صفاء ابو صالح
10-30-2007, 07:58 PM
نزار قباني: شاعر الحب والثورة
حسونة المصباحي - العرب أون لاين
"لقد القيت القبض على الشعب العربى من المحيط إلى الخليج!" هكذا كان يقول الشاعر الراحل نزار قبانى عندما كان يسأل عن علاقته بجمهور الشعر فى العالم العربى وكان على حق "إذ أنه ولا شاعرا عربيا واحدا استطاع أن يصل إلى قلوب العرب مغربا ومشرقا، وبجميع فئاتهم الأغنياء كما الفقراء، النساء كما الرجال، الكبار كما الصغار، مثلما فعل هو.
ويعود ذلك بالأساس إلى أنه ابتكر لنفسه، ومنذ البداية لغة سهلة، بسيطة، سائلة، عذبة، تطير مثل فراشة جذلى لتحط على كل قلب. بالإضافة إلى ذلك، خاطب نزار قبانى الناس بما يفهمون، وخصص شعره لقضاياهم النفسية والعاطفية والاجتماعية والسياسية، وثار على التقاليد البالية، تلك التى تحط من قيمة المرأة بالخصوص. لذا أراد أن يكون صوتها، وصرختها المدوّية، ولسانها المكبوت. فكان شاعر المرأة والحب بامتياز:
"يقول عنى الأغبياء
إنى دخلت إلى مقاصير النساء..
وما خرجت
ويطالبون بنصب مشنقتي
لأنى عن شؤون حبيبتي..
شعرا كتبت
أنا لم أتاجر- مثل غيري- بالحشيش..
ولا سرقت ولا قتلت...".
ومفاخرا بأنه نقل الحبّ من الكهوف المعتمة إلى الهواء الطلق يقول نزار قباني:
"يا الهي..!
عندما نعشق ماذا يعترينا؟
ما الذى يحدث فى داخلنا...؟
ما الذى يكسر فينا..؟
كيف نرتدّ إلى طور الطفولة
كيف تغدو قطرة الماء محيطا
ويصير النخل أعلى
ومياه البحر أحلى
وتصير الشمس أسوارا من الماس ثمينا
حين نغدو عاشقينا".
بيت "مئذنة الفحم"
مع أوائل الربيع، وتحديدا يوم 21 مارس/آذار 1923 ولد نزار قبانى فى مدينة دمشق. وكان والده توفيق قباني، صاحب معمل للملبّس والسكاكر.
ويقول نزار قباني، بان بيت "مئذنة الفحم" حيث ولد كان بمثابة المفتاح إلى شعره، والمدخل الصحيح له. فقد كان هذا البيت الدمشقى العتيق شبيها بـ"قارورة عطر" وكانت "شجرة النارنج تحتضن ثمرها، والدالية حامل، والياسمينة ولدت الف قمر أبيض وعلقتهم على قضبان النوافذ وأسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا" كما يقول نزار قبانى فى كتابه البديع "قصتى مع الشعر". ويضيف قائلا: "لقد ترك بيتنا بصماته واضحة على شعري. تماما كما تركت غرناطة وقرطبة واشبيلية بصماتها على الشعر الأندلسي".
وفى عام 1945، نال شهادة الحقوق من الجامعة السورية غير أنه لم يمارس المحاماة.
وقد ساعدته اللغة الفرنسية التى تعلمها فى الثانوية على اكتشاف كبار الشعراء الفرنسيين خصوصا فيكتور هوجو وشارل بودلير وبول فرلين وبول فاليرى وأيضا كورناى وموسيه والكساندر دوماس.
وكان انتحار شقيقته "وصال" بالسم بسبب رفض العائلة تزويجها ممن تحب، حدثا قاسيا على الفتى نزار، بل لعله الحادث الذى حدد الهدف الأساسى لمسيرته الشعرية. وعن هذا الحادث الأليم، كتب نزار قبانى يقول فى "قصتى مع الشعر:
"صورة أختى الكبرى وصال وهى تموت من أجل الحب.. محفورة فى لحمي. لا أزال أذكر وجهها الملائكي، وقسماتها النورانية، وابتسامتها الجميلة وهى تموت.. كانت فى ميتتها أجمل من رابعة العدوية... وأروع من كليوباترا المصرية".
ويضيف نزار قبانى قائلا:
"هل كان موت أختى فى سبيل الحب أحد العوامل النفسية التى جعلتنى أتوفر لشعر الحب بكل طاقاتي، وأهبه أجمل كلماتي؟ هل كانت كتاباتى عن الحب، تعويضا لما حرمت منه أختى أو انتقاما لها من مجتمع يرفض الحب، ويطارده بالفؤوس والبنادق؟ اننى لا أؤكد هذا العامل النفسي، ولا أنفيه ولكننى متأكد من أن مصرع أختى العاشقة، كسر شيئا فى داخلي.. وترك على سطح بحيرة طفولتى أكثر من دائرة.. وأكثر من اشارة استفهام".
شاعر الحب والمرأة بامتياز
وفى عام 1944، صدرت مجموعة نزار قبانى الشعرية الأولى وكانت بعنوان: "قالت لى السمراء". وقد أثارت هذه المجموعة حال صدورها موجة عارمة من السخط، وطالب المتزمتون بمحاكمته .
ومنذ ذلك الحين، اصبح نزار قبانى شاعر الحب والمرأة بامتياز غير أنه كان يرفض أن يوضع فى زجاجة الحب ويختم عليه بالشمع الأحمر ذلك أن مثل هذا الأمر تحديد ساذج للحب وتحديد ساذج للشاعر أيضا إذ أن الذى يحب المرأة فى نظره يحب وطنا، والذى يحب وجها جميلا، يحب العالم. أما البلاد العربية حسب رأيه فلا ترى الحب إلا من ثقب الابرة ولا تراه إلا من خلال جغرافية جسد المرأة وهو يقول موضحا موقفه من الحب:
"الحب عندى عناق للكون، وعناق للانسان، والوطن قد يصبح فى مرحلة من المراحل عشيقة أجمل من كل العشيقات، وأغلى من كل العشيقات".
وعن موقفه من المرأة، يقول نزار قباني:
"إنى أربط قضية تحرير المرأة بحرب التحرير الاجتماعية التى يخوضها العالم العربى اليوم. إنى أكتب اليوم لانقاذها من أضراس الخليفة وأظافر رجال القبيلة. إننى أريد أن أنهى حالة المرأة الوليمة، أو المرأة "المنسف" وأحررها من سيرة عنترة وأبى زيد الهلالي".
غير أن نزار قبانى يرى أنه ليس الرجل هو الذى يحرر المرأة، وإنما المرأة هى التى تحرر الرجل. وها هو يقول فى ذلك:
يا امرأة تتمنّى أن أحرّرها/فى حين أبحث عن أنثى تحررني
وقد عمل نزار قبانى فى السلك الديبلوماسى ابتداء من العام 1945.
وتنقل من القاهرة إلى لندن إلى بيكين ومدريد حيث وقف على أمجاد عرب الاندلس واستوحى من ذلك العديد من قصائده. وفى عام 1948، صدرت مجموعته الشعرية الثانية، وكانت بعنوان: "طفولة نهد". وفى احدى قصائد هذه المجموعة يقول نزار قباني:
"وجلست فى ركن ركين
تتسرّحين
وتنقّطين العطر من قارورة وتدمدمين
لحنا فرنسى الرنين
لحنا كأيامى حزين
قدماك فى الخف المقصب
جدولان من الحنين
وقصدت دولاب الملابس
تقلعين.. وترتدين
وطلبت أن أختار ماذا تلبسين
أفلى اذن..؟
أفلى أنا تتجمّلين...؟".
ولكن، بعد حين يكتشف الشاعر أن تلك المرأة الجميلة تتجمل لسواه وليس له كما ظن أول الأمر، فيقول ملتاعا:
"وبدأت أكتشف اليقين
وعرفت أنك للسوى تتجملين
وله ترشين العطور
وتقلعين
وترتدين
ولمحت طوق الياسمين
فى الأرض مكتوم الأنين
كالجثة البيضاء..
تدفعه جموع الراقصين
ويهم فارسك الجميل بأخذه
فتمانعين..
وتقهقهين..
"لا شيء يستدعى انحناءك..
ذاك طوق الياسمين.."
أنور المعداوى والأضواء الأولى
وفى "قصتى مع الشعر" يقول نزار قبانى بأن صديقه أنور المعداوى كان له الفضل الكبير فى القاء الأضواء الأولى على شعره. وقد تحمّس أنور السعداوى لديوان "طفولة نهد" الذى صدر فى القاهرة، وأقنع الأستاذ أحمد حسن الزيات صاحب مجلة "الرسالة" المصرية بنشر مقال حول هذا الديوان.
غير أنّ أحمد حسن الزيات ذبح ديوان "طفولة نهد" من الوريد إلى الوريد كما يقول نزار قبانى ذلك أنه ارضاء للمحافظين والمتزمتين من قراء مجلة "الرسالة"، غيّر اسم الديوان من "طفولة نهد" إلى "طفولة نهر". بعد هذا الديوان، أصبح نزار قبانى معروفا لا فى بلاده سوريا فقط وإنما فى العديد من البلدان العربية الأخرى.
وكان واضحا للنقاد ولأحباء الشعر أنه استطاع من خلال الديوانين المذكورين أن ينحت لنفسه لغة خاصة، سماها "اللغة الثالثة"، وفى "قصتى مع الشعر" هو يحدد صفات هذه اللغة الجديدة قائلا:
"لن يصل بى الغرور إلى الحد الذى أزعم فيه أننى "اخترعت" لغة.. فاللغة ليست أرنبا يخرج من قبعة الحاوي، ولكننى اسمح لنفسى بأن أقول أننى طرحت فى التداول لغة موجودة على شفاه الناس، ولكنهم كانوا يخافون التعامل بها."
الشعر يتخلى عن ارستقراطيته
ويضيف نزار قبانى قائلا:
"كانت لغة الشعر متعالية، بروقراطية، بروتوكولية، لا تصافح الناس إلا بالقفازات البيضاء ولا تستقبلهم إلا بالقبة المنشأة وربطة العنق الداكنة.. وكل ما فعلته أننى أقنعت الشعر بأن يتخلى عن ارستقراطيته ويلبس القمصان الصيفية المشجرة، وينزل إلى الشارع ليلعب مع أولاد الحارة.. ويضحك معهم، ويبكى معهم.. وبكلمة واحدة، رفعت الكلفة بينى وبين لغة "لسان العرب" و"محيط المحيط" وأقنعتها بأن تجلس مع الناس فى المقاهي، والحدائق العامة، وتتصادق مع الأطفال، والتلاميذ، والعمال، والفلاحين، وتقرأ الصحف اليومية، حتى لا تنسى الكلام.."
غير أن انشغال نزار قبانى بالمرأة وبالحب، لم يلهه عن القضايا الاجتماعية والسياسية التى يواجهها العالم العربي. وكان يرى أن الشاعر هو صوت شعبه، وسوطه أيضا فإذا ما انتقده وعرّاه فليس ذلك بهدف الكشف عن عوراته ومساوئه، وإنما لكى يحثّه على النهوض والسير إلى الأمام بدلا من الخنوع والاستكانة والاستسلام لمرض فقدان المناعة. ومحددا رسالة الشعر، يقول نزار قباني:
طالشعر ليس حمامات نطيّرها
نحو السماء ولا نايا وريح صبا
لكنه غضب طالت أظافره
ما أجبن الشعر إن لم يركب الغضبا".
وفى قصيدة أخرى، يقول ساخرا من الوضع الذى عليه الشعر والشاعر فى العالم العربي:
"الشعر لدينا درويش
يترنّح فى حلقات الذكر
والشاعر يعمل حوذيا لأمير القصر
الشاعر مخصى الشفتين فى هذا العصر
يمسح للحاكم معطفه
ويصبّ له اقداح الخمر
الشاعر مخصى الكلمات
وما اشقى خصيان الفكر".
وفى قصيدة أخرى، يقول ساخطا على نفسه كشاعر مجبر على الطاعة والخنوع أمام الحاكم الطاغية والمستبد:
"أمارس الركوع والسجود
أمارس القيام والقعود
أمارس التشخيص خلف حضرة الامام
وهكذا يا سادتى الكرام
أدور كالحبة فى مسبحة الامام
لا عقل لي.. لا رأس.. لا أقدام".
وكانت قصيدة "خبز وحشيش وقمر" من أشهر قصائد نزار قبانى السياسية، وأنجحها فنيا، وفيها وصف دقيق لحالة الخمول التى يعيشها العرب حكاما ومحكومين، نخبا وأناسا عاديين، وفى هذه القصيدة البديعة، يقول نزار قباني:
"أى ضعف وانحلال..
يتولاّنا إذا الضوء تدفق
فالسجاجيد.. وآلاف السلال..
وقداح الشاي.. والأطفال.. تحتل التلال فى بلادي
حيث يبكى الساذجون..
ويعيشون على الضوء الذى لا يبصرون..
فى بلادي
حيث يحيا الناس من دون عيون..
حيث يبكى الساذجون..
ويصلّون
ويزنون
ويحيون اتكال..
منذ أن كانوا يعيشون اتكال..
وينادون الهلال:
"يا هلال..
أيها النبع الذى يمطر ماس
وحشيشا ونعاس..
أيها الرب الرخامى المعلق
أيها الشيء الذى ليس يصدق"
دمت للشرق.. لنا
عنقود ماس
للملايين التى قد عطلت فيها الحواس".
"هوامش على دفتر النكسة".. والشهرة
واثر هزيمة حرب حزيران 1967، نظم قصيدة حملت عنوان: "هوامش على دفتر النكسة" كانت مفصلا جديدا فى مسيرته الشعرية. وفى هذه القصيدة التى جعلت منه الشاعر الأشهر فى العالم العربى من المحيط إلى الخليج، يقول نزار قباني:
"أنعى لكم يا أصدقائي، اللغة القديمة
والكتب القديمة
أنعى لكم..
كلامنا المثقوب، كالأحذية القديمة
ومفردات العهر، والهجاء، والشتيمه
أنعى لكم.. أنعى لكم
نهاية الفكر الذى قاد إلى الهزيمهْ..".
ثم يصرخ قائلا:
"يا وطنى الحزين
حوّلتنى بلحظة
من شاعر يكتب شعر الحب والحنين
لشاعر يكتب بالسكين"
صورة الوطن.. "بناء سمفوني"
وردا على أولئك الذين شككوا فى صدق وطنيته، ونعتوه فى يوم من الأيام بـ"الشاعر الفاجر" كتب نزار قبانى يقول:
"إن مفهومى للوطن والوطنية مفهوم تركيبى وبانورامي، وصورة الوطن عندى تتألف كالبناء السمفونى من ملايين الأشياء، ابتداء من حبة المطر إلى ورقة الشجر، إلى رغيف الخبز، إلى مزراب الماء، إلى مكاتيب الحب، إلى رائحة الكتب، إلى طيارات الورق، إلى حوار الصراصير الليلية، إلى المشط المسافر فى شعر حبيبتي، إلى سجادة صلاة أمي، إلى الزمن المحفور على جبين أبي.. من هذه الشرفة الواسعة أرى الوطن، واحتضنه وأتوحد معه. فالكتابة عن الوطن ليست موعظة، ولا خطبة، ولا افتتاحية جريدة يومية تتحدث بطريقة دراماتيكية عن خيوله، وبيارقه، وفرسانه، وأعدائه، الذين "نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنب" وعن بطولات أمير المؤمنين الذى يمد رجليه فوق "جفن الردى وهو نائم" "..".
من هذه الزاوية المنفتحة على الانسان من الخارج والداخل، اسمح لنفسى أن أقول بصوت عال: إن شعرى كله ابتداء من أول فاصلة حتى آخر نقطة فيه، وبصرف النظر عن المواد الأولية التى تشكله، والبشر الذين يملؤونه من رجال ونساء والتجربة التى تضيئه سواء كانت تجربة عاطفية أو سياسية.. هو شعر وطني"
ويفجر موت الرئيس المصرى جمال عبد الناصر، حزن نزار قباني، فيكتب فى رثائه، أربع قصائد واصفا إياه بـ"الهرم الرابع"، وفى احدى هذه القصائد هو يقول:
"قتلناك يا آخر الأنبياء
قتلناك
ليس جديدا علينا
اغتيال الصحابة والأولياء
فكم من رسول قتلنا
وكم من أمام ذبحناه وهو يصلى صلاة العشاء
فتاريخنا كله محنة
وأيامنا كلها كربلاء".
وفى نفس القصيدة، وبنفس النغم الساخط الحزين، يضيف نزار قبانى قائلا:
"قتلناك يا جبل الكبرياء
وآخر قنديل زيت
يضيء لنا فى ليالى الشتاء
لماذا قبلت المجيء إلينا؟
فمثلك كان كثيرا علينا
فليتك فى أرضنا ما ظهرت
وليتك كنت نبى سوانا".
لكن سرعان ما يستدرك نزار قبانى ليقول بأن البطل لا يموت، وأن الأمل باق، وأن يوم الحرية لابد آت. وها هو يقول:
"مازال هنا عبد الناصر
فى طمى النيل وزهر القطن
وفى أطواق الفلاحات
فى فرح الشعب
وحزن الشعب
وفى الأمثال وفى الكلمات
ما يزال هنا عبد الناصر
من قال الهرم الرابع مات؟".
من شعر الحب إلى شعر السياسة
ومعبّرا عن هذا التحول من شعر الحب إلى شعر السياسة، قال نزار قبانى فى أحد الحوارات التى أجريت معه بان هذا التحول ليس تجارة رابحة مطلقا، فالنوم فى عيون النساء حسب رأيه أكثر طمأنينة من النوم بين الأسلاك الشائكة، وتجارة العطر أربح من تجارة الخل، غير أن هذا التحول كان نتيجة هزة داخلية، كسرت كل ألواح الزجاج فى نفسه.. دفعة واحدة، ومن نثارات الزجاج التى خلفتها هزيمة حزيران المرة على أرض حواسه صرخ بصوت آخر.
ويضيف نزار قبانى قائلا:
"وأريد أن أؤكد أن شعرى السياسى علقنى على أكثر من صليب، وأكثر من حبل مشنقة، إن نصف الأنظمة العربية تقف من شعرى السياسي، موقف العداء والرفض، وتمنع كتبى من الدخول إلى أراضيها. فى حين أنها كانت تدللنى كشاعر حب وتفتح ذراعيها. وقد كان بامكانى أن أتبع مبدأ التقية كما يفعل الباطنيون والجبناء، ولكنى اخترت أن أموت على الطريقة البوذية حرقا، لأننى أؤمن أن الكتابة نوع من الشهادة، وأن الشاعر الحقيقى هو الذى يذبح بسيف كلماته، كما فعل سقراط والحلاج. إننى شاعر اختار المسير دائما على حد الخنجر، وأظن أن النوم على حد الخنجر ليس نوما مريحا، ولا مرغوبا فيه".
فى المرحلة الأخيرة من حياته، ظل نزار قبانى مشدودا إلى الموضوعين الأساسيين اللذين ارتبطا بمسيرته الشعرية على مدى خمسين عاما، أى الحب والسياسة. وفى ديوانه "خمسون عاما فى مديح النساء"، يقول فى قصيدة حملت عنوان: "1994":
"عندما صمّمت أن أجعلك حبيبتي
لم أكن ديمقراطيا – كما ادّعي-
ولا حضاريا – كما ادعي-
ولا مثقفا – كما ادعى-
وانما كنت رجلا يحمل فوق جلده
وشم القبائل الافريقية
وميراث الف عام من البداوة
اننى لا أؤمن بالحب
عن طريق البرلمانات
ومجالس الشورى
والاستفتاءات الشعبية
ولا يمكننى أن أحب امرأة بالمراسلة
أو بالطرق البيروقراطية
فأنا الذى أقرر من تكون حبيبتي
وأنا الذى ارسم تقاطيعها كما أريد
وأطيل شعرها.. كما أريد
وأدوزن خصرها.. كما أريد
وأهندس نهدها بالحجم الذى أريد".
وفى قصيدة سياسية حملت عنوان: "متى يعلنون وفاة العرب" يقول نزار قبانى وقد امتلأت نفسه غما على ما أصاب العرب من هزائم عبر القرن العشرين:
"إذا أعلنوا ذات يوم وفاة العرب
ففى أى مقبرة يدفنون
ومن سوف يبكى عليهم؟
وليس لديهم بنات.. وليس لديهم بنون
وليس هنالك حزن
وليس هنالك من يحزنون؟".
السخرية من الكارهين للحرية
وساخرا من العرب الكارهين للحرية، هو يقول:
"يختلف العرب على رؤية هلال رمضان.. وعلى عدد أيام شهر الصوم.. وعلى اطلاق مدافع العيد.. ولكنهم متفقون على توقيت واحد.. لاطلاق نار مدافعهم على هلال الحرية". وقبل أن يتوفاه الأجل ازداد تشاؤم نزار قبانى من العرب وأوضاعهم، وبدا وكأنه لم يعد يرى فى الأفق أى بارقة أمل، وهو يكتب أبياتا حزينة تبدو كما لو أنه وصيته:
"يا أحبائى وراء البحر
هل يوجد وقت عندكم للشعر؟
هل من اذن عاشقة تسمعني؟
هل لديكم خبر عن كبرياء المتنبي؟
وغرور المتنبي
وطموح المتنبي
أم نسيتم يا ترى هذا المليك الأعظما
رحم الله كلاما عربيا
لم نعد نشبهه، لم يعد يشبهنا
أيها السادة: إنى مستقيل
من صراخى واحتجاجى وجنوني
مستقيل من فمي، حتى،
ومن لون عيوني.
فاعذروني
لم أعد أؤمن أن الشعر ديوان العرب
عندما يصدر مرسوم
بمحو الشعر من ذاكرة الناس
فماذا سوف يبقى للعرب؟".
صفاء ابو صالح
04-20-2008, 07:03 PM
وردة من حدائق نزار قباني
نزار قباني: أنا شاعر بسيط يكتب للناس العاديين
'دبي الثقافية' تحتفل بذكرى نزار قباني فتفرد عنه صفحات باقلام أدونيس وحجازي والمقالح وعصفور وأبوديب.
عن ميدل ايست اونلاين - 13\04\2008
عشرة أعوام تمر على رحيل أشهر شاعر عربي في القرن العشرين "نزار قباني" الذي يتأبى على أي تصنيف بسيط أو أحادي الاتجاه، كما قال عنه الناقد د. جابر عصفور، والذي يصفه د. عبدالعزيز المقالح بأنه ناعم كالوردة وحاد كالطعنة.
أما أدونيس فيتحدث عن الأصولية الدينية والشعر عند نزار قباني قائلا "استنادا إلى ما يكتب عن الحداثة الشعرية العربية وشعرائها باسم الأصولية الدينية، نرى أن الأحكام التي تطلق على بعض الشعراء يمكن أن تنطبق بشكل خاص على نزار قباني" فلغته كافرة ضالة ومضللة، وشعره هجين ومتغرب ومخرِّب ومهدِّم للتراث شعريا ودينيا.
هكذا تحتفل مجلة "دبي الثقافية" في عددها الجديد بمرور عشرة أعوام على رحيل نزار قباني مستكتبة كبار الكتاب والنقاد والشعراء في الوطن العربي في هذه الذكرى، فإلى جانب الإشارات السابقة لعصفور والمقالح وأدونيس، يكتب أحمد عبدالمعطي حجازي عن الدون جوان العاشق والبطل الشهيد "فقليلون جدا من شعراء العالم هم الذين تمتعوا في حياتهم بالشهرة التي تمتع بها نزار قباني في حياته."
ويكتب د. كمال أبوديب عن نزار قباني والذاكرة الجمعية ومفهوم التراث المكنون، وينهي مقاله بحديث نزار له ولأدونيس قائلا لهما "أنا لا أقدر أن أكون مثلكما، أنتما مفكران وصاحبا فكر فلسفي وتكتبان أشياء رائعة، أنا شاعر بسيط يكتب للناس العاديين ويغني لهم ولا أريد أن أكون غير ذلك."
ويتحدث مصطفى عبدالله عن نزار في لحظة اغتيال بلقيس، وتقطف الكاتبة اللبنانية ريما نجم وردة من حدائق نزار، ويكتب ناصر عراق عن "تناقضات ن. ق. الرائعة" وهو عنوان قصيدة لنزار قباني يعبر فيها عن عشقه الجارف لامرأة واحدة استطاعت أن تختزل كل سيدات الأرض فأصبح لا يرى غيرها حتى وهو في حضرة أحلى النساء.
إلى جانب ذكرى نزار، هناك العديد من الموضوعات المهمة في العدد الأخير من "دبي الثقافية"، منها سؤال الشاعرة صالحة غابش: أين دور المثقف الإماراتي؟ وحوار مع د. سعيد حارب الذي يقول إن إصلاحنا يسير بخطى هادئة للتطوير، بينما تؤكد الكاتبة العراقية سارة السهيل أن الشعر ليس في أزمة، ويرى الكاتب المصري ممدوح عبدالستار الفائز بجائزة "دبي الثقافية" في الرواية أن النقاد براغيث في فراء الأسد، وغير ذلك من موضوعات وإبداعات وترجمات.
وتعلن "دبي الثقافية" عن جائزتها للإبداع (شخصية العام الإماراتية ثقافيا وإبداعيا) ومسابقتها في الشعر والقصة القصيرة والرواية والفنون التشكيلية والحوار مع الغرب لشباب المبدعين العرب تحت سن الأربعين عاما.
صفاء ابو صالح
04-29-2008, 04:11 PM
دمشق تزرع الياسمين وتلقي أشعار نزار قباني في الذكرى العاشرة لرحيله
عن العربية نت-30/04/2008 /جولاني
تحتفل دمشق غداً الأربعاء 29-4-2008، بالذكرى العاشرة لرحيل الشاعر السوري نزار قباني، بغرس الياسمين على طول الشارع الذي يحمل اسمه في دمشق, وتنظيم قراءات شعرية لقصائده واصدار كتاب عنه، وذلك بالتعاون مع احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية 2008.
وتم تخصيص اليوم الأخير من مهرجان الياسمين السنوي، الذي يصادف مرور الذكرى العاشرة لرحيل قباني، لكي "لا يمر هذا اليوم بدون أن يتذكر أحد هذا الشاعر الكبير" عل حد تعبير منظمي الاحتفال.
وتأتي رمزية هذه الخطوة من الحضور القوي لياسمين دمشق في اشعار قباني الذي لقب ايضا بشاعر المرأة وشاعر الحب, وله ديوان نثري يتضمن "مئة رسالة حب". ويقام ايضا مساء الأربعاء حفل فني في حديقة الجاحظ في دمشق يتضمن عزف مقطوعات موسيقية حية لفرقة "وطن" المؤلفة من طلاب في المعهد العالي للموسيقى, تصاحبها قراءات شعرية لبعض قصائد نزار قباني يقدمها الفنان الشاب شادي مقرش.
وسيتم خلال الحفل توقيع كتاب تصدره الامانة العامة لاحتفالية دمشق بعنوان "نزار قباني: قنديل اخضر على باب دمشق", قام باعداده خالد الحسين تكريما لشاعر دمشق الكبير الذي قال يوما "وددت لو زرعوني فيك مئذنة أو علقوني على الأبواب قنديلا".
ويقتصر الاحتفال بالذكرى العاشرة لرحيل الشاعر على تلك النشاطات, فيما لم تنظم أي مؤسسة أخرى نشاطات موازية في هذا اليوم.
وقال منظمو التجمع، الذي تقيمه احتفالية دمشق "لم يصلنا أي اقتراح من وزارة الثقافة او غيرها في شأن تنظيم أي فعالية بهذه المناسبة. ولو وصلنا شيء منهم لتعاونا معهم بكل سرور".
ونزار قباني من مواليد دمشق عام 1923 وأصدر أول دواوينه الشعرية "قالت لي السمراء" عام 1944 تلاه ديوان "طفولة نهد" في 1948. وقد لقيت أعماله الاولى انتقادات حادة من بعض الاسلاميين. وتوالت بعدها اصداراته الشعرية التي تحدث فيها عن المرأة والعشق بلغة قريبة من الناس ولا تعتبر الجسد محظورا لا يمس, منها "طفولة نهد" و"قالت لي السمراء" و"الرسم بالكلمات" و"يوميات امرأة لامبالية".
وبدأت كتابته السياسية بعد 1967 مثل قصيدة "هوامش على دفتر النكسة". وفي التسعينات كتب قصيدة "المهرولون". وقد غنى قصائده أهم المطربين العرب ومنهم ام كلثوم وعبد الحليم حافظ وفيروز ونجاة الصغيرة وماجدة الرومي وكاظم الساهر.
وتخرج قباني من كلية الحقوق في دمشق في 1945 وعمل سفيرا لسوريا في مصر واسبانيا وبريطانيا ولبنان, واستقال من العمل الدبلوماسي سنة 1966. توفي في لندن عام 1998, بعد ان نشر ما يقارب 35 ديوانا شعريا.
الشاعر علم الدين بدرية
04-30-2008, 12:20 AM
"يا أحبائى وراء البحر
هل يوجد وقت عندكم للشعر؟
هل من اذن عاشقة تسمعني؟
هل لديكم خبر عن كبرياء المتنبي؟
وغرور المتنبي
وطموح المتنبي
أم نسيتم يا ترى هذا المليك الأعظما
رحم الله كلاما عربيا
لم نعد نشبهه، لم يعد يشبهنا
أيها السادة: إنى مستقيل
من صراخى واحتجاجى وجنوني
مستقيل من فمي، حتى،
ومن لون عيوني.
فاعذروني
لم أعد أؤمن أن الشعر ديوان العرب
عندما يصدر مرسوم
بمحو الشعر من ذاكرة الناس
فماذا سوف يبقى للعرب؟".
******
شاعر الحب والمرأة ، كان شاعراً وطنيّاً ، رسم آلام أمته رسائل عشق ، واحتضن قضاياها بعمق ورؤية ، فكان له الوطن امرأة والمرأة وطناً ..
الرائعة والمثقّفة صفاء أبو صالح ، تتحفنا دائماً بما تنقله من مواضيع ومقالات ، أبحاث ودرسات في شتى المواضيع الثقافيّة والأدبيّة ، وتسعى لإثراء المنتدى والارتقاء به إلى ما يستحق أن يكون ..!!
سلمت أناملكِ ودمتِ مبدعة محلّقة في سماء الأدب
تحياتي
علم الدين بدرية
صفاء ابو صالح
05-01-2008, 01:49 PM
"يا أحبائى وراء البحر
هل يوجد وقت عندكم للشعر؟
هل من اذن عاشقة تسمعني؟
هل لديكم خبر عن كبرياء المتنبي؟
وغرور المتنبي
وطموح المتنبي
أم نسيتم يا ترى هذا المليك الأعظما
رحم الله كلاما عربيا
لم نعد نشبهه، لم يعد يشبهنا
أيها السادة: إنى مستقيل
من صراخى واحتجاجى وجنوني
مستقيل من فمي، حتى،
ومن لون عيوني.
فاعذروني
لم أعد أؤمن أن الشعر ديوان العرب
عندما يصدر مرسوم
بمحو الشعر من ذاكرة الناس
فماذا سوف يبقى للعرب؟".
******
شاعر الحب والمرأة ، كان شاعراً وطنيّاً ، رسم آلام أمته رسائل عشق ، واحتضن قضاياها بعمق ورؤية ، فكان له الوطن امرأة والمرأة وطناً ..
الرائعة والمثقّفة صفاء أبو صالح ، تتحفنا دائماً بما تنقله من مواضيع ومقالات ، أبحاث ودرسات في شتى المواضيع الثقافيّة والأدبيّة ، وتسعى لإثراء المنتدى والارتقاء به إلى ما يستحق أن يكون ..!!
سلمت أناملكِ ودمتِ مبدعة محلّقة في سماء الأدب
تحياتي
علم الدين بدرية
الشاعر والكاتب علم الدين بدرية
أشكر حسن متابعتك وتشجيعك وكرم أخلاقك
هذا المنتدى يستحق منا أفضل ما بإستطاعتنا أن نقدمه له
والإرتقاء والسمو به إلى ما يستحق أن يكون
وأنت صاحب جهد كبير في هذا المنتدى أيضا
" فهذا بعض ما عندكم"
تقديري وإعجابي لقلمك المبدع
صفاء ابو صالح
05-13-2008, 01:41 AM
محاولة تشكيلية لرسم بيروت
نزار قباني
1
عندما ترجعُ بيروتُ إليْنَا
بالسَلامَهْ ..
عندما ترجعُ بيروتُ التي نعرفُها
مثلما ترجِعُ للدار الحَمَامَهْ ..
سوفَ نَرْمي في مياهِ البَحْرِ
أوراقَ السَفَرْ ..
وسنستأجِرُ كُرْسِيَّيْنِ في بيتِ القَمَرْ ..
وسنَقْضي الوقتَ ،
في زَرْع المَوَاويلِ ..
وفي زَرْع الشَجَرْ
آهِ .. يا بيروتُ كم أَتْعَبَنا هذا السَفَرْ .
فاغْمُرينا ..
بمكاتيبِ المُحبِّينَ .. اغْمُرينا
بتقاسيم العصافيرِ .. اغْمُرينا
بمزاريبِ المَطَرْ ...
2
عندما ترجعُ بيروتُ
التي كانتْ ملاذاً لهوانَا .
والتي قد أورقتْ
فيها من الحُبِّ يَدَانا .
مثلما يرجِعُ في الفجر الشِرَاعْ .
عندما ترجِعُ بيروتُ ..
فهل تأخُذُني ؟
يا صديقي ، مرةً أُخرى ،
إلى سَهْل البِقَاعْ .
حيثُ أغلى حُلُمٍ عندي
(عَرُوسٌ من لَبَنْ) ..
آهِ .. كم كانَ بسيطاً
حُبُّ ذَيَّاكَ الزَمَنْ
آهِ .. كم كانَ جميلاً
إِنْ يكونَ الحُبُّ إقليماً صغيراً
من أقاليم الوَطَنْ ..
3
هل من الممكنِ أن تطلَعَ بيروتُ الجميلَهْ
مرةً أُخرى ..
من الأرضِ الخَرَابْ ؟
هل من الممكن ، أن ينبتَ قمحٌ
في مياهِ البحرِ ،
أو يأتي مع الموج كتابْ ؟
هل من الممكن أن نكتبَ شِعْراً ؟
مرةً أُخرى .. على حَبَّةِ لَوْزٍ أَخْضَرٍ
أو على قُطْن السَحَابْ ؟
هل لدينا ؟.
فرصةٌ أُخرى لكي نَعْشَقَ ..
أَم أنَّ العُيُونَ الخُضْرَ صارتْ مُسْتَحيلَهْ ؟
والعيونَ السُودَ صارتْ مُسْتَحِيلَهْ ؟
وإذا عادَ إلينا (شارعُ الحمراءِ)
لو عادتْ إلينا (الرملةُ البيضاءُ)
لو عادتْ لنا ..
(مَنْقُوشَةُ الزَعْتَرِ ) ..
و (الكُورنِيشُ ) ..
لو عاد لنا (مَقْهَى دُبَيْبُو)
والمشاويرُ الطويلَهْ ..
4
لو فَرَضْنَا ..
لو فَرَضْنَا ..
أَنَّ بيروتَ الجميلَهْ
نَهَضَتْ من موتها ثانيةً
مَنْ سَيُعطينا مفاتيحَ الطُفُولَهْ ؟
صفاء ابو صالح
06-18-2008, 08:17 PM
كان عندي هنا أميرة حب ** ثم ضاعت أميرتي الحسناءُ
بلقيس ونزار: قصة حب لا تنتهي
لنزار قباني ثلاثة مطالب في حبيبته: أن تشبهه، وتكون أمه، وتعتبر فنه ومجده فنها ومجدها، وهكذا كانت بلقيس.
عن ميدل ايست اونلاين - 18\06\2008
يحكيها: صبري أبوعلم
الحب عند نزار قباني ليس علاقة رجل وامرأة، وانما حالة إنسانية وطنية وجودية معا.
يقول نزار "الحب عندى مملكة لا تتجزأ، يمتد جذورها من تخوم المرأة إلى تخوم الوطن، حب الوطن هو وطنية، وحب المرأة أرقى أنواع الوطنية والذين لا يحبون المرأة لا يحبون الوطن ولا يحبون شعوبهم ولا يحبون الناس ولا يحبون الله."
ويقول "إن عشقى للمرأة هو أحد وجوه عشقى الكبير للوطن العربى فالمرأة هي وطن الرجل."
ويقول "اكتب عن المرأة وعن القضية العربية بحبر واحد، وأقاتل من أجل تحرير المرأة من رسوبيات العصر الجاهلي، كما أقاتل من أجل تحرير الأرض العربية من حوافر الخيول الصهيونية."
ويقول:
يقول عني الأغبياء
إني دخلت إلى مقاصير النساء وما خرجت
ويطالبون بنصب مشنقتي
لأنى عن شئون حبيبتي شعرا كتبت
أنا لم أتاجر مثل غيري بالحشيش
ولا سرقت، ولا قتلت
لكنني أحببت في وضح النهار
فهل تراني قد كفرت؟
ويقول:
أنا مع الحب حتى حين يقتلني
إذا تخليت عن عشقي فلست أنا
إذن فالحب ليس نزوة ولا متعة ولا إشباعا، وإنما هو فلسفة في وحدة الوجود وتعميق للحياة وتحقيق للذات وتعبير عن الحرية.
وللشاعر نزار قباني في حبيبته مطالب صغيرة. ثلاثة مطالب فقط:
أولها: أن تشبهه، فتحب ما يحب، وأن تتجانس أفكارهما وأرواحهما.
وثانيها: أن تكون أمه وتعامله كطفل.
وثالثها: أن تعتبر فنه ومجده فنها ومجدها، فلا تشعر بالغيرة من أشعارة ومن علاقاته الاجتماعية، وأن تخلق له المناخ النفسي الذي يعمل فيه دون أن تجد تناقضا بين حبه لفنه وحبه لها.
وكما ترون هي مطالب معقولة وبسيطة. لو أن كل المبدعين عاشوها لانتصروا على مصاعب الحياة.
ومن مبادىء نزار في الحب أنه لا يهوى ولا يقع ولا يتوحد إلا في امرأة عربية، تفهمه ويفهمها، فهو يرى أن زوج الأجنبية يظل طوال عمره يشغل وظيفة ترجمان عندها، وهو يحب المرأة التي يشم فيها روائح الفل والياسمين والنعناع والزعتر كما تعود في دمشق.
يقول نزار "أنا بهذا المعنى عربي جدا، ولذلك كان حبي مرة دمشقيا ومرة بيروتيا ومرة بغداديا، لأنني أريد أن أبقى هنا واكتب شعرا هنا وأعشق وأموت هنا."
وأثبتت الأيام صدق نزار في موقفه، فقد عمل دبلومسيا في مصر، وفي أنقرة، وفي لندن، وفي بكين، وفي مدريد. ولم تسكنه امرأة من هذه البلدان الرائعة على روعه نسائها.
ونزار ليس من هواة العلاقات مع النساء لكنه من عشاق العشق، والحب لا يأتي اعتباطا، فالحب مثل الشعر يأتي بلا حسبان ويخضع لأوامر الشيطان، الحب لا يأتى بالتخطيط والتدبير، وإنما هو مثل الموت فلا تدرى نفس في أي أرض تموت، ويلحقنا ولو كنا فى أبراج مشيدة، ولذا فقليلا ما ذاب نزار وجدا وانكوى عمدا.
يقول نزار "دعونى أعترف لكم، أنني بالرغم من سمعتي كشاعر حب فإنني نادرا ما وقعت في الحب، خمس مرات ربما في ثلاثين سنة."
وإذا ربطنا مقاله هذا بما قاله قبلا نستنتج أنه ربما يقصد بالحب الدمشقي زوجته الأولى زهرة أقبيق ابنة عمه، وبالبيروتى الأديبة كوليت خوري التي أصدرت كتاب "أيام معه" عنهما، وبالبغدادي قصة حبه الكبرى مع زوجته الثانية بلقيس الراوي.
التقى نزار بلقيس في بيروت، وهو يحث الخطى نحو الخمسين عاما، وبعد سنوات من طلاقه لزوجته زهرة، ولم تكن على طريقه في الحب، فهي (خميرة عكننة) تسأل عمن كتب لهن أشعاره ولماذا، وعن هواتفه ورسائله ولقاءاته وتغار من الشعر ومن الشهرة ومن الناس، حتى حولت هدوءه إلى ضجيج ونسيمه إلى عواصف.
ولم يطق نزار الحال ففعل كما يفعل العقلاء القائلين (الباب الذي يأتي منه الريح، سده واستريح) و(الوحدة خير من جليس السوء). وإذا لم يحقق الزواج السعادة المشتركة فالعودة إلى حالة السعادة في الوحدة هي حل مناسب. فطلقها نزار رغم الولد والبنت (هدباء وتوفيق)، الزهرتان النابعتان من زهرة.
حدث هذا في أواسط ستينيات القرن العشرين، وعاش نزار سعيدا بحبه للناس والشعر والحياة، حتى التقى بحبيبة العمر القصير الجميل، بلقيس الراوي.
فاتنة من العراق، تسكن أسرتها في حي الأعظيمه ببغداد، وتسكن هي قلب نزار وقلب بيروت في السفارة العراقية، سقط نزار في عينيها السوداوين وشعرها الطويل وروحها الآخذة وشخصيتها الآسرة. وسقطت هي الأخرى، وطاف بخيال نزار جمال أخته وصال التي قتلت نفسها لإجبارها على الزواج بمن لا تحب، انتصرت للحب وتمسكت به حتى الموت، كان نزار في الثامنة من عمره يمشي في جنازتها متأبطا ملاك الحب الذي حرض وصال على التمسك بإرادتها وحريتها، وطاف بخيال نزار أقاربه الذين سقطوا في الحب وسبحوا في العيون بدءًا من عم والده المسرحي الشهير أبو خليل القباني.
كتب لها:
فضعي يديك كنجمتين على يدي
فأنا أحبك كي أدافع عن وجودي
وأنا أحبك في وجوه القادمين
لقتل هارون الرشيد
هل تصبحين شريكة في قتل هارون الرشيد.
وتعاهدا على الزواج حتى الموت.
سافر نزار إلى بغداد واستقل مركبة فضاء إلى حي الأعظيمة وطرق باب عم الراوي الذى وهب نزار بقية حياته. واعتذر الرجل لسببين:
الأول: أنه لا يوافق على زواج ابنته من أجنبى رغم العروبة.
والثاني: أنه لا يوافق على نزار بالذات لأنه شاعر الغزل والغرام والتشجيع على الهيام.
ولم تصلح شهرة نزار ولا مركزه الدبلوماسي السابق ولا قلبه الذي تربعت فيه ابنة الرجل العراقي، ولا قلبها الذي احتله الشاعر السوري.
لم يشفع كل هذا في ترقيق قلب الراوي، ولا تفتيح عقله الذي لم يدله على قوة الحب وجبروته حين يجمع بين البشر فلا لغة ولا دين ولا جنسية ولا عرق تعوقه، إنها الثقافة التي تصب الحياة الرحبة في قالب صلب.
عاد نزار يمضغ المر ويشرب الحنظل .. يبكى .. يصرخ .. وتبكي معه حبيبة الفؤاد. ولم يستسلما. تعاهدا وانتظرا الوقت. حتى جاءت فرصة ذهبية بل قل ماسية، حين دعي نزار إلى بغداد ليشارك في مهرجان الشعر العربي التاسع في أبريل/نيسان 1969.
واختلى بنفسه ليكتب قصيدته في هذا المهرجان.
فأعاد الهجوم على الحكام العرب والضعف العربي ومدح الفدائيين والبندقية وحدد واجبات الشعر والشعراء وتحدث عن الحرية والحب. ولأنه رجل جرىء واضح ومباشر فلماذا لا يعرض مشكلته الشخصية على الملأ في قصيدته "إفادة في محكمة الشعر".
وألقى نزار قصيدة طويلة في مائة بيت وبيتين، وعرض المشكلة:
كان عندي هنا أميرة حب ** ثم ضاعت أميرتي الحسناءُ
أين وجه في الأعظمية حلو ** لو رأته تغار منه السماءُ
إنني السندباد مزقه البحر ** وعينا حبيبتي الميناءُ
إن في داخلي عصور من الحزن ** فهل لي إلى العراق التجاءُ
وأنا العاشق الكبير ولكن ** ليس تكفي دفاتري الزرقاءُ
ها هو يلجأ إلى العراق، كاللجوء السياسى الذى يضمن الحياة بكرامة لطالبها، واستمع رئيس الجمهورية العراقية أحمد حسن البكر إلى القصيدة وتحرك فيه الإنسان المثقف الشاعر فقبل طلب اللجوء الغرامي الذي تقدم به نزار السوري لابنة بلده العراقية.
أليس حزب البعث من دعاة الوحدة العريبة. ها هي وحدة صغيرة (نووية) تجمع الشامي على البابلية.
ويشكل الرئيس وفدا من حزب البعث لخطبة بلقيس ونزار تكونت من: الشاعر شفيق الكيالى وزير الشباب، والشاعر شاذل طاقه وكيل وزارة الخارجية، ورعاية أحمد حسن البكر الرئيس الطيب.
هذا الوفد تسميه التقاليد القبلية (الجاهة) أي وجهاء القوم، إذا طلبوا لا يرد لهم طلب وإلا أصبح الرافض خصما للقبائل، والعرب عادة يحترمون طلبات الالتجاء فيدخلون في حمايتهم طالب الحماية حتى لو كان قاتلا، ويقولون في لهجتهـم "دخيلك" أي داخل في عرضك.
وطبعا لم يرد الراوي طلب الدولة الأول في تاريخ البشرية.
فوافق الرواي وانتصر الحب وانتصرت الشجاعة، شجاعة نزار وشجاعة رئيس جمهورية العراق.
قالت بلقيس: مادمنا نعيش غرباء في بيروت فلماذا لا نستقر في بغداد؟
رد نزار: أنا لا أستطيع أن أعيش إلا في بيروت.
وطال الاستعداد للزواج لأسباب عديدة منها وفاة توفيق ابن نزار في لندن عام 1972، وهو طالب الطب في دمشق، مات شابا طموحا حالما آملا، وكانت هذه هي الصدمة الثانية للشاعر الرقيق بعد صدمته الأولى في صباه برحيل شقيقته وصال.
حزنت معه بلقيس واحترمت آلامه وساعدته في اجتيازها، وتزوجا فى بيروت عام 1973 قبل حرب التحرير المصرية. وعاشا حبا حقيقيا كاملا تم فيه المراد من رب العباد، فالحب بلا زواج كالمال في الأدراج أو كالبلية تتم في سرية. وعاشا في تبات ونبات وانجبا الأولاد والبنات. زينب وعمر، وغنى نزار للحب والوطن، وأصدر الدواوين التالية:
أحبك احبك والبقية تأتي
كل عام وأنت حببيتي
أشهد ألا امرأة إلا أنت
مواويل دمشقية إلى قمر بغداد
قاموس العاشقين
إلى بيروت الأنثى مع حبي
ثماني سنوات فقط. ثماني سنوات يا ربي. سنوات قليقة عميقة عريضة. ثماني سنوات يقضيها طالب خائب في السنة النهائية في الثانوية العامة.
ثماني سنوات عسلا، شهدا، أزهارا وثمارا، صنعها أربعة من البشر، بلقيس ونزار وزينب وعمر.
كانت لبنان قد انفجرت بالغباء عام 1980 كما انفجرت العراق بالغباء نفسه ضد إيران الجيران. في لبنان انفجروا في بعضهم وأنفسهم. القتل على الهوية. هذا سني وهذا ماروني وهذا شيعي. هذا من الكتائب وهذا من الخرائب، حتى هدموا السلام والجمال. كانت لبنان واحة الجمال والسلام في هجير العرب، طبيعتها جميلة وناسها أجمل.
في هذا الغباء انفجرت السفارة العراقية في بيروت، صارت ركاما من الحجر والبشر، جرى نزار إلى الحطام ليأخذ بلقيس التي كانت تؤدي واجبها لصالح لبنان والعراق. جرى ليأخذها في يده، وفي حضنه خارج الدمار والغباء. وقف نزار أربعه أيام كاملة على قدميه فى انتظار بلقيس. لا طعام، لا نفس، والباحثون في الحكام والركام يبحثون، أربعة قرون في أربعة أيام. بعدها أخرجوا جسمانا مشوها متعفنا في عظمة سبابته اليسرى خاتم زواج منقوش عليه اسم نزار.
لا حديث ولا وصف لما جرى، فقد انكوى قلبي وجف لساني. فلا حب ولا سلام يعيش في أمان في هذه البلدان وفي هذه الايام.
قسما بعينيك اللتين إليهما
تأوي ملايين الكواكب
سأقول يا قمري عن العرب العجائب
هل تعرفون حببيتى بلقيس
فهي أهم ما كتبوه في كتب الغرام
كانت مزيجا رائعا بين القطيفة والرخام
***
بلقيس يا بلقيس يا بلقيس
كل غمامة تبكي عليك
فمن ترى يبكي عليا
بلقيس كيف رحلت صامتة
ولم تضعي يديك على يديا
بلقيس كيف تركتنا في الريح
نرجف مثل أوراق الشجر
وتركتنا نحن الثلاثة ضائعين
كريشة تحت المطر
أتراك ما فكرت بي
وأنا الذي يحتاج حبك مثل زينب أو عمر
بلقيس يا معشوقتي حتى الثمالة
الأنبياء الكاذبون يقرفصون ويركبون على الشعوب ولا رسالة
لو أنهم حملوا إلينا من فلسطين الحزينة نجمة أو برتقالة
لو أنهم حملوا إلينا من شواطىء غزة حجرا صغيرا أو محارة
لو أنهم من ربع قرن حرروا زيتونة أو ارجعوا ليمونة
ومحو عن التاريخ عاره
لشكرت من قتلوك يا بلقيس يا معبودتي حتى الثمالة
لكنهم تركوا فسلطينا ليغتالوا غزالة.
هذا تلخيص لأكبر قصيدة كتبها نزار في الحب وفي الهجاء. في حوالي ألفي كلمة، بعد دفنها مباشرة يوم 15 ديسمبر/كانون الأول 1981 ونشرها في مايو/آيار 1982 في كتاب كامل مع البوم لها يضم ستا وعشرين صورة.
وكتب في قصته مع الشعر:
"بلقيس كانت واحة حياتي وملاذي وهويتي وأقلامي. بعد رحيلها أقمت بابا من الحديد في بيتي يسبقه بمتر ونصف، أغلقه علي وعلى اولادى من السابعة مساء، أصبحت أنام بعيون مفتوحة بعد أن خاصمت الطمأنينة، أرادوا أن يخفوا صورها من البيت فصرخت فيهم: أريد أن تبقى بلقيس معى حتى لو غابت."
وقال "كانت جزءا من عمري ومن عيش مشترك وكانت صديقة شعري قبل أن تكون صديقتي ولم تكن تعتبر قصيدتي ضرة لها، بل جزءا من مجدها."
ما طار طير عندنا إلا انذبح
ولا نبي إلا بأيدينا أنذبح
ولا أتانا مصلح أو مبدع
أو كاتب أو شاعر
إلا على وسادة الشعر انذبح.
***
صبرى أبوعلم ـ الإسكندرية
ياسمين ابو زيد
06-19-2008, 06:23 AM
نزار.. ليس شاعر المرأة والرجل ..والوطن فحسب..
فقد اختزل الرجال كلهم.. وكلماته النساء كلها.. وأعطتها قدر الضوء من مساحة الشمس..
لنزار وطن يخصه وحده.. ولنزار في قلوبنا أوطان..
هذا الانسان والشاعر والصديق لكل عربي.. هو حتماً المحفز الأقوى للحب الصادق الطاهر الذي يخلو من نكهة الخوف أو الكذب ..
مذ أن تعلمت فتح الكتب غزوت دول نزار.. فقد علمني هذا الشرقي المثقل فخامة.. بأن الكلمة إذا قيلت فلتكن موجعة , لذيذة , حقيقة, محفزة.. وإلا فليكن الصمت سبيلنا ..
لا أحد ينتظر مني رأي عن نزار قباني..
ولانه شاعري الأول ولأنه صديقي ولأنه الأدب السعيد ..
لا يمكنني الصمت..
فهذا هو قيامة العرب الأموات..
أيها الثائر والمحبّ والفنان.. افتقدك الشرق..
صفاء ابو صالح
06-25-2008, 04:17 AM
نزار.. ليس شاعر المرأة والرجل ..والوطن فحسب..
فقد اختزل الرجال كلهم.. وكلماته النساء كلها.. وأعطتها قدر الضوء من مساحة الشمس..
لنزار وطن يخصه وحده.. ولنزار في قلوبنا أوطان..
هذا الانسان والشاعر والصديق لكل عربي.. هو حتماً المحفز الأقوى للحب الصادق الطاهر الذي يخلو من نكهة الخوف أو الكذب ..
مذ أن تعلمت فتح الكتب غزوت دول نزار.. فقد علمني هذا الشرقي المثقل فخامة.. بأن الكلمة إذا قيلت فلتكن موجعة , لذيذة , حقيقة, محفزة.. وإلا فليكن الصمت سبيلنا ..
لا أحد ينتظر مني رأي عن نزار قباني..
ولانه شاعري الأول ولأنه صديقي ولأنه الأدب السعيد ..
لا يمكنني الصمت..
فهذا هو قيامة العرب الأموات..
أيها الثائر والمحبّ والفنان.. افتقدك الشرق..
غاليتي ياسمين
من غزت دول نزار وتتلمذت على أدبة
ليس غريب عليها كل هذا الإبداع والفخامة
فخور أنا بك يا ياسمين
صفاء ابو صالح
07-30-2008, 03:45 PM
قصائد غير منشورة كتبها نزار قباني على فراش المرض
الحياة - 30/07/08
شاعر الغضب لم يسكن غضبه في أيامه الأخيرة، بل ازداد حدّة واستعاراً، شاعر الحبّ لم تخمد في قلبه المريض جذوة الحب، بل اشتدّ اشتعالها... نزار قباني الذي رحل قبل عشرة أعوام يعود الى قرائه في قصائد مجهولة وغير منشورة دأب على كتابتها في عزلته اللندنية وعلى سرير المرض في المستشفى. قصائد لم ينل منها الوهن ولا خمدت فيها روح الثورة ولا هجرها نزق الشباب. ها هو يكتب مثلما اعتاد أن يكتب طوال حياته، بحماسة ولوعة وحنين... وشاء في تلك اللحظات أن يودّع العالم العربي راثياً أحواله البائسة ومعترضاً ومحتجاً بصوته العالي والجريء:
طَعَنُوا العُرُوبةَ في الظلام بخنجرٍ
لا تَسأليني،
يا صديقةُ، مَنْ أنا؟
ما عُدْتُ أعرفُ...
- حينَ اكتُبُ -
ما أُريدُ...
رَحلتْ عباءَاتٌ غَزلتُ خُيُوطَها...
وتَمَلمَلَت منّي
العُيُون السُودُ...
لا الياسمينُ تجيئُني أخبارُهُ...
أمَّا البَريدُ...
فليسَ ثَمَّ بَريدُ...
لم يَبقَ في نَجدٍ... مكانٌ للهوى
أو في الرَصَافَةِ...
طائرٌ غِرِّيدُ...
(...)
لا تسأليني عن مخازي أُمتي
ما عدتُ أعرفُ - حين أغضبُ -
ما أُريدُ...
وإذا السيوفَ تكسرت أنصالُها
فشجاعةُ الكلمات... ليس تُفيدُ...
(...)
لا تسأليني...
من هو المأمونُ... والمنصورُ؟
أو من كان مروانٌ؟
ومن كانَ الرشيدُ؟
أيامَ كان السيفُ مرفوعاً...
وكان الرأسُ مرفوعاً...
وصوتُ الله مسموعاً...
وكانت تملأ الدنيا...
الكتائبُ... والبنودُ...
واليومَ، تختجلُ العروبةُ من عروبتنا...
وتختجلُ الرجولةُ من رجولتنا...
ويختجلُ التهافتُ من تهافتنا...
ويلعننا هشامٌ... والوليدُ!
نايفة حلبي
09-16-2009, 12:50 AM
نزار قباني دبلوماسي و شاعر عربي. ولد في دمشق (سوريا) عام 1923 من عائلة دمشقية عريقة هي أسرة قباني ، حصل على البكالوريا من مدرسة الكلية العلمية الوطنية بدمشق ، ثم التحق بكلية الحقوق بالجامعة السورية وتخرّج فيها عام 1945 .
يقول نزار قباني عن نشأته "ولدت في دمشق في آذار (مارس) 1923 في بيت وسيع، كثير الماء والزهر، من منازل دمشق القديمة، والدي توفيق القباني، تاجر وجيه في حيه، عمل في الحركة الوطنية ووهب حياته وماله لها. تميز أبي بحساسية نادرة وبحبه للشعر ولكل ما هو جميل. ورث الحس الفني المرهف بدوره عن عمه أبي خليل القباني الشاعر والمؤلف والملحن والممثل وباذر أول بذرة في نهضة المسرح المصري. امتازت طفولتي بحب عجيب للاكتشاف وتفكيك الأشياء وردها إلى أجزائها ومطاردة الأشكال النادرة وتحطيم الجميل من الألعاب بحثا عن المجهول الأجمل. عنيت في بداية حياتي بالرسم. فمن الخامسة إلى الثانية عشرة من عمري كنت أعيش في بحر من الألوان. أرسم على الأرض وعلى الجدران وألطخ كل ما تقع عليه يدي بحثا عن أشكال جديدة. ثم انتقلت بعدها إلى الموسيقى ولكن مشاكل الدراسة الثانوية أبعدتني عن هذه الهواية".
التحق بعد تخرجة بالعمل الدبلوماسي ، وتنقل خلاله بين القاهرة ، وأنقرة ، ولندن ، ومدريد ، وبكين ، ولندن. وفي ربيع 1966 ، ترك نزار العمل الدبلوماسي وأسس في بيروت دارا للنشر تحمل اسمه ، وتفرغ للشعر. وكانت ثمرة مسيرته الشعرية إحدى وأربعين مجموعة شعرية ونثرية، كانت أولها " قالت لي السمراء " 1944 .
بدأ أولاً بكتابة الشعر التقليدي ثم انتقل إلى الشعر العمودي، وساهم في تطوير الشعر العربي الحديث إلى حد كبير. يعتبر نزار مؤسس مدرسة شعريه و فكرية، تناولت دواوينه الأربعة الأولى قصائد رومانسية. وكان ديوان "قصائد من نزار قباني" الصادر عام 1956 نقطة تحول في شعر نزار، حيث تضمن هذا الديوان قصيدة "خبز وحشيش وقمر" التي انتقدت بشكل لاذع خمول المجتمع العربي. واثارت ضده عاصفة شديدة حتى أن طالب رجال الدين في سوريا بطرده من الخارجية وفصله من العمل الدبلوماسي. تميز قباني أيضاً بنقده السياسي القوي، من أشهر قصائده السياسية "هوامش على دفتر النكسة" 1967 التي تناولت هزيمة العرب على أيدي إسرائيل في نكسة حزيران. من أهم أعماله "حبيبتي" (1961)، "الرسم بالكلمات" (1966) و"قصائد حب عربية" (1993).
كان لانتحار شقيقته التي أجبرت على الزواج من رجل لم تحبه، أثر كبير في حياته, قرر بعدها محاربة كل الاشياء التي تسببت في موتها. عندما سؤل نزار قبانى اذا كان يعتبر نفسة ثائراً, أجاب الشاعر :" ان الحب في العالم العربي سجين و أنا اريد تحريرة، اريد تحرير الحس و الجسد العربي بشعري، أن العلاقة بين الرجل و المرأة في مجتمعنا غير سليمة".
تزوّج نزار قباني مرتين، الأولى من ابنة عمه "زهراء آقبيق" وأنجب منها هدباء و وتوفيق . و الثانية عراقية هي "بلقيس الراوي" و أنجب منها عُمر و زينب . توفي ابنه توفيق و هو في السابعة عشرة من عمرة مصاباً بمرض القلب و كانت وفاتة صدمة كبيرة لنزار، و قد رثاة في قصيدة إلى الأمير الدمشقي توفيق قباني. وفي عام 1982 قُتلت بلقيس الراوي في انفجار السفارة العراقية ببيروت، وترك رحيلها أثراً نفسياً سيئاً عند نزار ورثاها بقصيدة شهيرة تحمل اسمها بلقيس ..
بعد مقتل بلقيس ترك نزار بيروت وتنقل في باريس وجنيف حتى استقر به المقام في لندن التي قضى بها الأعوام الخمسة عشر الأخيرة من حياته . ومن لندن كان نزار يكتب أشعاره ويثير المعارك والجدل ..خاصة قصائده السياسة خلال فترة التسعينات مثل : متى يعلنون وفاة العرب؟؟ ، و المهرولون .
وافته المنية في لندن يوم 30/4/1998 عن عمر يناهز 75 عاما قضى منها اكثر من 50 عاماً في الحب و السياسة و الثوره .
كل الأساطير ماتت ….
بموتك … وانتحرت شهرزاد .
..
نايفة حلبي
09-16-2009, 12:51 AM
شِعرِ وَقَصآئدْ نِزآرْ قَبآنيْ..
ثقافتنا
فقاقيع من الصابون والوحل
فمازالت بداخلنا
"رواسب من " أبي جهل
ومازلنا
نعيش بمنطق المفتاح والقفل
نلف نساءنا بالقطن
ندفنهن في الرمل
ونملكهن كالسجاد
كالأبقار في الحقل
ونهذا من قوارير
بلا دين ولا عقل
ونرجع أخر الليل
نمارس حقنا الزوجي كالثيران والخيل
نمارسه خلال دقائق خمسه
بلا شوق ... ولا ذوق
ولا ميل
نمارسه .. كالات
تؤدي الفعل للفعل
ونرقد بعدها موتى
ونتركهن وسط النار
وسط الطين والوحل
قتيلات بلا قتل
بنصف الدرب نتركهن
يا لفظاظة الخيل
قضينا العمر في المخدع
وجيش حريمنا معنا
وصك زواجنا معنا
وقلنا : الله قد شرع
ليالينا موزعه
على زوجاتنا الأربع
هنا شفه
هنا ساق
هنا ظفر
هنا إصبع
كأن الدين حانوت
فتحناه لكي نشبع
تمتعنا " بما أيماننا ملكت "
وعشنا من غرائزنا بمستنقع
وزورنا كلام الله
بالشكل الذي ينفع
ولم نخجل بما نصنع
عبثنا في قداسته
نسينا نبل غايته
ولم نذكر
سوى المضجع
ولم نأخذ سوى
زوجاتنا الأربع
..
الشقيقتان
قلم الحمرة .. أختاه .. ففي شرفات الظن، ميعادي معه
أين أصباغي.. ومشطي .. والحلي؟ إن بي وجدا كوجد الزوبعة
ناوليني الثوب من مشجبه ومن الديباج هاتي أروعه
سرحيني .. جمليني .. لوني ظفري الشاحب إني مسرعة
جوربي نار .. فهل أنقذته؟ من يد موشكة أن تقطعه
ما كذبت الله .. فيما أدعي كاد أن يهجر قلبي موضعة
رحمة .. يا هند هل أمضى له وأنا مبهورة .. ممتقعة ..
إنه الآن .. إلى موعدنا جبهة .. باذخة .. مرتفعة
ورداء يحصد الشمس .. جوى وفم لون الفصول الأربعة
لا أسميه .. وإن كان اسمه نقرة العود .. وبوح المزرعة
لو سألت الريش من أجفانه أتقي البرد به .. لاقتلعه
ركزي يا هند شغلى .. فعلى سحبات الرصد ميعادي معه
..
يد
يدك التي حطت على كتفي كحمامة . . نزلت لكي تشرب
عندي تســاوي ألف مملكة يا ليتهـــــــا تبقى ولا تذهب
تلك السبيكة . . كيف أرفضها من يرفض السكنى على كوكب
لهث الخيال على ملاستها وأنهار عند سوارها المذهب
الشمس نائمة على كتفي قبلتهــــا ألفــا ولم أتعب
نهر حريري . . ومروحة صينية . . وقصيدة تكتب
يدك المليسة . . كيف أقنعها أني بها .. أني بها معجب
قولي لها تمضي برحلتها فلها جميع . . جميع ما ترغب
يدك الصغيرة . . نجمة هربت مــاذا أقــول لنجمة تلعب
أنا ساهر .. ومعي يد امرأة بيضاء .. هل اشهى وهل أطيب؟
..
من مفكرة عاشق دمشقي
فرشت فوق ثراك الطاهـر الهدبـا فيا دمشـق... لماذا نبـدأ العتبـا؟
حبيبتي أنـت... فاستلقي كأغنيـةٍ على ذراعي، ولا تستوضحي السببا
أنت النساء جميعاً.. ما من امـرأةٍ أحببت بعدك.. إلا خلتها كـذبا
يا شام، إن جراحي لا ضفاف لها فمسحي عن جبيني الحزن والتعبا
وأرجعيني إلى أسـوار مدرسـتي وأرجعي الحبر والطبشور والكتبا
تلك الزواريب كم كنزٍ طمرت بها وكم تركت عليها ذكريات صـبا
وكم رسمت على جدرانها صـوراً وكم كسرت على أدراجـها لعبا
أتيت من رحم الأحزان... يا وطني أقبل الأرض والأبـواب والشـهبا
حبي هـنا.. وحبيباتي ولـدن هـنا فمـن يعيـد لي العمر الذي ذهبا؟
أنا قبيلـة عشـاقٍ بكامـلـها ومن دموعي سقيت البحر والسحبا
فكـل صفصافـةٍ حولتها امـرأةً و كـل مئذنـةٍ رصـعتها ذهـبا
هـذي البساتـين كانت بين أمتعتي لما ارتحلـت عـن الفيحـاء مغتربا
فلا قميص من القمصـان ألبسـه إلا وجـدت على خيطانـه عنبا
كـم مبحـرٍ.. وهموم البر تسكنه وهاربٍ من قضاء الحب ما هـربا
يا شـام، أيـن هما عـينا معاويةٍ وأيـن من زحموا بالمنكـب الشهبا
فلا خيـول بني حمـدان راقصـةٌ زهــواً... ولا المتنبي مالئٌ حـلبا
وقبـر خالد في حـمصٍ نلامسـه فـيرجف القبـر من زواره غـضبا
يا رب حـيٍ.. رخام القبر مسكنـه ورب ميتٍ.. على أقدامـه انتصـبا
يا ابن الوليـد.. ألا سيـفٌ تؤجره؟ فكل أسيافنا قد أصبحـت خشـبا
دمشـق، يا كنز أحلامي ومروحتي أشكو العروبة أم أشكو لك العربا؟
أدمـت سياط حزيران ظهورهم فأدمنوها.. وباسوا كف من ضربا
وطالعوا كتب التاريخ.. واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا؟
سقـوا فلسطـين أحلاماً ملونةً وأطعموها سخيف القول والخطبا
وخلفوا القدس فوق الوحل عاريةً تبيح عـزة نهديها لمـن رغبـا..
هل من فلسطين مكتوبٌ يطمئنني عمن كتبت إليه.. وهو ما كتبا؟
وعن بساتين ليمونٍ، وعن حلمٍ يزداد عني ابتعاداً.. كلما اقتربا
أيا فلسطين.. من يهديك زنبقةً؟ ومن يعيد لك البيت الذي خربا؟
شردت فوق رصيف الدمع باحثةً عن الحنان، ولكن ما وجدت أبا..
تلفـتي... تجـدينا في مـباذلنا.. من يعبد الجنس، أو من يعبد الذهبا
فواحـدٌ أعمـت النعمى بصيرته فانحنى وأعطى الغـواني كـل ما كسبا
وواحدٌ ببحـار النفـط مغتسـلٌ قد ضاق بالخيش ثوباً فارتدى القصبا
وواحـدٌ نرجسـيٌ في سـريرته وواحـدٌ من دم الأحرار قد شربا
إن كان من ذبحوا التاريخ هم نسبي على العصـور.. فإني أرفض النسبا
يا شام، يا شام، ما في جعبتي طربٌ أستغفر الشـعر أن يستجدي الطربا
ماذا سأقرأ مـن شعري ومن أدبي؟ حوافر الخيل داسـت عندنا الأدبا
وحاصرتنا.. وآذتنـا.. فلا قلـمٌ قال الحقيقة إلا اغتيـل أو صـلبا
يا من يعاتب مذبوحـاً على دمـه ونزف شريانه، ما أسهـل العـتبا
من جرب الكي لا ينسـى مواجعه ومن رأى السم لا يشقى كمن شربا
حبل الفجيعة ملتفٌ عـلى عنقي من ذا يعاتب مشنوقاً إذا اضطربا؟
الشعر ليـس حمامـاتٍ نـطيرها نحو السماء، ولا ناياً.. وريح صبا
لكنه غضـبٌ طـالت أظـافـره ما أجبن الشعر إن لم يركب الغضبا
..
قصيدة غير منتهية في تعريف العشق
1
.. عندما قررت أن أكتب عن تجربتي في الحب،
فكرت كثيرا..
ما الذي تجدي اعترافاتي؟
وقبلي كتب الناس عن الحب كثيرا..
صوروه فوق حيطان المغارات،
وفي أوعية الفخار والطين، قديما
نقشوه فوق عاج الفيل في الهند..
وفوق الورق البردي في مصر ،
وفوق الرز في الصين..
وأهدوه القرابين، وأهدوه النذورا..
عندما قررت أن أنشر أفكاري عن العشق.
ترددت كثيرا..
فأنا لست بقسيس،
ولا مارست تعليم التلاميذ،
ولا أؤمن أن الورد..
مضطر لأن يشرح للناس العبيرا..
ما الذي أكتب يا سيدتي؟
إنها تجربتي وحدي..
وتعنيني أنا وحدي..
إنها السيف الذي يثقبني وحدي..
فأزداد مع الموت حضورا..
2
عندما سافرت في بحرك يا سيدتي..
لم أكن أنظر في خارطة البحر،
ولم أحمل معي زورق مطاط..
ولا طوق نجاة..
بل تقدمت إلى نارك كالبوذي..
واخترت المصيرا..
لذتي كانت بأن أكتب بالطبشور..
عنواني على الشمس..
وأبني فوق نهديك الجسورا..
3
حين أحببتك..
لاحظت بأن الكرز الأحمر في بستاننا
أصبح جمرا مستديرا..
وبأن السمك الخائف من صنارة الأولاد..
يأتي بالملايين ليلقي في شواطينا البذورا..
وبأن السرو قد زاد ارتفاعا..
وبأن العمر قد زاد اتساعا..
وبأن الله ..
قد عاد إلى الأرض أخيرا..
4
حين أحببتك ..
لاحظت بأن الصيف يأتي..
عشر مرات إلينا كل عام..
وبأن القمح ينمو..
عشر مرات لدينا كل يوم
وبأن القمر الهارب من بلدتنا..
جاء يستأجر بيتا وسريرا..
وبأن العرق الممزوج بالسكر والينسون..
قد طاب على العشق كثيرا..
5
حين أحببتك ..
صارت ضحكة الأطفال في العالم أحلى..
ومذاق الخبز أحلى..
وسقوط الثلج أحلى..
ومواء القطط السوداء في الشارع أحلى..
ولقاء الكف بالكف على أرصفة " الحمراء " أحلى ..
والرسومات الصغيرات التي نتركها في فوطة المطعم أحلى..
وارتشاف القهوة السوداء..
والتدخين..
والسهرة في المسح ليل السبت..
والرمل الذي يبقي على أجسادنا من عطلة الأسبوع،
واللون النحاسي على ظهرك، من بعد ارتحال الصيف،
أحلى..
والمجلات التي نمنا عليها ..
وتمددنا .. وثرثرنا لساعات عليها ..
أصبحت في أفق الذكرى طيورا...
6
حين أحببتك يا سيدتي
طوبوا لي ..
كل أشجار الأناناس بعينيك ..
وآلاف الفدادين على الشمس،
وأعطوني مفاتيح السماوات..
وأهدوني النياشين..
وأهدوني الحريرا
7
عندما حاولت أن أكتب عن حبي ..
تعذبت كثيرا..
إنني في داخل البحر ...
وإحساسي بضغط الماء لا يعرفه
غير من ضاعوا بأعماق المحيطات دهورا.
8
ما الذي أكتب عن حبك يا سيدتي؟
كل ما تذكره ذاكرتي..
أنني استيقظت من نومي صباحا..
لأرى نفسي أميرا ..
..
المحاكمة
يعانق الشرق أشعاري .. ويلعنها
فألف شكر لمن أطرى . . ومن لعنا
فكم مذبوحة . .دافعت عن دمها
وكل خائفة أهديتها وطنا
وكل نهد . .أنا أيدت ثورته
وما ترددت في أن أدفع الثمنا
أنا مع الحب حتى حين يقتلني
إذا تخليت عن عشقي .. فلست أنا
..
منشورَاتٌ فِدَائيّة على جُدْرَانِ إسْرائيل
لن تجعلوا من شعبنا
شعب هنودٍ حمر..
فنحن باقون هنا..
في هذه الأرض التي تلبس في معصمها
إسوارةً من زهر
فهذه بلادنا..
فيها وجدنا منذ فجر العمر
فيها لعبنا، وعشقنا، وكتبنا الشعر
مشرشون نحن في خلجانها
مثل حشيش البحر..
مشرشون نحن في تاريخها
في خبزها المرقوق، في زيتونها
في قمحها المصفر
مشرشون نحن في وجدانها
باقون في آذارها
باقون في نيسانها
باقون كالحفر على صلبانها
باقون في نبيها الكريم، في قرآنها..
وفي الوصايا العشر..
2
لا تسكروا بالنصر…
إذا قتلتم خالداً.. فسوف يأتي عمرو
وإن سحقتم وردةً..
فسوف يبقى العطر
3
لأن موسى قطعت يداه..
ولم يعد يتقن فن السحر..
لأن موسى كسرت عصاه
ولم يعد بوسعه شق مياه البحر
لأنكم لستم كأمريكا.. ولسنا كالهنود الحمر
فسوف تهلكون عن آخركم
فوق صحاري مصر…
4
المسجد الأقصى شهيدٌ جديد
نضيفه إلى الحساب العتيق
وليست النار، وليس الحريق
سوى قناديلٍ تضيء الطريق
5
من قصب الغابات
نخرج كالجن لكم.. من قصب الغابات
من رزم البريد، من مقاعد الباصات
من علب الدخان، من صفائح البنزين، من شواهد الأموات
من الطباشير، من الألواح، من ضفائر البنات
من خشب الصلبان، ومن أوعية البخور، من أغطية الصلاة
من ورق المصحف نأتيكم
من السطور والآيات…
فنحن مبثوثون في الريح، وفي الماء، وفي النبات
ونحن معجونون بالألوان والأصوات..
لن تفلتوا.. لن تفلتوا..
فكل بيتٍ فيه بندقيه
من ضفة النيل إلى الفرات
6
لن تستريحوا معنا..
كل قتيلٍ عندنا
يموت آلافاً من المرات…
7
إنتبهوا.. إنتبهوا…
أعمدة النور لها أظافر
وللشبابيك عيونٌ عشر
والموت في انتظاركم في كل وجهٍ عابرٍ…
أو لفتةٍ.. أو خصر
الموت مخبوءٌ لكم.. في مشط كل امرأةٍ..
وخصلةٍ من شعر..
8
يا آل إسرائيل.. لا يأخذكم الغرور
عقارب الساعات إن توقفت، لا بد أن تدور..
إن اغتصاب الأرض لا يخيفنا
فالريش قد يسقط عن أجنحة النسور
والعطش الطويل لا يخيفنا
فالماء يبقى دائماً في باطن الصخور
هزمتم الجيوش.. إلا أنكم لم تهزموا الشعور
قطعتم الأشجار من رؤوسها.. وظلت الجذور
9
ننصحكم أن تقرأوا ما جاء في الزبور
ننصحكم أن تحملوا توراتكم
وتتبعوا نبيكم للطور..
فما لكم خبزٌ هنا.. ولا لكم حضور
من باب كل جامعٍ..
من خلف كل منبرٍ مكسور
سيخرج الحجاج ذات ليلةٍ.. ويخرج المنصور
10
إنتظرونا دائماً..
في كل ما لا ينتظر
فنحن في كل المطارات، وفي كل بطاقات السفر
نطلع في روما، وفي زوريخ، من تحت الحجر
نطلع من خلف التماثيل وأحواض الزهر..
رجالنا يأتون دون موعدٍ
في غضب الرعد، وزخات المطر
يأتون في عباءة الرسول، أو سيف عمر..
نساؤنا.. يرسمن أحزان فلسطين على دمع الشجر
يقبرن أطفال فلسطين، بوجدان البشر
يحملن أحجار فلسطين إلى أرض القمر..
11
لقد سرقتم وطناً..
فصفق العالم للمغامره
صادرتم الألوف من بيوتنا
وبعتم الألوف من أطفالنا
فصفق العالم للسماسره..
سرقتم الزيت من الكنائس
سرقتم المسيح من بيته في الناصره
فصفق العالم للمغامره
وتنصبون مأتماً..
إذا خطفنا طائره
12
تذكروا.. تذكروا دائماً
بأن أمريكا – على شأنها –
ليست هي الله العزيز القدير
وأن أمريكا – على بأسها –
لن تمنع الطيور أن تطير
قد تقتل الكبير.. بارودةٌ
صغيرةٌ.. في يد طفلٍ صغير
13
ما بيننا.. وبينكم.. لا ينتهي بعام
لا ينتهي بخمسةٍ.. أو عشرةٍ.. ولا بألف عام
طويلةٌ معارك التحرير كالصيام
ونحن باقون على صدوركم..
كالنقش في الرخام..
باقون في صوت المزاريب.. وفي أجنحة الحمام
باقون في ذاكرة الشمس، وفي دفاتر الأيام
باقون في شيطنة الأولاد.. في خربشة الأقلام
باقون في الخرائط الملونه
باقون في شعر امرئ القيس..
وفي شعر أبي تمام..
باقون في شفاه من نحبهم
باقون في مخارج الكلام..
14
موعدنا حين يجيء المغيب
موعدنا القادم في تل أبيب
"نصرٌ من الله وفتحٌ قريب"
15
ليس حزيران سوى يومٍ من الزمان
وأجمل الورود ما ينبت في حديقة الأحزان..
16
للحزن أولادٌ سيكبرون..
للوجع الطويل أولادٌ سيكبرون
للأرض، للحارات، للأبواب، أولادٌ سيكبرون
وهؤلاء كلهم..
تجمعوا منذ ثلاثين سنه
في غرف التحقيق، في مراكز البوليس، في السجون
تجمعوا كالدمع في العيون
وهؤلاء كلهم..
في أي.. أي لحظةٍ
من كل أبواب فلسطين سيدخلون..
17
..وجاء في كتابه تعالى:
بأنكم من مصر تخرجون
وأنكم في تيهها، سوف تجوعون، وتعطشون
وأنكم ستعبدون العجل دون ربكم
وأنكم بنعمة الله عليكم سوف تكفرون
وفي المناشير التي يحملها رجالنا
زدنا على ما قاله تعالى:
سطرين آخرين:
ومن ذرى الجولان تخرجون
وضفة الأردن تخرجون
بقوة السلاح تخرجون..
18
سوف يموت الأعور الدجال
سوف يموت الأعور الدجال
ونحن باقون هنا، حدائقاً، وعطر برتقال
باقون فيما رسم الله على دفاتر الجبال
باقون في معاصر الزيت.. وفي الأنوال
في المد.. في الجزر.. وفي الشروق والزوال
باقون في مراكب الصيد، وفي الأصداف، والرمال
باقون في قصائد الحب، وفي قصائد النضال
باقون في الشعر، وفي الأزجال
باقون في عطر المناديل..
في (الدبكة) و (الموال)..
في القصص الشعبي، والأمثال
باقون في الكوفية البيضاء، والعقال
باقون في مروءة الخيل، وفي مروءة الخيال
باقون في (المهباج) والبن، وفي تحية الرجال للرجال
باقون في معاطف الجنود، في الجراح، في السعال
باقون في سنابل القمح، وفي نسائم الشمال
باقون في الصليب..
باقون في الهلال..
في ثورة الطلاب، باقون، وفي معاول العمال
باقون في خواتم الخطبة، في أسرة الأطفال
باقون في الدموع..
باقون في الآمال
19
تسعون مليوناً من الأعراب خلف الأفق غاضبون
با ويلكم من ثأرهم..
يوم من القمقم يطلعون..
20
لأن هارون الرشيد مات من زمان
ولم يعد في القصر غلمانٌ، ولا خصيان
لأننا من قتلناه، وأطعمناه للحيتان
لأن هارون الرشيد لم يعد إنسان
لأنه في تحته الوثير لا يعرف ما القدس.. وما بيسان
فقد قطعنا رأسه، أمس، وعلقناه في بيسان
لأن هارون الرشيد أرنبٌ جبان
فقد جعلنا قصره قيادة الأركان..
21
ظل الفلسطيني أعواماً على الأبواب..
يشحذ خبز العدل من موائد الذئاب
ويشتكي عذابه للخالق التواب
وعندما.. أخرج من إسطبله حصاناً
وزيت البارودة الملقاة في السرداب
أصبح في مقدوره أن يبدأ الحساب..
22
نحن الذين نرسم الخريطه
ونرسم السفوح والهضاب..
نحن الذين نبدأ المحاكمه
ونفرض الثواب والعقاب..
23
العرب الذين كانوا عندكم مصدري أحلام
تحولوا بعد حزيران إلى حقلٍ من الألغام
وانتقلت (هانوي) من مكانها..
وانتقلت فيتنام..
24
حدائق التاريخ دوماً تزهر..
ففي ذرى الأوراس قد ماج الشقيق الأحمر..
وفي صحاري ليبيا.. أورق غصنٌ أخضر..
والعرب الذين قلتم عنهم: تحجروا
تغيروا..
تغيروا
25
أنا الفلسطيني بعد رحلة الضياع والسراب
أطلع كالعشب من الخراب
أضيء كالبرق على وجوهكم
أهطل كالسحاب
أطلع كل ليلةٍ..
من فسحة الدار، ومن مقابض الأبواب
من ورق التوت، ومن شجيرة اللبلاب
من بركة الدار، ومن ثرثرة المزراب
أطلع من صوت أبي..
من وجه أمي الطيب الجذاب
أطلع من كل العيون السود والأهداب
ومن شبابيك الحبيبات، ومن رسائل الأحباب
أفتح باب منزلي.
أدخله. من غير أن أنتظر الجواب
لأنني أنا.. السؤال والجواب
26
محاصرون أنتم بالحقد والكراهيه
فمن هنا جيش أبي عبيدةٍ
ومن هنا معاويه
سلامكم ممزقٌ..
وبيتكم مطوقٌ
كبيت أي زانيه..
27
نأتي بكوفياتنا البيضاء والسوداء
نرسم فوق جلدكم إشارة الفداء
من رحم الأيام نأتي كانبثاق الماء
من خيمة الذل التي يعلكها الهواء
من وجع الحسين نأتي.. من أسى فاطمة الزهراء
من أحدٍ نأتي.. ومن بدرٍ.. ومن أحزان كربلاء
نأتي لكي نصحح التاريخ والأشياء
ونطمس الحروف..
في الشوارع العبرية الأسماء..
نايفة حلبي
09-16-2009, 12:52 AM
أشهد أن لا أمرأه إلا أنت
أشهد أن لا امرأة ً
أتقنت اللعبة إلا أنت
واحتملت حماقتي
عشرة أعوام كما احتملت
واصطبرت على جنوني مثلما صبرت
وقلمت أظافري
ورتبت دفاتري
وأدخلتني روضة الأطفال
إلا أنت ..
2
أشهد أن لا امرأة ً
تشبهني كصورة زيتية
في الفكر والسلوك إلا أنت
والعقل والجنون إلا أنت
والملل السريع
والتعلق السريع
إلا أنت ..
أشهد أن لا امرأة ً
قد أخذت من اهتمامي
نصف ما أخذت
واستعمرتني مثلما فعلت
وحررتني مثلما فعلت
3
أشهد أن لا امرأة ً
تعاملت معي كطفل عمره شهران
إلا أنت ..
وقدمت لي لبن العصفور
والأزهار والألعاب
إلا أنت ..
أشهد أن لا امرأة ً
كانت معي كريمة كالبحر
راقية كالشعر
ودللتني مثلما فعلت
وأفسدتني مثلما فعلت
أشهد أن لا امرأة
قد جعلت طفولتي
تمتد للخمسين .. إلا أنت
4
أشهد أن لا امرأة ً
تقدرأن تقول إنها النساء .. إلا أنت
وإن في سرتها
مركز هذا الكون
أشهد أن لا امرأة ً
تتبعها الأشجار عندما تسير
إلا أنت ..
ويشرب الحمام من مياه جسمها الثلجي
إلا أنت ..
وتأكل الخراف من حشيش إبطها الصيفي
إلا أنت
أشهد أن لا امرأة ً
إختصرت بكلمتين قصة الأنوثة
وحرضت رجولتي علي
إلا أنت ..
5
أشهد أن لا امرأة ً
توقف الزمان عند نهدها الأيمن
إلا أنت ..
وقامت الثورات من سفوح نهدها الأيسر
إلا أنت ..
أشهد أن لا امرأة ً
قد غيرت شرائع العالم إلا أنت
وغيرت
خريطة الحلال والحرام
إلا أنت ..
6
أشهد أن لا امرأة ً
تجتاحني في لحظات العشق كالزلزال
تحرقني .. تغرقني
تشعلني .. تطفئني
تكسرني نصفين كالهلال
أشهد أن لا امرأة ً
تحتل نفسي أطول احتلال
وأسعد احتلال
تزرعني
وردا دمشقيا
ونعناعا
وبرتقال
يا امرأة
اترك تحت شعرها أسئلتي
ولم تجب يوما على سؤال
يا امرأة هي اللغات كلها
لكنها
تلمس بالذهن ولا تقال
7
أيتها البحرية العينين
والشمعية اليدين
والرائعة الحضور
أيتها البيضاء كالفضة
والملساء كالبلور
أشهد أن لا امرأة ً
على محيط خصرها . .تجتمع العصور
وألف ألف كوكب يدور
أشهد أن لا امرأة ً .. غيرك يا حبيبتي
على ذراعيها تربى أول الذكور
وآخر الذكور
8
أيتها اللماحة الشفافة
العادلة الجميلة
أيتها الشهية البهية
الدائمة الطفوله
أشهد أن لا امرأة ً
تحررت من حكم أهل الكهف إلا أنت
وكسرت أصنامهم
وبددت أوهامهم
وأسقطت سلطة أهل الكهف إلا أنت
أشهد أن لا امرأة
إستقبلت بصدرها خناجر القبيلة
واعتبرت حبي لها
خلاصة الفضيله
9
أشهد أن لا امرأة ً
جاءت تماما مثلما انتظرت
وجاء طول شعرها أطول مما شئت أو حلمت
وجاء شكل نهدها
مطابقا لكل ما خططت أو رسمت
أشهد أن لا امرأة ً
تخرج من سحب الدخان .. إن دخنت
تطير كالحمامة البيضاء في فكري .. إذا فكرت
يا امرأة ..كتبت عنها كتبا بحالها
لكنها برغم شعري كله
قد بقيت .. أجمل من جميع ما كتبت
10
أشهد أن لا امرأة ً
مارست الحب معي بمنتهى الحضاره
وأخرجتني من غبار العالم الثالث
إلا أنت
أشهد أن لا امرأة ً
قبلك حلت عقدي
وثقفت لي جسدي
وحاورته مثلما تحاور القيثاره
أشهد أن لا امرأة ً
إلا أنت ..
إلا أنت ..
إلا أنت ..
..
هجم النفط مثل ذئب علينا
من بحار النزيف.. جاء إليكم
حاملاً قلبه على كفيه
ساحباً خنجر الفضيحة والشعر،
ونار التغيير في عينيه
نازعاً معطف العروبة عنه
قاتلاً، في ضميره، أبويه
كافراً بالنصوص، لا تسألوه
كيف مات التاريخ في مقلتيه
كسرته بيروت مثل إناءٍ
فأتى ماشياً على جفنيه
أين يمضي؟ كل الخرائط ضاعت
أين يأوي؟ لا سقف يأوي إليه
ليس في الحي كله قرشيٌ
غسل الله من قريشٍ يديه
هجم النفط مثل ذئبٍ علينا
فارتمينا قتلى على نعليه
وقطعنا صلاتنا.. واقتنعنا
أن مجد الغني في خصيتيه
أمريكا تجرب السوط فينا
وتشد الكبير من أذنيه
وتبيع الأعراب أفلام فيديو
وتبيع الكولا إلى سيبويه
أمريكا ربٌ.. وألف جبانٍ
بيننا، راكعٌ على ركبتيه
من خراب الخراب.. جاء إليكم
حاملاً موته على كتفيه
أي شعرٍ ترى، تريدون منه
والمسامير، بعد، في معصميه؟
يا بلاداً بلا شعوبٍ.. أفيقي
واسحبي المستبد من رجليه
يا بلاداً تستعذب القمع.. حتى
صار عقل الإنسان في قدميه
كيف يا سادتي، يغني المغني
بعدما خيطوا له شفتيه؟
هل إذا مات شاعرٌ عربيٌ
يجد اليوم من يصلي عليه؟...
من شظايا بيروت.. جاء إليكم
والسكاكين مزقت رئتيه
رافعاً راية العدالة والحب..
وسيف الجلاد يومي إليه
قد تساوت كل المشانق طولاً
وتساوى شكل السجون لديه
لا يبوس اليدين شعري.. وأحرى
بالسلاطين، أن يبوسوا يديه
بيروت 14/10/1984
..
حبيبتي هي القانون
أيتها الأنثى التي في صوتها
تمتزج الفضة . . بالنبيذ . . بالأمطار
ومن مرايا ركبتيها يطلع النهار
ويستعد العمر للإبحار
أيتها الأنثى التي
يختلط البحر بعينيها مع الزيتون
يا وردتي
ونجمتي
وتاج رأسي
ربما أكون
مشاغبا . . أو فوضوي الفكر
أو مجنون
إن كنت مجنونا . . وهذا ممكن
فأنت يا سيدتي
مسؤولة عن ذلك الجنون
أو كنت ملعونا وهذا ممكن
فكل من يمارس الحب بلا إجازة
في العالم الثالث
يا سيدتي ملعون
فسامحيني مرة واحدة
إذا انا خرجت عن حرفية القانون
فما الذي أصنع يا ريحانتي ؟
إن كان كل امرأة أحببتها
صارت هي القانون
..
قصيدة اعتذار لأبي تمام
أحبائي :
إذا جئنا لنحضر حفلة للزار ..
منها يضجر الضجر
إذا كانت طبول الشعر ، يا سادة
تفرقنا .. وتجمعنا
وتعطينا حبوب النوم في فمنا
وتسطلنا .. وتكسرنا.
كما الأوراق في تشرين تنكسر
فإني سوف أعتذر ..
2
أحبائي :
إذا كنا سنرقص دون سيقان .. كعادتنا
ونخطب دون أسنان .. كعادتنا ..
ونؤمن دون إيمان .. كعادتنا ..
ونشنق كل من جاؤوا إلى القاعة
على حبل طويل من بلاغتنا
سأجمع كل أوراقي..
وأعتذر...
3
إذا كنا سنبقي أيها السادة
ليوم الدين .. مختلفين حول كتابة الهمزة ..
وحول قصيدة نسبت إلى عمرو بن كلثوم ..
إذا كنا سنقرأ مرة أخرى
قصائدنا التي كنا قرأناها ..
ونمضغ مرة أخرى
حروف النصب والجر .. التي كنا مضغناها
إذا كنا سنكذب مرة أخرى
ونخدع مرة أخرى الجماهير التي كنا خدعناها
ونرعد مرة أخرى ، ولا مطر ..
سأجمع كل أرواقي ..
وأعتذر..
4
إذا كان تلاقينا
لكي نتبادل الانخاب، أو نسكر ..
ونستلقي على تخت من الريحان والعنبر
إذا كنا نظن الشعر راقصة .. مع الأفراح تستأجر
وفي الميلاد ، والتأبين تستأجر
ونتلوه كما نتلو كلام الزير أو عنتر
إذا كانت هموم الشعر يا سادة
هي الترفيه عن معشوقة القيصر
ورشوة كل من في القصر من حرس .. ومن عسكر ..
إذا كنا سنسرق خطبة الحجاج : والحجاج .. والمنبر ..
ونذبح بعضنا بعضا لنعرف من بنا أشعر ..
فأكبر شاعر فينا هو الخنجر..
5
أبا تمام .. أين تكون .. أين حديثك العطر؟
وأين يد مغامرة تسافر في مجاهيل ، وتبتكر ..
أبا تمام ..
أرملة قصائدنا .. وأرملة كتابتنا ..
وأرملة هي الألفاظ والصور..
فلا ماء يسيل على دفاترنا..
ولا ريح تهب على مراكبنا
ولا شمس ولا قمر
أبا تمام، دار الشعر دورته
وثار اللفظ .. والقاموس..
ثار البدو والحضر ..
ومل البحر زرقته ..
ومل جذوعه الشجر
ونحن هنا ..
كأهل الكهف .. لا علم ولا خبر
فلا ثوارنا ثاروا ..
ولا شعراؤنا شعروا ..
أبا تمام : لا تقرأ قصائدنا ..
فكل قصورنا ورق ..
وكل دموعنا حجر ..
6
أبا تمام : إن الشعر في أعماقه سفر
وإبحار إلى الآتي .. وكشف ليس ينتظر
ولكنا .. جعلنا منه شيئا يشبه الزفة
وإيقاعا نحاسيا، يدق كأنه القدر ..
7
أمير الحرف .. سامحنا
فقد خنا جميعا مهنة الحرف
وأرهقناه بالتشطير ، والتربيع ، والتخميس ، والوصف
أبا تمام .. إن النار تأكلنا
وما زلنا نجادل بعضنا بعضا ..
عن المصروف .. والممنوع من صرف ..
وجيش الغاصب المحتل ممنوع من الصرف!!
وما زلنا نطقطق عظيم أرجلنا
ونقعد في بيوت الله ننتظر ..
بأن يأتي الإمام على .. أو يأتي لنا عمر
ولن يأتوا .. ولن يأتوا
فلا أحدا بسيف سواه ينتصر ..
8
أبا تمام : إن الناس بالكلمات قد كفروا
وبالشعراء قد كفروا..
فقل لي أيها الشاعر
لماذا الشعر حين يشيخ
لا يستل سكينا .. وينتحر؟
..
خبز وحشيش وقمر
عندما يولد في الشرق القمر..
فالسطوح البيض تغفو
تحت أكداس الزهر..
يترك الناس الحوانيت و يمضون زمر
لملاقاة القمر..
يحملون الخبز.. و الحاكي..إلى رأس الجبال
و معدات الخدر..
و يبيعون..و يشرون..خيال
و صور..
و يموتون إذا عاش القمر..
***
ما الذي يفعله قرص ضياء؟
ببلادي..
ببلاد الأنبياء..
و بلاد البسطاء..
ماضغي التبغ و تجار الخدر..
ما الذي يفعله فينا القمر؟
فنضيع الكبرياء..
و نعيش لنستجدي السماء..
ما الذي عند السماء؟
لكسالى..ضعفاء..
يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمر..
و يهزون قبور الأولياء..
علها ترزقهم رزاً.. و أطفالاً..قبور الأولياء
و يمدون السجاجيد الأنيقات الطرر..
يتسلون بأفيونٍ نسميه قدر..
و قضاء..
في بلادي.. في بلاد البسطاء..
***
أي ضعفً و انحلال..
يتولانا إذا الضوء تدفق
فالسجاجيد.. و آلاف السلال..
و قداح الشاي .. و الأطفال..تحتل التلال
في بلادي
حيث يبكي الساذجون
و يعيشون على الضوء الذي لا يبصرون..
في بلادي
حيث يحيا الناس من دون عيون..
حيث يبكي الساذجون..
و يصلون..
و يزنون..
و يحيون اتكال..
منذ أن كانوا يعيشون اتكال..
و ينادون الهلال:
" يا هلال..
أيها النبع الذي يمطر ماس..
و حشيشياً..و نعاس..
أيها الرب الرخامي المعلق
أيها الشيء الذي ليس يصدق"..
دمت للشرق..لنا
عنقود ماس
للملايين التي عطلت فيها الحواس
***
في ليالي الشرق لما..
يبلغ البدر تمامه..
يتعرى الشرق من كل كرامه
و نضال..
فالملايين التي تركض من غير نعال..
و التي تؤمن في أربع زوجاتٍ..
و في يوم القيامه..
الملايين التي لا تلتقي بالخبز..
إلا في الخيال..
و التي تسكن في الليل بيوتاً من سعال..
أبداً.. ما عرفت شكل الدواء..
تتردى جثثاً تحت الضياء..
في بلادي.. حيث يبكي الأغبياء..
و يموتون بكاء..
كلما حركهم عودٌ ذليلٌ..و "ليالي"
ذلك الموت الذي ندعوه في الشرق..
"ليالي"..و غناء
في بلادي..
في بلاد البسطاء..
حيث نجتر التواشيح الطويلة..
ذلك السثل الذي يفتك بالشرق..
التواشيح الطويلة..
شرقنا المجتر..تاريخاً
و أحلاماً كسولة..
و خرافاتٍ خوالي..
شرقنا, الباحث عن كل بطولة..
في أبي زيد الهلالي..
..
مع جريدة
أخرج من معطفه الجريده..
وعلبة الثقاب
ودون أن يلاحظ اضطرابي..
ودونما اهتمام
تناول السكر من أمامي..
ذوب في الفنجان قطعتين
ذوبني.. ذوب قطعتين
وبعد لحظتين
ودون أن يراني
ويعرف الشوق الذي اعتراني..
تناول المعطف من أمامي
وغاب في الزحام
مخلفاً وراءه.. الجريده
وحيدةً
مثلي أنا.. وحيده
..
رسالة من سيدة حاقدة
لا تدخلي
وسددت في وجهي الطريق بمرفقيك … وزعمت لي …
أن الرفاق أتوا إليك … أهم الرفاق أتوا إليك
أم أن سيدةً لديك … تحتل بعدي ساعديك ؟
وصرخت محتدماً : قفي ! والريح … تمضغ معطفي …
والذل يكسو موقفي … لا تعتذر يا نذل لا تتأسف
أنا لست آسفةً عليك … لكن على قلبي الوفي
قلبي الذي لم تعرف … ماذا لو انك يا دني … أخبرتني
أني انتهى أمري لديك … فجميع ما وشوشتني
أيام كنت تحبني … من أنني …
بيت الفراشة مسكني … وغدي انفراط السوسن
أنكرته أصلاً كما أنكرتني …
لا تعتذر …
فالإثم … يحصد حاجبيك وخطوط أحمرها تصيح بوجنتيك
ورباطك … المشدوه … يفضح
ما لديك … ومن لديك
يا من وقفت دمي عليك
وذللتني ونفضتني
كذبابةٍ عن عارضيك
ودعوت سيدةً إليك ………… وأهنتني
من بعد ما كنت الضياء بناظريك …
إني أراها في جوار الموقد … أخذت هنالك مقعدي …
في الركن … ذات المقـعد …
وأراك تمنحها يداً … مثلوجةً … ذات اليد …
ستردد القصص التي أسمعتني …
ولسوف تخبرها بما أخبرتني …
وسترفع الكأس التي جرعتني …
كأساً بها سممتني
حتى إذا عادت إليك … لترود موعدها الهني …
أخبرتها أن الرفاق أتوا إليك …
وأضعت رونقها كما ضيعتني …
..
تقرير سري جداً من بلاد قمعستان
لم يبق فيهم لا أبو بكر.. ولا عثمان..
جميعهم هياكل عظمية في متحف الزمان..
تساقط الفرسان عن سروجهم..
وأعلنت دويلة الخصيان..
واعتقل المؤذنون في بيوتهم ..
و ألغي الأذان..
جميعهم تضخمت أثداؤهم..
وأصبحوا نسوان..
جميعهم يأتيهم الحيض، ومشغولون بالحمل
وبالرضاعة..
جميعهم قد ذبحوا خيولهم..
وارتهنوا سيوفهم..
وقدموا نساءهم هدية لقائد الرومان..
ما كان يدعى ببلاد الشام يوماً..
صار في الجغرافيا..
يدعى (يهودستان)..
الله .. يا زمان..
2
لم يبق في دفاتر التاريخ
لا سيف ولا حصان
جميعهم قد تركوا نعالهم
وهربوا أموالهم
وخلفوا وراءهم اطفالهم
وانسحبوا الى مقاهي الموت والنسيان
جميعهم تخنثوا...
تكحلوا...
تعطروا...
تمايلوا أغصان خيزران
حتى تظن خالدا ... سوزان
ومريما .. مروان
الله ... يا زمان...
3
جميعهم موتى ... ولم يبق سوى لبنان
يلبس في كل صباح كفناً
ويشعل الجنوب إصراراً وعنفوان
جميعهم قد دخلوا جحورهم
واستمتعوا بالمسك, والنساء, والريحان
جميعهم مدجن, مروض, منافق, مزدوج .. جبان
ووحده لبنان
يصفع امريكا بلا هوادة
ويشعل المياه والشطان
في حين ألف حاكم مؤمرك
يأخذها بالصدر والأحضان
هل ممكن ان يعقد الانسان صلحا دائما مع الهوان؟
الله ... يا زمان ..
4
هل تعرفون من أنا
مواطن يسكن في دولة (قمعستان)
وهذه الدولة ليست نكتة مصرية
او صورة منقولة عن كتب البديع والبيان
فأرض (قمعستان) جاء ذكرها
في معجم البلدان ...
وأن من أهم صادراتها
حقائبا جلدية
مصنوعة من جسد الانسان
الله ... يا زمان ...
5
هل تطلبون نبذة صغيرة عن أرض (قمعستان)
تلك التي تمتد من شمال افريقيا
إلى بلاد نفطستان
تلك التي تمتد من شواطئ القهر الى شواطئ
القتل
الى شواطئ السحل, الى شواطئ الاحزان ..
وسيفها يمتد بين مدخل الشريان والشريان
ملوكها يقرفصون فوق رقبة الشعوب بالوراثة
ويفقأون أعين الأطفال بالوراثه
ويكرهون الورق الابيض, والمداد, والاقلام بالوراثة
واول البنود في دستورها:
يقضي بأن تلغى غريزة الكلام في الإنسان
الله ... يا زمان ...
6
هل تعرفون من أنا؟
مواطن يسكن في دولة (قمعستان)
مواطن...
يحلم في يوم من الايام أن يصبح في مرتبة الحيوان
مواطن يخاف أن يجلس في المقهى .. لكي
لا تطلع الدولة من غياهب الفنجان
مواطن أن يخاف أن يقرب زوجته
قبيل أن تراقب المباحث المكان
مواطن أنا من شعب قمعستان
أخاف أن أدخل أي مسجد
كي لا يقال إني رجل يمارس الإيمان
كي لا يقول المخبر السري:
أني كنت أتلو سورة الرحمن
الله ... يا زمان ...
7
هل تعرفون الآن ما دولة ( قمعستان)؟
تلك التي ألفها.. لحنها..
أخرجها الشيطان...
هل تعرفون هذه الدويلة العجيبة؟
حيث دخول المرء للمرحاض يحتاج إلى قرار
والشمس كي تطلع تحتاج إلى قرار
والديك كي يصيح يحتاج إلى قرار
ورغبة الزوجين في الإنجاب
تحتاج إلى قرار
وشعر من احبها
يمنعه الشرطي أن يطير في الريح
بلا قرار..
8
ما أردأ الأحوال في دولة (قمعستان)
حيث الذكور نسخة عن النساء
حيث النساء نسخة من الذكور
حيث التراب يكره البذور
وحيث كل طائر يخاف بقية الطيور
وصاحب القرار يحتاج الى قرار
تلك هي الاحوال في دولة (قمعستان)
الله ... يا زمان ...
9
يا أصدقائي:
إنني مواطن يسكن في مدينة ليس بها سكان
ليس لها شوارع
ليس لها أرصفة
ليس لها نوافذ
ليس لها جدران
ليس بها جرائد
غير التي تطبعها مطابع السلطان
عنوانها؟
أخاف أن أبوح بالعنوان
كل الذي اعرفه
أن الذي يقوده الحظ إلى مدينتي
يرحمه الرحمن...
10
يا أصدقائي :
ما هو الشعر اذا لم يعلن العصيان؟
وما هو الشعر اذا لم يسقط الطغاة ... والطغيان؟
وما هو الشعر اذا لم يحدث الزلزال
في الزمان والمكان؟
وما هو الشعر اذا لم يخلع التاج الذي يلبسه
كسرى أنوشروان؟
11
من أجل هذا أعلن العصيان
باسم الملايين التي تجهل حتى الآن ما هو النهار
وما هو الفارق بين الغصن والعصفور
وما هو الفارق بين الورد والمنثور
وما هو الفارق بين النهد والرمانة
وما هو الفارق بين البحر والزنزانة
وما هو الفارق بين القمر الاخضر والقرنفلة
وبين حد كلمة شجاعة,
وبين خد المقصله ...
12
من اجل هذا أعلن العصيان
باسم الملايين التي تساق نحو الذبح كالقطعان
باسم الذين انتزعت أجفانهم
واقتلعت أسنانهم
وذوبوا في حامض الكبريت كالديدان
باسم الذين ما لهم صوت ...
ولا رأي ...
ولا لسان ...
سأعلن العصيان ...
13
من أجل هذا أعلن العصيان
باسم الجماهير التي تجلس كالأبقار
تحت الشاشة الصغيرة
باسم الجماهير التي يسقونها الولاء
بالملاعق الكبيرة
باسم الجماهير التي تركب كالبعير
من مشرق الشمس الى مغربها
تركب كالبعير ...
وما لها من الحقوق غير حق الماء والشعير
وما لها من الطموح غير ان تأخذ للحلاق زوجة الامير
او ابنة الامير ...
او كلبة الامير ...
باسم الجماهير التي تضرع لله لكي يديم القائد العظيم
وحزمة البرسيم ...
14
يا اصدقاء الشعر:
إني شجر النار, وإني كاهن الأشواق
والناطق الرسمي عن خمسين مليوناً من العشاق
على يدي ينام أهل الحب والحنين
فمرةً أجعلهم حمائما
ومرة اجعلهم أشجار ياسمين
يا أصدقائي ...
إنني الجرح الذي يرفض دوما
سلطة السكين ...
15
يا أصدقائي الرائعين:
أنا الشفاه للذين ما لهم شفاه
أنا العيون للذين ما لهم عيون
أنا كتاب البحر للذين ليس يقرأون
أناالكتابات التي يحفرها الدمع على عنابر السجون
أنا كهذا العصر, يا حبيبتي
اواجه الجنون بالجنون
وأكسر الاشياء في طفولة
وفي دمي, رائحة الثورة والليمون ...
انا كما عرفتموني دائما
هوايني أن أكسر القانون
أنا كما عرفتموني دائما
اكون بالشعر ... وإلا لا أريد أن أكون ...
16
يا اصدقائي:
أنتم الشعر الحقيقي
ولا يهم أن يضحك ... أو يعبس ...
أو أن يغضب السلطان
أنتم سلا طيني ...
ومنكم أستمد المجد, والقوة , والسلطان ...
قصائدي ممنوعة ...
في المدن التي تنام فوق الملح والحجارة
قصائدي ممنوعة ...
لأنها تحمل للإنسان عطر الحب, والحضارة
قصائدي مرفوضة ...
لأنها لكل بيت تحمل البشارة
يا أصدقائي:
إنني ما زلت بانتظاركم
لنوقد الشراره ...
..
سُلالات
من سلالات العصافير .. أنا
لا سلالات الشجر
وشراييني امتدادٌ لشرايين القمر
إنني أخزن كالأسماك في عيني
ألوان الصواري ،
ومواقيت السفر .
أنا لا أشبه إلا صورتي
فلماذا شبهوني بعمر ؟
..
السيرة الذاتية لسياف عربي ..!
أيها الناس:
لقد أصبحت سلطانا عليكم
فاكسروا أصنامكم بعد ضلال ، واعبدونى...
إننى لا أتجلى دائما..
فاجلسوا فوق رصيف الصبر، حتى تبصرونى
اتركوا أطفالكم من غير خبز
واتركوا نسوانكم من غير بعل .. واتبعونى
إحمدوا الله على نعمته
فلقد أرسلنى كى أكتب التاريخ،
والتاريخ لا يكتب دونى
إننى يوسف فى الحسن
ولم يخلق الخالق شعرا ذهبيا مثل شعرى
وجبينا نبويا كجبينى
وعيونى غابة من شجر الزيتون واللوز
فصلوا دائما كى يحفظ الله عيونى
أيها الناس:
أنا مجنون ليلى
فابعثوا زوجاتكم يحملن منى..
وابعثوا أزواجكم كى يشكرونى
شرف أن تأكلوا حنطة جسمى
شرف أن تقطفوا لوزى وتينى
شرف أن تشبهونى..
فأنا حادثة ما حدثت
منذ آلاف القرون..
2
أيها الناس:
أنا الأول والأعدل،
والأجمل من بين جميع الحاكمين
وأنا بدر الدجى، وبياض الياسمين
وأنا مخترع المشنقة الأولى، وخير المرسلين..
كلما فكرت أن أعتزل السلطة، ينهانى ضميرى
من ترى يحكم بعدى هؤلاء الطيبين؟
من سيشفى بعدى الأعرج، والأبرص، والأعمى..
ومن يحيى عظام الميتين؟
من ترى يخرج من معطفه ضوء القمر؟
من ترى يرسل للناس المطر؟
من ترى يجلدهم تسعين جلدة؟
من ترى يصلبهم فوق الشجر؟
من ترى يرغمهم أن يعيشوا كالبقر؟
ويموتوا كالبقر؟
كلما فكرت أن أتركهم
فاضت دموعى كغمامة..
وتوكلت علىلا الله ...
وقررت أن أركب الشعب..
من الآن.. الى يوم القيامه..
3
أيها الناس:
أنا أملككم
كما أملك خيلى .. وعبيدى
وأنا أمشى عليكم مثلما أمشى على سجاد قصرى
فاسجدوا لى فى قيامى
واسجدوا لى فى قعودى
أولم أعثر عليكم ذات يوم
بين أوراق جدودى ؟؟
حاذروا أن تقرأوا أى كتاب
فأنا أقرأ عنكم..
حاذروا أن تكتبوا أى خطاب
فأنا أكتب عنكم..
حاذروا أن تسمعوا فيروز بالسر
فإنى بنواياكم عليم
حاذروا أن تدخلوا القبر بلا إذنى
فهذا عندنا إثم عظيم
والزموا الصمت، إذا كلمتكم
فكلامى هو قرآن كريم..
4
أيها الناس:
أنا مهديكم ، فانتظرونى
ودمى ينبض فى قلب الدوالى، فاشربونى
أوقفوا كل الأناشيد التى ينشدها الأطفال
فى حب الوطن
فأنا صرت الوطنه.
إننى الواحد، والخالد ما بين جميع الكائنات
وأنا المخزون فى ذاكرة التفاح، والناى،
وزرق الأغنيات
إرفعوا فوق الميادين تصاويرى
وغطونى بغيم الكلمات
واخطبوا لى أصغر الزوجات سناً..
فأنا لست أشيخ..
جسدى ليس يشيخ..
وسجونى لا تشيخ..
وجهاز القمع فى مملكتى ليس يشيخ..
أيها الناس:
أنا الحجاج إن أنزع قناعى تعرفونى
وأنا جنكيز خان جئتكم..
بحرابى .. وكلابى.. سوجونى
لاتضيقوا - أيها الناس - ببطشى
فأنا أقتل كى لاتقتلونى....
وأنا أشنق كى لا تشنقونى..
وأنا أدفنكم فى ذلك القبر الجماعى
لكيلا تدفونى..
5
أيها الناس :
اشتروا لى صحفا تكتب عنى
إنها معروضة مثل البغايا فى الشوارع
إشتروا لى ورقا أخضر مصقولاً كأشعاب الربيع
ومدادا .. ومطابع
كل شىء يشترى فى عصرنا .. حتى الأصابع..
إشتروا فاكهة الفكر .. وخلوها أمامى
واطبخوا لى شاعرا،
واجعلوه، بين أطباق طعامى..
أنا أمى.. وعندى عقدة مما يقول الشعراء
فاشتروا لى شعراء يتغنون بحسنى..
واجعلونى نجم كل الأغلفة
فنجوم الرقص والمسرح ليسوا أبدا أجمل منى
فأنا، بالعملة الصعبة، أشرى ما أريد
أشترى ديوان بشار بن برد
وشفاه المتنبى، وأناشيد لبيد..
فالملايين التى فى بيت مال المسلمين
هى ميراث قديم لأبى
فخذوا من ذهبى
واكتبوا فى أمهات الكتب
أن عصرى عصر هارون الرشيد...
6
يا جماهير بلادى:
ياجماهير العشوب العربية
إننى روح نقى جاء كى يغسلكم من غبار الجاهلية
سجلوا صوتى على أشرطة
إن صوتى أخضر الايقاع كالنافورة الأندلسية
صورونى باسما مثل الجوكندا
ووديعا مثل وجه المدلية
صورونى...
وأنا أفترس الشعر بأسنانى..
وأمتص دماء الأبجدية
صورونى
بوقارى وجلالى،
وعصاى العسكرية
صورونى..
عندما أصطاد وعلا أو غزالا
صورونى..
عندما أحملكم فوق أكتافى لدار الأبدية
يا جماهير العشوب العربية...
7
أيها الناس:
أنا المسؤول عن أحلامكم إذ تحلمون..
وأنا المسؤول عن كل رغيف تأكلون
وعن العشر الذى - من خلف ظهرى - تقرأون
فجهاز الأمن فى قصرى يوافينى
بأخبار العصافير .. وأخبار السنابل
ويوافينى بما يحدث فى بطن الحوامل
أيها الناس: أنا سجانكم
وأنا مسجونكم.. فلتعذرونى
إننى المنفى فى داخل قصرى
لا أرى شمسا، ولا نجما، ولا زهرة دفلى
منذ أن جئت الى السلطة طفلا
ورجال السيرك يلتفون حولى
واحد ينفخ ناياً..
واحد يضرب طبلا
واحد يمسح جوخاً .. واحد يمسح نعلا..
منذ أن جئت الى السلطة طفلا..
لم يقل لى مستشار القصر (كلا)
لم يقل لى وزرائى أبدا لفظة (كلا)
لم يقل لى سفرائى أبدا فى الوجه (كلا)
لم تقل إحدى نسائى فى سرير الحب (كلا)
إنهم قد علمونى أن أرى نفسى إلها
وأرى الشعب من الشرفة رملا..
فاعذرونى إن تحولت لهولاكو جديد
أنا لم أقتل لوجه القتل يوما..
إنما أقتلكم .. كى أتسلى..
..
الحب والبترول ...!
متى تفهم ؟
متى يا سيدي تفهم ؟
بأني لست واحدةً كغيري من صديقاتك
ولا فتحاً نسائياً يضاف إلى فتوحاتك
ولا رقماً من الأرقام يعبر في سجلاتك ؟
متى تفهم ؟
متى تفهم ؟
أيا جملاً من الصحراء لم يلجم
ويا من يأكل الجدري منك الوجه والمعصم
بأني لن أكون هنا.. رماداً في سجاراتك
ورأساً بين آلاف الرؤوس على مخداتك
وتمثالاً تزيد عليه في حمى مزاداتك
ونهداً فوق مرمره.. تسجل شكل بصماتك
متى تفهم ؟
متى تفهم ؟
بأنك لن تخدرني.. بجاهك أو إماراتك
ولن تتملك الدنيا.. بنفطك وامتيازاتك
وبالبترول يعبق من عباءاتك
وبالعربات تطرحها على قدمي عشيقاتك
بلا عددٍ.. فأين ظهور ناقاتك
وأين الوشم فوق يديك.. أين ثقوب خيماتك
أيا متشقق القدمين.. يا عبد انفعالاتك
ويا من صارت الزوجات بعضاً من هواياتك
تكدسهن بالعشرات فوق فراش لذاتك
تحنطهن كالحشرات في جدران صالاتك
متى تفهم ؟
متى يا أيها المتخم ؟
متى تفهم ؟
بأني لست من تهتم
بنارك أو بجناتك
وأن كرامتي أكرم..
من الذهب المكدس بين راحاتك
وأن مناخ أفكاري غريبٌ عن مناخاتك
أيا من فرخ الإقطاع في ذرات ذراتك
ويا من تخجل الصحراء حتى من مناداتك
متى تفهم ؟
تمرغ يا أمير النفط.. فوق وحول لذاتك
كممسحةٍ.. تمرغ في ضلالاتك
لك البترول.. فاعصره على قدمي خليلاتك
كهوف الليل في باريس.. قد قتلت مروءاتك
على أقدام مومسةٍ هناك.. دفنت ثاراتك
فبعت القدس.. بعت الله.. بعت رماد أمواتك
كأن حراب إسرائيل لم تجهض شقيقاتك
ولم تهدم منازلنا.. ولم تحرق مصاحفنا
ولا راياتها ارتفعت على أشلاء راياتك
كأن جميع من صلبوا..
على الأشجار.. في يافا.. وفي حيفا..
وبئر السبع.. ليسوا من سلالاتك
تغوص القدس في دمها..
وأنت صريع شهواتك
تنام.. كأنما المأساة ليست بعض مأساتك
متى تفهم ؟
متى يستيقظ الإنسان في ذاتك ؟
..
أنا مع الإرهاب
متهمون نحن بالإرهاب
إن نحن دافعنا عن بكل جرأة
عن شعر بلقيس ...
وعن شفاة ميسون ...
وعن هند ... وعن دعد ...
وعن لبنى ... وعن رباب ...
عن مطر الكحل الذي
ينزل كالوحي من الأهداب !!
لن تجدوا في حوزتي
قصيدة سرية ...
أو لغة سرية ...
أو كتبا سرية أسجنها في داخل
الأبواب
وليس عندي أبدا قصيدة واحدة
تسير في الشارع وهي ترتدي
الحجاب
****
متهمون نحن بالإرهاب
أذا كتبنا عن بقايا وطن ...
مخلع ... مفكك مهترئ
أشلاؤه تناثرت أشلاء ...
عن وطن يبحث عن عنوانه ...
وأمة ليس لها سماء !!
***
عن وطن .. لم يبق من أشعاره
العظيمة الأولى ...
سوى قصائد الخنساء !!
***
عن وطن لم يبق في آفاقه
حرية حمراء .. أو زرقاء ... أو
صفراء ...
***
عن وطن ... يمنعنا ان نشتري
الجريدة
أو نسمع الأنباء ...
عن وطن ... كل العصافير به
ممنوعة دوما من الغناء ...
عن وطن ...
كتابه تعودوا أن يكتبوا
من شدة الرعب ...
على الهواء !!
***
عن وطن يشبه حال الشعر في
بلادنا
فهو كلام سائب ...
مرتجل ...
مستورد...
وأعجمي الوجه واللسان ...
فما له بداية ...
ولا له نهاية ...
ولا له علاقة بالناس ... أو
بالأرض ...
أو بمأزق الإنسان !!
***
عن وطن ...
يمشي إلى مفاوضات السلم
دونما كرامة ...
ودونما حذاء !!
***
عن وطن رجاله بالوا على
أنفسهم خوفا ...
ولم يبق سوى النساء !!
***
الملح ... في عيوننا ...
والملح في شفاهنا..
والملح ... في كلامنا
فهل يكون القحط في نفوسنا
إرثا أتانا من بني قحطان ؟؟
لم يبق في أمتنا معاوية ...
ولا أبو سفيان ...
لم يبق من يقول (لا) ...
في وجه من تنازلوا
عن بيتنا .. وخبزنا .. وزيتنا ...
وحولوا تاريخنا الزاهي...
إلى دكان !!
***
لم يبق في حياتنا قصيدة ...
ما فقدت عفافها ...
في مضجع السلطان...
**
لقد تعودنا على هواننا ..
ماذا من الإنسان يبقى ...
حين يعتاد الهوان؟؟
**
عن أسامة بن منقذ ...
وعقبة بن نافع ...
عن عمر ... عن حمزة ...
عن خالد يزحف نحو الشام ...
ابحث عن معتصم بالله ...
حتى ينقذ النساء من وحشية
السبي ...
ومن ألسنة النيران !!
ابحث عن رجال آخر
الزمان...
فلا أرى في الليل إلا قططا
مذعورة ...
تخشى علي أرواحها ...
من سلطة الفئران !!
***
هل العمي القومي ...قد أصابنا
وهو أبكم ؟
أم نحن نشكو من عمى الألوان
**
متهمون نحن بالإرهاب ...
أذا رفضنا موتنا ...
بجرافات إسرائيل ...
تنكش في ترابنا ...
تنكش في تاريخنا ...
تنكش في إنجيلنا ...
تنكش في قرآننا ...
تنكش في تراب أنبيائنا ...
إن كان هذا ذنبنا
ما أجمل الإرهاب ....
***
متهمون نحن بالإرهاب ...
إذا رفضنا محونا ....
على يد المغول ... واليهود
... والبرابرة ...
إذا رمينا حجرا ...
على زجاج مجلس الأمن الذي
استولى عليه القياصرة !!
***
متهمون نحن بالإرهاب ...
إذارفضنا أن نفاوض الذئب
وأن نمد كفنا لعاهرة !!
**
أمريكا ...
ضد ثقافات البشر...
وهي بلا ثقافة ...
ضد حضارات الحضر
وهي بلا حضارة
أمريكا ...
بناية عملاقة
ليس لها حيطان !!
***
متهمون نحن بالإرهاب ...
إذا رفضنا زمنا
صارت به أمريكا
المغرورة ... الغنية ... القوية
مترجما محلفا ...
للغة العبرية !!
**
متهمون نحن بالإرهاب ...
إذا رمينا وردة ...
للقدس ...
للخليل ...
أو لغزة ...
والناصرة ...
إذا حملنا الخبز والماء ...
إلى طروادة المحاصرة ...
*
متهمون نحن بالإرهاب ...
إذا رفعنا صوتنا
ضد كل الشعوبيين من قادتنا ...
وكل من قد غيروا سروجهم ...
وانتقلوا من وحدويين ...
إلى مساسرة !!
***
إذا اقترفنا مهنة الثقافة ...
إذا تمردنا على أوامر
الخليفة
العظيم .. والخلافة ...
إذا قرأنا كتبا في الفقه
... والسياسة ...
إذا ذكرنا ربنا تعالى...
إذا تلونا (سورة الفتح) ..
وأصغينا إلى خطبة يوم الجمعة
فنحن ضالعون في الإرهاب !!
متهمون نحن بالإرهاب ...
إن نحن دافعنا عن الأرض
وعن كرامة التراب
إذا تمردنا على اغتصاب الشعب
واغتصابنا ...
إذاحمينا آخر النخيل في
صحرائنا ...
وآخر النجوم في سمائنا ...
وآخرالحروف في أسمائنا ...
وآخر الحليب في أثداء أمهاتنا
إن كان هذا ذنبنا ...
ما أروع الإرهاب !!
***
أنا مع الإرهاب ...
إن كان يستطيع أن ينقذني
من المهاجرين من روسيا ...
ورومانيا، وهنقاريا، وبولونيا ...
وحطوا في فلسطين على أكتافنا
ليسرقوا ... مآذن القدس ...
وباب المسجد الأقصى ...
ويسرقوا النقوش ...
والقباب ...
**
أنا مع الإرهاب ...
إن كان يستطيع أن يحرر
المسيح ...
ومريم العذراء ...
والمدينة المقدسة ...
من سفراء الموت والخراب !!
***
بالأمس ...
كان الشارع القومي في بلادنا
يصهل كالحصان ...
وكانت الساحات أنهارا
تفيض عنفوان ...
وبعد أوسلو ...
لم يعد في فمنا أسنان ...
فهل تحولنا إلى شعب
من العميان .. والخرسان ؟؟
***
متهمون نحن بالإرهاب ...
إن نحن دافعنا بكل قوة
عن إرثنا الشعري
عن حائطنا القومي ..
عن حضارة الوردة ..
عن ثقافة النايات .. في جبالنا
وعن مرايا الأعين السوداء
**
متهمون نحن بالإرهاب ...
إن نحن دافعنا بما نكتبه ...
عن زرقة البحر ...
وعن رائحة الحبر
وعن حرية الحرف ...
وعن قدسية الكتاب !!
***
أنا مع الإرهاب ...
إن كان يستطيع أن يحرر الشعب
من الطغاة .. والطغيان ...
وينقذ الإنسان من وحشية الإنسان
ويرجع الليمون والزيتون
والحسون
للجنوب من لبنان ...
ويرجع البسمة للجولان ....
***
أنا مع الإرهاب ...
إن كان يستطيع أن ينقذني
من قيصر اليهود ...
أو من قيصر الرومان !!
***
أنا مع الإرهاب ...
ما دام هذا العالم الجديد ...
مقتسما
ما بين امريكا .. وإسرائيل
بالمناصفة !!
***
أنا مع الإرهاب ...
بكل ما أملك من شعر
ومن نثر ...
وممن أنياب ...
ما دام هذا العالم الجديد ...
بين يدي قصاب !!(جزار)
**
أنا مع الإرهاب
ما دام هذا العالم الجديد
قد صنفنا
من فئة الذباب !!
**
أنا مع الإرهاب ...
إن كان مجلس الشيوخ في
أمريكا ..
هو الذي في يده الحساب
وهو الذي يقرر الثواب ...
والعقاب !!
***
أنا مع الإرهاب ...
ما دام هذا العالم الجديد ...
يكره في أعماقه
رائحة الأعراب !!
***
انا مع الإرهاب ...
ما دام هذا العالم الجديد ...
يريد أن يذبح أطفالي ...
ويرميهم إلى الكلاب !!
**
من أجل هذا كله ...
أرفع صوتي عاليا :
أنا مع الإرهاب !!
أنا مع الإرهاب !!
أنا مع الإرهاب !!...
..
إغضب !!
إغضب كما تشاء..
واجرح أحاسيسي كما تشاء
حطم أواني الزهر والمرايا
هدد بحب امرأةٍ سوايا..
فكل ما تفعله سواء..
كل ما تقوله سواء..
فأنت كالأطفال يا حبيبي
نحبهم.. مهما لنا أساؤوا..
إغضب!
فأنت رائعٌ حقاً متى تثور
إغضب!
فلولا الموج ما تكونت بحور..
كن عاصفاً.. كن ممطراً..
فإن قلبي دائماً غفور
إغضب!
فلن أجيب بالتحدي
فأنت طفلٌ عابثٌ..
يملؤه الغرور..
وكيف من صغارها..
تنتقم الطيور؟
إذهب..
إذا يوماً مللت مني..
واتهم الأقدار واتهمني..
أما أنا فإني..
سأكتفي بدمعي وحزني..
فالصمت كبرياء
والحزن كبرياء
إذهب..
إذا أتعبك البقاء..
فالأرض فيها العطر والنساء..
والأعين الخضراء والسوداء
وعندما تريد أن تراني
وعندما تحتاج كالطفل إلى حناني..
فعد إلى قلبي متى تشاء..
فأنت في حياتي الهواء..
وأنت.. عندي الأرض والسماء..
إغضب كما تشاء
واذهب كما تشاء
واذهب.. متى تشاء
لا بد أن تعود ذات يومٍ
وقد عرفت ما هو الوفاء...
..
حب بلا حدود
1
يا سيدتي:
كنت أهم امرأةٍ في تاريخي
قبل رحيل العام.
أنت الآن.. أهم امرأةٍ
بعد ولادة هذا العام..
أنت امرأةٌ لا أحسبها بالساعات وبالأيام.
أنت امرأةٌ..
صنعت من فاكهة الشعر..
ومن ذهب الأحلام..
أنت امرأةٌ.. كانت تسكن جسدي
قبل ملايين الأعوام..
2
يا سيدتي:
يالمغزولة من قطنٍ وغمام.
يا أمطاراً من ياقوتٍ..
يا أنهاراً من نهوندٍ..
يا غابات رخام..
يا من تسبح كالأسماك بماء القلب..
وتسكن في العينين كسرب حمام.
لن يتغير شيءٌ في عاطفتي..
في إحساسي..
في وجداني.. في إيماني..
فأنا سوف أظل على دين الإسلام..
3
يا سيدتي:
لا تهتمي في إيقاع الوقت وأسماء السنوات.
أنت امرأةٌ تبقى امرأةً.. في كل الأوقات.
سوف أحبك..
عند دخول القرن الواحد والعشرين..
وعند دخول القرن الخامس والعشرين..
وعند دخول القرن التاسع والعشرين..
و سوف أحبك..
حين تجف مياه البحر..
وتحترق الغابات..
4
يا سيدتي:
أنت خلاصة كل الشعر..
ووردة كل الحريات.
يكفي أن أتهجى إسمك..
حتى أصبح ملك الشعر..
وفرعون الكلمات..
يكفي أن تعشقني امرأةٌ مثلك..
حتى أدخل في كتب التاريخ..
وترفع من أجلي الرايات..
5
يا سيدتي
لا تضطربي مثل الطائر في زمن الأعياد.
لن يتغير شيءٌ مني.
لن يتوقف نهر الحب عن الجريان.
لن يتوقف نبض القلب عن الخفقان.
لن يتوقف حجل الشعر عن الطيران.
حين يكون الحب كبيراً..
والمحبوبة قمراً..
لن يتحول هذا الحب
لحزمة قشٍ تأكلها النيران...
6
يا سيدتي:
ليس هنالك شيءٌ يملأ عيني
لا الأضواء..
ولا الزينات..
ولا أجراس العيد..
ولا شجر الميلاد.
لا يعني لي الشارع شيئاً.
لا تعني لي الحانة شيئاً.
لا يعنيني أي كلامٍ
يكتب فوق بطاقات الأعياد.
7
يا سيدتي:
لا أتذكر إلا صوتك
حين تدق نواقيس الآحاد.
لا أتذكر إلا عطرك
حين أنام على ورق الأعشاب.
لا أتذكر إلا وجهك..
حين يهرهر فوق ثيابي الثلج..
وأسمع طقطقة الأحطاب..
8
ما يفرحني يا سيدتي
أن أتكوم كالعصفور الخائف
بين بساتين الأهداب...
9
ما يبهرني يا سيدتي
أن تهديني قلماً من أقلام الحبر..
أعانقه..
وأنام سعيداً كالأولاد...
10
يا سيدتي:
ما أسعدني في منفاي
أقطر ماء الشعر..
وأشرب من خمر الرهبان
ما أقواني..
حين أكون صديقاً
للحرية.. والإنسان...
11
يا سيدتي:
كم أتمنى لو أحببتك في عصر التنوير..
وفي عصر التصوير..
وفي عصر الرواد
كم أتمنى لو قابلتك يوماً
في فلورنسا.
أو قرطبةٍ.
أو في الكوفة
أو في حلبٍ.
أو في بيتٍ من حارات الشام...
12
يا سيدتي:
كم أتمنى لو سافرنا
نحو بلادٍ يحكمها الغيتار
حيث الحب بلا أسوار
والكلمات بلا أسوار
والأحلام بلا أسوار
13
يا سيدتي:
لا تنشغلي بالمستقبل، يا سيدتي
سوف يظل حنيني أقوى مما كان..
وأعنف مما كان..
أنت امرأةٌ لا تتكرر.. في تاريخ الورد..
وفي تاريخ الشعر..
وفي ذاكرة الزنبق والريحان...
14
يا سيدة العالم
لا يشغلني إلا حبك في آتي الأيام
أنت امرأتي الأولى.
أمي الأولى
رحمي الأول
شغفي الأول
شبقي الأول
طوق نجاتي في زمن الطوفان...
15
يا سيدتي:
يا سيدة الشعر الأولى
هاتي يدك اليمنى كي أتخبأ فيها..
هاتي يدك اليسرى..
كي أستوطن فيها..
قولي أي عبارة حبٍ
حتى تبتدئ الأعياد
..
قرص الأسبرين
ليس هذا وطني الكبير
لا..
ليس هذا الوطن المربع الخانات كالشطرنج..
والقابع مثل نملةٍ في أسفل الخريطة..
هو الذي قال لنا مدرس التاريخ في شبابنا
بأنه موطننا الكبير.
لا..
ليس هذا الوطن المصنوع من عشرين كانتوناً..
ومن عشرين دكاناً..
ومن عشرين صرافاً..
وحلاقاً..
وشرطياً..
وطبالاً.. وراقصةً..
يسمى وطني الكبير..
لا..
ليس هذا الوطن السادي.. والفاشي
والشحاذ.. والنفطي
والفنان.. والأمي
والثوري.. والرجعي
والصوفي.. والجنسي
والشيطان.. والنبي
والفقيه، والحكيم، والإمام
هو الذي كان لنا في سالف الأيام
حديقة الأحلام..
لا...
ليس هذا الجسد المصلوب
فوق حائط الأحزان كالمسيح
لا...
ليس هذا الوطن الممسوخ كالصرصار،
والضيق كالضريح..
لا..
ليس هذا وطني الكبير
لا...
ليس هذا الأبله المعاق.. والمرقع الثياب،
والمجذوب، والمغلوب..
والمشغول في النحو وفي الصرف..
وفي قراءة الفنجان والتبصير..
لا...
ليس هذا وطني الكبير
لا...
ليس هذا الوطن المنكس الأعلام..
والغارق في مستنقع الكلام،
والحافي على سطحٍ من الكبريت والقصدير
لا...
ليس هذا الرجل المنقول في سيارة الإسعاف،
والمحفوظ في ثلاجة الأموات،
والمعطل الإحساس والضمير
لا...
ليس هذا وطني الكبير
لا..
ليس هذا الرجل المقهور..
والمكسور..
والمذعور كالفأرة..
والباحث في زجاجة الكحول عن مصير
لا...
ليس هذا وطني الكبير..
يا وطني:
يا أيها الضائع في الزمان والمكان،
والباحث في منازل العربان..
عن سقفٍ، وعن سرير
لقد كبرنا.. واكتشفنا لعبة التزوير
فالوطن المن أجله مات صلاح الدين
يأكله الجائع في سهولة
كعلبة السردين..
والوطن المن أجله قد غنت الخيول في حطين
يبلعه الإنسان في سهولةٍ..
كقرص أسبرين!!..
..
شؤون صغيرة
تمر بها أنت .. دون التفات
تساوي لدي حياتي
جميع حياتي..
حوادث .. قد لا تثير اهتمامك
أعمر منها قصور
وأحيا عليها شهور
وأغزل منها حكايا كثيرة
وألف سماء..
وألف جزيرة..
شؤون ..
شؤونك تلك الصغيرة
فحين تدخن أجثو أمامك
كقطتك الطيبة
وكلي أمان
ألاحق مزهوة معجبة
خيوط الدخان
توزعها في زوايا المكان
دوائر.. دوائر
وترحل في آخر الليل عني
كنجم، كطيب مهاجر
وتتركني يا صديق حياتي
لرائحة التبغ والذكريات
وأبقي أنا ..
في صقيع انفرادي
وزادي أنا .. كل زادي
حطام السجائر
وصحن .. يضم رمادا
يضم رمادي..
***
وحين أكون مريضة
وتحمل أزهارك الغالية
صديقي.. إلي
وتجعل بين يديك يدي
يعود لي اللون والعافية
وتلتصق الشمس في وجنتي
وأبكي .. وأبكي.. بغير إرادة
وأنت ترد غطائي علي
وتجعل رأسي فوق الوسادة..
تمنيت كل التمني
صديقي .. لو أني
أظل .. أظل عليلة
لتسأل عني
لتحمل لي كل يوم
ورودا جميلة..
وإن رن في بيتنا الهاتف
إليه أطير
أنا .. يا صديقي الأثير
بفرحة طفل صغير
بشوق سنونوة شاردة
وأحتضن الآلة الجامدة
وأعصر أسلاكها الباردة
وأنتظر الصوت ..
صوتك يهمي علي
دفيئا .. مليئا .. قوي
كصوت نبي
كصوت وارتطام النجوم
كصوت سقوط الحلي
وأبكي .. وأبكي ..
لأنك فكرت في
لأنك من شرفات الغيوب
هتفت إلي..
***
ويوم أجيء إليك
لكي أستعير كتاب
لأزعم أني أتيت لكي أستعير كتاب
تمد أصابعك المتعبة
إلى المكتبة..
وأبقي أنا .. في ضباب الضباب
كأني سؤال بغير جواب..
أحدق فيك وفي المكتبة
كما تفعل القطة الطيبة
تراك اكتشفت؟
تراك عرفت؟
بأني جئت لغير الكتاب
وأني لست سوى كاذبة
.. وأمضى سريعا إلى مخدعي
أضم الكتاب إلى أضلعي
كأني حملت الوجود معي
وأشعل ضوئي .. وأسدل حولي الستور
وأنبش بين السطور .. وخلف السطور
وأعدو وراء الفواصل .. أعدو
وراء نقاط تدور
ورأسي يدور ..
كأني عصفورة جائعة
تفتش عن فضلات البذور
لعلك .. يا .. يا صديقي الأثير
تركت بإحدى الزوايا ..
عبارة حب قصيرة ..
جنينة شوق صغيرة
لعلك بين الصحائف خبأت شيا
سلاما صغيرا .. يعيد السلام إليا ..
***
وحين نكون معا في الطريق
وتأخذ - من غير قصد - ذراعي
أحس أنا يا صديق ..
بشيء عميق
بشيء يشابه طعم الحريق
على مرفقي ..
وأرفع كفي نحو السماء
لتجعل دربي بغير انتهاء
وأبكي .. وأبكي بغير انقطاع
لكي يستمر ضياعي
وحين أعود مساء إلى غرفتي
وأنزع عن كتفي الرداء
أحس - وما أنت في غرفتي -
بأن يديك
تلفان في رحمة مرفقي
وأبقي لأعبد يا مرهقي
مكان أصابعك الدافئات
على كم فستاني الأزرق ..
وأبكي .. وأبكي .. بغير انقطاع
كأن ذراعي ليست ذراعي..
الى صديقة جديدة
ودعتك الأمس ، و عدت وحدي
مفكراً ببوحك الأخير
كتبت عن عينيك ألف شيءٍ
كتبت بالضوء و بالعبير
كتبت أشياء بدون معنى
جميعها مكتوبة ٌ بنور
من أنت . . من رماك في طريقي ؟
من حرك المياه في جذوري ؟
و كان قلبي قبل أن تلوحي
مقبرةً ميتة الزهور
مشكلتي . . أني لست أدري
حداً لأفكاري و لا شعوري
أضعت تاريخي ، و أنت مثلي
بغير تاريخٍ و لا مصير
محبتي نار ٌ فلا تجني
لا تفتحي نوافذ السعير
أريد أن أقيك من ضلالي
من عالمي المسمم العطور
هذا أنا بكل سيئاتي
بكل ما في الأرض من غرور
كشفت أوراقي فلا تراعي
لن تجدي أطهر من شروري
للحسن ثوراتٌ فلا تهابي
و جربي أختاه أن تثوري
و لتثقي مهما يكن بحبي
فإنه أكبر من كبير
..
لا بد أن أستأذن الوطن
يا صديقتي
في هذه الأيام يا صديقتي..
تخرج من جيوبنا فراشة صيفية تدعى الوطن.
تخرج من شفاهنا عريشة شامية تدعى الوطن.
تخرج من قمصاننا
مآذن... بلابل ..جداول ..قرنفل..سفرجل.
عصفورة مائية تدعى الوطن.
أريد أن أراك يا سيدتي..
لكنني أخاف أن أجرح إحساس الوطن..
أريد أن أهتف إليك يا سيدتي
لكنني أخاف أن تسمعني نوافذ الوطن.
أريد أن أمارس الحب على طريقتي
لكنني أخجل من حماقتي
أمام أحزان الوطن.
..
أسألك الرحيلا
لنفترق قليلا..
لخير هذا الحب يا حبيبي
وخيرنا..
لنفترق قليلا
لأنني أريد أن تزيد في محبتي
أريد أن تكرهني قليلا
بحق ما لدينا..
من ذكرٍ غاليةٍ كانت على كلينا..
بحق حبٍ رائعٍ..
ما زال منقوشاً على فمينا
ما زال محفوراً على يدينا..
بحق ما كتبته.. إلي من رسائل..
ووجهك المزروع مثل وردةٍ في داخلي..
وحبك الباقي على شعري على أناملي
بحق ذكرياتنا
وحزننا الجميل وابتسامنا
وحبنا الذي غدا أكبر من كلامنا
أكبر من شفاهنا..
بحق أحلى قصة للحب في حياتنا
أسألك الرحيلا
لنفترق أحبابا..
فالطير في كل موسمٍ..
تفارق الهضابا..
والشمس يا حبيبي..
تكون أحلى عندما تحاول الغيابا
كن في حياتي الشك والعذابا
كن مرةً أسطورةً..
كن مرةً سرابا..
وكن سؤالاً في فمي
لا يعرف الجوابا
من أجل حبٍ رائعٍ
يسكن منا القلب والأهدابا
وكي أكون دائماً جميلةً
وكي تكون أكثر اقترابا
أسألك الذهابا..
لنفترق.. ونحن عاشقان..
لنفترق برغم كل الحب والحنان
فمن خلال الدمع يا حبيبي
أريد أن تراني
ومن خلال النار والدخان
أريد أن تراني..
لنحترق.. لنبك يا حبيبي
فقد نسينا
نعمة البكاء من زمان
لنفترق..
كي لا يصير حبنا اعتيادا
وشوقنا رمادا..
وتذبل الأزهار في الأواني..
كن مطمئن النفس يا صغيري
فلم يزل حبك ملء العين والضمير
ولم أزل مأخوذةً بحبك الكبير
ولم أزل أحلم أن تكون لي..
يا فارسي أنت ويا أميري
لكنني.. لكنني..
أخاف من عاطفتي
أخاف من شعوري
أخاف أن نسأم من أشواقنا
أخاف من وصالنا..
أخاف من عناقنا..
فباسم حبٍ رائعٍ
أزهر كالربيع في أعماقنا..
أضاء مثل الشمس في أحداقنا
وباسم أحلى قصةٍ للحب في زماننا
أسألك الرحيلا..
حتى يظل حبنا جميلا..
حتى يكون عمره طويلا..
أسألك الرحيلا..
..
فم
في وجهها يدور .. كالبرعم
بمثله الأحلام لم تحلم
كلوحة ناجحة .. لونها
أثار حتى حائط المرسم
كفكرة .. جناحها أحمر
كجملة قيلت ولم تفهم
كنجمة قد ضعيت دربها
في خصلات الأسود المعتم
زجاجة للطيب مختومة
ليت أواني الطيب لم تختم
من أين يا ربي عصرت الجنى؟
وكيف فكرت بهذا الفم
وكيف بالغت بتدويره؟
وكيف وزعت نقاط الدم؟
وكيف بالتوليب سورته
بالورد، بالعناب، بالعندم؟
وكيف ركزت إلى جنبه
غمارة .. تهزأ بالأنجم..
كم سنة .. ضيعت في نحته ؟
قل لي .. ألم تتعب .. ألم تسأم؟
منضمة الشفاه .. لا تفصحي
أريد أن أبقى بوهم الفمٍ
..
أطفال الحجارة
بهروا الدنيا..
وما في يدهم إلا الحجاره..
وأضاؤوا كالقناديل، وجاؤوا كالبشاره
قاوموا.. وانفجروا.. واستشهدوا..
وبقينا دبباً قطبيةً
صفحت أجسادها ضد الحراره..
قاتلوا عنا إلى أن قتلوا..
وجلسنا في مقاهينا.. كبصاق المحارة
واحدٌ يبحث منا عن تجارة..
واحدٌ.. يطلب ملياراً جديداً..
وزواجاً رابعاً..
ونهوداً صقلتهن الحضارة..
واحدٌ.. يبحث في لندن عن قصرٍ منيفٍ
واحدٌ.. يعمل سمسار سلاح..
واحدٌ.. يطلب في البارات ثاره..
واحدٌ.. بيحث عن عرشٍ وجيشٍ وإمارة..
آه.. يا جيل الخيانات..
ويا جيل العمولات..
ويا جيل النفايات
ويا جيل الدعارة..
سوف يجتاحك –مهما أبطأ التاريخ-
أطفال الحجاره..
..
القبلة الأولى
عامان .. مرا عليها يا مقبلتي
وعطرها لم يزل يجري على شفتي
كأنها الآن .. لم تذهب حلاوتها
ولا يزال شذاها ملء صومعتي
إذ كان شعرك في كفي زوبعة
وكأن ثغرك أحطابي .. وموقدتي
قولي. أأفرغت في ثغري الجحيم وهل
من الهوى أن تكوني أنت محرقتي
لما تصالب ثغرانا بدافئة
لمحت في شفتيها طيف مقبرتي
تروي الحكايات أن الثغر معصية
حمراء .. إنك قد حببت معصيتي
ويزعم الناس أن الثغر ملعبها
فما لها التهمت عظمي وأوردتي؟
يا طيب قبلتك الأولى .. يرف بها
شذا جبالي .. وغاباتي .. وأوديتي
ويا نبيذية الثغر الصبي .. إذا
ذكرته غرقت بالماء حنجرتي..
ماذا على شفتي السفلى تركت .. وهل
طبعتها في فمي الملهوب .. أم رئتي؟
لم يبق لي منك .. إلا خيط رائحة
يدعوك أن ترجعي للوكر .. سيدتي
ذهبت أنت لغيري .. وهي باقية
نبعا من الوهج .. لم ينشف .. ولم يمت
تركتني جائع الأعصاب .. منفردا
أنا على نهم الميعاد .. فالتفتي
..
أكبر من كل الكلمات
سيدتي ! عندي في الدفتر
ترقص آلاف الكلمات
واحدةٌ في ثوبٍ أصفر
واحدةٌ في ثوبٍ أحمر
يحرق أطراف الصفحات
أنا لست وحيداً في الدنيا
عائلتي .. حزمة أبيات
أنا شاعر حبٍ جوالٌ
تعرفه كل الشرفات
تعرفه كل الحلوات
عندي للحب تعابيرٌ
ما مرت في بال دواة
الشمس فتحت نوافذها
و تركت هنالك مرساتي
و قطعت بحاراً .. و بحاراً
أنبش أعماق الموجات
أبحث في جوف الصدفات
عن حرفٍ كالقمر الأخضر
أهديه لعيني مولاتي
---
سيدتي ! في هذا الدفتر
تجدين ألوف الكلمات
الأبيض منها و .. و الأحمر
الأزرق منها و .. و الأصفر
لكنك .. يا قمري الأخضر
أحلى من كل الكلمات
أكبر من كل الكلمات
..
على الغيم
فرشت أهدابي.. فلن تتعبي
نزهتنا على دم المغرب
في غيمةٍ ورديـةٍ.. بيتـنــا
نسبح في بريقها المذهب
يسوقنا العطر كما يشتهي
فحيثما يذهب بنا.. نذهب..
خذي ذراعي.. دربنا فضهٌ
ووعدنا في مخدع الكوكب
أرجوك.. إن تمسحت نجمةٌ
بذيل فستانك.. لا تغضبي
فإنها صديقةٌ .. حاولت
تقبيل رجليك ، فلا تعتبي
ثقي بحبي .. فهو أقصوصةٌ
بأدمع النجوم لم تكتب
حبي بلون النار.. إن مرةً
وشوشت عنه الحب، يستغرب
لا تسأليني..كيف أحببتني؟
يدفعني إليك شوقٌ نــبي..
و الله إن سألتني نجمةً
قلعتها من أفقها .. فاطلبي
هل كان ينمو الورد في قمتي؟
لو لم تهلي أنت في ملعبي
و مطلبي لديك ما يطلب
العصفور عند الجدول المعشب
و أنت لي ، ما العطر للوردة
الحمراء، لا أكون إن تذهبي
..
قصيدة بلقيس
شكراً لكم ..
شكراً لكم . .
فحبيبتي قتلت .. وصار بوسعكم
أن تشربوا كأساً على قبر الشهيده
وقصيدتي اغتيلت ..
وهل من أمـةٍ في الأرض ..
- إلا نحن - تغتال القصيدة ؟
بلقيس ...
كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل
بلقيس ..
كانت أطول النخلات في أرض العراق
كانت إذا تمشي ..
ترافقها طواويسٌ ..
وتتبعها أيائل ..
بلقيس .. يا وجعي ..
ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل
هل يا ترى ..
من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل ؟
يا نينوى الخضراء ..
يا غجريتي الشقراء ..
يا أمواج دجلة . .
تلبس في الربيع بساقها
أحلى الخلاخل ..
قتلوك يا بلقيس ..
أية أمةٍ عربيةٍ ..
تلك التي
تغتال أصوات البلابل ؟
أين السموأل ؟
والمهلهل ؟
والغطاريف الأوائل ؟
فقبائلٌ أكلت قبائل ..
وثعالبٌ قتـلت ثعالب ..
وعناكبٌ قتلت عناكب ..
قسماً بعينيك اللتين إليهما ..
تأوي ملايين الكواكب ..
سأقول ، يا قمري ، عن العرب العجائب
فهل البطولة كذبةٌ عربيةٌ ؟
أم مثلنا التاريخ كاذب ؟.
بلقيس
لا تتغيبي عني
فإن الشمس بعدك
لا تضيء على السواحل . .
سأقول في التحقيق :
إن اللص أصبح يرتدي ثوب المقاتل
وأقول في التحقيق :
إن القائد الموهوب أصبح كالمقاول ..
وأقول :
إن حكاية الإشعاع ، أسخف نكتةٍ قيلت ..
فنحن قبيلةٌ بين القبائل
هذا هو التاريخ . . يا بلقيس ..
كيف يفرق الإنسان ..
ما بين الحدائق والمزابل
بلقيس ..
أيتها الشهيدة .. والقصيدة ..
والمطهرة النقية ..
سبـأٌ تفتش عن مليكتها
فردي للجماهير التحية ..
يا أعظم الملكات ..
يا امرأةً تجسد كل أمجاد العصور السومرية
بلقيس ..
يا عصفورتي الأحلى ..
ويا أيقونتي الأغلى
ويا دمعاً تناثر فوق خد المجدلية
أترى ظلمتك إذ نقلتك
ذات يومٍ .. من ضفاف الأعظمية
بيروت .. تقتل كل يومٍ واحداً منا ..
وتبحث كل يومٍ عن ضحية
والموت .. في فنجان قهوتنا ..
وفي مفتاح شقتنا ..
وفي أزهار شرفتنا ..
وفي ورق الجرائد ..
والحروف الأبجدية ...
ها نحن .. يا بلقيس ..
ندخل مرةً أخرى لعصر الجاهلية ..
ها نحن ندخل في التوحش ..
والتخلف .. والبشاعة .. والوضاعة ..
ندخل مرةً أخرى .. عصور البربرية ..
حيث الكتابة رحلةٌ
بين الشظية .. والشظية
حيث اغتيال فراشةٍ في حقلها ..
صار القضية ..
هل تعرفون حبيبتي بلقيس ؟
فهي أهم ما كتبوه في كتب الغرام
كانت مزيجاً رائعاً
بين القطيفة والرخام ..
كان البنفسج بين عينيها
ينام ولا ينام ..
بلقيس ..
يا عطراً بذاكرتي ..
ويا قبراً يسافر في الغمام ..
قتلوك ، في بيروت ، مثل أي غزالةٍ
من بعدما .. قتلوا الكلام ..
بلقيس ..
ليست هذه مرثيةً
لكن ..
على العرب السلام
بلقيس ..
مشتاقون .. مشتاقون .. مشتاقون ..
والبيت الصغير ..
يسائل عن أميرته المعطرة الذيول
نصغي إلى الأخبار .. والأخبار غامضةٌ
ولا تروي فضول ..
بلقيس ..
مذبوحون حتى العظم ..
والأولاد لا يدرون ما يجري ..
ولا أدري أنا .. ماذا أقول ؟
هل تقرعين الباب بعد دقائقٍ ؟
هل تخلعين المعطف الشتوي ؟
هل تأتين باسمةً ..
وناضرةً ..
ومشرقةً كأزهار الحقول ؟
بلقيس ..
إن زروعك الخضراء ..
ما زالت على الحيطان باكيةً ..
ووجهك لم يزل متنقلاً ..
بين المرايا والستائر
حتى سجارتك التي أشعلتها
لم تنطفئ ..
ودخانها
ما زال يرفض أن يسافر
بلقيس ..
مطعونون .. مطعونون في الأعماق ..
والأحداق يسكنها الذهول
بلقيس ..
كيف أخذت أيامي .. وأحلامي ..
وألغيت الحدائق والفصول ..
يا زوجتي ..
وحبيبتي .. وقصيدتي .. وضياء عيني ..
قد كنت عصفوري الجميل ..
فكيف هربت يا بلقيس مني ؟..
بلقيس ..
هذا موعد الشاي العراقي المعطر ..
والمعتق كالسلافة ..
فمن الذي سيوزع الأقداح .. أيتها الزرافة ؟
ومن الذي نقل الفرات لبيتنا ..
وورود دجلة والرصافة ؟
بلقيس ..
إن الحزن يثقبني ..
وبيروت التي قتلتك .. لا تدري جريمتها
وبيروت التي عشقتك ..
تجهل أنها قتلت عشيقتها ..
وأطفأت القمر ..
بلقيس ..
يا بلقيس ..
يا بلقيس
كل غمامةٍ تبكي عليك ..
فمن ترى يبكي عليا ..
بلقيس .. كيف رحلت صامتةً
ولم تضعي يديك .. على يديا ؟
بلقيس ..
كيف تركتنا في الريح ..
نرجف مثل أوراق الشجر ؟
وتركتنا - نحن الثلاثة - ضائعين
كريشةٍ تحت المطر ..
أتراك ما فكرت بي ؟
وأنا الذي يحتاج حبك .. مثل (زينب) أو (عمر)
بلقيس ..
يا كنزاً خرافياً ..
ويا رمحاً عراقياً ..
وغابة خيزران ..
يا من تحديت النجوم ترفعاً ..
من أين جئت بكل هذا العنفوان ؟
بلقيس ..
أيتها الصديقة .. والرفيقة ..
والرقيقة مثل زهرة أقحوان ..
ضاقت بنا بيروت .. ضاق البحر ..
ضاق بنا المكان ..
بلقيس : ما أنت التي تتكررين ..
فما لبلقيس اثنتان ..
بلقيس ..
تذبحني التفاصيل الصغيرة في علاقتنا ..
وتجلدني الدقائق والثواني ..
فلكل دبوسٍ صغيرٍ .. قصةٌ
ولكل عقدٍ من عقودك قصتان
حتى ملاقط شعرك الذهبي ..
تغمرني ،كعادتها ، بأمطار الحنان
ويعرش الصوت العراقي الجميل ..
على الستائر ..
والمقاعد ..
والأواني ..
ومن المرايا تطلعين ..
من الخواتم تطلعين ..
من القصيدة تطلعين ..
من الشموع ..
من الكؤوس ..
من النبيذ الأرجواني ..
بلقيس ..
يا بلقيس .. يا بلقيس ..
لو تدرين ما وجع المكان ..
في كل ركنٍ .. أنت حائمةٌ كعصفورٍ ..
وعابقةٌ كغابة بيلسان ..
فهناك .. كنت تدخنين ..
هناك .. كنت تطالعين ..
هناك .. كنت كنخلةٍ تتمشطين ..
وتدخلين على الضيوف ..
كأنك السيف اليماني ..
بلقيس ..
أين زجاجة ( الغيرلان ) ؟
والولاعة الزرقاء ..
أين سجارة الـ (الكنت ) التي
ما فارقت شفتيك ؟
أين (الهاشمي ) مغنياً ..
فوق القوام المهرجان ..
تتذكر الأمشاط ماضيها ..
فيكرج دمعها ..
هل يا ترى الأمشاط من أشواقها أيضاً تعاني ؟
بلقيس : صعبٌ أن أهاجر من دمي ..
وأنا المحاصر بين ألسنة اللهيب ..
وبين ألسنة الدخان ...
بلقيس : أيتها الأميرة
ها أنت تحترقين .. في حرب العشيرة والعشيرة
ماذا سأكتب عن رحيل مليكتي ؟
إن الكلام فضيحتي ..
ها نحن نبحث بين أكوام الضحايا ..
عن نجمةٍ سقطت ..
وعن جسدٍ تناثر كالمرايا ..
ها نحن نسأل يا حبيبة ..
إن كان هذا القبر قبرك أنت
أم قبر العروبة ..
بلقيس :
يا صفصافةً أرخت ضفائرها علي ..
ويا زرافة كبرياء
بلقيس :
إن قضاءنا العربي أن يغتالنا عربٌ ..
ويأكل لحمنا عربٌ ..
ويبقر بطننا عربٌ ..
ويفتح قبرنا عربٌ ..
فكيف نفر من هذا القضاء ؟
فالخنجر العربي .. ليس يقيم فرقاً
بين أعناق الرجال ..
وبين أعناق النساء ..
بلقيس :
إن هم فجروك .. فعندنا
كل الجنائز تبتدي في كربلاء ..
وتنتهي في كربلاء ..
لن أقرأ التاريخ بعد اليوم
إن أصابعي اشتعلت ..
وأثوابي تغطيها الدماء ..
ها نحن ندخل عصرنا الحجري
نرجع كل يومٍ ، ألف عامٍ للوراء ...
البحر في بيروت ..
بعد رحيل عينيك استقال ..
والشعر .. يسأل عن قصيدته
التي لم تكتمل كلماتها ..
ولا أحدٌ .. يجيب على السؤال
الحزن يا بلقيس ..
يعصر مهجتي كالبرتقالة ..
الآن .. أعرف مأزق الكلمات
أعرف ورطة اللغة المحالة ..
وأنا الذي اخترع الرسائل ..
لست أدري .. كيف أبتدئ الرسالة ..
السيف يدخل لحم خاصرتي
وخاصرة العبارة ..
كل الحضارة ، أنت يا بلقيس ، والأنثى حضارة ..
بلقيس : أنت بشارتي الكبرى ..
فمن سرق البشارة ؟
أنت الكتابة قبلما كانت كتابة ..
أنت الجزيرة والمنارة ..
بلقيس :
يا قمري الذي طمروه ما بين الحجارة ..
الآن ترتفع الستارة ..
الآن ترتفع الستارة ..
سأقول في التحقيق ..
إني أعرف الأسماء .. والأشياء .. والسجناء ..
والشهداء .. والفقراء .. والمستضعفين ..
وأقول إني أعرف السياف قاتل زوجتي ..
ووجوه كل المخبرين ..
وأقول : إن عفافنا عهرٌ ..
وتقوانا قذارة ..
وأقول : إن نضالنا كذبٌ
وأن لا فرق ..
ما بين السياسة والدعارة !!
سأقول في التحقيق :
إني قد عرفت القاتلين
وأقول :
إن زماننا العربي مختصٌ بذبح الياسمين
وبقتل كل الأنبياء ..
وقتل كل المرسلين ..
حتى العيون الخضر ..
يأكلها العرب
حتى الضفائر .. والخواتم
والأساور .. والمرايا .. واللعب ..
حتى النجوم تخاف من وطني ..
ولا أدري السبب ..
حتى الطيور تفر من وطني ..
و لا أدري السبب ..
حتى الكواكب .. والمراكب .. والسحب
حتى الدفاتر .. والكتب ..
وجميع أشياء الجمال ..
جميعها .. ضد العرب ..
لما تناثر جسمك الضوئي
يا بلقيس ،
لؤلؤةً كريمة
فكرت : هل قتل النساء هوايةٌ عربيةٌ
أم أننا في الأصل ، محترفو جريمة ؟
بلقيس ..
يا فرسي الجميلة .. إنني
من كل تاريخي خجول
هذي بلادٌ يقتلون بها الخيول ..
هذي بلادٌ يقتلون بها الخيول ..
من يوم أن نحروك ..
يا بلقيس ..
يا أحلى وطن ..
لا يعرف الإنسان كيف يعيش في هذا الوطن ..
لا يعرف الإنسان كيف يموت في هذا الوطن ..
ما زلت أدفع من دمي ..
أعلى جزاء ..
كي أسعد الدنيا .. ولكن السماء
شاءت بأن أبقى وحيداً ..
مثل أوراق الشتاء
هل يولد الشعراء من رحم الشقاء ؟
وهل القصيدة طعنةٌ
في القلب .. ليس لها شفاء ؟
أم أنني وحدي الذي
عيناه تختصران تاريخ البكاء ؟
سأقول في التحقيق :
كيف غزالتي ماتت بسيف أبي لهب
كل اللصوص من الخليج إلى المحيط ..
يدمرون .. ويحرقون ..
وينهبون .. ويرتشون ..
ويعتدون على النساء ..
كما يريد أبو لهب ..
كل الكلاب موظفون ..
ويأكلون ..
ويسكرون ..
على حساب أبي لهب ..
لا قمحةٌ في الأرض ..
تنبت دون رأي أبي لهب
لا طفل يولد عندنا
إلا وزارت أمه يوماً ..
فراش أبي لهب !!...
لا سجن يفتح ..
دون رأي أبي لهب ..
لا رأس يقطع
دون أمر أبي لهب ..
سأقول في التحقيق :
كيف أميرتي اغتصبت
وكيف تقاسموا فيروز عينيها
وخاتم عرسها ..
وأقول كيف تقاسموا الشعر الذي
يجري كأنهار الذهب ..
سأقول في التحقيق :
كيف سطوا على آيات مصحفها الشريف
وأضرموا فيه اللهب ..
سأقول كيف استنزفوا دمها ..
وكيف استملكوا فمها ..
فما تركوا به ورداً .. ولا تركوا عنب
هل موت بلقيسٍ ...
هو النصر الوحيد
بكل تاريخ العرب ؟؟...
بلقيس ..
يا معشوقتي حتى الثمالة ..
الأنبياء الكاذبون ..
يقرفصون ..
ويركبون على الشعوب
ولا رسالة ..
لو أنهم حملوا إلينا ..
من فلسطين الحزينة ..
نجمةً ..
أو برتقالة ..
لو أنهم حملوا إلينا ..
من شواطئ غزةٍ
حجراً صغيراً
أو محارة ..
لو أنهم من ربع قرنٍ حرروا ..
زيتونةً ..
أو أرجعوا ليمونةً
ومحوا عن التاريخ عاره
لشكرت من قتلوك .. يا بلقيس ..
يا معشوقتي حتى الثمالة ..
لكنهم تركوا فلسطيناً
ليغتالوا غزالة !!...
ماذا يقول الشعر ، يا بلقيس ..
في هذا الزمان ؟
ماذا يقول الشعر ؟
في العصر الشعوبي ..
المجوسي ..
الجبان
والعالم العربي
مسحوقٌ .. ومقموعٌ ..
ومقطوع اللسان ..
نحن الجريمة في تفوقها
فما ( العقد الفريد ) وما ( الأغاني ) ؟؟
أخذوك أيتها الحبيبة من يدي ..
أخذوا القصيدة من فمي ..
أخذوا الكتابة .. والقراءة ..
والطفولة .. والأماني
بلقيس .. يا بلقيس ..
يا دمعاً ينقط فوق أهداب الكمان ..
علمت من قتلوك أسرار الهوى
لكنهم .. قبل انتهاء الشوط
قد قتلوا حصاني
بلقيس :
أسألك السماح ، فربما
كانت حياتك فديةً لحياتي ..
إني لأعرف جيداً ..
أن الذين تورطوا في القتل ، كان مرادهم
أن يقتلوا كلماتي !!!
نامي بحفظ الله .. أيتها الجميلة
فالشعر بعدك مستحيلٌ ..
والأنوثة مستحيلة
ستظل أجيالٌ من الأطفال ..
تسأل عن ضفائرك الطويلة ..
وتظل أجيالٌ من العشاق
تقرأ عنك . . أيتها المعلمة الأصيلة ...
وسيعرف الأعراب يوماً ..
أنهم قتلوا الرسولة ..
قتلوا الرسولة ..
ق .. ت .. ل ..و .. ا
ال .. ر .. س .. و .. ل .. ة
نايفة حلبي
09-16-2009, 12:53 AM
ألاعمَال ألنثريةَ لِشاعر ألمرأةَ
فِي ألشعر:
حكاية الشعر آحكاية الوردة التي ترتجف على الرابية ، مخدة من العبير.. وقميصاً من الدم ..
إنك تحبها هذه الكتلة الملتهبة من الحرير التي تغمز إصبعك ، وأنفك ، وخيالك ، وقلبك ، دون أن يدور في خلدك أن تمزقها ، وتقطع قميصها الأحمر ، لتقف على سر هذا الجهاز الجميل الذي يحدث لك هذه الهزة العجيبة ، وهذه الحالة السمحة ، القريرة ، التي تغرق فيها .... وحين تفكر في هذا الإثم يوماً ، فتشق هذه اللفائف المعطورة ، وتذبح هذه الأوراق الصبية ، لتمد أنفك في هذا الوعاء الأنيق ، الذي يفرز لك العطر ، ويعصر لك قلبه لوناً ، حين تدور في رأسك هذه الفكرة المجرمة ، لا يبقى على راحتك غير جثة الجمال .. وجنازة العطر .
وفي الفن ، آما في الطبيعة ، وفي القصيدة آما في الوردة وآما في اللوحة البارعة ، يجب أن لا نعمد إلى تقطيع القصيدة ، هذا الشريط الباهر الندي من المعاني ، والأصباغ ، والصور ، والدندنة المنغومة . حرامٌ أن نمزق القصيدة لنحصي ( آمية ) المعاني التي تنضم عليها ، ونحصر عدد تفاعيلها ، وخفي زحافاتها ، ونقف على ( لون ) بحرها .. فالإحصاء ، والسحاب ، والتحليل ، والفكر المنطقي يجب أن تتوارى آلها ساعة التلقين المبدع .
لأن آل هذه الملكات العقلانية الحاسبة ، فاشلة في ميدان الروح .. فالقمر .. هذا الينبوع المفضض الذي بذر على الكون جدائل الياسمين .. يحدث لك ولي ولكل إنسان حالة حبيبة ملائمة . إنك تفتح قلبك له ، وتغمس أهدابك في سائله الزنبقي دون أن تعرف عن هذا ( الجميل ) أآثر من أنه قمر . ولو اتفق أن أوضح لك فلكيٍ سر القمر ، وأجواءه ، وجباله الجرداء ، وقممه المرعبة ، وأدار لك الحديث عن معادنه ، ودرجة حرارته ورطوبته، إذن لأشفقت على قلبك ، وأسدلت ستارتك .. إذن ، فلنقرأ آما ننظر إلى القمر .. بطفولة ، وعفوية ، واستغراق .
فالتذوق الفني آما قال الفيلسوف الايطالي آروتشه في آتابه ( المجمل في هو Intuition فلسفة الفن ) هو عبارة عن ( حدس غنائي ) . والحدس الصورة الأولى للمعرفة ، وسابق لكل معرفة ، وهو من شأن المخيلة ، وهو بتعبير آخر الإدراك الخالي من أي عنصر منطقي . إذن فكل أثر فني يجب أن يستقبل عن طريق ( الإدراك الحدسي ) لا ( المنطقي ) أو ( الذهني ) ، لأن هذا النوع الأخير من الإدراك ميدانه العلم والظواهر المادية . يقول آروتشه : " .. على الناقد أن يقف أمام مبدعات الفن موقف المتعبد لا موقف القاضي ، ولا موقف الناصح ، وما الناقد إلا فنانٌ آخر يحس ما أحسه الفنان الأول فيعيش حدسه مرة ثانية ، ولا يختلف عنه إلا في أنه يعيش بصورةٍ واعيةٍ ما عاشه الفنان بصورة غي واعيةٍ .. ". ومتى تم انتقال هذه السيالة الدافئة من الأصباغ ، والنغم ، والغريزة والإنفعال .. إليك ، تنتهي مهمة الشعر ، فهو ليس أآثر من (آهربةٍ جميلة) تصدم عصبك ، وتنقلك إلى واحاتٍ مضيئة مزروعة على أجفان السحاب . * مهمة القصيدة آمهمة الفراشة .. هذه تضع على فم الزهرة دفعة واحدة جميع ما جنته من عطر ورحيق ، منتقلة بين الجبل والحقل والسياج .. وتلك – أي القصيدة – تفرغ في قلب القارئ شحنة من الطاقة الروحية تحتوي على جميع أجزاء النفس ، وتنتظم الحياة آلها . يجب أن لا نطلب من الشعر أآثر من هذا . ويتجنى على الشعر الذين يريدون منه أن يغل غلة ، وينتج ريعاً .
فهو زينة وتحفة باذخة فحسب .. آآنية الورد التي تستريح على منضدتي ، لست أرجو منها أآثر من صحبة الأناقة .. وصداقة العطر .. لذلك نشأت على آره عنيد للشعر الذي يراد من نظمه إقامة ملجأ .. أو بناء تكية .. أو حصر قواعد اللغة العربية ، أو تأريخ ميلاد صبي ، أو تعداد مآثر الميت على رخامة قبره . قرأت في طفولتي تعاريف آثيرة للشعر ، وأهزل هذه التعاريف " الشعر هو الكلام الموزون المقفى ".
أليس من المخجل أن يلقن المعلمون العرب تلاميذهم في هذا العصر ، عصر فلق الذرة ، ومراودة القمر ، مثل هذه الأآذوبة البلهاء ؟ ماذا تقول للشاعر ، هذا الرجل الذي يحمل بين رئتيه قلب الله ، ويضطرب على أصابعه الجحيم ، وآيف نعتذر لهذا الإنسان الإله الذي تداعب أشواقه النجوم ، وتفزع تنهداته الليل ، ويتكئ على مخدته الصباح ، آيف نعتذر له بعد أن نقول له عن قصيدته التي حبكها من وهج شرايينه ، ونسجها من ريش أهدابه " إنها آلام " !. وآلمة ( آلام ) هذه .. تقف في قلبي يابسة آالشوآة ، لأن ما يدور بين الباعة على رصيف الشارع هو آلام . والضجة التي ترتفع في سوق البورصة هي مجموعة من الكلام الموزون .. أيضاً . فهل الشعر عند سادتنا العروضيون هو هذا النوع من الكلام ، دون أن يكون ثمة فرقٌ بين آلام ( ممتاز ) وآلام ( رخيص ) ؟ ويقال في تعريف ثانٍ للشعر إنه تصوير للطبيعة . وأنا أقول إن الفن هو صنع الطبيعة مرة ثانية ، على صورة أآمل ، نسق أروع . الطبيعة وحدها ، فقيرة ، عاجزة ، مقيدة بأبدية القوانين المفروضة عليها هذه الزهرة تنبت في شهر آذا .. وهذا النبع يتفجر إذا انعقدت السحب مطراً ، وهذا النوع من العصافير يرحل عن البيادر في أوائل الشتاء . أما في الفن فإنك تشم رائحة الأعشاب لمجرد تصفحك ديوان ابن زيدون ، وإنك لتستطيع أن تستمع إلى وشوشة الينابيع وأنت أمام الموقد ، تقرأ ما آتب البحتري واين المعتز .
أستطيع في أي موسم أن أغلق نافذتي ، وأمد يدي إلى مكتبي لأنعم بالورد والماء وبالعطر وبزقزقة العصافير المغنية ، وهي تتفجر من دواوين المتنبي ، وبولدير ، وبول فيرلين ، وأبي نواس ، وبشار ، فتحيل مخدعي إلى مزرعةٍ يصلي على ترابها الضوء والعبير . الوردة الحمراء على الرابية تموت . ولكن الوردة المزروعة في قصيدة فلان لا تزال توزع عطرها على الناس وتقطر دمعها على أصابعهم .
إذن فما هو الشعر ؟
آل ما قيل في هذا الموضوع لا يتعدى دراسة مظاهر التجربة الخارجية لا التجربة ذاتها ، آما يدرس العالم النفسي نتائج الغضب والانفعال والسرور على جسد الإنسان ، وآما يدرس علماء الفيزياء آثار التيار الكهربائي من ضوء وحرارة وحرآة . وجميع ما قرأته من نظريات المعنى ، والفكرة ، والصورة ، واللفظ ، والخيال ، ونسبة آل منها في البيت ، إنما تدرس آثار التجربة الشعرية في العالم الخارجي ، أي بعد انتقالها من جبين الشاعر إلى الورق .
لا أجرؤ على تحديد جوهر الشعر .. لأنه يهزأ بالحدود . ثم ماذا يضير الشعر إذا لم نجد له تعريفاً ؟ ألسنا نتقبل أآثر الأشياء التي تحيط بنا دون مناقشة ؟ فالروائح ، والألوان ، والأصوات التي يسبح آياننا فيها .. تبعث اللذة فينا دون أن نعرف شيئاً عن مادتها وترآيبها . وهل تخسر الوردة شيئاً من فتنتها إذا جهلنا تاريخ حياتها ؟ لنتواضع إذن على القول : إن الشعر آهربة جميلة ، لا تعمر طويلاً ، تكون النفس خلالها بجميع عناصرها من عاطفة ، وخيال ، وذاآرة ، وغريزةٍ ، مسربلة بالموسيقا . ومتى اآتست الهنيهة الشعرية ريش النغم ، آان الشعر . فهو بتعبير موجز ( النفس الملحنة ) . لا تعرف هذه الهنيهة الشاعرة موسماً ولا موعداً مضروباً ، فكأنها فوق المواسم والمواعيد . وأنا لا أعرف مهنة يجهل صاحبها ماهيتها أآثر من هذه المهنة التي تغزل النار .. ... والذي أقرره ، أن الشعر يصنع نفسه بنفسه ، وينسج ثوبه بيديه وراء ستائر النفس ، حتى إذا نمت له أسباب الوجود ، واآتسى رداء النغم ، ارتجف أحرفا تلهث على الورق .. ولقد اقتنعت أن جهدي لا يقدم ولا يؤخر في ميعاد ولادة القصيدة ، فأنا على العكس أعيق الولادة إذا حاولت أن أفعل شيئاً . آم مرةٍ .. ومرةٍ .. إتخذت لنفسي وضع من يريد أن ينظم ، وألقيت بنفسي في أحضان مقعدٍ وثير ، وأمسكت بالقلم ، وأحرقت أآثر من لفافة .. فلم يفتح الله علي بحرفٍ واحدٍ . حتى إذا آنت أعبر الطريق بين ألوف العابرين ، أو آنت في حلقة صاخبةٍ من الأصدقاء ، دغدغني ألف خاطر أشقر .. وحملتني ألف أرجوحةٍ إلى حيث تفنى المسافات .
والشعر يحيط بالوجود آله ، وينطلق في آل الاتجاهات ، فترسم ريشته المليح والقبيح ، وتتناول المترف والمبتذل ، والرفيع والوضيع . ويخطئ الذين يظنون أنه خط صاعدٌ دائماً ، لأن الدعوة إلى الفضيلة ليست مهمة الفن بل مهمة الأديان وعلم الأخلاق . وأنا أؤمن بجمال القبح ، ولذة الألم ، وطهارة الإثم . فهي آلها أشياء صحيحة في نظر الفنان . تصوير مخدع موسى ، واردٌ في منطق الفن ومعقول ، وهو من أسخى مواضيع الفن وأغزرها ألواناً . أما المومس من حيث آونها إناءً من الإثم ، خطأ من أخطاء المجتمع ، فهذا موضوع آخر تعالجه المذاهب الاجتماعية وعلم الأخلاق . يقول مروتشه في نقد المذهب الأخلاقي في الفن : " إن العمل الفني لا يمكن فعلاً نفعياً يتجه إلى بلوغ لذة أو استعباد ألم ، لأن الفن من حيث هو فن لا شأن له بالمنفعة . وقد لوحظ من قديم الأزمان أن الفن ليس ناشئاً عن الإرادة . ولئن آانت الإرادة قوام الإنسان الخير ، فليست قوام الإنسان الفنان . فقد تعبر الصورة عن فعل يحمد أو يذم من الناحية الخلقية ، ولكن الصورة من حيث هي صورة لا يمكن أن تحمد أو تذم من الناحية الأخلاقية؟ لأنه ليس ثمة حكمٌ أخلاقي يمكن أن يصدر عن عاقل ، ويكون موضوعه صورة . " إن الفنان فنان لا أآثر ، أي إنسان يحب ويعبر ، ليس الفنان من حيث هو فنان عالماً ، ولا فيلسوفاً ولا أخلاقياً . وقد تنصب عليه صفة التخلق من حيث هو إنسان ، أما من حيث هو فنان خلاق ، فلا نستطيع أن نطلب إليه إلا شيئاً واحداً ، هو التكافؤ التام بين ما ينتج وما بشعر به .. ". لو صح لنا أن نقبل ما زعمته المدرسة الأخلاقية في الفن لمات الفن مختنقاً بأبخرة المعابد ، ولوجب أن نحطم آل التماثيل العارية التي نحتها ميشيل أنجلو ، والصور البارعة التي رسمها رفائيل .. لأنها إثم يجب أن لا تقع فيه العين . لو ذهبنا مع أشياع هذه المدرسة إلى حيث يريدون ، لوجب أن نخرج من حظيرة الجيد قصيدة النابغة التي قالها في زوجة النعمان وقد انزلق مئزرها عن نهديها .. شابين .. مرتعشين : سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتفقنا باليد ... ولكان علينا أن نلعن النابغة ، ونعتبره ضالاً لا يستحق أن نقرأ سيرته وأشعاره .
وبعد .. وبعد .. ففي يد القارئ حروفٌ دافئة تتحرك على بياض الورق ، وتتسلق أصابعه لتعانق قلبه . هذه الأحرف لم أآتبها لفئةٍ خاصةٍ من الناس روضوا خيالهم على تذوق الشعر ، وهيأتهم ثقافاتهم لهذا . لا .. إنني أآتب لأي ( إنسان ) مثلي يشترك معي في الإنسانية ، وتوجد بين خلايا عقله ، خلية تهتز للعاطفة الصافية ، وللواحات المزروعة وراء مدى الظن .. أريد أن يكون الفن ملكاً لكل الناس آالهواء ، وآالماء ، وآغناء العصافير ، يجب أن لا يحرم منها أحد . إذن ، يجب أن نعمم الفن ، وأن نجعله بعيد الشمول . ومتى آان لنا ذلك استطعنا أن نجلب الجماهير المتهالكة على الشوك ، والطين ، والمادة الفارغة ، إلى عالم أسواره النجوم ، وأرضه مفروشة بالبريق . متى جذبنا الجماهير إلى قمتنا ، نبذوا أنانيتهم ، وتخلوا عن شهوة الدم ، وخلعوا أثواب ردائهم ، وهكذا يغمر السلام الأرض ، وينبت الريحان في مكان الشوك . إنني أحلم ( بالمدينة الشاعرة ) لتكون إلى جانب مدينة الفارابي (الفاضلة). وحينئذ فقط . يكتشف الإنسان نفسه ، ويعرف الله .. وفي سبيل هذه الفلسفة ، فلسفة الغناء العفوي ، حاولت فيما آتبت أن أرد قلبي إلا طفولته ، وأتخير ألفاظاً مبسطة ، مهموسة الرنين ، وأختار من أوزان الشعر ألطفها على الأذن . فإذا أحس القارئ بأن قلبي صار مكان قلبه ، وانتفض بين أضلاعه هو ، وأنه يعرفني قبل أن يعرفني ، وأنني صرت فماً له وحنجرة ، فلقد أدرآت غايتي ، وحققت حلمي الأبيض ، وهو أن اجعل الشعر يقوم في آل منزل إلى جانب الخبز والماء ...
1947
الولادة على سرير أخضر:
يوم ولدت في 21 آذار(مارس) 1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة, كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة.. و كان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء.
الأرض و أمي حملتنا في وقت واحد..و وضعتنا في وقت واحد.
هل كانت مصادفة يا ترى أن تكون ولادتي هي الفصل الذي تثور فيه الأرض على نفسها, و ترمي فيه الأشجار كل أثوابها القديمة؟ أم كان مكتوباً علي أن أكون كشهر آذر, شهر التغيير و التحولات؟.
كل الذي أعرفه أنني يوم ولدت, كانت الطبيعة تنفذ إنقلابها على الشتاء.. و تطلب من الحقول و الحشائش و الأزهار و العصافير أن تؤيدها في إنقلابها..على روتين الأرض.
هذا ما كان يجري في داخل التراب, أما في خارجه فقد كانت حركة المقاومة ضد الإنتداب الفرنسي تمتد من الأرياف السورية إلى المدن و الأحياء الشعبية. و كان حي (الشاغور), حيث كنا نسكن, معقلاً من معاقل المقاومة, و كان زعماء هذه الأحياء الدمشقية من تجار و مهنيين, و أصحاب حوانيت, يمولون الحركة الوطنية, و يقودونها من حوانيتهم و منازلهم.
أبي, توفيق القباني, كان واحداً من هؤلاء الرجال, و بيتنا واحداً من تلك البيوت.
و يا طالما جلست في باحة الدار الشرقية الفسيحة, أستمع بشغف طفولي غامر, إلى الزعماء السياسيين السوريين يقفون في إيوان منزلنا, و يخطبون في ألوف الناس, مطالبين بمقاومة الإحتلال الفرنسي, و محرضين الشعب على الثورة من أجل الحرية.
و في بيتنا في حي (مئذنة الشحم) كانت تعقد الإجتماعات السياسية ضمن أبواب مغلقة, و توضع خطط الإضرابات و المظاهرات و وسائل المقاومة. و كنا من وراء الأبواب نسترق الهمسات و لا نكاد نفهم منها شيئاً..
و لم تكن مخيلتي الصغيرة في تلك الأعوام من الثلاثينيات قادرة على وعي الأشياء بوضوح. و لكنني حين رأيت عساكر السنغال يدخلون في ساعات الفجر الأولى منزلنا بالبنادق و الحراب و يأخذون أبي معهم في سيارة مصفحة إلى معتقل (تدمر) الصحراوي..عرفت أن أبي كان يمتهن عملاً آخر غير صناعة الحلويات..كان يمتهن صناعة الحرية.
كان أبي إذن يصنع الحلوى و يصنع الثورة. و كنت أعجب بهذه الإزدواجية فيه, و أدهش كيف يستطيع أن يجمع بين الحلاوة و بين الضراوة..
1970
..
أسرتي و طفولتي:
في التشكيل العائلي, كنت الولد الثاني بين أربعة صبيان و بنت, هم المعتز و رشيد و صباح و هيفاء.
أسرتنا من الأسر الدمشقية المتوسطة الحال. لم يكن أبي غنياً و لم يجمع ثروة, كل مدخول معمل الحلويات الذي كان يملكه, كان ينفق على إعاشتنا, و تعليمنا, و تمويل حركة المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين.
و إذا أردت تصنيف أبي أصنفه دون تردد بين الكادحين, لأنه أنفقخمسين عاماً من عمره, يستنشق روائح الفحم الحجري, و يتوسد أكياس السكر, و ألواح خشب السحاحير..
و كان يعود إلينا من معمله في زقاق (معاوية) كل مساء, تحت المزاريب الشتائية كأنه سفينة مثقوبة..
و إني لأتذكر وجه أبي المطلي بهباب الفحم, و ثيابه الملطخة بالبقع و الحروق, كلما قرأت كلام من يتهمونني بالبرجوازية و الأنتماء إلى الطبقة المرفهة, و السلالات ذات الدم الأزرق..
أي طبقة.. و أي دم أزرق.. هذا الذي يتحدثون عنه؟
إن دمي ليس ملكياً, و لا شاهانياً, و إنما هو دم عادي كدم آلاف الأسر الدمشقة الطيبة التي كانت تكسب رزقها بالشرف و الإستقامة و الخوف من الله..
وراثياً, في حديقة الأسرة شجرة كبيرة..كبيرة..إسمها أبو خليل القباني. إنه عم والدتي و شقيق جد والدي..
قليلون منكم_ربما_ من يعرفون هذا الرجل.
قليلون من يعرفون أنه هز مملكة, و هز باب (الباب العالي) و هز مفاصل الدولة العثمانية, في أواخر القرن التاسع عشر.
أعجوية كان هذا الرجل. تصورووا إنساناً أراد أن يحول خانات دمشق التي كانت تزرب فيها الدواب إلى مسارح..و يجعل من دمشق المحافظة, التقية, الورعة..(برودواي) ثانية..
خطيرة كانت أفكار أبي خليل.و أخطر ما فيها أنه نفذها.. و صلب من أجلها..
أبو خلبل القباني كان إنسكلوبيديا بمئة مجلد و مجلد.. يؤلف الروايات, و يخرجها, و يكتب السيناريو, و يضع الحوار الحوار, و يصمم الأزياء, و يغني و يمثل, و يرقص, و يلحن كلام المسرحيات, و يكتب الشعر بالعربية و الفارسية.
و حين كانت دمشق لا تعرف من الفن المسرحي غير خيمة (قره كوز) و لا تعرف من الأبطال, غير أبي زيد الهلالي, و عنترة, و الزير..كان أبو خليل يترجم لها راسين عن الفرنسية..
و في غياب العنصر النسائي, اضطر الشيخ إلى إلباس الصبية ملابس النساء, و إسناد الأدوار النسائية إليهم, تماماً مثلما فعل شكسبير في العصر الفيكتوري.
و طار صواب دمشق, و أصيب مشايخها, و رجال الدين فيها بإنهيار عصبي, فقاموا بكل ما يملكون من وسائل, و سلطوا الرعاع عليه ليشتموه في غدوه و رواحه, و هجوه بأقذر الشعر, و لكنه ظل صامداً, و ظلت مسرحياته تعرض في خانات دمشق, و يقبل عليها الجمهور الباحث عن الفن النظيف.
و حين يئس رجال الدين الدمشقيون من تحطيم أبي خليل, ألفوا وفداً ذهب إلى الأستانة و قابل الباب العالي, و أخبره أن أبا خليل القباني يشكل خطراً على مكارم الأخلاق, و الدين, و الدولة العلية, و أنه إذا لم يغلق مسرحه, فسوف تطير دمشق من يد آل عثمان..و تسقط الخلافة.
طبعاً خافت الخلافة على نفسها, و صدر فرمان سلطاني بإغلاق أول مسرح طليعي عرفه الشرق و غادر أبو خليل منزله الدمشقي إلى مصر, و ودعته دمشق كما تودع كل المدن المتجرة موهوبيها, أي بالحجارة, و البندورة, و البيض الفاسد..
و في مصر, التي كانت أكثر إنفتاحاً على الفن, و أكثر فهماً لطبيعة العمل الفني, أمضى أبو خليل بقية أيام حياته, و وضع الحجر الأول في بناء المسرح الغنائي المصري.
إن انقضاض الرجعية على أبي خليل, هو أول حادث استشهاد فني في تاريخ أسرتنا..و حين افكر في جراح أبي خليل, و في الصليب الذي حمله على كتفيه, و في ألوف المسامير المغروزة في لحمه, تبدو جراحي تافهة..و صليبي صغيراً صغيراً
فأنا أيضاً ضربتني دمشق بالحجارة, و البندورة, و البيض الفاسد..حين نشرت عام 1954 قصيدتي (خبز و حشيش و قمر)..
العمائم نفسها التي طالبت بشتق أبي خليل طالبت بشنقي..و الذقون المحشوة بغبار التاريخ التي طلبت رأسه طلبت رأسي..
(خبز و حشيش و قمر) كانت أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني و بين الخرافة..و بين التاريخين..
1970
..
دارنا الدمشقية:
لا بد من العودة مرةً أخرى إلى الحديث عن دار (مئذنة الشحم) لأنها المفتاح إلى شعري, و المدخل الصحيح إليه.
و بغير الحديث عن هذه الدار تبقى الصورة غير مكتملة, و منتزعة من إطارها.
هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة.
إنني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ,و لكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر ..و إنما أظلم دارنا.
و الذين سكنوا دمشق, و تغلغلوا في حاراتها و زواريبها الضيقة, يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون...
بوابة صغيرة من الخشب تنفتح. و يبدأ الإسراء على الأخضر, و الأحمر, و الليلكي, و تبدء سمفونية الضوء و الظل و الرخام.
شجرة النارنج تحتضن ثمارها, و الدالية حامل, و الياسمينة ولدت ألف قمر أبيض و علقتهم على قضبان النوافذ..و أسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا..
أسود الرخام حول البركة الوسطى تملأ فمها بالماء.. و تنفخه.. و تستمر اللعبة المائية ليلاً و نهاراً..لا النوافير تتعب.. و لا ماء دمشق ينتهي..
الورد البلدي سجاد أحمر ممدود تحت أقدامك.. و الليلكة تمشط شعرها البنفسجي, و الشمشير, و الخبيزة, و الشاب الظريف,و المنثور, و الريحان, و الأضاليا.. و ألوف النباتات الدمشقية التي أتذكر ألوانها و لا أتذكر أسمائها.. لا تزال تتسلق على أصابعي كلما أرت أن أكتب..
القطط الشامية النظيفة الممتلئة صحةً و نضارة تصعد إلى مملكة الشمس لتمارس غزلها و رومانتيكيتها بحرية مطلقة, و حين تعود بعد هجر الحبيب و معها قطيع من صغارها ستجد من يستقبلها و يطعمها و يكفكف دموعها..
الأدراج الرخامية تصعد.. و تصعد..على كيفها..و الحمائم تهاجر و ترجع على كيفها.. لا أحد يسألها ماذا تفعل؟ و السمك الأحمر يسبح على كيفه.. و لا أحد يسأله إلى أين؟
و عشرون صحيفة فثل في صحن الدار هي كل ثروة أمي.
كل زر فلٍ عندها يسلوي صبياً من أولادها.. لذاك كلما غافلناها و سرقنا ولداً من أولادها..بكت..و شكتنا إلى الله..
***
ضمن نطاق هذا الحزام الأخضر.. و لدت, و حبون, و نطقت كلماتي الأولى.
كان إصطدامي بالجمال قدراً يومياً. كنت إذا تعثرت أتعثر بجناح حمامة.. و إذا سقطت أسقط على حضن وردة..
هذا البيت الدمشقي الجميل استحوذ على كل مشاعري و أفقدني شهية الخروج إلى الزقاق.. كما يفعل الصبيات في كل الحارات.. و من هنا نشأ عندي هذا الحس (البيتوتي) الذي رافقني في كل مراحل حياتي.
إنني أشعر حتى اليوم بنوع من الإكتفاء الذاتي, يجعل التسكع على أرصفة الشوارع, و اصطياد الذباب في المقاهي المكتظة بالرجال, عملاً ترفضه طبيعتي.
و إذا كان نصف أدباء العالم قد تخرج من أكادمية المقاهي, فإنني لم أكن من متخرجيها.
لقد كنت أؤمن أن العمل الأدبي عمل من أعمال العبادة, له طقوسه و مراسمه و طهارته, و كان من الصعب علي أن أفهم كيف يمكن أن يخرج الأدب الجاد من نرابيش النراجيل, و طقطقة أحجار النرد..
***
طفولتي قضيتها تحت (مظلة الفي و الرطوبة) التي هي بيتنا العتيق في (مئذنة الشحم).
كان هذا البيت هو نهاية حدود العالم عندي, كان الصديق, و الواحة, و المشتى, و المصيف..
أستطيع الآن, أن أغمض عيني و أعد مسامير أبوابه, و أستعيد آيات القرآن المحفورة على خشب قاعاته.
أستطيع الآن أن أعد بلاطاته واحدةً..واحدة.. و أسماك بركته واحدةً..واحدة.. و سلالمه الرخامية درجةً..درجة..
أستطيع أن أغمض عيني, و أستعيد, بعد ثلا ثيين سنة مجلس أبي في صحن الدار, و أمامه فنجان قهوته, و منقله, و علبة تبغه, و جريدته.. و على صفحات الجريدة تساقط كل خمس دقائق زهرة ياسمين بيضاء.. كأنها رسالة حب قادمة من السماء..
على السجادة الفارسية الممدودة على بلاط الدار ذاكرت دروسي, و كتبت فروضي, و حفظت قصائد عمر بن كلثوم, و زهير, و النابغة الذبياني, و طرفة بن العبد..
هذا البيت-المظلة ترك بصماته واضحة على شعري. تماماً كما تركت غرناطة و قرطبة و إشبيليا بصماتها على الشعر الأندلسي.
القصيدة العربية عندما وصلت إلى إسبانيا كانت مغطاةً بقشرة كثيفة من الغبار الصحراوي.. و حين دخلت منطقة الماء و البرودة في جبال (سييرا نيفادا) و شواطئ نهر الوادي الكبير..
و تغلغلت في بساتين الزيتون و كروم العنب في سهول قرطبة, خلعت ملابسها و ألقت نفسها في الماء.. و من هذا الإصطدام التاريخي بين الظمأ و الري..ولد الشعر الأندلسي..
هذا هو تفسيري الوحيد لهذا الإنقلاب الجذري في القصيدة العربية حين سافرت إلى إسبانيا في القرن السابع.
إنها بكل بساطة دخلت إلى قاعة مكيفة الهواء..
و الموشحات الأندلسية ليست سوى (قصائد مكيفة الهواء)..
و كما حدث للقصيدة العربية في إسبانيا حدث لي, امتلأت طفولتي رطوبة, و امتلأت دفاتري رطوبة, و امتلأت أبجديتي رطوبة..
هذه اللغة الشامية التي تتغلغل في مفاصل كلماتي, تعلمتها في البيت-المظلة الذي حدثتكم عنه..
و لقد سافرت كثيراً بعد ذلك, و ابتعدت عن دمشق موظفاً في السلك الديبلوماسي نحو عشرين عاماً و تعلمت لغاتً كثيرة أخرى, إلا أن أبجديتي الدمشقية ظلت متمسكة بأصابعي و حنجرتي, و ثيابي. و ظللت ذلك الطفل الذي يحمل في حقيبته كل ما في أحواض دمشق, من نعناعٍ, و فل, و ورد بلدي..
إلى كل فنادق العالم التي دخلتها..حملت معي دمشق, و نمت معها على سريرٍ واحد.