعْرُ بَعْدَكِ مُسْتَحِيلٌ ..
والأُنُوثَةُ مُسْتَحِيلَةْ
سَتَظَلُّ أجيالٌ من الأطفالِ ..
تسألُ عن ضفائركِ الطويلَةْ ..
وتظلُّ أجيالٌ من العُشَّاقِ
تقرأُ عنكِ أيَّتُها المعلِّمَةُ الأصيلَةْ ...
وسيعرفُ الأعرابُ يوماً ..
أَنَّهُمْ قَتَلُوا الرسُولَةْ ..
قَتَلُوا الرسُولَةْ ..
ق .. ت .. ل ..و .. ا
ال .. ر .. س .. و .. ل .. ة
***
نزار قباني – بيروت في 15/12/1981

عبدالوهاب موسى
06-13-2008, 10:20 AM
نفس شعرى سامق
وتناص جمعى بديع
بأسوب سلس بعيد عن
التشفير الممل والترميز المخل.
نص مكتوب قى هـُويّته: شعرية الوطن.
لك محبتى.