معين حاطوم
10-10-2007, 12:15 PM
كتاب فلسفة... وألم
خطبة فلسفية
بقلم : معين محمد حاطوم - دالية الكرمل - حيفا
السلام عليكم!
عدت إليكم....
ليس لأن أحدا منكم ينتظرني ....
وليس لأن أحداً منكم قد أشتاق إلي وتمنى أن أعود إليه. فأنا أحد لا يشتاق إليه أحد...!
ولا يشعر بغيابه أحد ...!
كل ما أذكره من هذه الحالة الشاذة، هو أنني استيقظت مبكرا على غير عادة ... فوجدت نفسي عائدا إليكم وفي نفسي شوق عظيم كي أعود... صحيح أنني كنت بينكم، صحيح أنكم كنتم تمرون من أمامي وأمر من أمامكم ، تلوّحون لي بأياديكم لخفتها ، وأهز لكم برأسي لخفته فتمطروني " بضحككات" لا يعرف أحد كنهها حتى أنتم ..!
حقيقة ،لماذا تتضحككون حين ترونني ؟
لا بأس إن لم تسمعوا بمثل هذه الكلمة ... فالتضحكك ، وهي من اختراعي . هي حالة اللاإكتراث المُعبر عنها بضحكة صفراء مصحوبة بنقيق كنقيق الضفدع ! . أعرف بأنكم لستم ضفادع لكونكم تتضحككون ... هذا واضح من مشيتكم ... فأنتم لا تتواثبون ولا تقفزون من حجر إلى حجر ، ومن ثم إلى ترع الماء أو البرْكة .... وأعرف أيضا أن لونكم ليس أخضر مبرقعا ، وأعرف أنكم لا تعرفون السباحة وأنكم تكرهون الماء !! من هنا استنتج بأنكم لستم ضفادع ومن ثم ، ما الشيء إن لم يكن بشكله ؟؟
تخيلوا أن نعثر في أحد الأيام على حمار يتكلم ، يفكر ، ويذهب إلى أفخر المطاعم ليأكل الكباب والمحاشي والسلطات ولا يقبل إلا بعقبى الكنافة أو الكعك الشرقي والغربي !
فهل كان سيرضيكم مثل هذا المشهد؟ أو لعلكم إن كنتم تهبونني من كرمكم بعض الوقت فتتخيلوا مشهدا لإنسان ينهق ويأكل البرسيم ويسير كالقردة على أربع .... فماذا كنتم ستقولون أزاء هذه الحالة ؛ صارمة التناقض !
أما كنتم تقولون أن الشكل يتناقص مع الماهية ؟
أو ترى كنتم تقلون .. لم يخلق الحمار على شاكلته عبثا ولم يخلق الإنسان على شاكلته صدفة ...
ولم يتراءى الكون بما فيه كما يتراءى اعتباطا وقسر !
طبعا ، وبفضل نباهتكم المطلية برب الذكاء والفطنة ، ستخلصون إلى نتيجة ، لم أرغب أبدا بأن تستخلصوها من هرجي ، وهي أن لكل شيء في الوجود هدفاً وغاية! وهذا بالذات ليس بالاستنتاج الذي رغبت بأن تستنتجوه ، وإنما قصدت أن كل شيء في الوجود وجد شكله ..... ! أو خلق شكله !! .
المعذرة ! ما عرفت قط ، بأن عودتي إليكم ستجرني وتجركم إلى هذا المسلك الشائك! إنها مجرد صدفة تلقائية خرجت تداعيا من الحالة البائسة المصابة بها ذاكرتي ، والسطحية المهيمنة على وجودي ! لأنني قصدت أن أفول شيئا بسيطا للغاية .. وهو, يتعذر عليك أن تكون موجودا فعلا في الزمكان اللذين أنت بهما موجود حقا !
وهذا يذكرني برجل عظيم الشاربين ... ولكنه يخش من ظله إن مالت الشمس فوق رأسه ... أو كذاك الذي يقفز إلى أول طاولة صارخا فزعا إن مرت فأرة من أمامه فأحدث هذا ألامر عطباً في التصور العام للرجولة, وتشوهت اعتباراتها المظهرية المتعارف عليها, واعتبر الشارب منذها مجرد شعيرات غير حليقة تعتلي الشفة وتبص الى داخل المنخرين , وقيل بأن هذا الاكتشاف أصاب رجالنا في الشرق بذعر, فدبت الفوضى في تقاليدنا الرجولية, لدرجة انها توقفت عن دغدغة شفاه الحسان العطشى , وما عادت تلتف على بعضها البعض مهما نتأت عضلات من يفركها ويمسجها ! منذها وجيلنا المنفلت يشن حرب استنزاف ضد ثقافة " الشوْرَبة "
فاستصدرنا اليافطات التي تستنكر هذه الظاهرة المخزية مشيرين إلى هؤلاء الذين لم يربوا أولادهم بل شواربهم ليخيفوا بها أولادهم وبناتهم ... ولهؤلاء الذي استعملوا شنباتهم على مر التاريخ كحراب وصواريخ ضد الغزاة !! المعضلة في هذه الحالة أننا لم نعد نعرف الصالح من الطالح ولا المصبح من النابح وما عدنا نعرف الرجال من الخنث ...حتى مر في أحد الأيام رجل في حيينا الشرقي ... وكان يترنح كالثمل وقد أعتلى الغبار وجهه وشيب شعره وتبين فيما بعد بأن إحدى القصائد الوطنية قد انفجرت به ، فارتجفت جمجمته حتى تمخضت قولا :
لا تجد الرجولة شكلها إلا في النضال !!
وضحكنا منه حتى تفتقت أحجبتنا الحاجزة ..وصرخنا به حتى دوّى صوتنا في الشرق : - صه .. صه وإلا سلمناك إلى الشرطة الدولية ! .
المعذرة تزحلقت الكلمات على لساني عن غير قصد . فلا دخل لي بكل هذا . وأنا لا أعرف لماذا تفوهت بمثل التفاهة النيئة ؟ . الحقيقة أنا لا أعرف أي شيء عن العبوات الشعرية الوطنية الناسفة ولا أعرف عبواته غير الناسفة . ولا دخل لي البته بتفكك الكتلة الشرقية ولا دخل لي بتعاظم الكتلة الغربية ولا دخل لي بسقوط نظام صدام ، كما لم يكن لي دخل بدكتاريته . كل ما أعرفه فقط هو أن السلسلة المعدنية التي لفّت بها حبيبتي خاصرتها تفككت, لأن الصدأ اخترق وأكل أجزاءها .. فتفككت وسقطت عن خاصرتيها النحيفة ... النحيفة جدا ً وليكن معلوماً لكم ، أن حبيبتي لم تعتمد حمية ، ولم تبتعد عن الشحوم والمآكل الدسمة ... العكس، تمنت دائماً أن يرزقها ألله بشريحة شحماء (مليئة بالشحم " استحداث " )...وبكأس حليب طفت زبدته على سطحه ... ولكن هيهات فنعاج هذا الشرق لا تملك سوى عظامها وجلدها وحليبنا لا تسري عليه كيمياء وعوامل المخيض .
انسوا ما قلت فلم أ قصد قوله . إنها مجرد ثرثرة ، أجد نفسي أحياناً متمرغاً فيها ، كما تتمرغ الديكة في أديم القن ، ليس لأتها تحب إثارة الغبار كحافري حصان عربي أصيل ، وإنما لتَكُت عن ريشها القمل والصئبان كما تكت القدرُ فقاعات الماء من الغليان!.
قال جحفل لصديقه بلح :
- لم كل هذا الغليان ... لم كل هذا الغضب ... ؟
أأنت غبي إلى هذه الدرجة ؟ نحن العرب ملوك الأمم .. فلماذا تريدنا أن نصبح خداماً لهم ... ؟
لماذا تريدنا أ نجلس ونفكر لنخترع سيارة .. والأمريكان والإنجليز والفرنسيون يجتهدون في اخترع السيارات لنا !!؟
لماذا تريدنا أن نخترع الطائرات والقطارات والبارجات والسفن , الدبابات , المدافع والصواريخ والتلفزيونات وغيرها وغيرها ؟ وقد سخّر الله الأمم لنا لتخدمنا وتقدم لنا كل ما يلزم راحتنا وأمننا ..! إننا ملوك ..! هكذا خلقنا الله ، وهم الخدم ... هكذا خلقهم الله !!
فقال بلح : دعك من هذا الكلام الفارغ ... إنهم لا يخدموننا ولا يقدمون لنا الهدايا.. وإنما يمتصون اموالنا وتعب أمتنا !
فقال جحفل ضاحكاً :
- كلام فارغ ..يسخرهم الله ليخدمونا من جهة ويفجر لنا ينابيع النفط كي ندفع لهم من جهة ثانية ... ونحن مرتاحون لا حقل نحرثه ولا حرش نحتطبها ... ولا صخور نكسرها ... هذه هي الحقيقة ... نحن نعيش كالملوك لأننا ملوك .
فقال بلح ساخطاً :
نحن ملوك مسخرة ... وما تقوله هو الوصفة التي ستحول أجيالنا إلى عبيد دون ملوك تخدمها !! آسف ، لا أعرف لماذا حدثتكم بهذا الحوار الأبله ...فلم أقصد من ورائه شيئاً ذا معنى أو أهمية ... إنها عقدة أعاني منها منذ ولدت ... فأنا لا أقصد ما أقول حين أقول ما أقول .
يحدث لي هذا كثيراً ...فمرة أردت أن أمتدح قوة رجل " معضال " كبير الحجم عريض المنكبين ضخم الراحتين ضامر البطن ، فكأنه تمثال من البرونزة ، فقلت له مادحاً عن حسن نية :
- أنت قوي كالبغل ...!
فما كان منه ألا أن امسكني من تلابيبي وطوّح بي في الهواء ومن ثم تحول إلى بغل ..فركلني ركلة عظيمة أطاحت بي إلى الأرض بعد أن طيرني كطابة مطاطية فقدت ليونتها البلاستيكية فهوت على الأرض تتقلب بثقل كمن ألم به مغص قتال !
فهل يعقل أن يحدث مثل هذا الأمر لعاقل مثلي ...؟
وهل يعقل أن يحدث هذا ألأمر لبغل مثله ؟ المهم الآن من هرجي ... بأنني أحاول أن أرسو وإياكم على مبدأ أستطيع بواسطته أن أفلح بإقناعكم بأن لعودتي أهمية معينة ، رغم أنني لا أنجح مؤقتاً بتعريف هذه الأهمية ، ولكن وريثما استجمع فطنتي، اسمحوا لي أن أذكركم بأنني كنت قد قلت سابقاً وبطريق الصدفة ما معناه: أن الماهية تتحقق بالشكل ... أي بكلام آخر ، إن الشكل هو الصيغة النهائية للماهية ، وتبدو لي هذه الفكرة غير الناضجة ، فكرة واعدة ، من جهة ومن جهة ثانية فكرة خطرة ، قد تنسف صروحا وبنىً فكرية فلسفية عديدة كانت قد فصلت وفرقت بين الشكل والماهية . واضح لي من سيماء وجوهكم أيها النجباء ، بأنكم تتذمرون من هذا المنحى الغريب العجيب الذي توجهت إليه ، ولا بد أنكم قائلون: ألمَّ شيء مريب بهذا المسكين العائد دون أن يكون قد غادر ... ولكن مهلاً علي ... ولا تغضبوا فلقد حذرتكم من شطحاتي غير المخطط لها .. وغير المدروسة، بل قل التلقائية ...ولا بد لي قبل أن أعود لأخبركم عن أهمية عودتي أن أحدثكم ما حدث، والحقيقة فأنا لا أعرف بشكل دقيق ما حدث، كنت فقط جالساً على الشاطئ ، هنا، لا أذكر أسم هذا الشاطيء ... ولا أعرف من سماه بذلك الاسم الذي لا أذكر.
كان الظلام متهاونا، بل لعله كان متعاوناً مع ضوء القمر الخلاب الذي طرح صفحة الماء ورمل الشاطيء طرحة ضوء، كان من المكان، أن تتمناها كل عروس، لتكلل بها رأسها المطأطيء تحت عتبة الزواج، فترى من خلالها ما يخبئه لها الآتي من فرح ونكد.
كنت وحداً .
إنها عادة لا أفلح بأن أتخلص منها .... فكلما أردت أن أرى الناس كما يبدون حقاً، وكلما أردت أن أتقبل الهمجية اليومية والروتين المتراخي مللا، أبحث عن جُحر في هذا الشرق، ألجأ إليه، وبكل بساطة، وبكل عجب أجد نفسي هناك، تنتظرني، كعشيقة أوقدها الشوق فاشتعلت حناناً ورغبة ... فهربت من محدودية الزمان والمكان ودكتاتورية الظروف المسيطرة، وهربت منهم إلي .
كنت وحيداً، وهذا حسن !
كان الشاطيء فاغراً فاه كفم مسن فقد بعضاً من أسنانه، وكانت الموجات الهادئة تطرق شفتي الشاطيء فتعود مزبدة كقطة أصابها السعر .
عادة، أنا لا افهم الأمواج، ولا أ فهم عقدتها السيزيفية، ومثابرتها العبثية . وهذا ليس بغريب، فأكثر ما أعرفه عن نفسي هو عجزي الدائم عن الفهم ... وخاصة السريع منه، الذي يتطلب الذكاء والفراسة وقوة الملاحظة. وهذه الصفات كما تكشفها لكم نباهتكُم، هي صفات شرقية ولكن، الشيخوخة المبكرة التي أصابتها، وأصابتنا، قرضت، بل أبادت هذه الصفات الحميدة، وبتنا وأنا أ قصد نفسي أولا، نجر وعينا جر الحمار للمحراث ! .
ليكن معلوماً لديكم أنه في قديم الزمان، كان شيء يُسمى محراثاً يحرثون به الأرضِ كي يتغلغل إلى خلاياها ضوء الشمس ونقاء الهواء . هذا، كان منذ أجل بعيد . ويعتبر اليوم من الآليات البدائية التي تخجل بها الشعوب، وخاصة المصنعة والشعوب المصطنعة من استعماله ! ولقد علمت من أحدهم، لا أذكر اسمه بأن الحضارة النابعة والمكتسبة أبدت اشمئزازا من هذه السكك الحادة التي تخترق صدر التراب المسكين الذي لا يستطيع أن يعبر عن ألمه من هذا العذاب الأبدي...
لكي لا أشذ عن الموضوع الذي رغبت أن أتحدث فيه، فلا بد أن أعود إلى نقطة البداية .
كنت وحيداً ... وكان البحر يتجشاُ والموج يتمطى والشاطيء يشخر ... أو لعله يتدغدغ . لا أعرف، كل ما أعرفه بأنني كنت وحيداً أبحث عن موضوع أتحدث فيه كي لا أشذ عنه . وهذه الحالة، كما ترون، هي حالة من السخرية التي لا ترحم ولا تتهاون وتتعاون مع الإنسان، كالظلام الذي تعاون وتهاون مع الشاطيء كي ترى المويجات شفتيه لتقبلها، أ و ترويها بما يتحلب منها من زبد!
لا أعرف، وأراهنكم، أن أحداً لا يعرف ما يقصد البحر، وما ترمي إليه المويجات من هذا البله المتواصل المسمى مداً وجزراً ، هادئاً ومائجاً
ولا أحد يعرف، من هو المستمتع من هذه الميكانيكية الفعالة بإستمرارها الجميل .
لعلها عبثية بأن يكون الشيء موجوداً متحركاً دون طائل ؟ ولكن هل يمكن لشيء أن يكون دون سبب ودون غاية إلى مثل هذه الدرجة من الغباء ؟
لا أعرف، كل ما أعرفه أنه في أحد الأيام شاهدت رجلا يركض ... وفهمت من ركضه المتزاوي، المتقدم والمتراجع بأنه لا يعرف إلى أي إتجاه يركض، وعرفت بأنه لا يقوم بذلك من منطلق التدريب الرياضي .... كما أنني لم أشاهد أحداً يطارده ولم أشاهد أحداً يلحق به، وخرجت بنتيجة واحدة، وهي أن هذا المسكين فقد عقله وتدمر اتزانه ... فهل يمكن، ولو من باب الفرض، أن تكون الطبيعة كحال هذا الرجال : مجنونة ؟ أم تُرى، حكمة الكون المطلقة تبدو قريبة من الجنون لذوي الذكاء المتوسط والفراسة الناعسة مثلي ؟ لا أعرف !.
الأمر الذي يتبدى لي، والذي أرى به حكماً صحيحاً لهذه الظاهرة الموجية، هي أنه لا يعقل أنها مجرد اندفاعات تلقائية، لا تمل من أندفاعها لا أذا كانت كعجلة صغيرة تدير عجلة أكبر في هذا الكون الكبير ! وإلا، فما هي الفائدة في أن يكون للبحر أمواج متلاطمة وهائجة ورقيقة وناعمة أو غير ذلك من الأوصاف، كمتهادية ومتراقصة، ومتعالية وواثبة وصاهلة وخائضة؟
أهل هي عاشقة هائمة على وجهها تبحث عن حبيب أسطوري تسند إليه رأسها ؟ أم ترى تفعل ما تفعل بغية مغازلة "بوسيدون " إله البحر ؟
لا أحد يعرف! وخاصة الناس أمثالي،الذين لا يتمتعون بمخزون كاف من الذكاء المعرف، ويتكلون فقط ، على ما يتبدى لهم مباشرة من الظاهرة، الظاهرة لهم بطهرها شوائبها .
أجل الظاهرة، أي ما يظهر لك قبالة الوعي ! وهنا الطامة الكبرى التي تواجه من يريد أن يخترق المتعارف عليه في فهم ما يرى !
فكيف لنا أن نعرف إن الذي نراه هو نفس ما نرى ؟
لعل المرحلة التي تمر بها هذه الظاهرة من كونها ما هي عليه إلى أن تُلتقط ببؤبؤ العين، يحل عليها تغيير شكلي ! من يدري ؟
المعذرة، لقد شبكتكم وشبكت نفسي بمتاهة لا أعرف كيف الخروج منها . ولكن لا بأس، فقد يأتينا الفرج في هذه الليلة القمراء على أحد الشواطيء الشرقية اذا ركزنا اكثر بقليل وبدأنا نميز بين الأسم والمسمى , فليس بالضرورة أن يكون الرجل المسمى " صادق" صادقاً حقاً، وليس بالضرورة، الرجل المسمى "أسد" قوياً حقاً كالأسد، كذا النمر وكذا الغزال.وهذه دلالة أكيدة على الفصل المطلق بين الإسم والمسمى ! والسبب الوضح لهذه الحالة هو أن الأسم من إختراع الوعي ألإنساني أما المسمى فهو من ابداع الرب ! كهذا الشاطيء البديع، القابع هنا أمامي بمائه وموجه، وهدأته التي تمتطيها فرسان الروح، الغائرة على ثكنة الوحدة .
هذا المشهد الخلاب يبعد عن ذاكراتي وأنامل وعيي مماسك الموضوع الذي نويت التحدث فيه ...والحقيقية، فهذا الموضوع الذي ما زال غائباً عني أعانيه أكثر بكثير مما أعيه . وهذه مشكلة تتطلب مني تقنية عالية المستوى في فض غيب النفس أو بقر بطون التصورات الضاربة في عمق المهجة. فالإنسان يقف قبالة الوجود ! جزءاً منه، ولكنه جزء فضولي إلى أقصى الدرجات.. جزء من هذا الكون يبغي بكل سذاجة، أن يستوعب ويتعقل الكلية الكونية الطافحة بإستحالات لا تدرك.. وحقائق لا تُعقل.
استميحكم عذراً، لقد أوغلت بما لا يعنيكم، وأخرجتكم من نعيم المساء البحر الذي انتقته وحدتي كوسيلة بها أجد نفسي .. وأجد بعض ما تتكرم به علي ذاكراتي الحبلى بما مر من لذيذ العمر وأليمه ... وكان الأجدى بي أن أحدثكم عن مويجات البحر التي تبدو كعبران ترعى صفحته ..وهي تدنو مني فتلامس قدمي المنغمستين في الماء، ثم تدبر راجعة وقد خلفت وراءها رغوة سرعان ما تتلاش وتتناثر على وجه البحر. فلكل شيء في الوجود مداه الزمني ...
ألا يبدو هذا غريباً ..فالخلود هو عملياً مجموعة غير متناهية من العمليات الوجودية المتناهية بواسطة مداها الزمني !! فكأن الخلود يحمل في جوفه نقيضه ! .
المعضلة، بدأ فكري الآن يتصوب كبندقية صيد نحو أفكار، قد تبدو في غاية الغرابة، والغموض . فكيف لي أن أصل إلى أفكار تضع حجر الأساس لمنظومة فكرية أستطيع بواسطتها أن أتفهم قليلا ً من البنية الكونية، على ما بها من تعقيد وسحر مدهش. أجل، عقلي يسوقني رغماً عني إلى الخوض في مجاهل قد لا يحبها أحد... ولكن لا بأس فأنا هنا لوحدي، ولن أثقل على أحد، ولن يثقل أحد علي نزوعي إلى هذا التطفل الفكري.
السؤال الذي أطرحه على نفسي هو كيف لي أن أجد نقطة ثابتة أنطلق منها،؟ أو ،أين هي نقطة " أرخميدس " التي بواسطتها أستطيع أن أحرك غموض العالم المتمرد على فهمي اليقيني؟
ومن ثم لماذا لا أضع كل الموروث من الأفكار والمتعارف عليه جانباً، وأبدأ بدافع دهشتي الفطرية التي تتأزم وتتعاظم أمام هيبة الوحدة وروعة الشاطيء ورهبة البحر؟
ألم يتعب الفكر البشري من درس سنابل الفكر وقمحة، والتي لم تسفر حتى الآن عن خبز يشبع كل الأذواق والمفاهيم ؟
لا أدري، لكن الجو البحري هذا، الذي تهمس به مويجاته الفتية، تدفع بي إلى خوض هذه المغامره في المجهول الفكري ...وأن قتامة الإفق توحي بأن هناك.. هناك في خبايا العقل قناديل ستضيئه ....!
فلأتنفس الصعداء .... ولأعب من هذا المساء نبيذ الفكر والروح ولأتسلى على عقباه بالسهر .... فما يميزنا في وجودنا هو انقيادنا نحو متعة الروح .... وتفنيد العقل لكل ما يتراءى لنا من بهجة في الحالة، ورونق في الوضع.
أنا الآن لوحدي، ولا باس بذلك .... حيث أنها الحالة الوحيدة التي ألجأ بها إلى محاولاتي المتتالية، للصعود من قاع الروح وهدأة الإحساس إلى مراقي العقل.. العقل الذي يحكمنا بقوانينه....فلا نستطيع ان نتجاوزها،لأننا بذلك، نغوص في غموض لا نعرف أصله ولا شكله، ولا يمكن أبداً أن يُروًِِِِّض بفكر أو حدس، إذن، لا بد أن أتقيد بقوانين العقل، ولكي أفعل، علي أن أتحاشى التناقض والإلتباس والوهم والحكم الكاذب الذي لا يستند على تطابق الفكرة مع الموضوع، رغم صعوبة البت في هذا التطابق. عليّ ان أتيقن بأن الشيء هوهو وليس غيره... وأن لا تناقض بين أجزائه مع إمكانية الحكم بنعم أو بلا بشكل واضح ويقيني.
المهمة صعبة جداً.. خاصة لمن هم من أمثالي، لا يعرفون من أين يبدأون وإلى ماذا يهدفون... كلما ما أعرفه... هو أنني أعرف معالم حيرتي وقسوة دهشتي الملحاحة وتصوب فكري نحو استجلاء الحقائق.... ولكن المشكلة كما ذكرت هي نقطة أرخميدس أو نقطة البداية... ولا أجد في حفيظتي مبدأًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًً أو بديهة أو نظرية أعتمد عليها في ما أنوي بناءه حول هذا العالم أو الكون، لذا فمن المستحسن استكشاف الصفات والميزات الثابتة التي يتصف بها هذا الكون، ويقين صلته مع الأنا الناظر، أو الأنا الواعي لفعل وعيه .
هل فهمتم شيئاً مما أقول؟ أنا لا ألومكم البتة إن لم تفهموا، فأنا نفسي، أكاد لا أفهم يقيناً هذا الذي وثب من بين تلافيف دماغي...فتناسوا ما قلت فلم أقصد قوله والحقيقة،ما كان يجب علي قوله، هو أن أشرح لكم سبب عودتي إليكم وتطفلي على نباهتكم . ولأكن صريحاً معكم – دون أن أهين ذكاءكم واستعدادكم لكي تفهموا – قصدت بهذه الشطحة الفلسفية الا تفهموا،لأنكم إذا فهمتم، بَخُست أهمية محاولتي بأن أشرح وأسهب في الحديث عن هذا السبب الذي جعلني أعتقد بأني أعود إليكم دون أن أغدركم..!
أن المشكل الأساسية التي أعاني منها، والتي تزعجني الآن في خضم تفكيري بإقناعكم بوجاهة ما قلته، هو البغل..! أجل،البغل يزعجني... فلماذا لا يستطيع التوالد؟
سألت مرة جدي عن سبب عقر البغال... ولقد كان جدي - كما تعلمون- ذكياً جداً، يعرف تقريباً كل شيء لا أعرفه أنا. قال: لا يولِد لأنه أين الخطيئة... والخطيئة لا تحل عليها قوانين الطبيعة... لذلك ستبقى أبداً ناتجة عن ... لا نابعة من !
صدق جدي.البغل هو نوع من الإلتباس، من الخطأ الفاضح الذي لا يزيد لنفسه أن يتكرر ... أنه العطل الطبيعي الذي تأبى أن تمنحه الطبيعة حق التسلسل والتوالد.... إنه شكل نأت عنه ماهيتُهُ... وعاء لم تستطيع الماهية أن تتحق فيه !!
تخيلوا لو أن ألبغال تفهم ما تقول وتعرف ما نشيع عنها من بذيء الكلام !! فماذا كانت ستشعر حينها ؟ لعلها كانت تلجأ إلى الأمم المتحدة مقدمة التماساً ضد الإنسانية التي تهين بغليتها ... أو لعلها توفد قنصلا ًسرياً إلى أحد الدول العظمى لتستدرج جيشه الجرار ليحتل العواصم الإنسانية مقابل حقوق أبدية على كل النفط الذي يمكن استخراجه من برازها !
أما علمتم بأنه بمكن استخراج النفط من البراز والروث والغائط ؟
ألا ترون أنه من الحكمة أن نغير انطباعنا السيئ عن البراز والروث والغائط وما تبقى من هذه الفصيلة التي نسميها وسخا وزبالة ؟ فتخيلوا بأننا إن سمدنا الورد بالروث زادت نظارته وراج فوحه... وازداد اخضرار أوراقه !
ويصح به ما قيل في الماء، فحيث يوجد الحياة...
وحيث يوجد توجد الأحياء !
ولكن ....
يبقى الروث روثاً....
ويبقى الورد ورداً .... !
ونبقى نحن على ما نحن عليه !
وما نحن عليه الآن.. أيها الأخوة، هو أنني أحاول يائساً جذب انتباهكم ودغدغة أذهانكم، كي تصبروا لتقتنعوا بأنني عدت إليكم لحاجة ملحة في نفسي أفردها تحت مجاهر عقولكم كي تستبينوا ما كان خافياً عليكم... المشكلة الوحيدة التي تعترض سبيلي هي أنني لم أتوصل بعد إلى هذا الشيء الغريب العجيب والمشرق الذي قد يأسر عقيلتكم ويمتع ألبابكم.
ولكن ريثما أوفق بالعثور على هذا الشيء،اسمحوا لي مؤقتاً أن أحدثكم عن صديقي الصيدلي.. وهو رجل دمث الأخلاق، صبور ومتأن، رحب الصدر، كريم ومتسامح فكلما أتاه مريض بطلب الدواء طببه نفسياً برونق كلامه ودعائه له بالشفاء العاجل وعدم احتياجه إلى الأدوية مطلقاً !
فقلت له: تخيل لو أن الله عز وجل يستمع إلى دعاتك. ، فيشفي الناس من أمراضها ولا يحتاجون إلى الأدوية والصيدليات، فماذا كنت ستفعل... ؟
فقال وقد أحمرت وجنتاه: مشكلة... فقد أبخل بالدعاء لأن دعائي يناقض حلمي بالنجاح....هذا لا يعقل أن تسبب تمنياتي بالخير للآخرين عائقاً وسبباً يبعد الخير عني....هذا لا يعقل ! وأيضاً لا يعقل البتة الا أتمنى الخير للآخرين .... فأنا أحيا نقيض ما أحياه وأتمناه !!!
فقلت له: أرأيت... لأنك بعيد عن الروح... ولأنك تثمن كل شيء على أن يكون ماديا ملموساً...وجدت نفسك في مأزق فكونك لن تبيع الدواء الذي يشفي...
معناه أنك ستعلن إفلاسك.. ولكي لا تعلن إفلاسك تضطر قسراً الا تتمنى الشفاء للآخرين.. أهل هذا صحيح ؟
فماس برأسه أيجاباً ثم استطرد سائلا ً: وماذا كنت ستفعل أيها الشطار ؟
فقلت له مازحاً : لو كان الله يستمع إلى دعائي بإشفاء الناس لبدأت ببيع الدعاءات... إنها أهون وأربح !
فقال لي: اطمئن... الدعاءات باللغة العربية لا تُلبى
ولهذا يا صديقي فسيبقى المرض مرضا... وستبقى الأدوية أدوية.. وسأظل أتمنى الشفاء لهم !! هذا هو حالنا.
صحيح، هذا هو حالنا، وهذا هو حالي.... حالة متواصلة من التناقضات، لهذا فكثير ما أعجز من الوصول إلى قرار يحميني من جحيم الحيرة والبلبال ويمنحني نعمة الإتجاه الواحد... نعمة اليقين حتى ولو كنت على خطأ !! وعموماً، فأنا معتاد على مثل هذا الحال من التردد والتأرجح واستخدام حق الفيتو بالتملص من إدانة هذا السلوك اللامجدي أبداً في إخراجي من ورطاتي المتأصلة في نهج حياتي .
فماذا أفعل، وقد ابتليت بعقل ملحاح مقياسه الوحيد الحقيقة غير المرغوب فيها... وحظ أعور يأبى ان يرى الا عيوبي ومزالقي ؟ فتخيلوا ان ما يشغل بالي الآن، هو ما قاله لي أحد الناس البسطاء... اسمه معين، قال: آمن بالله إن كنت عاقلا ً... وأن كنت جاهلا ًتعقل !!
وهذا الكلام الجميل ينفي بشكل من الأشكال دور العقل الذي لم يفلح بأن يتخلص من قوانينه... والتي تتلخص في كونه لا يعقل الا ما يخضع لقوانينه.... أجل العقل البشري هو مجرد دكتاتور ينفي كل من لا يقع تحت سيطرته وسلطته... إنه الحاسوب في الجسد البشري ... الذي يتغذى من معلومات سببية... أجل وجدت الكلمة السببية ... فهولا يستطيع أن يفهم شيئاً غير سببي ! على كل شيء أن يتمرحل في عالمه كي يستوعبه في عالمه الإستنتاجي . ولكن، يُخيل لنا أحياناً بأننا نعاني الشيء دون أن نعيه.. نُحسه دون أن نفهمه ونفضح كنهه... وهذا جيد، بل قل، أحسن ما في العقل... وهو أنه يستوعب عدم الوضوح أيضاً...يستوعب ما لا يُفهم.. ولا علم لنا فيما إذا كان يرده إلى الإحساس كي يخلق انطباعاً ذاكرياً، ليتمسك به ريثما يغور إلى تفاصيله. المهم. أنه يملك قدرة الترصد والإحتفاظ بما لا يفهم !! ويملك قدرة التعايش مع لا يفهم.. له القدرة على الصبر والتأني حتى يفهم ! فالعقل البشري مبني على النقائض فهو لا يفهم...وعدم الفهم أحياناً سبب لفهمه... إلا لكان الإنسان مجرد حاسوب مجمل ظاهره كظاهرة بادية، هو بما يملك من معلمات سببية. ولكن من أبدعه، لم يشأ كما يبدو، بأن يجعل لميكانيكيته وجبريته الآلية سلطاناً ونفوذاً مطلقاً على الجسد البشري.... بل جعل له النفس والغرائز والإحساس والحواس معيناً يتغذى منه ويرتوي.... وينهل عينات فكره ونظامه المنطقي. ولهذا فهو يفكر تفكيراً تقربيباً ، ويفكر تفكيراً دقيقاً، ويفكر تفكيراً صورياً ، وتفكيراً تراكمياً وتشبيهياً ورمزياً وغيبياً وشاعرياً . شيء من كل شيء، فهو يلائم ويشابه ويطبق، ويتفق وينفي عن وعي وعن غير وعي.... فهل سمعتم عن حاسوب يستطيع العمل إن نقص من معطياته الملقمة له فرض واحد أو احتمال...؟
أكاد أشعر بالملل الذي أصابكم من هذا الشرح الذي هاجمت به صبركم ونباهتكم...وبالطبع أراكم تتساءلون ما لهذ ا وذاك، والحقيقة لا أستطيع الإجابة، فأنا نفسي، لا أعرف ما يحل بخيالي وما يحل بفكري الذي يشذ دائماً عن سياق ما أنا فيه من حديث.... هذه عادة... أصبحت في مصاف النمطية السلوكية والمنهجية في فكري... لربما نتجت هذه العادة عن كدس الأفكار والتراكمات والتلقيم المبالغ فيه لفكري بالكتب والمجلات والدراسات والتأملات والإصغاءات غير المحدودة للذي يحدث في هذا العالم الُمنطير، الضال، والذي بعكس ما تأمر به الهداية، يبحث عن ضلال أضل ليستظل بظلها !
هذا ما حدث دائماً، وهذا ما حدث لي في أحد الأيام، حين صفع هذا الضياع روح الأرض العظمى... كان ذلك حين صهل الشفق كحصان أصيل مغازلا ً الشمس المتسلله إلى خلف البحر الذي تكلل بظفائر شقراء... فأعتلاه المساء كفارس أسطوري، وراح يتسكع على أرصفة الإفق الكوني، لأهياً بمباهج الأحلام .... مودعأً بنغمة كئيبة .. حزينة، ألفين من الأعوام.... صاغياً منتظراً.. ساعة بعثٍ جديدة ...!
ولما انتصفت ساعة الأزمان العظيمة... وتأهب الكون لبداية ألف جديدة... أقبلت الريح ألعاتية، صاغرة.. صاغرة ...تعتمر رأفة الأمومة ولمسة الأنسام العليلة...مداعبة برقة حميمة مفاتن الأعشاب والأزهار والأغصان.... منتظرة
ساعة الولادة الجديدة !وشِِِقّت السماء أجفانها الذابلة كحلم عذراء لعوب، تستلقي على وسائد الرجولة..فتلألأت النجوم كدموع الفرح.. واسترسلت بضوء هامس تنير سحنة الأرض من ظلامها الدامس وتتهادى متراقصة خجولة... منتظرة لحظة اليقظة الكبيرة!!
وحين أشرقت اللحظات الأخيرة، العبور إلى منابع السكينة، تأججت والتهبت روح الكون الأبدية..وتعازمت إرداة الوجود وانبجست من مجاهل الغيب ضوءاً سحرياً،سرعان ما تكائف واستحال إلى جسد أنساني مستلق ٍ تحت أشجار الكرمل الظليلة متنعم بسبات عميق. ودنت منه الريح وراقصت شعره المرسل قائلة:
- أهلا ً..يا وليد الأسطورة الضائعة... قدمت إلينا من مجاهل الأزمان حاملا ً إلينا معالمها الخفية !!
ولامست أضواء القمر والنجوم سحنته البريئة وقالت:
- أهلا ًيا خبيئة الحقيقية.. يا كنزاً تكشف بريقه أمام حدقة الاخيلة الطليقة !!
وتململت روح الأرض الأزلية، وهمست في مسامع روحه الفتية :
أنهض يا رحيق المعرفة القدسية..انهض من بين ذراعي أحلامك المتهادية،على ضفاف شغفك الهائج، بمفاتن الحكمة ومسامي مباهجها الغيبية، أنهض وبشر الإنسان سيد الزمان بسر حكمتك العظيمة .
وتململ في هجعته،ثم فتح عينيه متثائباً، فتمطى حتى انتفخت أوداجه، وانتصب واقفاً ينظر إلى أطراف الغابة الخضراء ، وهمس في مسامع روحه :
أيتها الطبيعة...أيتها العروس المتجدده.... بثوبها الأخضر الفتان...الموشى بدرر الحياة...المحلى بإنفاس الأحياء المعطرة بأزهار الفل وشقائق النعمان.... ونسائم الصباح والغروب، المبلله برحيق الأقحوان وأنفاس الريحان !!
أيتها الطبيعة....الدائرة أبدأ، على محور البقاء، أدركت همسك ومكنون سرك....وأيقنت أن روحي العامرة بحقائق الصيرورة الأبدية....شرعت تتهادى على ضفاف العقل الهائجة صفحتُه فوق كنزه الدفين !
أيتها الطبيعة، أيتها الفاتنة المتجددة التي لا تسن ولا تشيب، ولا ترضخ لشيخوحة الفناء..
أيتها الأم التي لا يجف لها ثدي.... لا يمحل رحمها..... ولا يصاب سعيها بالشلل !!
إرفقي بروحي العطشى... إرفقي بمداركي الطموحة.... ومديني بقوت من الحقيقة....
فأنبثق صوت من المجهول ويقول:
إعلم يا سليل إرداتي إنك وروحي واحدة !
إعلم أن كل شيء تحقق في شكلٍ تلاءم وإرداته الجزئية
وأعلم أن من كل واحد في الكون، واحد فقط ....
وأن لا أرواح وإنما روح واحدة تربط الكون بالبقاء ...
أجل ... هذا ما حدث ... رغم أنه لم يحدث !!
أنه نوع من الحالة التي أصابتني أو جزء منها، فكما أنني لم أغادر ولذا فأنا عائد إليكم.. كذا الأمر هنا ... فهذا ما حدث رغم إنه لم يحدث... لأنه حلم ..... ولكن ورغم أنه حلم إلا أنه حقيقة... أجل حقيقة لا تستسيغها عقولنا ولا مداركنا بل تتراءى لحدسنا الفوقية... فكيف استميل نباهتكم لتصديق هذا الهوس الفجائي الذي ضرب عقيلتي فأدمى منطقها بهلوسات لا يتبناها عقل ولا يستضيفها فكر... فتخيلوا ما أحاول قوله: للكون روح واحدة تصول وتجول، تلامس بسحرها أجزاء الوجود فتدب بها الحياة، تلامس الجسد، فتستيقظ فيه الحياة وينمو الوعي، الإدراك والحس !!
لا توجد في الكون أرواح، لا بالجمع المؤنث ولا بالمذكر...توجد روح واحدة .. هذا ما أنبأني به الحلم ذاك.. الذي حلمته وأنا على شرفتي ارتشف من الغروب رحيق السماء.
تخيلوا ما أحاول سرده لكم من أننا جميعاً بنو البشر أخوة في الروح.... وأننا جميعاً أحياء الأرض، أخوة لإم واحدة، لها القدرة على خلق ما لا نهاية له من أشكال حياة ووعي !!
وليس هذا فحسب بل أني أحاول أن أقول بأن مصدر الكون الرحب هذا هو روح ووعي!!
فهل يفيدنا هذا القول بشيء نسد به رمقنا الحضاري والثقافي الإجتماعي؟
لا أعرف... وأراهن أنكم لا تعرفون أيضاً... لكن لا بأس في ذلك، فمصدر حضارة الإنسان ينبع من تجنيد كل معارفه من أجل ما لا يعرف.... كي يعرف في نهاية الأمر كم لا يعرف...وهذا ألامر العجيب الغريب، رغم تناقضه المفرط تعاكساً، يؤدي في نهاية المسلك إلى وضوح جزئي يمتع العقل والبصيرة...
فهل متعتم عقولكم ولو مرة واحدة ؟
أعرف...أعرف... لا تحبون أن يتدخل أحد بشؤون عقولكم... إنها مصانه بالذي فيها! والذي فيها لا يعرفه أحد... هذا حقكم .. وحقكم وقفٌ عليكم لا علي . !
ولا دخل لي بهذا كثيراً، فقد قال لي أحد الأصدقاء، بأن الشعوب العظيمة تخلق الأساطير لتمتع عقولها وتثيرها...
وكلما أصاب الخذلان شعب معين يعود إلى التمسك بإيمان العجائز وخرف المسنين! وهذه حقيقة نوعاً ما، فحين فقدنا الإحساس بأساطير ألف ليلة وليلة، وشعبيات: تغريبة بني هلال، فيروس شاه، عنترة العبسي، جحا ، أشعب وسيرة الأميرة ذات الهمة علي الزيبق المصري، علي بابا والأربعون حرامي وغيرها، فقدنا القدرة على خلق أساطير حديثة تدعم أحلام ثقافتنا وشعبنا....ولهذا لم يكن هاري بوتر وسبايدر مان (رجل العنكبوت )عربيين ولا شرقيين إنما إنجليزيين... ولم يكن سوبرمان وباتمان والمرأة الخارقة إلا أمريكيين، فهل أغضبكم تحرشي بعقولكم.... إذن إغضبوا فقد يفيدكم ويفيدني الغضب في أن نشرع في خلق أساطير نحقق بواسطتها أحلامنا !
حسناً أرى على سيمائكم اللاإكتراث بما أقول ... فاعذروني...كثيراً ما أقع في مثل هذه الأخطاء، فأجد نفسي أحدث الناس بأشياء لا تعنيهم وأشياء أخرى غير مفهومه، لأنهم لا يفهموها، وكثيراً ما أنال عقابي.. وكثيراً ما يكون العقاب مؤلماً ومحرجاً.
فقد شاءت الظروف أن أحضر حفلة زفاف كثر بها الهرج والرقص والغناء، فدب الطرب بعقولهم ونفوسهم وأقدامهم... وباتت الخمرة تزغرد من أفواههم وبطونهم وأطرافهم....وعلا الصراخ والتأوه حتى خيمت على الجو نشوة من طرب مخبولٍٍٍ ثملٍ... فملت على أحدهم، وكنت الصاحي الوحيد في الاحتفال وقلت له:
أتعرف بأن تطور الشعوب يقاس بالموسيقى الخالصة التي يؤلفها ملحنوها وليس بالأغاني الراقصة والإقاعية فقط!؟ فنظر إلى وقد أحمرت مقلتاه... وأنفجر ضاحاكاً..!
شعرت بالخجل فانطويت صامتاً أنظر إلية وهو يهتز في مقعده كحبيبات ماء في مقلاة ملتهبة... تتوائب وتتدحرج، تتفجر وتتبخر... والحقيقة فقد كانت رائحة عرقة كالبخراء تصفع مشامتي وتُغثي أمعائي.... وأصررت عليه بأن أسمع رأيه... فصرخ بي: فلتذهب موسيقاك إلى الجحيم... وليذهب الشعب الراقي الى المحرقة.. اغرب عن وجهي.. أنت مزعج جدًا ... ودفع بي فسقطت على الارض وقد شعرت بالم حاد في صدري من دفع يده الثقيلة، فانفجر الحاضرون ضحكًا على ما اصابني.
اعتدلت ونهضت بتثاقل وانا الوم نفسي قائلاً:
اللعنة.. ما لهذا الرجل السكران وعقدي الثقافيّةّ كان الاجدى بي ان اتركه رهينة طربه الساذج.....استحق هذه الإهانة... استحقها ّ
ترى هل سيحدث لي معكم ما حدث لي مع السكران.... خاصة وان ابلغتكم مسبقًا بانني سالح على عقولكم النجيبة والبابكم النبيهة ومدارككم العاقلة ان تواكب هرجي وسردي وخطابي علّ الله يفتح علي وعليكم بشيء حسن يستسيغه العقل والمنطق.
لا تتذمروا من هذه الصياغة، استطيع ان اصوغ كلامي من جديد بشكل افضل كي يعجبكم ويعجبني.... ولا تعجبوا ان قلت ان عمليات الصياغة من جديد، هي ليست عمليّة عقليّة ابتدعها العقل البشري... بل هي نهج سلوكي منّظم في المفاعل السلوكي الكوني العام...
أنه بوتقة صبت فيه روح الكون شوقها الأبدي إلى الكمال....
فتخيلوا لو لم تصغ الطبيعة نفسها من جديد في كل حقبة جيولوجية ، لكنا الآن وسط براكين تقذف الحمم والطمي في كل مكان، بل قلُ لبقينا كتلا ً من غازات الهيليوم المتناثر في فناء الكوني الفسيح.
أن يصوغ الشيء نفسه من جديد معناها القوة الدافعة للنشوء والإرتقاء والتطور... أن يرفض الشيء إنساناً كان أم موجود آخر، أن يبقى على ما هو عليه، معناها أنه يرفض التقوقع والتجمد والإندثار ... معناها السعي إلى ما هو أحسن وأنفع !
فما رأيكم فيما لو نحاول أن نُصيغ أنفسنا من جديد...ما رأيكم أن نطرح ماضينا وأفكارنا على مائدة التشريح فنجتث منها ما عطب وتآكل مبقين على ما صمد في امتحان الزمان فنفع وجودنا תمجتمعنا ؟
ما رأيكم ؟
أراكم الأن، رغم ضعف نظري، تتأففون من طلبي المافجيء هذا !! وإني متأكد بأنكم اعتقدتم إلى ما قبل حين بأنكم على ما يرام، وأنكم تتكرمون على شذوذي الفكري بإصغائكم الصبور، وها أنا أخترق خطوط دفاعكم ورزانتكم وأبلغكم بشكل غير مباشر: أن ما أنتم عليه..لربما.. لربما. وبكلام مؤدب، غير سوي !
لماذا حقاً تعتقدون بأنكم وصلتم إلى النضج والكمال وأنكم تجلسون في أماكنكم ومراكزكم تديرون الكون وتنظمون الفوضى التي أمثلها وكأنكم مدراء هذا الكون ومدراء النظم الإجتماعي والسياسة... وأنكم المرجعية العليا لكل شيء... رجاء، فكروا ولو لمرة واحدة بأنكم مخطئون !..
فكروا ولو مرة واحدة بأنكم لستم كاملين... وفكروا ولو لمرة واحدة بأنكم لا ولم تفكروا جيدا.
أنا مثلا ً، أفكر دائماً بأنني لا أفكر جيداً.... وعدم التفكير الجيد يجعلني أفكر بأنني لا أفكر صحيحاً، وأن جميع ما فكرت فيه ما هو إلا مجرد هراء وابتذال وثرثرة لقيطة، لا أب لها ولا أم ، ما هو إلا لغو وسفسطة واستعارات سوقية تصلح للتسلية واللهو وقتل الوقت دون رحمة . فلماذا لا تتسلحون مثلي بشجاعة أدبية فتعترفون بأنه آن الآوان لنضيع أنفسنا من جديد...لربما هذا سبب من الأسباب التي جعلتني أعود إليكم دون أن أغادر... لا أعرف، كل ما أعرفه بأن هذه الحالة التي أتخبط فيها الآن ليست حالة نزيهة ولا عادلة بحق وجدي الضائع وغيابي الحاضر على مسرح الحاضر غير الحاضر في اعتباراتي النفسية والفكرية. أنها حالة من اليأس الثقافي الذي يدفعني غالباً إلى التهور والإنزلاق والتدحرج إلى أوضاع محرجه تسبب الضرر، الألم والندم الملحاح.
إنه الحالة البائسة التي تصيبني الآن... فها أنا أهاجم هدأتكم وبر إصغائكم إلي، وأتهمكم بعدم الصلاحية الثقافية، الفكرية، الإجتماعية، السياسية والوجودية وغيرها من الترويسات الدالة على مركزة الفهم للقطاعات التي يتكون منها الوجود الإنساني !
ومع كل هذا وباعتراف مني.. فغالباً ما أكتشف بأنني لا أفكر جيداً... ولهذا فغالباً ما أكون عرضة للخطأ.. وخاصة الفادح منه !
فاعذروني على فداحة أخطائي.. وأنسوا ما سمعتموه للتو مني... فلم أقصد إهانة أحد... ولم أقصد تهميش أي منكم ....لانية ولا علانية !
كل ما في الأمر، أن الحيرة تفترسني وكأنها لبؤة شرسة تنقض علي وكأنني نعجة عرجاء فاتها قطيعها... ورغم هذا، فما زال فيَّ شوق عظيم لأرجح رجاحتكم لصالح محاولتي بجذب نباهتكم إلى ما سأنبهكم به ... وللحقيقة أقول: أن ما أحاول تنبيهكم له لا علم لي به مؤقتاً.. أنه شيء أحدسه وأعانيه ولا أعيه تفصيلا ً وتفسيراً...
لا تلوموني... فهذه خصلة شرقية امتدت من الفراسة التي دُعمت في سجايانا بالحدس والحزر المسنود بفطرة الذكاء والفطنة.... وهي كالفيروس يتسابح في دمنا وأحشائنا..
المهم في هذا الأمر هو تلك الشهوة الغائرة كفارس عربي على مواقع المعرفة الغامضة...والأشياء الغامضة أكثر بكثير بكثير من الأشياء الواضحة..هذا إذا كانت هناك أشياء واضحة أصلا ً... فكل شيء معقد غاية التعقيد...
حتى الأشياء التي تبدو غاية البساطة.. هي في نهاية الأمر وهم واضح لتعقيد حقيقي . ولهذا،فقمة العمق الفلسفي في أن ترى مدى التعقيد في الأشياء المتعارف عليها.... الأشياء البسيطة المعاشة والتعامل معها وكأنها أشياء مفروغ منعها !!!
وهذا الفيروس المتعب.. المتعب جيداً..مصاب به دماغي... فلا أرى شيئاً إلا وأُصاب بالدهشة.. وبوابل من الأسئلة التي لا أعرف الإجابة عليها... ولهذا، فأنا بشكل من الأشكال، أمثل الفوضى والضياع واللايقين.
وهي صفات غير مرغوبة اجتماعيا، سياسياً، فكرياً ومهنياً...حيث أن هذه الصفات هي نفي للواقع المعاش ولبينته التركيبية. أم أنتم أيتها السادة فمتلائمون، متهادنون، متطابقون، متفهمون مسايرون ، متجاملون ، متوددون ، مربتون على أكتاف واقعكم بحب واخلاص...وأنا ... متمرد... متآمر... متخاذل... جاحد نعمة الرضوخ لواقعي. وشتان بين الإثنين ... لكن ورغم هذا فأنا مصر على ان تتكرموا علي بإصغائكم ريثما أتذكر السبب الذي من اجله عدت اليكم .
المسألة التي تشغل بالي الآن، هي تعريفات أولية لبعض المفاهيم التي نستعملها دون تحديد ، فيتداخل المفهوم الأول بالمفهوم الثاني بالثالث فيحدث التباسات تشوه الدقة والصفاء العقلي، ولكي لا أقع في مثل هذا الإحراج، لا بد أن أحدثكم عن هذه المفاهيم:
الأول: مفهوم الأبداع
الثاني: مفهوم الخلق
الثالث: مفهوم الصنعة !!
المفهوم الأول. هو مفهوم رباني، لأن الإبداع هو ايجاد شيء من لا شيء ، ولا يملك هذه القدرة غير الباري جل وعلا . فهو الذي يبدع الموجودات ابداعاً، أي يوجدها من لا شيء لكونه يريد أن تكون... وأسمي هذا العالم إلإلهي عالم اللاسبب ! حيث أن الباري لا يحتاج إلى سبب كي يبدع ابدعاته ....
المفهوم الثاني : هو مفهوم كوني...هو ايجاد شيء من شيء ...ويتصل هذا المفهوم بإرادة الكون والطبيعة والصيرورة... وهذا العالم هو عالم السبب... حيث تحتاج ارادة الوجود إلى أجزائها لتصنيع منها موجوداتها !
والمفهوم الثالث: هو مفهوم إنساني... فالإنسان يصنع الأشياء صنعا ً، ولا يبدعها أو يخلقها !! ويسمى هذا العالم بعالم الصنعة !
هذا التقسيم هو ضرورة منطقية.....! والضرورة المنطقية هي الدليل الأسمى على ما يقابلها في الوجود... لأننا لا نتعامل مع موجودات مادية لها شكلها ولها وزنها
الوزني والنوعي، ولها لونها وحجمها، ونوعها وفصيلتها بل أنها ركيزة يفرضها المنطق كي يستمر قدماً في بناء وتفصيل العالم والطبيعة . أنها وبكلام علمي فرض بديهي لإثبات ما سيأتي لاحقاً، هذا اذا كان هناك ما يجب اثباته !
ولكي لا أزعجكم - لأنني أشعر بالإنزعاج البادي على وجوهكم - أقول ، أن ما قلته لم يدون في أي كتاب ولم أستشهد فيه من أي قائل أو مفكر .. أنه فرض شخصي للذي أرتأيه صحيحاً.... والصحيح هو أن قانون العقل البشري الذي يسمى بالسببية، يتفهم قانون اللاسبب كمنفذ للذي لا يفهمه !
أفهمتم ؟
لا بأس عليكم.. لا بأس عليكم... فأنا نفسي لا أفلح بالغور إلى أعمق ما قلته حالياً،هذا يتطلب مني المزيد من التركيز والذكاء ! وعموماًَ دخلت إلى هذا الجو الجاف،فقط، كي أقنعكم بواجب صياغة أنفسكم من جديد !
وليس كي أقنعكم بأنني أقول أشياء معقدة... المعضلة بأنني قلت أشياء معقدة، وأنا ملزم بأن أوضحها لكم كي لا تتهموني بالسفسطة... لأن ما قلته وبكلام بسيط وغير معقد أن الصنعة نتجت عن السبب الذي نتج عن اللاسبب . ويبدو هذا الكلام في سطحيته شعوذة كلامية : الأن اللاسبب كما يتبادر إلى أذهانكم، وكما يتضح لنباهتكم النجيبة، هي نفي ومحو للسبب.... وذلك لأنكم سببيون مثلي لا تستطيعون أن تتفهموا عالم اللاسبب، من جهة، ومن جهة ثانية، لأن فضولنا السببي ، المنطقي إن شئتم، يتطاول منذ فجر الفهم ونشوء العقل ! على فهم عالم الباعث الأول، ألله جل جلاله.....!ولكن وبعكس المتعارف عليه حتى هذه اللحظة، وهي أن اللاسبب ينفي وجود السبب،لأنه يبتر سبب السبب او المسبب في نقطة منطقية وجب عليها ان تكون متصلة بما قبلها وبما بعدها , ففي يقيني المنطقي أن اللاسبب في هذا السياق فقط ، هو تعزيز وعدم تفسير للسبب وليس نفياً أو محواً له ! وهو أيضاً تفسير للكون ولغاية الوجود .. وخاصة الوجود الإنساني وغائيته التي تشكل غلقاً لدائرة السبب والُمسبب !
أرأيتم ؟
هذا ما يحدث لي دائماً، فحين أنوي أن الفت نظر أحدهم بكلام لطيف ومشوق، يُدخل المسرة إلى القلب، والمتعة إلى النفس، أجد نفسي وعن غير قصد، أتوغل في متاهات عصية، ينفر منها العقل والقلب... فتنبذ كلامي الأسماعُ .. وأجد نفسي وحيداً أصغي لنفسي، الجباشة بالغيب والغموض.... وليس لي سوى الإعتذار عن جركم خلف محراث فكري وسكك منطقي في هذا الأرض الناضبة التي لا يعنيكم ماءها وزرعها..... ولن أغضب أبداً إن أدرتم لي ظهوركم وأبديتم امتعاضكم !!
المشكلة الأساسية في هذه الحالة التي انزلقت وإياكم أليها؛ هيا أننا سوياً بدأنا بالشك والحيرة.. لأننا خلصنا إلى نتيجة قد تبدو مناقضة للمتعارف عليه.... فحين تسعون إلى الإستقرار على ما انتم عليه ... آتيكم طالباً إياكم بأن تكسروا الجمود..تتمردوا على ما أنتم عليه وتًَُصيغون أنفسكم من جديد.... لأن الصياغة من جديد هي غاية الوجود !!! وهي غاية مقدسة يجب أن نُخضع لها أرادتنا ورغباتنا !! وكل هذا مشروط بأن تكون الصياغة إلى الأحسن والأجود والأنفع !
أرأيتم... صبرتم ففتح ألله علي وعليكم بشيء نافع... شيء يدعو إلى التجديد والتطور ودحض ما أكل عليه الدهر وشرب...ولن تصدقوا إن قلت لكم بأن أمنا الطبيعة سلكت نفس المسلك في حقبها التاريخية والجيولوجية.... فلماذا انقرضت الديناصورات؟ أهل حقاً أتت على كل الغذاء في الكون فماتت جوعاً ؟ أم أن نيزكاً هائلا ً ضرب الأرض ففجر البراكين والزلازل، فحرقت الأخضر واليابس الحي والميت ؟
لا تقصدوا هذه الأساطير التخمينية التي بهذر بها رجال العالم وعلماء الطبيعة...فلو أن نيزكاً ضرب الأرض لماتت كل الأحياء، الحيوانات والنبات ، وليس فقط الديناصورات والحيوانات الضخمة الطائر منها والداب ! وسبب هذه التخمينات العلمية،هي أن العلماء، ينظرون إلى الطبيعة كتفاعلات ميكانيكية تتجاوب الأجزاء مع بعضها فتندمج أو تتنافر فتفترق، أو تتصادم فتتنائر والخ من الإمكانيات ! لكنهم أبداً أبداً لن يأخذوا بالحسبان الحقيقة التي تتبدى في مثل هذه القصيدة التي سكبتها من دنان روحي ،ولا بأس علي وعليكم إن قرأناها :
سلطنة على أوتر الوجد
ألرّوْحُ تًَََََسكُنُ اٌلأرضَِ
قـَالـَت...
لا موت....لا انتهاء لأحدٍ !
إنهُ تِرْحالٌ بَيْنَ اٌلأبَدِ واٌلأَبَدِ أ
نِِصْفُكَ هُنَا يَتَعَذَّبُ
وَنِصْفُكَ هُناَكَ يَتَجدَّدُ
فَلا .. لا تَتَهربْ
دَعِ أََلمَك يَتَهذَّبْ..
لا تَتَردَّدْ
اٌلـَرّوْحُ تَسْكُنُ اٌلأرْضَ ..
تَسْكُنُني وَتسْكُنُكَ كـَيْ نَتَوحْدَ
قـَالَت :
وَنَثَرَ اٌلقَلـْبُ أحْزانَهُ اٌلـُمتَهدِّلَةَ
عَلَى أوْتارِ اٌلوجْدِ اٌلنَّاريَّ
فَنَزَفَ مِنْهُ اٌلدَّمْعُ نَغَماً
وَراحَ يَنْسابُ رَقْراقاً يَتَوَدَّدُ !
ذَهَلَت... جَفَلَتْ....! وَرَحَلَتْ!!
- لِلْسَهَرِ عَاشِقٌ
قُلـْتُ : أنْتِ قَمَرُ سَهَري وَعِشْقي
كُلَّما لامَسَتْ يَداكِ حُلُمي
أشْحَذُ أوْتارَ وَجْدي
أهيْمُ في بَيْداء مِنْ نَغَم ٍ سِحْريَّ
عَلى وَجْهي وَقلْبي أهيْمُ
في غَاباتِ اٌلدُّنيا اٌلوعْريةِ
تَدْميْني اٌلأشْواكُ
ولا تـَشْفيْني وُرُودُهَا اٌلزَّكيَّةُ
أهيْم يا صَغيْرتي اٌلقَرَويَّةُ
عَلى بـِساطِ – شِعْر ٍ يَطيْرُ
في قِبابِ اٌلأخْيـِلَةِ اٌلأئيْريَّةِ
إلى مَصْيَفِ عِطرِكِ اٌلآخَّاذِ
في كل الفصول اٌلسَّنَويَّةِ !
- لَجِسَدي روْحٌ
أنْتَ روْحي ؛
قَالتُ : لِروْحي جَسَدٌ
أنْتَ اٌلَّجسَدُ
أنْصَهـِرُ فيْكَ وَفيَِّ تَتَوحَّدُ
أُشيِّدُكَ هَيْكَلا ً
عَلى رَوابي اٌلشّوْقِ ِ
وَفيْكَ أَتَعبَّدُ!
وَكُلّمَا تَلاشيْتَ في خَاطِري
أراكَ في تَتَجدَّدُ
أنْتَ أيُّها اٌلرَّجُلُ اٌلُمتَسفِّعُ !
في خَمَائِل ِروحي
الُمسْتلْقي بَيْنَ بَساتيْن ِ اٌلَحنان ِ
تَغَارُ مِنْكَ اٌلوروْدُ
وَتَهْمِسُ عَجَبَاً
كَيْفَ هَذا اٌلعِشْقُ لا يَذْوي أبَداً
كَيْفَ هَذا اٌلعاشِقُ لا يَمْضي أبَداً !
قـَالـَتْ :
وَتَناثَرتْ في حَدَقَة قَلْبـِها اٌلَحزيْن ِ
فَسحَّتْ مَجْبوْلَةً بِِالدَّمْع ِ
وَصَمَتتْ !
- مَسْخٌ يُمْسي اٌلإنْسانُ
إن فَقَدَ قَلْبَهُ
مَوْتٌ – اٌلَجسَدُ إنْ فَقَدَ نَبْضَهُ
عَدَمٌ – ألوِجوْدُ
إنْ فقد غَدَهُ
لا شيءَ يَقوْم يا وَحيْدَتي اٌلصَّغيْرَةُ
خَارِجَ اسْوارِ اٌلرَّغْبَةِ النقية
لا شيء ينوء بعبء الحياة
خَارِجَ دَفيْئَةِ اٌلكوْن ِ اٌلقُدْسيَّةِ :
تَجاذُبِ قَلْبيْن ِ
تُبرّجُهما رَحْمَةُ اٌلعِشْقِ
وَشوْقُ اٌلعِشْقِ
وَالرّغْبَةُ اٌلفطْريَّةُ !!
أنْتَ أيُّها اٌلَحبيْبُ
الُمتَسكِّعُ في أندِيَةِ هُيامي
صاخِبَةَ اٌلاحْلامِ اٌلورْديَّةِ
أنْتَ أيُّها اٌلرَّجُلُ اٌلأوْحَدُ
القابِضُ عَلى أعٍنَّةِ بَقائي اٌلَخفيَّةِ
إهْجَعْ عَلى وَسائِدِ نِسْياني
أغْرَقْ في خَوابي ذَاكِرَتي اٌلنَّبيْذيَّة
اخْتَمِر... تَصاعَدْ فُقاعَاتٍ بِكْتْيريَّةً
في عَتْمَةِ أيَّامي
فَلا تَراكَ عَذاباتي
َلا تَشْهَقُكَ أحْلامي
وَلا تَبْتَلعُكَ اشْتِهاءَاتي
فَأنْتَ مُحرَّمٌ عَلى مَوائِدي
مَمْنوْعٌ عَلى وَسائِدي وأغْطيْتي اٌلمُخْمَليةِ !
مُنْكَرٌ أنْت عَلى زَمَني
مُبْعَدٌُ عَنْ مَساحاتي اٌلزَّمّنيَّةِ
أنْتَ أيُّها اٌلَحبيْبُ
المُدرَّعُ؛
الُممتْرِسُ في خَنادِق ِ قَلْبي
فُضَّ عَنْكَ
أرْدِيَةَ اٌلإسْتِحالَةِ
اجْتثَّني مِن صَمْيِمكَ اٌلظْمآنِ
عَلَّكَ تَرتَوي
بِقَناعَةٍ أوْ رَضاءٍ
يُهادِنُ أيامَكَ اٌلسّوْداء ببثْقَة ضَوْءٍ عَفَويَّةٍ
أوْ شُعاعِ نِبرْاس ٍ يَسْطَعُ كَالشّمْسِ
خَلْفَ أفْقِ عُمْرِكِ اٌلغارِبِ
في غَياهب أحْزانِكَ اٌلشّذيَّةٍ
أغْربْ يا حَبيبَ اٌلقلْبِ
عَنْ صَاحبي وَمَسائي
وأيَّامي اٌلليْليَّة
لأنني أُحبُّكَ ... لأنني أُحبُّكَ
بِكُلِّ نَزَواتي
بِكُل مَخاوِفي..
بِكُلَّ أحْلامي...
بِكُلَّ فَرَجي وَنَزَقي
بِكُلَّ حِبوْري وَغَضَبي !
أغْربْ يا حَبيْبَ اٌلقلْبِ
لا أَُريْدُكَ
لأِنني أُحبُّكَ .. وَلأِنَّكَ حَبيْبي !!!!
- رَنا إليْكِ اٌلوَرْدُ
فَفَاحِ عِطْرُهُ وَزادَ جَمالا
وَهَجَرَتْ حَمائِمُ اٌلكَرْمِلِ غَابَها
يَوْمَ هَمسْتِ وَغَنجْتِ دلالا
وأيْنَعَ رَبيْعٌ في عَصْفِ اٌلشِّتاءِ
فَرقَّ اٌلعتْوُ وَتَهادَى اعْتِدالا
صَددْثِ فَجَمَّر َاٌلقلْب لَوْعَةً
وَمَضيْتِ لِنأيَّ لن يُطالَ
هَارِبَةٌ أنْتِ مِنْ مَصيْرٍ
شَرَّعَ لَنا اٌلُحبَّ واٌلوِصالَ
وَتُهْتِ في صَحَارى اٌلأَسى عَطِشَةً
لا أبارَ.... لا خُضارَ وَلا ظِلالَ
- عَلى خَاصِرَةِ اٌلزَّمَنِ ، قالت :
يَتَعلَّقُ طِفْلُ اٌلأبَديَّةِ
طِفْلٌ أبَدا ، لا يَشيْبُ
نَقيْتُهُ بأجْسادِنَا
نَرْويْهِ بِعَرَقِنا وَدِموْعِنَا
وَلا يَكْبَرُ أبَداً
يَتَضاحَكُ هازِئاً
مِنْ جَرْيِنْا اٌللاهِثِ
نَحْوَ اٌلغايَةِ
يَسْتَهيْنُ بإدْراكِنا اٌلذي لا يُدْرِكُ
كَنَهَ اٌلوِجوْدِ اٌلسائِرِ
لا يُدْرِكُ
أنّنَا أبْناءُ اٌلتَّجاوزِ
أنَّنَا سِلْسِلَةُ وَمَرَاحِلُ
يَسْخَرُ مِنْ انْتِظارِنا اٌلأخْرَقِ
لِلْغَدِ اٌلآتي
يَضْحَكُ مِنّا يَضْحَكُ
نَشُبُّ وَنَشيْخُ وَهْوَ طِفلٌ يَضْحَكُ
مِنْ غَبِائِنا اٌلمُتَأصِّلِ
مِنْ جَهْلِنا اٌلمُتقَاعِدِ
عَلى آرائِكِ اٌلتُّعقُّلِ اٌلَّذاهِلِ
مِنْ هَذِهِ اٌلحيْرَةِ اٌلقاضِمةِ
كَخْلْلدٍ يُخنْدِقُ في رِؤوسِنا
يَهُزُّها يُمْنَةً وَيسْرَةً
كَريْحٍ شِتائِيةً قارِسَةٍ
حَتًّى يَعْتَمِرَ واحِدُنَا
اٌلقُبَّعَةَ وَالعَمامَةَ وَالكوْفيَّةَ
هَارِبَاً مِنْ صَلابَةِ اٌلرّيْحِ
مُواجَهَةِ اٌلرّيْحِ
وَمُطارَحَةِ اٌلرّيْحِ
كَراقِصَةٍ هَيْفاءَ
عَلى مَسَارِحِ اٌلوِجوْدِ اٌلسَّائِرِ
عَلى كُلِّ مُمْتَلَكَاتِنا .
يَضْحَكُ مِنّا يَضْحَكُ
فَقدْ بُرْمِجْنا لِنسْعَى وَنَتَجاوَزَ
مَا نَحنُ فِيْهِ
خُلِقْنا لِنَحْلُمَ بِالآتي.
ألثَّابِتُ يَموْتُ
فَلْترْحَلْ عَنّي
لِتبْقَى حُلُماً يُرفْرِفَ في مَعاصي نَفْسي
لا يَتَحقَّقُ كَيْ يَبْقَى حُلْماً !
- يَدورُ بِنَا اٌلزَّمانُ
يَسْوُقُنَا كَإبْلِ اٌلصَّحارَى
في مَتاهَاتٍ مِنْ شَكٍّ وَمِنْ يَقيْن ٍ
لا أحَدَ يا صَديْقَتي اٌلصّغيْرَةُ
لا يَدَّخِرُ في قَلْبِهِ حُبًّاً
لا يَدَّخِرُا في لُبِّهِ حُلُماً وخيالا ً
تَتَسرَّب إليْهِ اٌلأحْزانُ
فلا يَصْحو إلا عَلى ضَجيْج ٍ وأفْعالٍ
يَهوَى اٌلمرءُ زيَّاً بِالُحبَّ مُبرَّجُ
فَيُمْسي وَقدْ لَفَّعتْهُ اٌلأسْمالُ
((فآن )) اٌلشّيءِ جَوْهَرُهُ أحْياناً
َوجوْهَرُ اُلشّيءِ سَبَبُ اٌلإحْتِمالِ
و مِنْ لا يَقْوَى عَلى اٌلُحبَّ في غَدِهِ
لا حُبَّ فِيْهِ اٌلآن
فَكَفى يا جَمْرَةُ تَحْرِقُ أصْوافَ دِفْئي
جَميْلُ اٌلهَوَي لا يهوى بِوِصالٍ !
أرأيتم ؟
بدأنا بشيء وأنتهينا بشيء آخر.... وهي عادة لا أستطيع التخلص منها أبداً .... فأن أنساب مع تداعيات فكري تداعي الماء في الجرف .. وأنقاد خلف حدسي كذنب أفعى خلف رأس.... وكأنني أتماهى مع روح الوجود المنسابة في خلاياه، فأنساب معها حدساً دون وعي... وتعايشاً دون فهم.... فأشرع أُلائم وأطابق التصور مع الصورة والفكرة مع الشكل، حتى ينتابني الفزع من مدى جهلي ، فأحن إلى البساطة التي يتمتع بها أغلبية بني البشر .... وأدرك حقيقة أولى ، بأن التعايش وممارسة الحياة وخوض التجربة أسلم لذوي العقل المتوسط أمثالي ، وإن التطاول على الأفكار الراقية، قد تسبب الأذى النفسي، والضياع، والإنحراف عن الهدى الحياتي....
ولكن، أيها السادة النجباء ، لن تسمحوا لي إن سْلمْت الأن، وعدت من حيث أتيت... عدت إليكم .. دون أن أعرف السبب الحقيقي لعودتي ، ودون أن أخبركم به، خاصة وقد وعدتكم وعد الشرفاء ، بأن أبلغم به حينما تتيسر معرفته !
ويحضرني الآن ما قاله أحدهم لأحدهم، حيث قال :
من يعقل الدينا يعجز عن الفرح !
وما يصيبني الآن هو جهلي للدنيا وعجزي عن الفرح !
ولن يطيب خاطري إلا أذا صبرتم أكثر مما صبرتم... ومنحتموني الفرصة لأحدثكم عما وعدتكم به حين أتذكر السبب لذلك !
والحقيقة، تستعصي عليَّ الذاكرة ولا تلين، لأن أحجية الوجود والكون تشغل بالي أكثر من أي شيء، فأنا لا أفهم شيئاً، وهذه حقيقة تواكبني منذ وعيت على الدنيا... إنني مدمن على الدهشة وعلى التساؤل... وهذا ما سبب لي الكثير من المشاكل والتعقيدات، وخاصة حين كنت صغيراً... فقد أصغيت في أحد الأيام لحديث دار بين الشيخ أبو يوسف وجدي:
قال أبو يوسف : سبحان من يهدي، سبحان الله... لقد قدر للشريف أن يكون شريفاً وللفاسد أن يكون فاسداً...لقد قتل الشاب رامي شاباً من القرية ومثل بجثته حسداً وغيرة ... هذا ما أعترف به في التحقيق .. فهل كنت ستصدق بأن هذا الشاب اللطيف الدمث يقوم بمثل هذه الأعمال البشعة الخالية من الأخلاق والأعراف والمسؤولية ؟
فأجابه جدي: لا والله ما كنت لاصدق.. لكن" المكتوب على الجبين ستراه العين " كما يقال !
فقال: كلها تقادير من الله !
فقال جدي: صحيح.. صحيح
ثم نظر إلى جدي وقد أعجبه اهتمامي بحديثهما، فسأل:
- ماذا تعلمت من هذه القصة يا ولد !
فأجبته: تعلمت يا جدي بأن رامي حمار وأن الله لا يحب الخير !
فقال جدي غاضباً: ماذا قلت ؟
قلت: رامي حمار... والله لا يحب الخير !
فأنتفض جدي في جلسته وهوى على وجهي بصفعة هزت أوصالي وطرحتني أرضاً، وصرخ بي غاضباً : حاشاه الله .. حشاه أيها الولد العاق الغبي، قليل التربية.. قليل الفهم، يجب أن تضرب حتى الموت !
فأنتصبت على قدمي فاراً وأنا أبكي وأصيح:
- أنتم علمتموني هذا.. أنا لم آت بشيء من عندي.... أنتم قلتم بأن رامي دون عقل لهذا استجاب لما قدره الله فقتل ومثّل بالجثة.. أنا لم آت بشيء من عندي !! وجرى ورائي جدي يلوح بعكازه مهدداً بها .
ولن تصدقوا ، فمازلت حتى اليوم، كلما فكرت بدور العقل في الطبيعة، أشعر بعكاز جدي تهوي على جمجمتي ! فلماذا منحنا الله العقل إن كان سيقدر عليه تفكيره وعلينا سلوكنا ؟ أما منحنا العقل كي نميز بين الخير والشر؟ بين الفاسد والصالح، بين البشع والجميل... أما منحنا أياه من أجل التعقل والتدبير؟
لعله منحنا أياه كي نختار بحرية السلوك الذي نسلك .. والأفكار التي نفكر والمنهج الذي ننهج دون تدخل منه... الا ترون بأن العقل هو أشارة واضحة المعالم للتحكم الذاتي ... هو أشارة إلى اتونوميا " الحكم الذاتي " ، شارة إلى الإستقلال وإلى الحرية المطلقة في الإختيار ؟ ومن أين لنا إن هذه الصفة البارزة للعقل، وهي صفة الإختيار الحر، ليست صفة كونية تتحكم في كل أجزاء الكون الذي بدافع وضوح هذه الصفة هو كون مستقل ؟
اليس هذا دلالة على أن الله عز وجل أراد لنا أن نكون أحراراً تسندنا الكرامة والعلو والرفعة المتوَّجة بإختيار الخير والأحسن والأجود ؟
انظروا من فضلكم إلى بدعة الخلود التي أبدعها الله في الكون، وهي بدعة قد تتنافى والمنطق العادي للفهم، فإستمرارية الوجود مبنية عملياً على أن السببَ الذي يقود إلى المُسَبَبِ هو نفسه الذي يتحول إلى السبب.... فمثلا ً، الشتاء الذي نشير إليه كأنه المسبب (النتيجة ) كيف يتكون ؟
يتكون من بخار الماء ومن ثم يتحول إلى شتاء.... ودواليك إلى ما لا نهاية !!! وإن مثلنها بأحرف منطقية نتوصل إلى النتيجة التالية:
(أ) يسب (ب)
(ب) يسب (ج)
(ج) يسب (أ) الذي يسب ب وج !!
ولو بدأنا بربط الأسباب لكل شيء لوجودنا هذه الدائرية التي تؤكد على استقلالية استمرارية الكون في استقلاله بوجوده ! ويبدو هذا الأمر جليا واضحاً في مظاهر الوجود حتى بات الأمر بالنسبة لنا يقيناً نحدسه ونعبر عنه دون أن نعيه منطقياً وتفسيراً . ولو سألت أياً كان من بني البشر، فيما إذا كانت الشمس التي غربت ستشرق في صباح الغد... فسترى بأنه يجيبك بالإيجاب ودون تردد! فمن أين هذا اليقين ؟
إنه نوع من الإيمان الذي اكتسبناه من العادة المتجددة كل يوم.... ليس إلا... ولو حدث في أحد الأيام أن غابت الشمس ولم تشرق إلا بعد مضي ثلاثة أيام مثلا ً، لرأيت الناس يترددون في الإجابة عن شروقها في اليوم التالي ويشكوكون بيقينية الأمر... ولكن مثل هذا الشيء لم يحدث في الالف سنة السابقة ... ورغم هذا لا يستطيع أحد أن يضمن عدم حدوثه !! لأننا لا نعلم متى تشاء الطبيعة الحية أن تصيغ نفسها من جديد...
أنا أعرف أيها السادة النجباء بأنكم تتساءلون عن غاية هرجي وتفلسفي... وأُقسم لكم بأغلظ الإيمان بأنني لا أعرف الهدف... أنني كرصاصة طائشة لا تعرف هي نفسها أي جذع أو أي صدر ستخترق.... لكن الجميل في هذا التسيُّب التلقائي الذي أصاب لساني وعقلي أنني قلت أشياء كثيرة اقتربت أحياناً من الثرثرة، ولكن بقليل من حسن النية والتعقل، يمكننا لمس الحقيقة خبيئة بين ثنايا الكلمات، وقد أستجمع قواي العقلية وتركيزي لاحقاً، فأكف عن القيام بدور الأيائل الواثبة من هضبة إلى تلة إلى واد.....
ولأحدثكم عمّا حدث لي في أحد الأيام، في شهر تشرين ثاني في أحدى السنوات التي لا أذكر تاريخها... ومن عادتي ألا أذكر التواريخ... وذلك لأنني تعقدت تاريخياً... ، تعقدت من التاريخ الذي لم أجد به ما يسر القلب، لكونه سلسلة من الغباء والعنف المتواصل فتطورت لدي عقدة الرفض ومسح الذاكرة الرقمية ونفيها من رأسي..... هذا هو السبب الشخصي .. الشخصي جداً.. الذي يجعلني أنسى التواريخ ..... وقد تتحسن ذاكرتي الرقمية فقط حين يشوقها شيء ذو منفعة معنوية أو مبدأية.... مثلا ً أن تعلن الأنسانية عن يوم به تستنكر الغباء والسخف في شن الحروب واستعمال الأسلحة باهظة الثمن ورخيصها ...فتخيلوا ولو من باب المجاملة أن الإنسانية تتوقف عن صنع وبيع الأسلحة... وتستثمر كل الأموال في تربية وإثراء البشرية بأخلاق السلام والتجدد من أجل الأحسن والأنفع والأجود... أؤكد لكم أنه فيما لو حدث لما احتجنا إلى مدية أو رصاصة من أجل تسوية الإمور بين الشعوب والأفراد... لكن ما لنا الآن ولهذا، أردت أن أحدثكم عما حدث لي في تشرين ثان في أحدى السنوات !
كنت جالساً وحيداً في غرفتي المطلة على احراج الكرمل وعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط... كنت وحيداً... لا أحد يزعجني ولا أزعج أحداً، وهذا ميزة أستلطفها في نفسي وهي عدم القدرة على أزعاج أحد.. حتى حين يتطلب الأمر ذلك، أرى نفسي أنسحب من وضعية الهجوم الكلامي أو الحضوري، وفقط لأنني لا أحسن الأزعاج.. هذا إذ لم أبدأ بالإعتذار عن الأزعاج حتى دون ان أسببه، عموماً، أن يكون المرء وحيداً، لا يعني البتة، بأنه منقطع أو منفلت عن زمانه،بل العكس فقد تكون الوحدة هي نقطة الوصل الوحيدة والحقيقية بين الأنا وبين الزمن الذي نعيشه.. هذه الصفة التي قد توصف بالجبن والتهرب ما هي في واقع الحال سوى سلوك نابع من يقينية أخلاقية أحسها وأدركها، وهي أن الخير لا يكتمل إلا إذا دحضت الشرمن كل خصالك حتى الغريزي منها .
فأساس الخير دحض البشر.....
وبما أنني أكره السفلة والسافلات، ومرض الأخلاق المنافقين، والمنافقات،وأكره الجبناء والجبانات والمتهورين والمتهورات، تجار القيم الفاسدين والفاسدات، وأكره أيضاً محبي ومحبات النوايا السيئة، أسف،أصحاب النوايا السيئة الذين يتلذذون على كل جرم يُرتكب،نساء ورجالا , ًبدأت وبشكل عفوي، ودون تخطيط مسبق أدحض الشرمن كل سلوك أقوم فيه، وكل فكرة أفكر فيهاِ..... ودحض الشر كما تبين لي هو عالم قائم بذاته ويفرض نقسه على النفوس كالقصائد الجميلة، وتبين لي فيما بعد بأنه القانون الأول للنظريات الأخلاقية والسلوك الأخلاقي .! وحين غرت أكثر فأكثر متأملا ً جمال الكون المدهش تراءى لي حدساً وفكراً بأن دحض الشر ما هو إلا قانون كوني عام وليس قانوناً أخلاقياً سلوكياً فحسب . وهذا الكشف الذي أتت به البصيرة ومكاسب البصر تضعني الآن أمامكم موضع الدهشة والإستغراب والتساؤل فيما أذا كنت بقواي العقلية الكاملة، أم تُرى الخرف بكر في زيارة العقل.
فكيف يمكن لدحض الشر أن يكون قانوناً كونياً؟
وهو يظهر في مظهر الفعل المبادر إليه، وليس بُنية قياسية يقاس وفقها كقانون الجاذبية مثلا ً او قانون المد والجزر او قانون القصور الذاتي أو القوانين الهندسية والكيميائية.
على هذا سأجيبكم، ولكن كنت قبل ذلك أنوي أن أحدثكم عمّا حدث لي في تشرين ثاني في أحدى كنت جالساً وحيداً في غرفتي المطلة على غابات الكرمل و البحر الأبيض المتوسط...
كنت حينها أنظر إلى السماء.. وهذه أيضاً عادة من عاداتي القديمة التي لا أتنازل عنها أبدا...
آه... تذكرت، قال لي في أحد الأيام استاذ جامعي لا يُحب السماء ولا النجوم ولا ما فوقها، قال بلهجة ساخرة :
- أتعرف ما هي إحدى أهم مشاكل العقل العربي ؟
فقلت له مازحاً يا للهول، إحدى أهم... هذا يعني وبعكس ما ترمز به إلي دائما، أنه يوجد شيء مهم في العقل العربي ! فرضاً بأن للعرب عقلا واحداً !!!
فضحك وقال: أنا جاد فيما سأقول !
فأجبته: وسأكون جاداً حين أسمع!!
فقال: مشكلة العربي أنه يبدأ من فوق!!
فأجبته بدهشة: ماذا... كلنا نبدأ من فوق؟ هذا جيد...
المغتصبون فقط يبدأون من تحت !
فقال ضاحكاً: لا أقصد هذا وإنما أقصد أن العربي يبدأ من الله ويعزو كل شيء له وينتظر كل شيء منه... أما نحن فنبدأ من الأسفل...من التجربة، من التقنيات فنطوعها بالتجربة والإكتشاف كي تسهل لنا حياتنا وتزيدنا منفعة، جودة وحيوية، ومن ثم، إن تبقى لنا مزيد من الوقت نصعد إلى أعلى، إلى الحياة الروحية.... إلى مسامي الإيمان !!
فقلت له ضاحكاً: وأنا لم أقصد ما اعتقدت أنني قصدته
حين قلت: المغتصبون يبدأون من تحت ... لأنني قصدت بهذا المحتلين ومبتزي الشعوب الضعيفة... قصدتهم هم لأنهم كم قلت أنت يبدأون من تحت ويبقون تحت!!
أتعرف لماذا ؟
فقال: لا لماذا؟
- لأنه من واجبنا الإنساني أن نحترم الشعوب وعقائدها، وأن يمد القوي يد المساعدة إلى الضعيف.... وهذا ليس معروفاً ولا تجارة، ولا نفخ عضلات إنه أمر تأمرنا به الطبيعة ويأمرنا به الله !!
فقال ضاحكاً وهو يغرب عني: أرأيت... أنت عربي... تبدأ من فوق وتبق فوقاً.. وهذا مضر لمن لا أجنحة له !
وهذا الأستاذ الذي لا يحب السماء ولا النجوم ولا ما فوقها..... يُغضب دائما صديقي موسى... الذي يؤمن وبكل جوارحه أن الإنسان هو ضحية إيمانه الثنائي، حيث أنه يعتقد أن على الإنسان أن يؤمن بالله فقط... وليس بالأنبياء لذاتهم... وموسى حين يتحدث في هذا الموضوع لا يرُضي أحداً أبداً.... ويجد نفسه مهاجماً من كل العقائد والأديان.... مسكين صديقي موسى أنه موسوعة حب للأنبياء... فهو يحب محمداً وعيس وموسى وشعيب وبوذا وهيركريشنا وشنكارا وكل تلك الأسماء البهيجة حتى زرادشت... ويعتقد بأنهم القوة التي دفعت بالعقل البدائي الذي لم يستطع أن يؤمن إلا بالأشكال والظواهر الواضحة المرئية دون المطلق... أنهم البوابة التي دخلت منها العقول البشرية إلى استدراك القوى الخفية والموجدات الما- بعدية للمادة الملموسة !
ويفكر دائماً أنه لو كان بالإمكان إقامة مؤتمر دولي للأنبياء به يشرحون لبني الإنس بأن الرسالة التي أتوا بها هي من أجل إيصالهم إلى الإيمان بالله وليس بهم... حيث أنه يعتقد بأن بني البشر يفضلون أنبياءهم عن ألله وإلا فلماذا لا توحد الديانات ؟
هذا ما يعتقده وموسى.. وأنا لا أفهم كثيراً بالأمور اللاهوتية، ولا بالأمور النبوية، فقط أحدثكم عن هذا الصديق العجيب الغريب الذي لا ينظر إلى الديانات
المكتوبة وغير المكتوبة بجدية من كثرة إيمانه بالله .
إنها مشكلة.... ولكن لا بأس عليه فهو يعيش في جو ديمقراطي وليس في عصر الظلمات ولا في عهد محاكم التفتيش.... ناهيك على أن قوانين المحافظة على الطبيعة تمنع منعاً باتاً من أشعال جذوع الأشجار والأغصان ولهذا فهو آمن ولن يجرؤ أحد على حرقه، طالما الإنسان يحمي الغابات من الإحتطاب من أجل إشعال الحرائق !
ما يشغل بال صديقي موسى هذه الأيام هو أنه أكتشف وبشكل عفوي وببراءة خالصة أن القوة والمال التي كان يعتقد بأنها حصانة للشعوب وسعادتها،قد تكون فيروسَا يفكك أنسجتها ويفترس هدأتها.... ولكن أكتشافه هذا، الساذج جداً أضحك هنري وبوب (لا أعرفهما ) اللذين أكدا بأن على الإنسان أن يكون قطعة نقدية حتى ولو صدأت !! ومن جملة ما فهمت من قول موسى أن هنري وبول يتعاملا بالحديد ولهذا فهما يكثران من الحديث عن الصدأ والإنصهار والنار واللّي والثني والتسطح والتكوير والإمتداد وغير ذلك من الصفات التي تلتصق بالحديد .
ما لي ولكم من هذا وذاك. هكذا أبدع الله الدنيا: قسم من البشر يحبون الحديد حتى الذي يطفون على سطح الماء، وقسم يحبون الخشب الذي يغوص في الأعماق لمجرد ان يبتل في الماء، وهذه ليست أحجية، بل واقع وقع وسيقع دائماً طالماً يوجد واقع.... والواقع،لا أعرف ما الذي أتى بي إلى هنا وأنا لست حداداً لأفهم بالحديد وليست نجاراً يفهم في بالخشب,أردت فقط أن أحدثكم ما حدث لي في تشرين ثان ولماذا عدت إليكم دون أن أغادر....
لكن طبيعتي تغلب طبعي.. ككل شيء في الحياة, أما سمعتم من قال:
التطبع يغلب الطبع وإن ستره
فالكلاب وهي تغني تنبح
والعنادل وإن نهقت تصدح
ومن طبعي وطبيعتي أن أجري كمياه النهر, ولكن من دون خرير!! رحم الله الفيلسوف اليوناني الذي قال:
لن تغتسلوا بماء النهر مرتين! قاصدا بذلك أن الموجود أياً كان يتغير ويتبدل كماء الأنهر.. وهذا يعني أن ما تحسبه أنت الأن هو ليس أنت في ما بعد.. تخيلوا مثلا ً أن " حسن " الذي تعرفه تتغير خلاياه كل فترة زمنية تقريبية (خلال سبع سنوات) ولا يبقى منه جسدياً أي شيء من الذي كانه عليه... وهذا الأمر يحير ويدهش الفكر فكيف لنا أن نثبت فيما بعد طبعاً بأن حسناً بقي حسناً رغم أنه لم يبقى منه شيء أبداً، وأن حسناً الجديد ما هو إلا مجموعة خلايا جديدة تماماً ولا تمت بصلة إلى خلاياه القديمة بأية صلة سوى صلة السلالة !!
الأمر محير! محير جيداً... حيث أننا نخلص إلى نتيجة غريبة عجيبة، وهي، ما أنا عليه الآن ليس ما كنته.. وما كنته قبلا هو الذي حدد ما أنا عليه الآن !
الطبيعة غريبة عجيبة أيها الأخوة النجباء... ورغم هذا فالعقل البشري يعاند غرابة الصيرورة ويسأل:
ما الذي جعل من حسن حسناً، حتى بعد أن تغير وتبدل بكل أجزائه التي كونته سابقاً ؟ أهي ذاكرته التي حملت معطياته السابقة في ذاكرته الحالية !
أنا طبعاً لا أحدثكم عن هذا الأمر لمجرد أنني ثرثار يقتل الوقت كي يشيخ... أبداً لا .. أحدثكم به لأنني أشك بأن ما يحدد الشيء هو غايته وليس سببه...
وبالطبع قد لا أكون جريئاً ما به الكفاية كي أدعي ما أقول أمام جهابذة العلم والمعرفة، لأنهم حتماً سيتهمونني بالشعوذة والسفسطة، وبرداءة الفكر والتحليل... فكيف يمكن أن نحدد الموجود الآن بما سيكونه !
ولماذا ما سيكونه والذي هو ليس ما هو الآن ... هو نفسه ؟
أرأيتم قد أدخلت الشك في قلوبكم وفي يقينكم وهو أن ليس كل ما نتيقن منه يقيناً.. وأن كل ما يبدو من مظهر ليس سوى ظلٍ لمظهر لم يظهر بعد!!
تخيلوا هذا المأزق الذي بليت به نفسي وبليت به أسماعكم !!
المعضلة، بأن ما قلته ينفي الماهية كسابقة للمظهر وينفيها لا حقة له...وهذا أيضاً ما يناقض المتعارف عليه فكرياً وفلسفياً، وهي أن الماهية تسبق الوجود وكأنها منفصلة عنه ومفارقة كما أدعى العقليون القدماء أو لا حقة له كالوجوديين المحدثين!! ... بكلام أبسط واوضح، أنا أنفي هذا الماهية.. وأدعي بأن هدف الوجود هو التجوهر... وكأنه تلقائية عشوائية تملك وعياً يصوبها ويوجهها نحو أن تتطور وترتقي كي تصبح جوهراً !
وهذا يدعوني لأن أفرق بين الماهية، وبين الجوهر...
فالجوهر هو جزء من الوجود كامل الصفات ويحوي بأجزائه كل الإمكان للنشوةء والإرتقاء، والماهية هي ما هو الآن بما هو بحذافيره !
والتجوهر هو السعي الحثيث نحو الجوهر ، نحو أن يصبح المتجوهر جوهراً، الأمر الذي يستحيل في الماهية، لأنها آنية فقط وليست بعدية كالجوهر!!
أتفهمون ما أقول؟
لا بأس.. لا بأس... فلاحقاً ستفهمون بأنني أحاول بهذا أن أدحض فهمكم اليقيني... ستعرفون بأنني أحاول وبخبث مطلق أن أهزكم كالمخيض كي تزبدوا وتتيقنوا بأن كل ما كنتم تتمسكون به من أفكار وسلوك وطباع، ما هي سوى وهم مؤقت كي تنفذوا من خلاله إلى الحقيقة الأكثر جلاء ووضوحاً ويقيناً .
ولكن قد يعترض أحدكم عليَّ قولي بقوله: ما لنا ولهذه التعليلات والتفسيرات والطروحات ، هل تأتي إلينا بالخبز والمأكل والسعادة؟ وأجيبهم: لا..لا تأتي إليكم بالخبز والمأكل والماء الزلال، ولكنها قد تأتي إليكم بالسعادة، التي تبدد لكم فلقكم النابع من الجهل... هذا لا يعني، لا سمح الله، بأنني أختلف عنكم، فأنا نفسي لست بسعيد، وهذا يعني أنني مثلكم جاهل وقلق.فلا تغضبوا من هذا الإدعاء، أنه مجرد ادعاء لا أستطيع أن أثبته، لأنه من الممكن أن تكونوا، بسذاجتكم وتعقلكم لواقعكم هو المنشود من الوجود، وليس فضح كنهه والوقوف على حقيقته وكشف اسرار تمرحله وصيرورته !
والمهم ألا يصيبكم ويصيبني ما أصاب ذاك الذي أراد أن يفحص وردية الوردة ومركب عطرها، فقطع بتلاتها وبتر تاجها وساقها وبدأ بتحليل مركباتها... ولكنه توصل إلى نتيجة أنه إن حللت الشيء فقدته، فلقد فقد هذا الباحث الوردة وفقد عطرها.... فخرج بخفي حين... خرج بنتيجة أن المركبات التي تركب الشيء في شكله النهائي، ليست بالضرورة الشكل النهائي، بل لربما هي نفي له.. فالفراشة إن عادت تسلساً إلى مصدرها لوجدتها دودة وشرنقة... والجوهرة إلى فحم حجري...
والياسمينة إلى بصلة، وعملياً، نستخلص من هذا، بأن الشيء هو ليس ما كانه . وإنما ما أضحي إليه.
هذا جميل.. جميل جداً... فالشيء هو ما اضحى إليه، إلا في الأجواء الإجتماعية البشرية، فإن صدفتم رجلا ً يدل سلوكه على الشرف والتقوى والإستقامة، رجل كانت أمه عاهرة، فلن يساعده هذا السلوك كثيراً، وسيبقى أبن عاهرة وسيبقى أصله موصوماً بالعار طالما يعرف عنه الناس ذلك... ولو فحصت الأمر حول الياسمين عند اؤلائك الناس، فلن تجد أحداً يحاسب الياسمينة لكون أصلها بصلة، ولا الفراشة لكون أصلها شرنقة...
هذا الأمر يغضبني جداً... فلماذا تلاحق أخطاء الأباء ومعاصيهم أبناءهم الأبرياء... إنه مجرد وهم أخلاقي يسمح به الإنسان لنفسه، بل تراه يرفض الشيء لذاته، يرفض استقلاليته، يرفض أن يكون ملكاً لنفسه، بل للآخر.... للشيء الذي كونه.... أنه إعلان يشهر به الإنسان عن صلاحية الأصل..... اعلان على أن صلاحية ألاصل الأخلاقي هي صلاحية الناتج الآن عن هذا الأصل... والغريب في الأمر، أن طريقة الإستنتاج هذه، ركبت رؤوس العلماء المفكرين...
وصارت نمطية الفكر والمنهج قانونا نعتمدة في كل تحليلاتنا.... فلكي يفهم تشارلز داروين صاحب نظرية النشوء والإرتقاء ما هو الإنسان، أعادة تسلسلا ً حتى توصل إلى نتيجة مفادها أن الإنسان قرد في الأصل !!
بينما لو كنت أنا تشارلز داروين لخرجت بالنتيجة الواجبة من مثل هذا البحث،فرضاً بأنه صحيح ويقيني، وهو أن الإنسان ليس قرداً، لأنه لو كان كذلك لبقي قرداً، وما كان ليتجاوز حدود قرديته، محْوَها وتغييبها، والنتيحة الواجبة هي كما يلي:
الإنسان ليس قرداً لأنه بطبيعته الأولى رفض قرديته وتطور تاركاًَ وراءها كل الصفات التي تجعل من القرد قرداً، مكتسباً الصفات التي تجعل من الإنسان أنساناً !
لكن ما العمل فأنا لست دارون !
إلا يبدو هذا الأمر صحيحاً ؟
أعرف.. اعرف بماذا تتهامسون.... على أنني أعقد الأمر.... ولا أجهر بالسبب الحقيقي لخروجي عن سياق الحديث.. وعن تواثبي غير المتوقع في غالب الأحيان،وعن كوني لا أقول شيئاً كاملا ً... أعرف، هذا متعب جداً، فلقد نويت أن أحدثكم عما حدث لي في إحدى أشهر تشرين من إحدى السنوات... ولم أنجح حتى الآن من وابل الأفكار الذي عصف بعقلي...
إنه نوع من هوس الإبلاغ كما أسميه... فأنا أحب أن أبلغكم عن كل ما في خلدي قبل أن أحدث عما وعدتكم فيه خشية الا أجد أحداً يصغي إلى ... فأنا أعرف بأن ما أملكه من كلام وأفكار لا يعني أحداً..
وأعرف بأنني كي أستطيع قول ما عندي يجب أن أعتمد هذه الطريقة الخبيثة... حتى تحولت هذه الطريقة إلى نمط وأسلوب ونهج طبيعي في تكويني الفكري والحياتي...
صرت هكذا دون أن أقصد...... ولعل هذه العقدة تصاحبني من صغري... فحين كنت صغيراً ... وعلى سبيل المثال، وأرغب بقليل من الكنافة، لم أطلب من والدي أن يشتري لي الكنافة بل كنت اقول له :
اتعرف يا ابي كم الكنافة لذيذة ... لو كنت يا أبي أباك وكنت أنت إبني لأشتريت لك الكنافة....، ولقد كان أبي وما زال ذكياً..... فلقد أجابني دائماً بكلمات مقتضبة مفادها:
ما العمل أنت إبني وليس أبي ! حين تصبح أبي فالرجاء أن تشتري لي الكنافة !
وهكذا أيها السادة النجباء، أجد نفسي دائماً خاسراً في توجهي غير المباشر للأشياء... وأجد نفسي تائهاً دون يقين فكري أو علمي لكثرة التداعيات التي تتقاذفني كأمواج البحر... و
آه تذكرت الآن ما حدث لي في إحدى الأمسيات في تشرين الثاني من أحدى السنوات وأنا أجلس على شرفتي المطلة على غابات الكرمل والبحر الأبيض المتوسط ، فلقد زمجر الريح حينها وتكاثفت الغيوم وهطل المطر... فشعرت بقشعريرة تكهرب لي جسدي... وتجعلني أحس بأنني عار في العراء !!
هذا ما حدث لي وهو شيء ليس بمهم... أنه شيء عادي قد يحدث لكل شخص.. للغبي وللذكي.. للقوي وللضعيف ! ولكن أحداً منهم لن يدوّن هذه الحادثة في ذاكرته مثلي، وكأنها حادثة مهمة.... هاكم، وفيت بالوعد الأول وحدثتكم عمّا جرى لي في تشرين.... وكونوا على ثقة بأنني حين يحين الآوان سأخبركم عن سبب عودتي إليكم!
وحالياً لا أعرف بالضبط ماذا سأقول لكم.. إنني أبجث في خفايا وثنايا عقلي... وأرشف من قِرَبِ الذاكرة علني أجد شيئاً يسر القلب فأشارككم به، ولكن هيهات هيهات... فبعض الأفكار التي كنت قد طرحتها عليكم، والتي كانت مبتورة وغير كاملة تلح علي بأن أحاول جاهداً الخوض فيها من جديد... لأن مشكلتي معكم لا تختلف كثيراًعن المواطن الشرقي مع زعمائه... وهي مشكلة النظام ! فنظامي الفكري الذي أطرحه عليكم هو نظام جبري بشكل من الأشكال لا يضمن لكم الحقوق الجدلية، ولا حرية الإختيار في نقض النهج وإقتراح البديل !
أنا كما أبدو هنا لا أختلف كثيراً عن الملوك والروؤساه الذين هم فوق القانون... في هذا الهرج الذي أبلل أسماعكم وعقولكم به لا توجد ديمقرطية ولا حرية... إنه حكم قسري بأن تسمعوا ما أقول دون أن تعترضوا ودون أن تفحصوا الحجج وتنقضوها بالحجج!
وهذا الأمر مؤسف للغاية... حبث أنه لا ضمانة فكرية تمنحكم الرفض والقبول... حق اقتراح النقيض البديل... حق استساغة النافع والأقرب إلى نوعية تفكيركم والإيمان به، بل التنفيذ المقبول لمكوناته !
أنا في هذا قدركم... أنا جبر وقسر لا يطاق... وما حيلتي في كل هذا سوى أن استسمحكم عذراً أن أمنطق الأشياء حتى ترتفع إلى مستوى قناعتكم.. وإلا فسأكون ملكاً يحكم بالسيف وبعيار النار.. وهذا الأمر ليس هدفاً من أهدافي.. ولا نهجاً في فكري ونيتي !
ولكن لا بأس بهذا التهور...فقد يحدث لي ما حدث لذاك المتهور الذي صمم على الإنتحار بعد أن أنهار وأفلس... لقد أبتاع قطعة سلاح وقرر أن يلجأ إلى غرفة بيته الذي كان قد أشتراه من أحد القروين...
وضع فوهة البارودة في فمه ينوي أطلاق النار ليفجر جمجمته... أملا ً أن يرتاح من حياة الفشل التي هيمنت عليه وعلى سعادته... وقبل أن يضغط الزناد.. فكر بأن العيار قد لا يقتله تواً... وحينها سيمر في جحيم من ألم لا يطاق فقرر أن يجرب قوة العيار فأطلق على سقف البيت...فأحدث العيار فجوة... تساقطت منها الألاف من القطع الذهبية... فأضحى خلال ثانية غنياً، بعد أن كان على قاب قوسين أو أدنى من الموت والإندثار !
وأنا، لن أضع فوهة البندقية في فمي.. وسأحاول أن أطلق عيارها عله يحدث ثغرة تنهال منها الاف القطع الفكرية التي تجعلكم وإياي أغنياء ! ولكن المشكلة التي تواجهني، هي أنني لا أملك سقفاً ، أنما سماءَ رحبة كالفناء الكوني سعة، ومهما أطلق الرصاص، فلن أطيب شيئاً، هذا، ناهيك على أن لاّ أحد يُخبيء كنوزه في السماء !
فما العمل، وكيف سأتدبر مع هذا الواقع الذي يحجم لي مجالي وقدراتي الضعيفة أصلا ً!! هذا عدا الحقيقة التي يعرفها الغرب عنا، حقيقة أننا لا نملك السماء... !
وبالكاد نملك الأرض !!
أنا لا أبالغ أيها الأخوة الحكماء...... فعلى مدى الحقب التاريخية .... الشعوب التي ملكت السماء ، هي الشعوب التي ملكت الأرض.... فحين اخترع العرب بساط الريح في اساطيرهم ، وروضوا الصقور وتطاولت عقولهم وأخيلتهم إلى السماء... امتلكوا الأرض، وشقوا دروب الحضارة دون جرافات !
واليوم ، وحين غرنا إلى بطون الأرض لنستحلب حليبها الأسود، نسينا السماء، وصدأت في حضارتنا الجرافات والمقادح !
هل أنتم غاضبون من قولي هذا ؟
لا تغضبوا...
فكثرة القسوة تنبعث من رقة الحب !!
كحرية ترفرف اعلامها من قسوة الجبر والرق !
كاستقلال شعب من محتل بطش بالأرض والرمق !
فعانق السلام ساعيا دون عائق
أرأيتم ؟ لقد قلت الآن شيئاً جميلا ً ولو أنه مصطنع بعض الشيء.... ذكرت الحرية والإستقلال والحب والسلام !
فهل هذه المفاهيم هي كم يبدو في سطحيتها وفي معناها المباشر.... ؟
وعملياً ما هو المعنى المباشر لكل معنى ؟
وهل يعرف أحدكم ؟ هل سبق وفكرتم بهذه المفاهيم ولكن ليس بتلك البساطة التي قد تبدو للأذهان من أول وهلة ؟ أو لنقل، هل يعرف أحدكم مصدر هذه المفاهيم ؟
أنا أدعي بأن هذه المفاهيم ليست سلوكاً وحالات بشرية، وإنما قوانين طبيعية تُسقط نفسها على العقول والنفوس البشرية..... فتبدأ تسلك وتشعر بمقدار قدرتها الذاتية وصلاحيتها كجهاز بيولوجي يستقبل ما يُبث إليه ويبث ما أستطاع تلقيه وتمحيصه من هذا البث !! وكأنني أقول بأن الإنسان هو مجرد هوائية أو صحن لاقط – وباث يسير على قدمين... فهل يُعقل ما أقول ؟
ما رأيكم فيما لو نحاول إثبات ذلك بطريقة البرهان الفلسفي ؟
ولكي نفعل ذلك سوياً لا بد وأن نضع بديهة واحدة بدافع الضرورة المنطقية وهي أن السبب الأول هو العلة المنطقية لسلسلة الأسباب التي تلته كالكون وما
تركب فيه من أسباب !
ولكي نتفهم العالم السببي فلا بد لنا من النظر في طبيعة وصفات السبب الأول، المتعارف عليها كقوة ربانية، والتي هي سبب العالم السببي !
فما هي الصفات الممكنة للمُسِببِ الأول أو القدرة الربانية ؟
* القدر الربانية لا يلزمها المُثل ولا القانون .
* القدر الإلهية لا يلزمها الزمن ولا المكان .
* لا يلزمها التمرحل والصيرورة
* لا يلزمها الجوهر ولا الماهيات .
* لا يلزمها السبب .
* لا يلزمها الوجود !
* إنها اكنفاء ذاتي كامل، وهي الكمال الذي لا ينقصها إلا النقص !! وتعزيزاً لهذا الكمال فقد شاء أن يُبدع النقص...
فأوجد المستوجد الأول.. ألا وهو العالم السببي.....
أترون... لقد تعقدت الأمور... ولا بد أنكم مللتم من هذه الأفكار الخشنة غير اللطيفة التي أقذف بها بوجوهكم ولكن،وكما يبدو فانأ بحاجة ماسة إلى ركيزة تدعم الأفكار التي قلتُ بعضها وسأقول غيرها لاحقاً... من ثم ما العيب في ذلك.. فكلنا نعاني من الملل والفراغ... وخاصة وقد شاهدنا الغيث الأول من الشتاء ! .... وشرعنا نحضر حطب المواقد لنستدفيء من شر البرد ! ما العيب في أن نتحدث في مثل هذه الأمور الخالصة من العقد التقليدية، المحررة من الغايات الشخصية والتي تتصوب نحو الحقيقة المحصنة داخل غموضها السحري... لعلنا نرتاح إن عرفنا الحقيقة أو بعضاً منها من عناء الحيرة والجهل.... ولم لا ؟!
فدعونا إذن نعلل ما قلنا:
إن صفات الله الواجبة منطقياً، والمستمدة من وجوب وجودها كنقيض لا سببي ، أي لأن صفات الله لا سببية في قدرتها ووجودها،ولأنها تملك صفة الإبداع المفروضة استنتاجاً، أي ابداع وجود من عدم , فهو " الله " عز وجل لا يحتاج في ابداعه إلى قانون أو مُثل أو نموذج أو ماهية أو جوهر قبلي كي يبدع موجوداً إضافة لوجوده... إنه يبدع ما يشاء حين يشاء ولمجرد أن يشاء . فينتزعه . تواً من عدم إلى الوجود بكامل شكله وكامل قانونه . فلا يحتاج إلى نموذج قبلي أو قانون يعمل بوفقه كي يوفق في بدعته . وبناء عليه، فهو لا يحتاج إلى التنبؤ ولا إلى التمرحل ولا إلى الزمان ولا إلى الحيز المكاني ولا إلى السببية كقانون لأنه قانون ناقص لذاته ولا يتيسر وجوده الا بدافع البدعة .
الحقيقة :
أن كان الكمال المطلق هو صفة واجبة لطبيعة الله.... وإن كانت طبيعته ومشيئته ما فوق السبب، أي لا سببية في فعلها بل ابداعية... تومض لمداركنا حقيقة يقينية وهي:
أن الله كمال لا ينقصه الا النقص... وهذا الكمال هو أسمى كمال يمكن للعقيلة أن تعقله... ولكن كي يصبح بدافع الضرورة المنطقية كمال الله كمالا ً لا ينقصه الا النقص، ولكي يستقر على الإكتفاء الذاتي بكماله فقد أوجد النقص الكامل ، أوجد السبب أوجد الكون في نقائه الأول .
تعليل أضافي :
أن كانت طبيعة ألله عز وجل كما ورد أعلاه، فهي في إكتفاء ذاتي... لأنها تحوي في وجودها القدرة على ابداع كل ما يشاء ، فإن كان كل ما يشاء متضمناً في قدراته فهو لا يطمع بشيء هو مالكه.. ولأنه مالك كل ما يمكن أن يكون .. فهو مكتف ذاتيا ولا يحتاج لشيء.. لأنه لا يمكن لأي شيء أن يكون قائماً خارج إرادته.. إذن هو مكتف بذاته.. لأن الضرورة المنطقية تعلمنا أن لا أحد يطمع بشيء هو مالكه... ولأنه مكتف بذاته فهو لا يحتاج إلى الوجود ولا يتحكم فيه الا إذا شاء .
بهذا أيها الأخوة النجباء حددنا تخوم اعتنائنا وحدود مسائلنا، وهي المستوجد، أو العالم السببي ... الذي هو الكون !! ولكنني أراكم من خلف الأسطر تشيحون بوجوهكم عني وتهمسون الواحد للآخر :
كيف بلانا الله بهذا الثرثار غير المستقر على قرار...
ابتدأ عائداً دون أن يغادر.... فبتتنا ندعو الله أن يغادر دون عودة !
وأنا أقول بأنكم صادقون في قولكم ... لأنني أنا نفسي لا أعرف الذي قادني إلى هذه النقطة المعقدة والمحرجة , عموماً... هذه عقدة حياتي.. فأنا كوطواط فقد سوناره الطبيعي... فبدأ يغير من اتجاهاته كلما تخيل حائطاً أمامه ! ... ومشكلة الوطواط أن ضوء النهار لا يساعده في الرؤيا !
هذه مآساة وطواطية .. وهي مأساة ثقافية أيضاً... البحث عن الحقيقة ... والأنكى من هذا أن هذه الصفة أصبحت قديمة ومهملة وغير جدية في زمننا ! ولكنني أعتقد بأن حضارة الإنسان وصلت إلى ما وصلت إليه من تقنيات رفيعة المستوى وإدراك لقيمة الإنسان بفضل هؤلاء الذين فكروا بالوصول إلى الحقيقة....
فلماذا لا نغامر علَّ الله يفتح علينا جميعاً بفكر يهدينا إلى سلامة التعايش في الوجود... إلى متعة هذه القدسية الخالدة المسماة : الحياة !
العائق الوحيد الذي يعترض إيضاح ما قلته حتى الآن هو الشتات الذي تبعثر من فكري دون ربط بين الأفكار في نسق واحد مفهوم وواضح .... فبدأت أفكاري كخليط من الكلمات لا نمو عضوي بينها وذلك، لأنني فصلت نوعين من مراتب المعرفة، الأولى: معرفة المحرك الأول ووصف طبيعته وكماله واكتفائه الذاتي المطلق وتعاليه عن صغائر عقلنا مهما سمت !
والنوع الثاني :هو نوع الخلق وعالم الصنعة.. وهو عالم في تخوم السبب والنتيجة ... وتخوم التعقل والإدراك.... وهو النقص الذي أبدعه المحرك الأول لغاية لا يسعنا إلا أن نحزرها حزراً، وهو أنه بجلال كماله لم ينقصه إلا النقص كبدعة إضافة !!
ولو نظرنا إلى الوجود بعين فاحصة لأدركنا بأن ما هو عليه الآن يختلف إختلافاً عما كان عليه قبل خمسمائة عام ودواليك تراجعاً في الزمان إلى ما نهاية.... والإستناج الأول الذي يتبدي للأذهان هو أن الوجود تطور بمفاهيمنا الإنسانية وتغير بالمفاهيم الوجودية الكونية .
والسؤال الذي يتبادر – ولا بد - إلى أذهانكم , كيف كان الوجود حين براه الله أو المحرك الأول كما سماه اليونانيون القدماء !
وللإجابة أقترح التصور للوجود في نقائه الأول :
تصور :
*لقد أبدع ألله وجوداً سببياً متمثلا ً في قدرة سببية توازي في قدرتها قدرة الله المبدعة.. الا أنها في مسار السببية... أي أن المستوجد الأول ( الكون ) في نقائه الأول ملك من السبب الأول قدراته الفائقة وصفاته الخالده التي لا يستوعبها فكر ولا
حدس عدا ثلاث صفات :
الأولى : الإكتافاء الذاتي .
الثاني : الإبداع .
الثالثة :التنبؤ .
التعليل الأول : كي يملك الشيء الإكتفاء الذاتي فعلى الشيء أولا ً أن يكتفي بذاته . ولكي يكتفي بذاته وجب أن يكون كل شيء فيه ولديه، ولأن المستوجد الأول خال مما سيذكر أدناه، أذن فهو موجود ناقص لا يستطيع ولا يملك نعمة الاكتفاء الذاتي ! .
التعليل الثاني :
لأن المستوجد الأول، اوجد في تخوم الوجود السببي ، ولأن الوجود السببي خال من العدم، ولا يستطيع أن يكون جزءاً منه ، فلا يستطيع هذا الوجود أبداع شيء من لاشيء أو وجود من العدم لانعدام العدم في وجوده. ولأن صفة الإكتفاء الذاتي تلازم فقط من يوجد وجوداً من لا وجود، أذن، تسقط هذه الصفة من صفة المستوجد الأول...
ولأن التنبؤ غير وارد في طبيعة المبدع الأول لعدم لزومه، فهو أيضاً غير وراد في صفات المستوجد الأول .
تفسير : التنبؤ غير لازم، لأن ألله عز وجل، حين يبدع شيئاً يبدعه بداية ونهاية دفعة واحدة ووحدة ابداعية واحدة، أنه لا يتعامل مع الإبداع بشكل سببي، أي لا يركب جزءاً من جزء حتى يتنبأ بنتيجة المركب... ومن يعتمد التنبؤ، يعتمده استناداً على أسس وقوانين قبلية قد تكون حدسية أحياناً أو صورة ومُثل وتجربة وتمرحل زمني حتى نضوج المركب والوصول إلى غائيته التركيبية..وهذا ما لا يلزم في قدرة الإبداع .
الصفات الواجب وجودها في المستوجد الأول
* قدرة حية
* واحدة لا أجزاء فيها .
* واعية وعياً مباشراً لذاتها حساً وتخاطراً .
* مستقلة لعدم وجود قدرة ثانية في تخوم وجودها
* لا تناقض فيما بينها .
* لا وجود للشيء " الجزء " لعدم وجود نقيضه
* لا وجود للحب... لعدم وجود الكراهية والمقت والحقد
* لا وجود للحرية .. لعدم وجود الجبر والعبودية والقسر
* لا وجود للخير والعدل.. لعدم وجود الشر والظلم والإفتراء والتنكيل .
* لا وجود للطمع والإستيلاء... لعدم وجود الحاجة .
* لا حاجة لوجود الصدق .. العدم وجود الكذب الرياء والنفاق .
* لا حاجة لوجود الشرف .. لعدم وجود الفساد والتردي
* لا وجود للسلام .. لعدم وجود الحرب والعنف ..
* وهي ليست جوهراً .. لأنها تنقسم وتتكاثر
تعليل :
إنها قدرة قادرة على صياغة نفسها كما تشاء ، مادة أو روحاً ... مادة خام غير محددة، فعالة ، لكل ما يمكن أن يكون موجوداً .
حقيقة :
البداية : ما كان ، كان وجوداً سببياً وليس كوناً . !!
ها الآن قلت شيئاً يدعو إلى التفكير .... قلت أن المستوجد الأول كان وجوداً سببياً ولم يكن كوناً ... فكيف وفق هذا التصور أصبح الوجود السببي الذي براه الله كوناً ؟
الشوق إلى الكمال ! الشوق إلى الإكتفاء الذاتي !!
هذا هو السبب المنطقي الوحيد !
لقد نظر المستوجد الأول إلى نفسه .... فوجد نفسه قدرة لا نهائية من الإمكانيات.... وجد نفسه رغم ذلك وجوداً ناقصاً إلا من الطموح بأن يصبح كاملا ً .... ووجد في روحه الحية ووعيه غير المتناهي شوقاً أبدياً إلى الكمال الذي أوجده ...
فجزأ نفسه كي يصيغها من جديد بشكل أفضل كي يرتقي بوجوده إلى الوجود الأعلى... إلى الوجود الأب ... السبب الأول الذي تتحقق إراداته لمجرد أن يريد ...
أجل جزأ من نفسه .... فتفجر في خلاء الكوني رذاذاً وأجزاء !! ولعل هذه التصور يتطابق مع ما قرره العلماء حين أدعوا بأن بداية الكون منذ الإنفجار الكبير ....
والآن أيها النجباء ، سنبدأ سوياً ببناء الكون وفق هذا التصور...
أعرف بأن جرأتي تُغضبكم .... ولكن ، ما العيب في هذه المحالة .. أليست أجدى من الثرثرة والإستغابة والتلهي بالسياسة والفساد السياسي ، والأحكام التخمينية على السلوك الإجتماعي والفردي ؟
لربما ، لربما إن أكثرنا الحديث عن السلبيات السلوكية ، يبتعد الناس عنها ، ولكن كما ذكرت ، هذا ما قد يحدث في عالم الصنعة، وليس في عالم الخلق.. رغم أن غائية الخلق والطبيعة الكونية بأن تُمبديء سلوك الإنسان وفق نهجها في السعي إلى البقاء والكمال ! لأن هذه المبدأة غير الواضحة حالياً هي سلاح الكون بخلوده !
لا أعرف كيف أتتني هذه الفكرة ، ولكنها , وكما يبدو فتحت أمامكم سرداباً من الغموض , لا تزحف فيه إلا العقول النيرة فما رأيكم ، ولو من باب التمثيل والإدعاء أن نحاول الزحف في هذا الدهليز ... فقد يقودنا إلى باحة من باحات الحقيقة الخالدة ؟
أعرف بأنكم لا تنتمون إلى فئة الجرذان والفئران ولا إلى فئة الخلدات ... ولعلمكم أن من ذكرنا أسماءهم ليسوا الوحيدين الذين يزحفون داخل الأنفاق والدهاليز والجحر ... كما أنني أعرف ، بأن ما حدثتكم به حتى الآن وما أحدثكم به لاحقاً لن يزيد من قوت يومكم ولا من مشروبكم بشيء ,العكس هو الصحيح ، فكلامي هذا، يجفف اللعاب في البلعوم ويضجر القلب ويصب في دنان السأم حتى الفيضان !! ولكن،: خير الكلام ما لا يتقمط ببذيء ، ولا يتظلل بشر ، ولا يوحي بفساد ولا يتزين بنميمة ولا يتشكل بنفاق ، ولا يوزن بميزان ظالم ووعد عاق !
ولا تسألوني كيف خرج مني هذا القول ... فأنا نفسي لا أعرف أو لعلي لا أذكر, حيث أنه انبثق من دخيلتي متجاوزاً ذاكرتي الواعية لذاتها ! ولكن ، ما المهم في الكلام غير الكلام ؟ أيُهم القائل أم ما قاله القائل ؟ فرحم الله من قال " إن كان قد مات " : الكلام هو الذي يخلد صاحبه رغم أنه سيموت وتأكله الديدان !
وطالما أن الديدان تأكل الجسد حين يتحلل ، فلا بد لنا أن نسأل : ما الذي يمنع الديدان من أن تأكل الجسد الحي ؟
أترون ؟ لقد عقدتكم ولا أقصد بذلك شراً ، وإنما مجرد سؤال يفتق لكم عقولكم كما يفعل الفتاق في صرة البطن !
فحقاً لماذا تأبى الديدان الإقتراب من الأجساد الحية، بينما نراها تنقض على الأجساد الميتة تقضمها وتفترسها حتى تأتي على كل لحمها وشحمها .. ومن بعدها تموت !
ألا تندهشون من هذه الظاهرة التي تواكب حياتنا وطبيعتنا دون ملل وضجر؟
لعلكم لا تندهشون لأنكم تعون الحقيقة وعيناً كامنا ً ، أي في وعيكم الباطني وليس في وعيكم الواجد .... ما رأيكم ؟ أنا أوافق على أنكم تعرفون ولكنكم لا تعرفون تعليل ذلك , وتعليل ذلك أن الديدان لا تفترس الأجساد الحية ، ليس لأنها لا تحب اللحوم الإنسانية الطازجة ، ليس لأنها تخشى أن يُطلق عليها أسم أكلة لحوم البشر ، بل لأن الإتفاق الطبيعي يمنعها من فعل ذلك ، أجل ، إتفاق طبيعي ، معاهدة طبيعية سنتها الروح والوعي الكوني ....
أعرف بأنني أبلبلكم ... وأعرف بأنني أبدو كمن يخلط حابل الكلام بنابله ،وكل ذلك نبع من اللحظة التي توقفت فيها عن الإستمرار في الحديث عن المستوجد الأول الذي جزأ نفسه .... تخيلوا موجوداً واعياً وحياً يفتقر إلى الإكتفاء الذاتي ولا يملك خاصية التنبؤ ليتنبأ ما سيحدث له ! ومن جهة ثانية يملك شوقاً عملاقاً يحثه إلى الكمال لإدراكه اليقيني بأنه ناقص .
أنها حالة من عدم الرضى... حالة من القلق والتردد حالة من التقاعس الممل الذي يذهب بالهدأة والإستقرار !
أذن ، لا بد لهذا الموجود الواعي أن يحاول صياغة نفسه من جديد كي يرضى عنها ، كي يبلغ الكفاف ويحقق شوقه إلى الكمال .
ولكن لكي يصيغ نفسه من جديد فلا بد له أن يجزأها ليركبها من جديد ... ، وقد يسأل السائل من أين لك بأن المستوجد الأول كان واحداً فجزأ نفسه لتبني أجزاؤه هذا الكون الرحيب ؟
وبالطبع أيها السادة، لا أحد يعرف وإنما نستطيع أن نستنتج، فهيا بنا :
الطرح : الجزء هو قسم من كل .... ولا يعقل أن يكون الكل جزء من جزء حتى ولو حمل الجزء صفة الكل ...
الإستنتاج : إن كان الكون هو مركب من أجزاء مستقلة ، فهذا لا يعني البتة إن الإصول الكونية هي أصول مجزئة ... لأن الجزء لا يشتق الا من الكل.. والكل هو واحد ... من هنا ينبع بأن الإصول الجزئية للكون هي كل واحد مجزأ، بمعنى إن قبلية الكون كما نراه بمظاهره المختلفة وبتناقضاته وائتلاف أجزائه وتنافرها الواحد عن الآخر، وتعدادية أشكاله وتباين سبله ، كان كلا واحدا لا تناقض فيه وإنما أجزاء تابعة عضوياً لكلٍ شاملٍ مستقلٍ .
إن هذا الذي أتحدث به، يسمى فلسفة .. ومعناها الحرفي حب الحكمة ، كما سماها طاليس ، الفيلسوف اليوناني الذي سُمى بأبي الفلسفة الكونية ... والحقيقة، إن علم الفلسفة ، ليس "حب الحكمة بعناها الحرفي ، وإنما ، كما أراه مجرد محاولة فهم، وثيقةُ الإرتباط بعلائقها المنطقية ...
ولهذا،كما رأيتم حتى الآن ، فأنا أحاول أن أقدم اقتراحات لمحاولة الفهم هذه، من شأنها أن تركب الكون تركيباً منطقياً مقبولاً على العقل والأفهام .
بمعنى آخر ، يحاول الفيلسوف أعادة بناء الكون فكراً ومنطقاً ، كالبازل الذي يركبه الأطفال . هذا يعني ويكثر من العجب والسخربة الفيلسوف، ما هو إلا طفل يركب البازل الكوني كما يتفق وفكره !
المهم من ذلك ، وما ينتج عنه أن الفيلسوف يفكر ... بل ، لعل التفكير هي المهنة الوحيدة التي يُجيدها .... ولهذا ، ولأن هذه العملية الدماغية تتعب صاحبها ، فلم يحبها بنو البشر إلا حين كانت تخدم حياتهم المادية والغرائزية ... ولهذا ، فقلما أحب الناس الفلاسفة ... خذوا مثلا ً سقراط .... كان إنساناً دميماً، عاطلا ً عن العمل .. تكرهه زوجته ولا تُطيق أن تراه وترى جلبابه الأبيض الرث، ولا شعره الكث .... ولكنه ورغم ذلك كان جميلا ً... فقد ملك على محبي الحكمة والمعرفة عقولهم... وقوض خصال الفساد وكشف منابع الإنحلال ، فأغضب أصحاب المناصب وأولياء القرار فحكموا عليه بالإعدام ... ولكنهم ،هم الذين ماتوا واندثروا ولم يبق لذكرهم أثر..وهو الذي عاش وبقي حياً بفكره حتى اليوم ...فمن منكم يعرف أسماء الذين حكموا عليه بالإعدام ؟ ومن منكم يعرف من كان أرباب العائلات ومن كان الأمراء والقضاة والقادة في ذلك الزمن ؟
لا أحد . ولكننا كلنا نعرف سقراط ... حتى وإن لم نعرف كنه فلسفته!!
والآن أشعر بأنني غصت في دوامة رملية لا أعرف كيف الخروج منها .... وأشعر أيضاً بتأففكم من خلطي وعدم تركيزي ... فكأنني سبحة قطع خيطها فتطايرت حباتها كل واحدة في جهة !
ولا بأس في ذلك ... فوظيفتي هي أن أجمع الحبات لأعيد السبحة إلى سابق عهدها !!
هل أنتبهتم إلى أن مَثَلَ السبحة يشابه من حيث المبدأ تشظي وتجزئة المستوجد الأول.... ؟ ولكن الفرق بين حبات السبحة وأجزاء المستوجد التي تطايرت في الخلاء الكوني ، هي أن الأجزاء دخلت في دوامة من الفوضى وعدم الإتزان ... بل لعلها لم تدرك مصيرها ولم تعرف اتجاهها ، فأوغلت في الضياع والتشظي والإنقسام ... شيء من الإنتحار الجماعي ... شيء من الإندفاع نحو بوابات العدم الكوني .. ولكن المستوجد الذي وصفناه سابقاً قبل أن يتجزأ بأنه كان وعياً طاهراً وروحاًً واحدة حية... والأن الروح لا تتجزأ من دافع الإستحالة المنطقية، فلقد سعت هذه الروح الواعية وتواصلت مع أجزائها المنتشرة في الخلاء الكوني ! وسنت لها القانون الأول،قانون الحب .. قانون حب البقاء الذي لم يكن جزءاً من وجودها الأول لعدم لزومه . وسنته وغرسته في استقلالية الجزء، المعن في الضياع والتشظي كي يحد من اندفاعه الأعمى نحو الفناء .
وهذا المعايير هي معايير كونية كما أرها ، وبما أن الإنسان هو مجموعة من الأجزاء الكونية المتلاحمة ، فهو منصاع بدافع طبيعته لهذا القانون الكوني ... قانون الحب الأول .. قانون حب البقاء .
طبعاً، قانون حب البقاء اليوم ، وفي عالم الصنعة متعلق بشكل مباشر بالتخصيب الذري ..... ! ولو سألنا الأمريكان والأوروبيين مثلا ً عن سبب امتلاكهم اللأسلحة الذرية لأجابوك : من أجل البقاء والديمقراطية ... ولو سألتهم عن سبب منع الدول النامية وغير النامية من العالم الثلاث امتلاك القدرة النووية لأجابوك : لأن السلاح الذري يضر البلح وجوز الهند والموز وحبوب البن ويسبب العقم للجمال والفيلة والجوارح الصحراوية كالباز والشاهين والنسور والغربان، حيث أن الإشعاع يعريها من ريشها فتحط على الأرض قسراً وتسبب أزمات سير في الصحارى والبطاح .
فقط من أجل هذا تسهر اللجنة الدولية للطاقة الذرية على حفظ التوازن النووي من أجل القانون الكوني الأولى : حب البقاء !
صدقوني هذا هو السبب ! لكن العالم الذري خان الباكستاني استخف بهذه الحقيقة وذهب يبيع التقنيات الذرية للدول التي أرادت أن تقوى بذريتها .... الأمر الذي استوجبه الإعتذار عن الأعمال المشينة غير المحببة لإخواننا الغربيين والغربيين !!!
وهناك نقطة أخرى تحذر منها لجنة الطاقة الدولية ، وهي أن الريح الشرقية قابلة للتخصيب السريع من المواد المخصبة الأمر الذي يهدد بتقوية الأعاصير كالهوريكان وريتا وقد يتسبب بتنشيط فوهة بركان فيزوف .. وقد يتسبب بالتسونامي القتال والله أعلم كما يقوم قدمائنا الشيوخ ... عموماً الإنطباع الأكثر شيوعاً في وضعنا الراهن والذي تتبناه الأمم غير المتحدة هو أن للشرقيين الكثير الكثير من ذرات الرمل ، وهم ليسوا بحاجة لذرة أخرى تثقل كاهلهم .
والمهم في هذه القصة التي حدثتكم بها الآن، والتي حدثني بها أحدهم ،من الذين يستمعون كثيراً إلى المذياع هو الحب والذرة !!!
وجميعنا يعرف بأن الكون على ما به مركب من نوعين : الذرة في الجماد والخلية في الأحياء..
والعجيب في الأمر بأن الخلية الحيوانية هي نفس الخلية النباتية ونفس الخلية الإنسانية .... وإن الذرة التي تركب الحديد هي نفس الذرة التي تركب الحجر !
وإن الخلية لا ترى بالعين المجردة وكذلك الذرة لا ترى بالعين المجردة .... وبمعنى آخر أن العالم الذي يرى بالعين المجردة مركب من جزيئات لا ترى بالعين المجردة !
فما رأيكم بهذا السحر الكوني ؟
ولو أطلنا التفكير لوجدنا بأن الحياة في فعلها المجسد ما هي إلا أشكال متباينة وواحديتها في مجمل تباينها أو لعلنا نعكس القول بأن تقول : الحياة هي مجموعة من أشكال حياة وجماد... أو لعلنا نصوغ القول بشكل أوفى وأصدق فنقول :
الكون هو مجموعة متباينة من الأشكال .... وأما جوهره القبلي فما هو إلا مستوجد سببي لا شكل خاص له ولا وصف سوى وصف طبيعته التي كنا قد أشرنا إليها ، وخلاصتها في أنها قدرة فائقة على الخلق والتطور ! إذن، نعرف الآن بأن أجزاء الوجود كونت أشكالا ً !!
ولو سألنا سقراط وأفلاطون ، لقالا لنا بأن لكن شكل ماهية قبلية كونية ... أما أنا فأدعي بأن كل شكل هو مجمل ما استطاع أن يكون فقط ... فالحمار حمار لأن دفع الحياة الجزئي فيه وتعاضده معاً شكل حماراً وليس إنسان أو شجرة أو حجراً ... وهذا القول الجريء قد يثير الجدل والاستغراب ولكن لا بأس بذلك فان ما اقترحه هنا يمتد وينمو عضوياً من الطرح الأول - الطرح المنطقي - الذي طرحته سابقاً .... والذي لا يأتي بأي شكل من الأشكال بتناقض بي الفرض والنتيجة ، والذي قد يتلاءم والحصيلة العلمية المعروفة لنا عن الحقب الجيولوجية العديدة وعن الهيكلة الطبيعية لنفسها في كل عصر وعصر.... منذ فجر المستوجد نفسه وشرع يصوغ نفسه ساعياً بشوق إلى الكمال الذي حُرم منه إبداعاً .
حاولوا أن تتخيلوا الأبعاد الإسطورية للمجرات ...
وحاولوا أن تتخيلوا أن ما وصلت إليه الطبيعة اليوم هو ناتج عن مسيرة الملايين من السنين والملايين من التجارب التكوينية التي فسدت بدافع عدم صلاحيتها ....، وهناك شبه اجماع لدى العلماء على أن عمر الكون بضع مليارا تمن السينين ...
وعلى سبيل المثل فإن عمر الشمس يقدر ب – أربعة مليارات ونصف المليار سنة ! وإن العمر المقدر لوجود الإنسان هو ثلاثون مليون سنة !!
لن نتوقف عند هذا، ولا بد أنكم تتضاحكون قائلين :
وأي اكتشاف أتيت بهذه المعلومة المليء مثلها في الكتب العلمية وخاصة الجيولوجية والجغرافية ؟
صحيح ، فأنا لم أت بجديد بهذا القول، إنما قصدت من ورائه أن أشير إلى الفرق الشاسع بين النشوء والإرتقاء وبين الصياغة والهيكلة من جديد !!
لمن يفهم في الفكر الفلسفي ، فلا بد وأنه لاحظ بأنني عالق في دوامة ليس لها قرار... وقد يُسأل :
ما هو الشيء الذي جعل الأجزاء تلتئم مع بعضها لتخلق أشكالا ً؟ وما الذي حد من الفوضى العارمة التي نتجت بعد أن فجر المستوجد الأول نفسه وتناثر في خلاء البدعة؟
بالطبع ، لقد استعملت روح الكون صمغها لتوصل بين الأجزاء المتناثر ...وما الصمغ سوى قانون يجعل الأجزاء تتجاذب وتتحد أو تتنافر وتبتعد ... !
وهذا القانون هو قانون السلام .. قانون التهادن.... !
وهو الذي جعل الذرة تلتصق بذرة أخرى وبذرات غيرها حتى كونت شكلا ً!!!
أرأيتم وصلنا إلى نقطة يتضح لنا فيها بأن السلام ليس مجرد أتفاق انساني وإنما هو قانون كوني من القوانين الأولى التي كونت الأشكال الكونية على تباين أشكالها وأحجامها.... ! حتى لو لم تتيسر الدواعي الميدانية أو الأسس التكوينية للجزء كي يتحد مع الجزء .... أنه – قانون السلام كالصمغ يلصق جزءاً مع آخر حتى لو فقدت بين الأجزاء موضوعية التواصل !!!
ما رأيكم فيما لو نسترح بعض الشيء من هذا الكم الهائل من الأفكار اليابسة كهشيم الصيف أو الناضبة كالربع الخالي ؟
حسناً، أنا أعرف بأنكم كنتم تودون الإستراحة منذ بدأت ولكنكم تفضلتم علي بكرمكم السخي حتى وصلنا إلى هذه النقطة التي بدأنا بها بِشعْر ٍ فخرجنا منها بفكر .
لا بأس فقد ينتفع أحد بهذا الذي لم ينفعني وينفعكم !!
الخطبة الثانية
السلام عليكم ؛
عدت ثانية .. رغم أنني على يقين، بأنكم ، ما كنتم تودون أن أعود، ورغم هذا، فإن الحاجة النفسية الملحة التي تجتاح إحساسي وإرادتي ،تدفعني إلى نوع من البلادة والتغاضي عن خجلي منكم لكوني أثقل عليكم هدأتكم بثقيل الكلام .
صحيح أنني وعدتكم في البدء بأن أشرح لكم سبب عودتي .... رغم أنكم اكتشفتم بأنني لم أغادر ولو لمرة واحدة ولم أجتز أبداً مسطح قريتي !
ولكن، ولأسباب، ما كنت أعلم بوجودها ، قد داهمت سردي فانتحى مقصدي جانباً، فتهت في أفكاري التلقائية تلك التي كنت قد حدثتكم بها .
ولعلمكم ؛ مثل هذا الأمر لا يحدث في الطبيعة مطلقاً ... فغائية الطبيعة التي تنتحي جانباً لتسيطر عليها تلقائيات ثانوية... تؤدي إلى فساد في النظام الكوني العام ... فتخيلوا مثلا ً؛ الفصل فصل الصيف . الشمس مشرقة ودرجة الحرارة فوق الثلاثين مئوية . وفجأة وعلى حين غرة ؛ تغير الطبيعة وضعها فتكفهر السماء ... وتعتو العواصف والصواعق ويهطل المطر الغزير ... وكل ذلك في فصل الصيف الحار ! فماذا كنا سنفكر في هذا التلقائية غير المحسوبة طبيعياًً ؟
أكيد ، ؛ سنفكر بأن غضب الله قد حل علينا ... وأن هذه الظاهرة ما هي إلا تحذير رباني بدنو الساعة .
بيد أن التخلي عن المقصد ، والتعلق بمخايلة فجائية ، هي ، كما تعلمون ، نمطية سلوكية في الفكر الإنساني .... ! والمخايلة كما لا تعلمون هي كلمة من اختراعي .. معناها الفنطاسيه باللغات الغربية ... ومعناها العمل الذي يتجاوز القوانين العملية المتعارف عليها ، وخاصة في الأعمال الفنية والتمنيات الشخصية ، ولنعد إلى ما بدأته :
فقد قلت بأن المخايلة هي نمطية سلوكية في الفكر الإنساني وليس في الصيرورة الطبيعية . وهذا معناه ، بأن الطبيعة محكومة بمكانة قانونية ، لا تسمح بها لنفسها بالتسيب الإنساني المنفلت من القواعد المنطقية لصيرورة الشيء المفرد والهرمونية العامة التي تكلل البقاء! هذا من جهة، ومن جهة ثانية فهذه دلالة قاطعة على أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي ملك حرية بأن يكون منطقياً وغير منطقي ، وحرية بأن يكون تابعاً وحراً ... وحرية بأن يكون اتونومياً " مستقلا ً " في الإرادة والأختيار المطلق وفق أهوائه الخاصة . فالإنسان يملك تأشيرة وجود ليكون ذا أهواء شخصية غير محكومة ...وغير مستعبدة من قبل أي قانون منطقي... وكل هذا فقط في تخوم وجوده الفكري ، الروحي والنفسي وليس في تخوم وجوده البيولوجي الجسدي إلا اذا صدقنا تشارلز دارون الذي طورنا عن القردة ! بمعنى آخر ، الإنسان كما يبدو للعقل الناظر . ما هو الا ثنائية منسجمة في واحدية ، هي الإنسان بكليته ! نصفه يلتزم بالقوانين البيولوجية والنشوئية ، ونصفه الثاني لا يتحكم الا لما يتبدى له فهماً وإحساساً !
أنه جسد.... وروح كما علمنا إياه تاريخ المعرفة الإنسانية ...علمنا ان لكل إنسان جسداً وروحاً ... وهكذا ؛ فالعالم مليء بالأجساد والأرواح !! ولكن لماذا ؟ وما الهدف من هذه الثنائية المتناقضة ؟ وهل هي حقاً ثنائية كما تبدو أم أنها على غير ما تبدو ؟
لعل تعرفنا للجسد كمادة هو أساس المشكلة ! أو لعل فهمنا للروح على أنها تجاوز للمادة أو مفارقة لها أساس عدم فهمنا لحقيقة أنها ليست كما نفهمها ! عموماً، كل ما نعرفه حتى الأن هو أن الروح لا تحل عليها قوانين المادة أو صفات المادة ...
فهي لا تحتل حيزاً ... ولا تمتد أو تتقلص أو تُلمس أو تشاهد وليس لها حجم أو وزن وإلخ من صفات المادة ، فمن أين لنا وجود كهذا وكيف نستطيع أن نؤكد وجود شيء لا نملك إي إثبات لوجوده ،ولا نملك القدرة على تحجيمه أو وصفه مادياً ؟
ألا يبدو لنا هذا الأمر غريباً ، ؟ العقل البشري قرر وجود شيء لمجرد أنه قرر وجوده أو أحس بوجوده ليس إلا !! أو أنه لم يجد تفسيراً آخر للجسد الحي سوى أن الروح تسكنه ! وهل حقاً تسكن الرواح الجسد!! وإن كان الأمر كذلك فأين تقيم وفي أي جزء تتواجد ؟ لا أحد يعرف ... أتعرفون لماذا لا يعرف أحد أين تسكن الروح في الجسد ؟
حسناً سأجيبُكم أنا ، فلا أحد يعرف أين تسكن الروح في الجسد ... لأنها أصلا ً لا تسكون بالجسد ! فما رأيكم في هذا القول الجريء ؟ هل بدأتم بشتمي ؟ هل بدأتم بالسخرية من قولي هذا الذي لا يستوي وعادة منطقكم بألا يكون منطقياً !
أعرف بأنني أتعبكم بهذا الهذر الفلسفي غير المقبول عليكم ! وأعرف ما تتهامسون به عن مخايلتي هذه غير المرحب بها على أرض واقعكم...
وأعرف أيضاً بأنني أخاطر بصفاء فكري الذي بدأ يُغيم ببعض السذاجة الفكرية التي تلبك له مساراته المنطقية ، ولكن مهلا ً ... لماذا لا نناقش الموضوع بشكل موضوعي ؟
ما رأيكم أولا ً فيما لو نراقب الولادة والموت ؟
أقصد حين يرى المولود ضوء الدنيا ، حين يفصل الحبل السري يُهز في الهواء أو يُضرب على استه كي يصرخ ويبكي ؟ لماذا ؟
كي تثير الجسد فيحدث تماسٌ بين ميكانيكيته وبين الروح الواحدة !! هكذا طالما هذه الميكانيكية صالحة في تفاعلها المتدائر ( من كلمة دائرة – استحداث ) فهي قادرة على استيعاب فاعلية الروح الحية .. وحين يحل بها عطب جوهري ، تفقد القدرة على استيعاب الروح فيموت الجسد وتتوقف فيه الحياة ليتفكك ويتحول إلى عناصر طبيعية أخرى تكمل التداور الطبيعي ! وهذا أثبات قاطع علىان بني البشر هم أخوة لأم واحدة، الروح الواحدة الوحيدة !!!
تعالوا نتخيل سوياً ما حاولت قوله .
قلت بأن الكون بما فيه هو حي ويملك روحاً واحدة !
وأنه ورغم غرابة الأمر ، مبني على أسس وقوانين ، عُرِّفت فما بعد على أنها أسس وقوانين أخلاقية ... ومعنى الأمر ان هذه الأسس والقوانين هي ضمانةٌ سنها الوعي الكوني ( المستوجد الأول ) ليضمن لنفسه البقاء في تخوم الخلود ، وليبقى منطلقاً بشوقه الأبدي نحو الكمال ، نحو التجوهر ! بكلام آخر ، هدف الوجود هو التطور نحو الأحسن وفق معايير أخلاقية تدحض الشر ؛ وتساند الحب ... تقدس السلام وتتقيد بالحرية !
ونستنتج من هذا ان الإنسان حرٌ بدافع الطبيعة ...... وأن العبودية والإستغلال هي لعنة ووصمة عار تناقض روح الكون وأمر الباري ... وأن الحرب ما هي إلا انحراف عن هدف الحياة وإرادة الكون المتماهية في إرادة الله !
الحياة أيها النجباء لا تؤمن بأبطال الحروب وإنما بأبطال الحياة !!!
قلت ما عندي .. والأن خففوا غضبكم عني ...، فالتفسيرات لا تغير من واقعية الشيء ،فكل من يشعر بأن روحه ملك له ، فليشعر ، هذا لا يخل بالنظام الطبيعي ، وكل من يشعر بأن روحه ليست جزءاً منه وليست ملكاً له ، فهذا لن يجعله من عداد الأموات . أنها فقط أفكار وكلمات ، قد تفنى وقد تُنسى وقد لا تعني أحداً . والحقيقة ، ليس هذا ما قصدت قوله في هذه الجلسة وفي هذا الهرج التلقائي ! بل قل لم أعرف أنا نفسي بأنني سأتفوه بما تفوهت .. ولم اعرف بأنني سأصل إلى حيث وصلت ... وهذا يحدث لنا دائماً ، نحن العرب.... فعقولنا تكره التخطيط والتقنين والتدقيق .... نحن أبناء التخمين والتلقائية ، نحن أبناء ما يريده الله لنا ..... وهذا حسن إلى أقصى الحدود ... ولكن المشكلة التي أعاني منها ، والتي تسبب لي معظم الأزمات الثقافية والضميرية والقومية والإنسانية هي أنني لا أصدق بأن ما نحن عليه هو ما أراده لنا الله فقط ! فما رأيكم في هذا القول الذي لطمني جدي من أجله على خدي حين تفوهت به في الماضي ! طبعاً عُدت لأتفوه به الآن لأن جدي أصبح ممن تولاهم الله برحمته وتغمده بعظيم شفقته " رحمه الله ورحم أمواتكم " وما عدت أخشى من كف تلطم أو رجل تركل أو قبضة تدق وتنطح ، وما زلت أؤمن أن الصيغة الآنية للسلوك الفردي والإجتماعي هي حاصل مجموع قدراته وطموحاته وإرادته متجسدةً ، وأن الإدعاء المتعارف عليه ، والذي ينص على أن إرادة الله عز وجل ومشيئته هما اللتان تطبعان سلوكنا ونتائج سلوكنا ، لهو نوع من التهرب من المسؤولية أولا ً ، وهو النقيض في غالب الأحيان لإرادة الله في أن منحنا قدرة حرية الإختيار العقل والتدبير ، التخمين، الدقيق والتصنيف .... الكفاح والنضال ...... ولعلمكم لم يخلق الله شيئاً عبثاً ! فها أنا قد عدت إليكم بقصد وليس عبثاً ، عدت وأنا غاضب بعض الشيء وخائف " بعضات" الشيء وبعضات كما تعلمون هي الجمع الذي لم يجمعه أحد قبلي ، لأنه جمع بعض، وحين تجمع بعض إلى بعض إلى بعض، تصبح بعضات ،وكونها أصبحت بعضات تبطل البعض التي هي بمثابة الجزء من المجموع ، ولأن أجدادنا جهابذة العرب كانوا يعقلون، فما شاؤوا أن يتركوا لنا تراثاً لغوياً ينفي ذاته ، كما ننفي نحن ذاتنا .
مهما يكن ، وقبل أن أحدثكم عن سبب غضبي ، فأنا مدين بالإعتذار منهم عل جمع ما لا يُجمع ، والذي يُشبه بشكل من الأشكال ، إلى حد ما ، الوحدة العريبة، وكل هذا، هو ما لم أرد أن أحدثكم عنه ، ما أردته حقاً ، أصلا ً لم أفكر بأنني سأحدثكم عنه، ولكن ، مهاراتي غير المتناهية في الخروج عن السياق ، والتي كنتم قد صادفتموها سابقاً ، هي تلك التي جعلتني أصل إلى حيث وصلت . علماً بأنني قصدت أن أحدثكم عن سبب غضبي ، وخشية من أن أنحرف ثانية فإليكم بالقصة ،ولكن ، سأحدثها بالهمس ... كي يتعذر على أحد غيركم سماعي !!
أنتم تعرفون بأن الأمريكيين والأوربيين صنعوا آذاناً طائرة لتُصغي إلى كل الثرثرات العربية في الشرق الأوسط ؛ حتى وهم يتهامسون في الملاجيء وغرفة النوم ... والحقيقة ، أنا أشفق إلى جانب غضبي من استراق السمع والنظر ، أنا أشفق على هذه الآذان الطائرة ؛ كيف تتحمل كل هذه الثرثرات السياسية العربية دون أن تصاب بالدوخان والذهان العصبي ! وعمليا هذا هو السبب الذي يجعلني أهامسكم بما أغضبني ، فلقد صارحني أحدهم بسر أقلق منامي ، ومنذها وأنا أنظر إلى قبة السماء خشية من صاروخ "توماهوك" يحط على قرن رأسي فيفجر دماغي على صغره ويحرق لساني على طوله !
لقد قال هذا الأحدهم : أن بوش يُحب تعنيف العرب !!!
فقلت له : يا للهول ، وكيف ذلك ؟ أيصفعهم على أقفيتهم الطرية !!
فقال لي جاداً : هو لا يصفع ... أنه يضرب بالصواريخ !
فقلت : على أفقيتهم أم فهيا ؟
فضحك طالباً أن أكف عن الهزار ، وقال جاداً ما أردت قوله ، هو أن العالم سيحاكم في أحد الأيام بوش على جرائم حرب أو التسبب بها !
فكممت له فمه بكف يدي كيلا ينهي الحديث صارخاً به :
كف بالله عليك ... فقد يسمعوننا في البيت الأبيض ويطلقون علينا صاروخاً موجهاً يرى ويسمع ! فيضرب أقفيتنا بلا رحمة .
فقال لي : هذا إرهاب نفسي ، هذا ظلم ... ماتت العدالة الإنسانية ! أصرنا تخشى الكلام خوفا على أقفيتنا ؟
فضحكتُ ... ضحكت جداً حتى كدت افتق سرتي .. وتركته وأتيت إليكم والغضب ينزّ مني كما ينز الماء من الجرة !
يحدث لي مثل هذا الأمر كثيراً ! فأنا اضحك من شدة الغضب ! أنا لا أصرخ ولا أتمرغ كالديكة .. ولا أعفر التراب كسنابك الخيل وحوافر الثيران .
أنا أضحك بملء شدقي ... ولا أجد لذلك تفسيراً منطقياً غير أنني أعاني من خلل دماغي في إعطاء الأوامر .... ففي حين يرسل المخ العادي شارة الغضب لأعضاء الجسد حين يغضب حامله، يتلخبط مخي حين أغضب فيرسل شارة الضحك.....
وهذا الأمر مضحك للغاية ! ومغضب حتى شديد الغضب وما علي سوى حمد الله، على أن مثل هذا الخلل لم يصب الكون في بداية التكوين، فإنه لو حدث ، لرأينا الحمم والطمي بدرجة ما تحت الصفر والإنسان حين يضحك يعوي كالثعالب ، وبوش يناضل في العراق ضد الإحتلال الأمريكي .... أجل سيبدو كل شيء مقلوباً وغير منطقي ، بل خارج الذوق الطبيعي السليم للصيرورة .... وجدتُ الكلمة : الذوق الطبيعي للصيرورة ....
وهذه الجملة هي غير قابلة للتحقيق العلمي ....
فالحديد مثلا ً لا يتمدد وفقاً للذوق الطبيعي للحداد .... والحديد نفسه لا يلائم درجة تقلصة وفق أهوائه الشخصية .... وإنما وفق قوانين التمدد والتقلص الطبيعية .. أو المحكومة بإرادة الطبيعة الحيّة !
تخيلوا : يستطيع الإنسان حين يصل إلى أقاصي الغضب وجنونه أن ينفجر ضاحكاً... بينما ، الحديد إن وصل إلى قمة الإنصهار لا يستطيع أن يتقلص....
فلماذا أيها النجناء يلتزم الكون بقوانين لا تحتمل أن تحوي نقيضا ؟
والإجابة التي أراها صحيحة في هذا السياق ، هي كونه مبنياً على أسس مبدأية منطقية !
وإحداها قانون التناقض .... فلا يمكن للشيء أن يكون ونقيضه شيئاً واحداً !!!
إذن ؛ التمرحل الذي مر ويمر به الكون هو تمرحل منطقي ! يحل عليه منطق العقل كما يحل على العقل منطق الصيرورة !
وهكذا أيها الأخوة ؛ نستطيع أن نيقن بأن العقل يستطيع أن ينفي وجود كل شيء يتناقض مع قوانينه المبدأية ....وبالطبع لا أقصد فهمه .... فقد لا يفهم العقل ظاهرة من الظواهر لكنه لا يستطيع نفيها ! لأنه لا يملك الصلاحية المنطقية لنفيها ! وهنا أراني ملزماً بأن أوضح شيئاً مهماً للغاية. فكما أن العقل ملزم بأ يملك الصلاحية المنطقية لإثبات شيء ، فهو أيضاً ملزم بملك الصلاحية ذاتها لنفيها !! وهذه الصلاحية هي بوابة العلم ... عالم الصنعة !!
أرأيتم أيها الأخوة ،بقيت أهذي حتى قلت حكمةً كالذي ظل يهذي حتى قال شعراً ... والحكمة التي قلتها ، رغم أنها ما زالت في مقمطتها ، تبشر خيراً حيث أنها توصل بين المبدأ العقلي والواقع المعاش وبكلام بسيط ومفهوم .... أن من واجب العقل الإنساني أن يجتهد أكثر وأكثر كي يروض الغموض لمصلحة أن يثري صيانة حياته وصيانة الطبيعة التي هي جزء من الكون !
هكذا أبداً ، ففي حال يعي الإنسان عدم وعيه لما يحيطه من ظواهر وأحداث ، يحثه عقله أن يفهم عدم وعيه ، وفي حال وعى ما لا يعي يُجند وعيه هذا في مصلحته وفي تثبيت مبدأية صيرورة الكون المبنية على قانون الحب ، الحرية ، السلام ودحض الشر ! ولو فكرنا لبرهة بهذه القوانين لوجدناها المباديء للإنسانية ... ولإستمراريتها في السيطرة على حياة البشر والموجه الأول لسعادة الشعوب ولجوهر القانون الذي يتحكم بسلوكية الأفراد والمجتمع !
أجل ... هذه هي الأسس التي يتوجب أن يتبناها القانون كي يصبح عادلا ً !!! وما هذه الأسس إلا ناتج مباشر من الذوق السليم لصيرورة الطبيعة . قد يستوقفني احدكم بقوله : بالغت يا اخا العرب فالذوق السليم هو صفة انسانية بحتة وقد تستغل حين يعجز العقل البشري على الحكم المهني أو التحديد العلمي ، فيقال : أن فلاناً سليم ، الذوق ، وفقط لأن ذوقه لاءم ذوقي أو أذواقنا ... أنها الجانب الآخر للموضوعية المستوجبة هنا في مهرجان شرحك وفكرك !!!
وقد يبدو الأمر بادئاً ذا منطق سيلم ، حيث أن من طبيتنا أن نفرق بين الذاتي والموضوعي ، ومن طبيعة الفكر العلمي أن يدعم الموضوعي ويتنازل عن الذاتية !! هذا صحيح ، ولكن إلى حد لا يتجاوز التنظير العلمي ، الذي هو في نهاية الأمر، يحتاج إلى اسناد تجريبي ! . ففي حين تكشف لنا التجربة متحولات ثابته في شروط محددة نبني على هذه الحالة قانوناً علمياً ... ولكن قد يكون الأمر معاكساً تماماً ، حيث أن العالم قد يبني نظرية متجاوزة لحدود التجربة ... ولا يحكم فيها سوى منطق العلائق بين أجزائها . ولنأخذ مثلا ً ، الفرض الذي فرضه البرت أينشتاين ؛ حيث قال : إذ أرسلنا شخصاً إلى الفضاء الخارجي بسرعة 330000 كم في الثانية ،أي بسرعة الضوء ، لبضعة أيام متتالية ومن ثم نجعله يعود إلى الأرض بنفس السرعة لوجد العائد بأن البضعة أيام التي قضاها في الفضاء تساوي ثلاثون سنة أو أكثر .
الأمر يختلف في عالم المستوجد الأول ، وفي العالم المبدع الأول الذي يبدع شيئاً من لا شيء ... أنه يخلق بمجمل قوانينه وبدافع حكمته سليمة الذوق ... كذا المستوجد الأول الذي يُهيكل نفسه ويندفع مرتقياً نحو شوقه الأبدي إلى الكمال ومعياره الوحيد هو الذوق السليم في الإرتقاء والتطور ... وأما القوانين التجريبية فهي تخص عالم الصنعة ... عالم الإنسان !
النتيجة المواتية هنا هي التقنيات المبنية على التجربة وعلى الفكر الطاهر هي الأدوات المباركة التي منحها الله للإنسان كي يطور حياته ويصون بواسطتها الطبيعة!!! وليس فقط الخضوع والإذعان ففي يقيني أن الله يريد لنا الخير ... منحنا العقل وتدبير العقل ... ومنحنا الضمير كي نكبح جماحه حين يبالغ في الزيغ والبطلان ... ومنحنا الإرادة كي نريد ونتطور ونسعى إلى الكمال !!!
تفهمون الآن أيها النجباء بأنني أملك موهبة فذة ،في تعقيد الأمر البسيطة لدرجة التعجيز ! وأنني أمارس مهنة غير عادلة ، مهنة الزعزعة الفكرية للثوابت والكوابح العقلية ، لدى كل منكم ! وأيضاً أملك مهارات أخرى غير محبذة لدى من يريد فهم ما أقول ، وهي مهارة الشطحات الخارجة عن السياق . وعن نوعية السياق فحين أكون داباً في أروقة الحس والحدس دبَّ الدببة ، ترونني وبسرعة البرق أثب إلى ركائز وعلائق المنطق ، فتضيع لحانا بين حانا ومانا .. كما يحدثنا به التراث ! ولكن لا بأس بهذه النطنطة ، طالما لا تفك اخمصي ولا تكسر عقبي ! وهذا بالطبع يسركم في أن أبقى سليماً معافى ؛ ريثما تحن علي ذاكرتي فأحدثكم بالسبب الذي عدت من أجله إليكم دون أن أغادر ! عموماً يحدث لي هذا الأمر لسببين . الأول لأنني غير متأكد من صحة ما يأتي به لساني .... والسبب الثاني لأنني صيغة من الصيغة الإنسانية المتوفرة بكثرة على وجه البسيطة ، التي تعيش في دوامة من الخلط بين الحدس والفكر ! في دوامة الثنائية المتسالمة : ما نفكر به نحسه ! ويذكرني هذا بفيلم أجنبي كنت قد رأيته منذ زمن ، يقول به بطل الفيلم لمنافسه : عقلي يأمرني بأن أحترمك ، وحسي يأمرني بأن أقتلك !!!
وإن نستنتج شيئا من هذا القول ، فإنما نستنتج بأن الحس منفصل ومستقل عن الفكر ، وإن ما بينهما علاقة متبادلة فقط... فقد يدفع الحس الفكر ليفكر ويخطط ....وقد يدفع الفكر الحس ليحس وهذه العلاقة المتبادلة هي التي توحد بين الفكر والحس ! ولكن قد يحس الحس بالمحسوسات دون تدخل العقل .... وقد يعقل العقل دون حقائق الإحساس بها !!! ولكن تبقى الحقيقة خالدة ؛ بأن هدف الإجتهاد العقلي هو ترضية الإحساس الإنساني وتوفير السعادة له حتى القناعة ....
والقناعة هي مصادقة احساسية مدعومة بمساندة عقلية !!!
هكذا تبدو الأمور في مظهرها ! وقد تكون صحيحة طالما هي في إطار – الما هو الآن عيناً – هذا لو استعملنا اللغة الفلسفية ، ولكن – الما هو الآن عيناً – قد يكون ما ليس هو مستقبلا ً ، أو أن يكون – ما هو الآن وماضياً و مستقبلا – مجمل ما هو !!
أرأيتم كم أنا جيد في التعقيد !لقد فصلت الإنسان إلى نصفين : الأول إحساس . والثاني فكر ... ولو أضفنا ثنائية ديكارت لأضفنا الروح فيصبح الإنسان ثالوثاً !! فهل يبدو هذا الكلام معقولا ً ؟
هل حقاً الإنسان مركب من ثلاث قطع كالليغو؟ أم قطعتين ؟ أم أنه وحدة موحدة ؟
وسأجيبكم ، بعد سماحكم الأدبي برأي مغاير عمّا قد تفكرون به ، فيما لو فكرتم !!
لقد سبق وقلت لكم بأن الإنسان يسعى إلى الكمال بدافع فطرته الكونية التي تحثه تطوراً أن يرتقي بشوق حدسي إلى كمال الله !! ولكي يفعل ، فلقد منحته الطبيعة من ذاتها أدوات يستطيع بواسطتها أن يمر كل المراحل النشوئية ليصل الى حالة التجوهر وهي الحالة التي يتوحد بها الحس المنطق ويتحول الإدراك العقلي إلى إدراك حسي والوعي الحسي إلى إدراك عقلي دون اللجوء إلى التحليل والقوانين العملية .. أنها مرحلة ما بعد – عالم الصنعة – الذي هو عالم السببية .... إنها مرحلة لا يستطيع الإنسان ان يحس بشيء لا يدركه ... ولا يستطيع أن يعقل شيئاً لا يحسه ...إنها نفس الحدود بين ثنائية الروح والجسد إنها مرحلة الميثادية (المثالية المادية – استحداث ) الوحدة الكاملة في جوهر واحد قابل لاستيعاب كل جزء من أجزاء الكون ... وقابل أن ينقل فكراً وحدساً كل شيء من العقل إلى عقل إلى حيٍّ وإلى جماد .... أنه الوصول المطلق والتواصل المطلق مع أجزاء الكون !!!
إنها العودة الكبرى للجوهر الأول !!!
إنها نوع من لمِّ الشمل !!!
فتخيلوا أيها النجباء... تخيلوا ...
هناك .. وفقط ينبسط النعيم الإنساني والنعيم الكوني !!! والرحلة إلى هناك مرهونة بالتطور والعمل بالمباديء الأولى لصيرورة الكون : قانون الحب ، الحرية ، السلام ورفض الشر ... والسعي المطلق لتجويد الحياة وصيانة الطبيعة !!
هذا هو أيها الأخوة .... هذا هو سبب عودتي !
كي أخطب بكم هذه الخطبة التلقائية ، على مدارج الإدراك الفلسفي ، والرقص على قمتها !!!
** طبعت المادة : اريج معين حاطوم
خطبة فلسفية
بقلم : معين محمد حاطوم - دالية الكرمل - حيفا
السلام عليكم!
عدت إليكم....
ليس لأن أحدا منكم ينتظرني ....
وليس لأن أحداً منكم قد أشتاق إلي وتمنى أن أعود إليه. فأنا أحد لا يشتاق إليه أحد...!
ولا يشعر بغيابه أحد ...!
كل ما أذكره من هذه الحالة الشاذة، هو أنني استيقظت مبكرا على غير عادة ... فوجدت نفسي عائدا إليكم وفي نفسي شوق عظيم كي أعود... صحيح أنني كنت بينكم، صحيح أنكم كنتم تمرون من أمامي وأمر من أمامكم ، تلوّحون لي بأياديكم لخفتها ، وأهز لكم برأسي لخفته فتمطروني " بضحككات" لا يعرف أحد كنهها حتى أنتم ..!
حقيقة ،لماذا تتضحككون حين ترونني ؟
لا بأس إن لم تسمعوا بمثل هذه الكلمة ... فالتضحكك ، وهي من اختراعي . هي حالة اللاإكتراث المُعبر عنها بضحكة صفراء مصحوبة بنقيق كنقيق الضفدع ! . أعرف بأنكم لستم ضفادع لكونكم تتضحككون ... هذا واضح من مشيتكم ... فأنتم لا تتواثبون ولا تقفزون من حجر إلى حجر ، ومن ثم إلى ترع الماء أو البرْكة .... وأعرف أيضا أن لونكم ليس أخضر مبرقعا ، وأعرف أنكم لا تعرفون السباحة وأنكم تكرهون الماء !! من هنا استنتج بأنكم لستم ضفادع ومن ثم ، ما الشيء إن لم يكن بشكله ؟؟
تخيلوا أن نعثر في أحد الأيام على حمار يتكلم ، يفكر ، ويذهب إلى أفخر المطاعم ليأكل الكباب والمحاشي والسلطات ولا يقبل إلا بعقبى الكنافة أو الكعك الشرقي والغربي !
فهل كان سيرضيكم مثل هذا المشهد؟ أو لعلكم إن كنتم تهبونني من كرمكم بعض الوقت فتتخيلوا مشهدا لإنسان ينهق ويأكل البرسيم ويسير كالقردة على أربع .... فماذا كنتم ستقولون أزاء هذه الحالة ؛ صارمة التناقض !
أما كنتم تقولون أن الشكل يتناقص مع الماهية ؟
أو ترى كنتم تقلون .. لم يخلق الحمار على شاكلته عبثا ولم يخلق الإنسان على شاكلته صدفة ...
ولم يتراءى الكون بما فيه كما يتراءى اعتباطا وقسر !
طبعا ، وبفضل نباهتكم المطلية برب الذكاء والفطنة ، ستخلصون إلى نتيجة ، لم أرغب أبدا بأن تستخلصوها من هرجي ، وهي أن لكل شيء في الوجود هدفاً وغاية! وهذا بالذات ليس بالاستنتاج الذي رغبت بأن تستنتجوه ، وإنما قصدت أن كل شيء في الوجود وجد شكله ..... ! أو خلق شكله !! .
المعذرة ! ما عرفت قط ، بأن عودتي إليكم ستجرني وتجركم إلى هذا المسلك الشائك! إنها مجرد صدفة تلقائية خرجت تداعيا من الحالة البائسة المصابة بها ذاكرتي ، والسطحية المهيمنة على وجودي ! لأنني قصدت أن أفول شيئا بسيطا للغاية .. وهو, يتعذر عليك أن تكون موجودا فعلا في الزمكان اللذين أنت بهما موجود حقا !
وهذا يذكرني برجل عظيم الشاربين ... ولكنه يخش من ظله إن مالت الشمس فوق رأسه ... أو كذاك الذي يقفز إلى أول طاولة صارخا فزعا إن مرت فأرة من أمامه فأحدث هذا ألامر عطباً في التصور العام للرجولة, وتشوهت اعتباراتها المظهرية المتعارف عليها, واعتبر الشارب منذها مجرد شعيرات غير حليقة تعتلي الشفة وتبص الى داخل المنخرين , وقيل بأن هذا الاكتشاف أصاب رجالنا في الشرق بذعر, فدبت الفوضى في تقاليدنا الرجولية, لدرجة انها توقفت عن دغدغة شفاه الحسان العطشى , وما عادت تلتف على بعضها البعض مهما نتأت عضلات من يفركها ويمسجها ! منذها وجيلنا المنفلت يشن حرب استنزاف ضد ثقافة " الشوْرَبة "
فاستصدرنا اليافطات التي تستنكر هذه الظاهرة المخزية مشيرين إلى هؤلاء الذين لم يربوا أولادهم بل شواربهم ليخيفوا بها أولادهم وبناتهم ... ولهؤلاء الذي استعملوا شنباتهم على مر التاريخ كحراب وصواريخ ضد الغزاة !! المعضلة في هذه الحالة أننا لم نعد نعرف الصالح من الطالح ولا المصبح من النابح وما عدنا نعرف الرجال من الخنث ...حتى مر في أحد الأيام رجل في حيينا الشرقي ... وكان يترنح كالثمل وقد أعتلى الغبار وجهه وشيب شعره وتبين فيما بعد بأن إحدى القصائد الوطنية قد انفجرت به ، فارتجفت جمجمته حتى تمخضت قولا :
لا تجد الرجولة شكلها إلا في النضال !!
وضحكنا منه حتى تفتقت أحجبتنا الحاجزة ..وصرخنا به حتى دوّى صوتنا في الشرق : - صه .. صه وإلا سلمناك إلى الشرطة الدولية ! .
المعذرة تزحلقت الكلمات على لساني عن غير قصد . فلا دخل لي بكل هذا . وأنا لا أعرف لماذا تفوهت بمثل التفاهة النيئة ؟ . الحقيقة أنا لا أعرف أي شيء عن العبوات الشعرية الوطنية الناسفة ولا أعرف عبواته غير الناسفة . ولا دخل لي البته بتفكك الكتلة الشرقية ولا دخل لي بتعاظم الكتلة الغربية ولا دخل لي بسقوط نظام صدام ، كما لم يكن لي دخل بدكتاريته . كل ما أعرفه فقط هو أن السلسلة المعدنية التي لفّت بها حبيبتي خاصرتها تفككت, لأن الصدأ اخترق وأكل أجزاءها .. فتفككت وسقطت عن خاصرتيها النحيفة ... النحيفة جدا ً وليكن معلوماً لكم ، أن حبيبتي لم تعتمد حمية ، ولم تبتعد عن الشحوم والمآكل الدسمة ... العكس، تمنت دائماً أن يرزقها ألله بشريحة شحماء (مليئة بالشحم " استحداث " )...وبكأس حليب طفت زبدته على سطحه ... ولكن هيهات فنعاج هذا الشرق لا تملك سوى عظامها وجلدها وحليبنا لا تسري عليه كيمياء وعوامل المخيض .
انسوا ما قلت فلم أ قصد قوله . إنها مجرد ثرثرة ، أجد نفسي أحياناً متمرغاً فيها ، كما تتمرغ الديكة في أديم القن ، ليس لأتها تحب إثارة الغبار كحافري حصان عربي أصيل ، وإنما لتَكُت عن ريشها القمل والصئبان كما تكت القدرُ فقاعات الماء من الغليان!.
قال جحفل لصديقه بلح :
- لم كل هذا الغليان ... لم كل هذا الغضب ... ؟
أأنت غبي إلى هذه الدرجة ؟ نحن العرب ملوك الأمم .. فلماذا تريدنا أن نصبح خداماً لهم ... ؟
لماذا تريدنا أ نجلس ونفكر لنخترع سيارة .. والأمريكان والإنجليز والفرنسيون يجتهدون في اخترع السيارات لنا !!؟
لماذا تريدنا أن نخترع الطائرات والقطارات والبارجات والسفن , الدبابات , المدافع والصواريخ والتلفزيونات وغيرها وغيرها ؟ وقد سخّر الله الأمم لنا لتخدمنا وتقدم لنا كل ما يلزم راحتنا وأمننا ..! إننا ملوك ..! هكذا خلقنا الله ، وهم الخدم ... هكذا خلقهم الله !!
فقال بلح : دعك من هذا الكلام الفارغ ... إنهم لا يخدموننا ولا يقدمون لنا الهدايا.. وإنما يمتصون اموالنا وتعب أمتنا !
فقال جحفل ضاحكاً :
- كلام فارغ ..يسخرهم الله ليخدمونا من جهة ويفجر لنا ينابيع النفط كي ندفع لهم من جهة ثانية ... ونحن مرتاحون لا حقل نحرثه ولا حرش نحتطبها ... ولا صخور نكسرها ... هذه هي الحقيقة ... نحن نعيش كالملوك لأننا ملوك .
فقال بلح ساخطاً :
نحن ملوك مسخرة ... وما تقوله هو الوصفة التي ستحول أجيالنا إلى عبيد دون ملوك تخدمها !! آسف ، لا أعرف لماذا حدثتكم بهذا الحوار الأبله ...فلم أقصد من ورائه شيئاً ذا معنى أو أهمية ... إنها عقدة أعاني منها منذ ولدت ... فأنا لا أقصد ما أقول حين أقول ما أقول .
يحدث لي هذا كثيراً ...فمرة أردت أن أمتدح قوة رجل " معضال " كبير الحجم عريض المنكبين ضخم الراحتين ضامر البطن ، فكأنه تمثال من البرونزة ، فقلت له مادحاً عن حسن نية :
- أنت قوي كالبغل ...!
فما كان منه ألا أن امسكني من تلابيبي وطوّح بي في الهواء ومن ثم تحول إلى بغل ..فركلني ركلة عظيمة أطاحت بي إلى الأرض بعد أن طيرني كطابة مطاطية فقدت ليونتها البلاستيكية فهوت على الأرض تتقلب بثقل كمن ألم به مغص قتال !
فهل يعقل أن يحدث مثل هذا الأمر لعاقل مثلي ...؟
وهل يعقل أن يحدث هذا ألأمر لبغل مثله ؟ المهم الآن من هرجي ... بأنني أحاول أن أرسو وإياكم على مبدأ أستطيع بواسطته أن أفلح بإقناعكم بأن لعودتي أهمية معينة ، رغم أنني لا أنجح مؤقتاً بتعريف هذه الأهمية ، ولكن وريثما استجمع فطنتي، اسمحوا لي أن أذكركم بأنني كنت قد قلت سابقاً وبطريق الصدفة ما معناه: أن الماهية تتحقق بالشكل ... أي بكلام آخر ، إن الشكل هو الصيغة النهائية للماهية ، وتبدو لي هذه الفكرة غير الناضجة ، فكرة واعدة ، من جهة ومن جهة ثانية فكرة خطرة ، قد تنسف صروحا وبنىً فكرية فلسفية عديدة كانت قد فصلت وفرقت بين الشكل والماهية . واضح لي من سيماء وجوهكم أيها النجباء ، بأنكم تتذمرون من هذا المنحى الغريب العجيب الذي توجهت إليه ، ولا بد أنكم قائلون: ألمَّ شيء مريب بهذا المسكين العائد دون أن يكون قد غادر ... ولكن مهلاً علي ... ولا تغضبوا فلقد حذرتكم من شطحاتي غير المخطط لها .. وغير المدروسة، بل قل التلقائية ...ولا بد لي قبل أن أعود لأخبركم عن أهمية عودتي أن أحدثكم ما حدث، والحقيقة فأنا لا أعرف بشكل دقيق ما حدث، كنت فقط جالساً على الشاطئ ، هنا، لا أذكر أسم هذا الشاطيء ... ولا أعرف من سماه بذلك الاسم الذي لا أذكر.
كان الظلام متهاونا، بل لعله كان متعاوناً مع ضوء القمر الخلاب الذي طرح صفحة الماء ورمل الشاطيء طرحة ضوء، كان من المكان، أن تتمناها كل عروس، لتكلل بها رأسها المطأطيء تحت عتبة الزواج، فترى من خلالها ما يخبئه لها الآتي من فرح ونكد.
كنت وحداً .
إنها عادة لا أفلح بأن أتخلص منها .... فكلما أردت أن أرى الناس كما يبدون حقاً، وكلما أردت أن أتقبل الهمجية اليومية والروتين المتراخي مللا، أبحث عن جُحر في هذا الشرق، ألجأ إليه، وبكل بساطة، وبكل عجب أجد نفسي هناك، تنتظرني، كعشيقة أوقدها الشوق فاشتعلت حناناً ورغبة ... فهربت من محدودية الزمان والمكان ودكتاتورية الظروف المسيطرة، وهربت منهم إلي .
كنت وحيداً، وهذا حسن !
كان الشاطيء فاغراً فاه كفم مسن فقد بعضاً من أسنانه، وكانت الموجات الهادئة تطرق شفتي الشاطيء فتعود مزبدة كقطة أصابها السعر .
عادة، أنا لا افهم الأمواج، ولا أ فهم عقدتها السيزيفية، ومثابرتها العبثية . وهذا ليس بغريب، فأكثر ما أعرفه عن نفسي هو عجزي الدائم عن الفهم ... وخاصة السريع منه، الذي يتطلب الذكاء والفراسة وقوة الملاحظة. وهذه الصفات كما تكشفها لكم نباهتكُم، هي صفات شرقية ولكن، الشيخوخة المبكرة التي أصابتها، وأصابتنا، قرضت، بل أبادت هذه الصفات الحميدة، وبتنا وأنا أ قصد نفسي أولا، نجر وعينا جر الحمار للمحراث ! .
ليكن معلوماً لديكم أنه في قديم الزمان، كان شيء يُسمى محراثاً يحرثون به الأرضِ كي يتغلغل إلى خلاياها ضوء الشمس ونقاء الهواء . هذا، كان منذ أجل بعيد . ويعتبر اليوم من الآليات البدائية التي تخجل بها الشعوب، وخاصة المصنعة والشعوب المصطنعة من استعماله ! ولقد علمت من أحدهم، لا أذكر اسمه بأن الحضارة النابعة والمكتسبة أبدت اشمئزازا من هذه السكك الحادة التي تخترق صدر التراب المسكين الذي لا يستطيع أن يعبر عن ألمه من هذا العذاب الأبدي...
لكي لا أشذ عن الموضوع الذي رغبت أن أتحدث فيه، فلا بد أن أعود إلى نقطة البداية .
كنت وحيداً ... وكان البحر يتجشاُ والموج يتمطى والشاطيء يشخر ... أو لعله يتدغدغ . لا أعرف، كل ما أعرفه بأنني كنت وحيداً أبحث عن موضوع أتحدث فيه كي لا أشذ عنه . وهذه الحالة، كما ترون، هي حالة من السخرية التي لا ترحم ولا تتهاون وتتعاون مع الإنسان، كالظلام الذي تعاون وتهاون مع الشاطيء كي ترى المويجات شفتيه لتقبلها، أ و ترويها بما يتحلب منها من زبد!
لا أعرف، وأراهنكم، أن أحداً لا يعرف ما يقصد البحر، وما ترمي إليه المويجات من هذا البله المتواصل المسمى مداً وجزراً ، هادئاً ومائجاً
ولا أحد يعرف، من هو المستمتع من هذه الميكانيكية الفعالة بإستمرارها الجميل .
لعلها عبثية بأن يكون الشيء موجوداً متحركاً دون طائل ؟ ولكن هل يمكن لشيء أن يكون دون سبب ودون غاية إلى مثل هذه الدرجة من الغباء ؟
لا أعرف، كل ما أعرفه أنه في أحد الأيام شاهدت رجلا يركض ... وفهمت من ركضه المتزاوي، المتقدم والمتراجع بأنه لا يعرف إلى أي إتجاه يركض، وعرفت بأنه لا يقوم بذلك من منطلق التدريب الرياضي .... كما أنني لم أشاهد أحداً يطارده ولم أشاهد أحداً يلحق به، وخرجت بنتيجة واحدة، وهي أن هذا المسكين فقد عقله وتدمر اتزانه ... فهل يمكن، ولو من باب الفرض، أن تكون الطبيعة كحال هذا الرجال : مجنونة ؟ أم تُرى، حكمة الكون المطلقة تبدو قريبة من الجنون لذوي الذكاء المتوسط والفراسة الناعسة مثلي ؟ لا أعرف !.
الأمر الذي يتبدى لي، والذي أرى به حكماً صحيحاً لهذه الظاهرة الموجية، هي أنه لا يعقل أنها مجرد اندفاعات تلقائية، لا تمل من أندفاعها لا أذا كانت كعجلة صغيرة تدير عجلة أكبر في هذا الكون الكبير ! وإلا، فما هي الفائدة في أن يكون للبحر أمواج متلاطمة وهائجة ورقيقة وناعمة أو غير ذلك من الأوصاف، كمتهادية ومتراقصة، ومتعالية وواثبة وصاهلة وخائضة؟
أهل هي عاشقة هائمة على وجهها تبحث عن حبيب أسطوري تسند إليه رأسها ؟ أم ترى تفعل ما تفعل بغية مغازلة "بوسيدون " إله البحر ؟
لا أحد يعرف! وخاصة الناس أمثالي،الذين لا يتمتعون بمخزون كاف من الذكاء المعرف، ويتكلون فقط ، على ما يتبدى لهم مباشرة من الظاهرة، الظاهرة لهم بطهرها شوائبها .
أجل الظاهرة، أي ما يظهر لك قبالة الوعي ! وهنا الطامة الكبرى التي تواجه من يريد أن يخترق المتعارف عليه في فهم ما يرى !
فكيف لنا أن نعرف إن الذي نراه هو نفس ما نرى ؟
لعل المرحلة التي تمر بها هذه الظاهرة من كونها ما هي عليه إلى أن تُلتقط ببؤبؤ العين، يحل عليها تغيير شكلي ! من يدري ؟
المعذرة، لقد شبكتكم وشبكت نفسي بمتاهة لا أعرف كيف الخروج منها . ولكن لا بأس، فقد يأتينا الفرج في هذه الليلة القمراء على أحد الشواطيء الشرقية اذا ركزنا اكثر بقليل وبدأنا نميز بين الأسم والمسمى , فليس بالضرورة أن يكون الرجل المسمى " صادق" صادقاً حقاً، وليس بالضرورة، الرجل المسمى "أسد" قوياً حقاً كالأسد، كذا النمر وكذا الغزال.وهذه دلالة أكيدة على الفصل المطلق بين الإسم والمسمى ! والسبب الوضح لهذه الحالة هو أن الأسم من إختراع الوعي ألإنساني أما المسمى فهو من ابداع الرب ! كهذا الشاطيء البديع، القابع هنا أمامي بمائه وموجه، وهدأته التي تمتطيها فرسان الروح، الغائرة على ثكنة الوحدة .
هذا المشهد الخلاب يبعد عن ذاكراتي وأنامل وعيي مماسك الموضوع الذي نويت التحدث فيه ...والحقيقية، فهذا الموضوع الذي ما زال غائباً عني أعانيه أكثر بكثير مما أعيه . وهذه مشكلة تتطلب مني تقنية عالية المستوى في فض غيب النفس أو بقر بطون التصورات الضاربة في عمق المهجة. فالإنسان يقف قبالة الوجود ! جزءاً منه، ولكنه جزء فضولي إلى أقصى الدرجات.. جزء من هذا الكون يبغي بكل سذاجة، أن يستوعب ويتعقل الكلية الكونية الطافحة بإستحالات لا تدرك.. وحقائق لا تُعقل.
استميحكم عذراً، لقد أوغلت بما لا يعنيكم، وأخرجتكم من نعيم المساء البحر الذي انتقته وحدتي كوسيلة بها أجد نفسي .. وأجد بعض ما تتكرم به علي ذاكراتي الحبلى بما مر من لذيذ العمر وأليمه ... وكان الأجدى بي أن أحدثكم عن مويجات البحر التي تبدو كعبران ترعى صفحته ..وهي تدنو مني فتلامس قدمي المنغمستين في الماء، ثم تدبر راجعة وقد خلفت وراءها رغوة سرعان ما تتلاش وتتناثر على وجه البحر. فلكل شيء في الوجود مداه الزمني ...
ألا يبدو هذا غريباً ..فالخلود هو عملياً مجموعة غير متناهية من العمليات الوجودية المتناهية بواسطة مداها الزمني !! فكأن الخلود يحمل في جوفه نقيضه ! .
المعضلة، بدأ فكري الآن يتصوب كبندقية صيد نحو أفكار، قد تبدو في غاية الغرابة، والغموض . فكيف لي أن أصل إلى أفكار تضع حجر الأساس لمنظومة فكرية أستطيع بواسطتها أن أتفهم قليلا ً من البنية الكونية، على ما بها من تعقيد وسحر مدهش. أجل، عقلي يسوقني رغماً عني إلى الخوض في مجاهل قد لا يحبها أحد... ولكن لا بأس فأنا هنا لوحدي، ولن أثقل على أحد، ولن يثقل أحد علي نزوعي إلى هذا التطفل الفكري.
السؤال الذي أطرحه على نفسي هو كيف لي أن أجد نقطة ثابتة أنطلق منها،؟ أو ،أين هي نقطة " أرخميدس " التي بواسطتها أستطيع أن أحرك غموض العالم المتمرد على فهمي اليقيني؟
ومن ثم لماذا لا أضع كل الموروث من الأفكار والمتعارف عليه جانباً، وأبدأ بدافع دهشتي الفطرية التي تتأزم وتتعاظم أمام هيبة الوحدة وروعة الشاطيء ورهبة البحر؟
ألم يتعب الفكر البشري من درس سنابل الفكر وقمحة، والتي لم تسفر حتى الآن عن خبز يشبع كل الأذواق والمفاهيم ؟
لا أدري، لكن الجو البحري هذا، الذي تهمس به مويجاته الفتية، تدفع بي إلى خوض هذه المغامره في المجهول الفكري ...وأن قتامة الإفق توحي بأن هناك.. هناك في خبايا العقل قناديل ستضيئه ....!
فلأتنفس الصعداء .... ولأعب من هذا المساء نبيذ الفكر والروح ولأتسلى على عقباه بالسهر .... فما يميزنا في وجودنا هو انقيادنا نحو متعة الروح .... وتفنيد العقل لكل ما يتراءى لنا من بهجة في الحالة، ورونق في الوضع.
أنا الآن لوحدي، ولا باس بذلك .... حيث أنها الحالة الوحيدة التي ألجأ بها إلى محاولاتي المتتالية، للصعود من قاع الروح وهدأة الإحساس إلى مراقي العقل.. العقل الذي يحكمنا بقوانينه....فلا نستطيع ان نتجاوزها،لأننا بذلك، نغوص في غموض لا نعرف أصله ولا شكله، ولا يمكن أبداً أن يُروًِِِِّض بفكر أو حدس، إذن، لا بد أن أتقيد بقوانين العقل، ولكي أفعل، علي أن أتحاشى التناقض والإلتباس والوهم والحكم الكاذب الذي لا يستند على تطابق الفكرة مع الموضوع، رغم صعوبة البت في هذا التطابق. عليّ ان أتيقن بأن الشيء هوهو وليس غيره... وأن لا تناقض بين أجزائه مع إمكانية الحكم بنعم أو بلا بشكل واضح ويقيني.
المهمة صعبة جداً.. خاصة لمن هم من أمثالي، لا يعرفون من أين يبدأون وإلى ماذا يهدفون... كلما ما أعرفه... هو أنني أعرف معالم حيرتي وقسوة دهشتي الملحاحة وتصوب فكري نحو استجلاء الحقائق.... ولكن المشكلة كما ذكرت هي نقطة أرخميدس أو نقطة البداية... ولا أجد في حفيظتي مبدأًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًً أو بديهة أو نظرية أعتمد عليها في ما أنوي بناءه حول هذا العالم أو الكون، لذا فمن المستحسن استكشاف الصفات والميزات الثابتة التي يتصف بها هذا الكون، ويقين صلته مع الأنا الناظر، أو الأنا الواعي لفعل وعيه .
هل فهمتم شيئاً مما أقول؟ أنا لا ألومكم البتة إن لم تفهموا، فأنا نفسي، أكاد لا أفهم يقيناً هذا الذي وثب من بين تلافيف دماغي...فتناسوا ما قلت فلم أقصد قوله والحقيقة،ما كان يجب علي قوله، هو أن أشرح لكم سبب عودتي إليكم وتطفلي على نباهتكم . ولأكن صريحاً معكم – دون أن أهين ذكاءكم واستعدادكم لكي تفهموا – قصدت بهذه الشطحة الفلسفية الا تفهموا،لأنكم إذا فهمتم، بَخُست أهمية محاولتي بأن أشرح وأسهب في الحديث عن هذا السبب الذي جعلني أعتقد بأني أعود إليكم دون أن أغدركم..!
أن المشكل الأساسية التي أعاني منها، والتي تزعجني الآن في خضم تفكيري بإقناعكم بوجاهة ما قلته، هو البغل..! أجل،البغل يزعجني... فلماذا لا يستطيع التوالد؟
سألت مرة جدي عن سبب عقر البغال... ولقد كان جدي - كما تعلمون- ذكياً جداً، يعرف تقريباً كل شيء لا أعرفه أنا. قال: لا يولِد لأنه أين الخطيئة... والخطيئة لا تحل عليها قوانين الطبيعة... لذلك ستبقى أبداً ناتجة عن ... لا نابعة من !
صدق جدي.البغل هو نوع من الإلتباس، من الخطأ الفاضح الذي لا يزيد لنفسه أن يتكرر ... أنه العطل الطبيعي الذي تأبى أن تمنحه الطبيعة حق التسلسل والتوالد.... إنه شكل نأت عنه ماهيتُهُ... وعاء لم تستطيع الماهية أن تتحق فيه !!
تخيلوا لو أن ألبغال تفهم ما تقول وتعرف ما نشيع عنها من بذيء الكلام !! فماذا كانت ستشعر حينها ؟ لعلها كانت تلجأ إلى الأمم المتحدة مقدمة التماساً ضد الإنسانية التي تهين بغليتها ... أو لعلها توفد قنصلا ًسرياً إلى أحد الدول العظمى لتستدرج جيشه الجرار ليحتل العواصم الإنسانية مقابل حقوق أبدية على كل النفط الذي يمكن استخراجه من برازها !
أما علمتم بأنه بمكن استخراج النفط من البراز والروث والغائط ؟
ألا ترون أنه من الحكمة أن نغير انطباعنا السيئ عن البراز والروث والغائط وما تبقى من هذه الفصيلة التي نسميها وسخا وزبالة ؟ فتخيلوا بأننا إن سمدنا الورد بالروث زادت نظارته وراج فوحه... وازداد اخضرار أوراقه !
ويصح به ما قيل في الماء، فحيث يوجد الحياة...
وحيث يوجد توجد الأحياء !
ولكن ....
يبقى الروث روثاً....
ويبقى الورد ورداً .... !
ونبقى نحن على ما نحن عليه !
وما نحن عليه الآن.. أيها الأخوة، هو أنني أحاول يائساً جذب انتباهكم ودغدغة أذهانكم، كي تصبروا لتقتنعوا بأنني عدت إليكم لحاجة ملحة في نفسي أفردها تحت مجاهر عقولكم كي تستبينوا ما كان خافياً عليكم... المشكلة الوحيدة التي تعترض سبيلي هي أنني لم أتوصل بعد إلى هذا الشيء الغريب العجيب والمشرق الذي قد يأسر عقيلتكم ويمتع ألبابكم.
ولكن ريثما أوفق بالعثور على هذا الشيء،اسمحوا لي مؤقتاً أن أحدثكم عن صديقي الصيدلي.. وهو رجل دمث الأخلاق، صبور ومتأن، رحب الصدر، كريم ومتسامح فكلما أتاه مريض بطلب الدواء طببه نفسياً برونق كلامه ودعائه له بالشفاء العاجل وعدم احتياجه إلى الأدوية مطلقاً !
فقلت له: تخيل لو أن الله عز وجل يستمع إلى دعاتك. ، فيشفي الناس من أمراضها ولا يحتاجون إلى الأدوية والصيدليات، فماذا كنت ستفعل... ؟
فقال وقد أحمرت وجنتاه: مشكلة... فقد أبخل بالدعاء لأن دعائي يناقض حلمي بالنجاح....هذا لا يعقل أن تسبب تمنياتي بالخير للآخرين عائقاً وسبباً يبعد الخير عني....هذا لا يعقل ! وأيضاً لا يعقل البتة الا أتمنى الخير للآخرين .... فأنا أحيا نقيض ما أحياه وأتمناه !!!
فقلت له: أرأيت... لأنك بعيد عن الروح... ولأنك تثمن كل شيء على أن يكون ماديا ملموساً...وجدت نفسك في مأزق فكونك لن تبيع الدواء الذي يشفي...
معناه أنك ستعلن إفلاسك.. ولكي لا تعلن إفلاسك تضطر قسراً الا تتمنى الشفاء للآخرين.. أهل هذا صحيح ؟
فماس برأسه أيجاباً ثم استطرد سائلا ً: وماذا كنت ستفعل أيها الشطار ؟
فقلت له مازحاً : لو كان الله يستمع إلى دعائي بإشفاء الناس لبدأت ببيع الدعاءات... إنها أهون وأربح !
فقال لي: اطمئن... الدعاءات باللغة العربية لا تُلبى
ولهذا يا صديقي فسيبقى المرض مرضا... وستبقى الأدوية أدوية.. وسأظل أتمنى الشفاء لهم !! هذا هو حالنا.
صحيح، هذا هو حالنا، وهذا هو حالي.... حالة متواصلة من التناقضات، لهذا فكثير ما أعجز من الوصول إلى قرار يحميني من جحيم الحيرة والبلبال ويمنحني نعمة الإتجاه الواحد... نعمة اليقين حتى ولو كنت على خطأ !! وعموماً، فأنا معتاد على مثل هذا الحال من التردد والتأرجح واستخدام حق الفيتو بالتملص من إدانة هذا السلوك اللامجدي أبداً في إخراجي من ورطاتي المتأصلة في نهج حياتي .
فماذا أفعل، وقد ابتليت بعقل ملحاح مقياسه الوحيد الحقيقة غير المرغوب فيها... وحظ أعور يأبى ان يرى الا عيوبي ومزالقي ؟ فتخيلوا ان ما يشغل بالي الآن، هو ما قاله لي أحد الناس البسطاء... اسمه معين، قال: آمن بالله إن كنت عاقلا ً... وأن كنت جاهلا ًتعقل !!
وهذا الكلام الجميل ينفي بشكل من الأشكال دور العقل الذي لم يفلح بأن يتخلص من قوانينه... والتي تتلخص في كونه لا يعقل الا ما يخضع لقوانينه.... أجل العقل البشري هو مجرد دكتاتور ينفي كل من لا يقع تحت سيطرته وسلطته... إنه الحاسوب في الجسد البشري ... الذي يتغذى من معلومات سببية... أجل وجدت الكلمة السببية ... فهولا يستطيع أن يفهم شيئاً غير سببي ! على كل شيء أن يتمرحل في عالمه كي يستوعبه في عالمه الإستنتاجي . ولكن، يُخيل لنا أحياناً بأننا نعاني الشيء دون أن نعيه.. نُحسه دون أن نفهمه ونفضح كنهه... وهذا جيد، بل قل، أحسن ما في العقل... وهو أنه يستوعب عدم الوضوح أيضاً...يستوعب ما لا يُفهم.. ولا علم لنا فيما إذا كان يرده إلى الإحساس كي يخلق انطباعاً ذاكرياً، ليتمسك به ريثما يغور إلى تفاصيله. المهم. أنه يملك قدرة الترصد والإحتفاظ بما لا يفهم !! ويملك قدرة التعايش مع لا يفهم.. له القدرة على الصبر والتأني حتى يفهم ! فالعقل البشري مبني على النقائض فهو لا يفهم...وعدم الفهم أحياناً سبب لفهمه... إلا لكان الإنسان مجرد حاسوب مجمل ظاهره كظاهرة بادية، هو بما يملك من معلمات سببية. ولكن من أبدعه، لم يشأ كما يبدو، بأن يجعل لميكانيكيته وجبريته الآلية سلطاناً ونفوذاً مطلقاً على الجسد البشري.... بل جعل له النفس والغرائز والإحساس والحواس معيناً يتغذى منه ويرتوي.... وينهل عينات فكره ونظامه المنطقي. ولهذا فهو يفكر تفكيراً تقربيباً ، ويفكر تفكيراً دقيقاً، ويفكر تفكيراً صورياً ، وتفكيراً تراكمياً وتشبيهياً ورمزياً وغيبياً وشاعرياً . شيء من كل شيء، فهو يلائم ويشابه ويطبق، ويتفق وينفي عن وعي وعن غير وعي.... فهل سمعتم عن حاسوب يستطيع العمل إن نقص من معطياته الملقمة له فرض واحد أو احتمال...؟
أكاد أشعر بالملل الذي أصابكم من هذا الشرح الذي هاجمت به صبركم ونباهتكم...وبالطبع أراكم تتساءلون ما لهذ ا وذاك، والحقيقة لا أستطيع الإجابة، فأنا نفسي، لا أعرف ما يحل بخيالي وما يحل بفكري الذي يشذ دائماً عن سياق ما أنا فيه من حديث.... هذه عادة... أصبحت في مصاف النمطية السلوكية والمنهجية في فكري... لربما نتجت هذه العادة عن كدس الأفكار والتراكمات والتلقيم المبالغ فيه لفكري بالكتب والمجلات والدراسات والتأملات والإصغاءات غير المحدودة للذي يحدث في هذا العالم الُمنطير، الضال، والذي بعكس ما تأمر به الهداية، يبحث عن ضلال أضل ليستظل بظلها !
هذا ما حدث دائماً، وهذا ما حدث لي في أحد الأيام، حين صفع هذا الضياع روح الأرض العظمى... كان ذلك حين صهل الشفق كحصان أصيل مغازلا ً الشمس المتسلله إلى خلف البحر الذي تكلل بظفائر شقراء... فأعتلاه المساء كفارس أسطوري، وراح يتسكع على أرصفة الإفق الكوني، لأهياً بمباهج الأحلام .... مودعأً بنغمة كئيبة .. حزينة، ألفين من الأعوام.... صاغياً منتظراً.. ساعة بعثٍ جديدة ...!
ولما انتصفت ساعة الأزمان العظيمة... وتأهب الكون لبداية ألف جديدة... أقبلت الريح ألعاتية، صاغرة.. صاغرة ...تعتمر رأفة الأمومة ولمسة الأنسام العليلة...مداعبة برقة حميمة مفاتن الأعشاب والأزهار والأغصان.... منتظرة
ساعة الولادة الجديدة !وشِِِقّت السماء أجفانها الذابلة كحلم عذراء لعوب، تستلقي على وسائد الرجولة..فتلألأت النجوم كدموع الفرح.. واسترسلت بضوء هامس تنير سحنة الأرض من ظلامها الدامس وتتهادى متراقصة خجولة... منتظرة لحظة اليقظة الكبيرة!!
وحين أشرقت اللحظات الأخيرة، العبور إلى منابع السكينة، تأججت والتهبت روح الكون الأبدية..وتعازمت إرداة الوجود وانبجست من مجاهل الغيب ضوءاً سحرياً،سرعان ما تكائف واستحال إلى جسد أنساني مستلق ٍ تحت أشجار الكرمل الظليلة متنعم بسبات عميق. ودنت منه الريح وراقصت شعره المرسل قائلة:
- أهلا ً..يا وليد الأسطورة الضائعة... قدمت إلينا من مجاهل الأزمان حاملا ً إلينا معالمها الخفية !!
ولامست أضواء القمر والنجوم سحنته البريئة وقالت:
- أهلا ًيا خبيئة الحقيقية.. يا كنزاً تكشف بريقه أمام حدقة الاخيلة الطليقة !!
وتململت روح الأرض الأزلية، وهمست في مسامع روحه الفتية :
أنهض يا رحيق المعرفة القدسية..انهض من بين ذراعي أحلامك المتهادية،على ضفاف شغفك الهائج، بمفاتن الحكمة ومسامي مباهجها الغيبية، أنهض وبشر الإنسان سيد الزمان بسر حكمتك العظيمة .
وتململ في هجعته،ثم فتح عينيه متثائباً، فتمطى حتى انتفخت أوداجه، وانتصب واقفاً ينظر إلى أطراف الغابة الخضراء ، وهمس في مسامع روحه :
أيتها الطبيعة...أيتها العروس المتجدده.... بثوبها الأخضر الفتان...الموشى بدرر الحياة...المحلى بإنفاس الأحياء المعطرة بأزهار الفل وشقائق النعمان.... ونسائم الصباح والغروب، المبلله برحيق الأقحوان وأنفاس الريحان !!
أيتها الطبيعة....الدائرة أبدأ، على محور البقاء، أدركت همسك ومكنون سرك....وأيقنت أن روحي العامرة بحقائق الصيرورة الأبدية....شرعت تتهادى على ضفاف العقل الهائجة صفحتُه فوق كنزه الدفين !
أيتها الطبيعة، أيتها الفاتنة المتجددة التي لا تسن ولا تشيب، ولا ترضخ لشيخوحة الفناء..
أيتها الأم التي لا يجف لها ثدي.... لا يمحل رحمها..... ولا يصاب سعيها بالشلل !!
إرفقي بروحي العطشى... إرفقي بمداركي الطموحة.... ومديني بقوت من الحقيقة....
فأنبثق صوت من المجهول ويقول:
إعلم يا سليل إرداتي إنك وروحي واحدة !
إعلم أن كل شيء تحقق في شكلٍ تلاءم وإرداته الجزئية
وأعلم أن من كل واحد في الكون، واحد فقط ....
وأن لا أرواح وإنما روح واحدة تربط الكون بالبقاء ...
أجل ... هذا ما حدث ... رغم أنه لم يحدث !!
أنه نوع من الحالة التي أصابتني أو جزء منها، فكما أنني لم أغادر ولذا فأنا عائد إليكم.. كذا الأمر هنا ... فهذا ما حدث رغم إنه لم يحدث... لأنه حلم ..... ولكن ورغم أنه حلم إلا أنه حقيقة... أجل حقيقة لا تستسيغها عقولنا ولا مداركنا بل تتراءى لحدسنا الفوقية... فكيف استميل نباهتكم لتصديق هذا الهوس الفجائي الذي ضرب عقيلتي فأدمى منطقها بهلوسات لا يتبناها عقل ولا يستضيفها فكر... فتخيلوا ما أحاول قوله: للكون روح واحدة تصول وتجول، تلامس بسحرها أجزاء الوجود فتدب بها الحياة، تلامس الجسد، فتستيقظ فيه الحياة وينمو الوعي، الإدراك والحس !!
لا توجد في الكون أرواح، لا بالجمع المؤنث ولا بالمذكر...توجد روح واحدة .. هذا ما أنبأني به الحلم ذاك.. الذي حلمته وأنا على شرفتي ارتشف من الغروب رحيق السماء.
تخيلوا ما أحاول سرده لكم من أننا جميعاً بنو البشر أخوة في الروح.... وأننا جميعاً أحياء الأرض، أخوة لإم واحدة، لها القدرة على خلق ما لا نهاية له من أشكال حياة ووعي !!
وليس هذا فحسب بل أني أحاول أن أقول بأن مصدر الكون الرحب هذا هو روح ووعي!!
فهل يفيدنا هذا القول بشيء نسد به رمقنا الحضاري والثقافي الإجتماعي؟
لا أعرف... وأراهن أنكم لا تعرفون أيضاً... لكن لا بأس في ذلك، فمصدر حضارة الإنسان ينبع من تجنيد كل معارفه من أجل ما لا يعرف.... كي يعرف في نهاية الأمر كم لا يعرف...وهذا ألامر العجيب الغريب، رغم تناقضه المفرط تعاكساً، يؤدي في نهاية المسلك إلى وضوح جزئي يمتع العقل والبصيرة...
فهل متعتم عقولكم ولو مرة واحدة ؟
أعرف...أعرف... لا تحبون أن يتدخل أحد بشؤون عقولكم... إنها مصانه بالذي فيها! والذي فيها لا يعرفه أحد... هذا حقكم .. وحقكم وقفٌ عليكم لا علي . !
ولا دخل لي بهذا كثيراً، فقد قال لي أحد الأصدقاء، بأن الشعوب العظيمة تخلق الأساطير لتمتع عقولها وتثيرها...
وكلما أصاب الخذلان شعب معين يعود إلى التمسك بإيمان العجائز وخرف المسنين! وهذه حقيقة نوعاً ما، فحين فقدنا الإحساس بأساطير ألف ليلة وليلة، وشعبيات: تغريبة بني هلال، فيروس شاه، عنترة العبسي، جحا ، أشعب وسيرة الأميرة ذات الهمة علي الزيبق المصري، علي بابا والأربعون حرامي وغيرها، فقدنا القدرة على خلق أساطير حديثة تدعم أحلام ثقافتنا وشعبنا....ولهذا لم يكن هاري بوتر وسبايدر مان (رجل العنكبوت )عربيين ولا شرقيين إنما إنجليزيين... ولم يكن سوبرمان وباتمان والمرأة الخارقة إلا أمريكيين، فهل أغضبكم تحرشي بعقولكم.... إذن إغضبوا فقد يفيدكم ويفيدني الغضب في أن نشرع في خلق أساطير نحقق بواسطتها أحلامنا !
حسناً أرى على سيمائكم اللاإكتراث بما أقول ... فاعذروني...كثيراً ما أقع في مثل هذه الأخطاء، فأجد نفسي أحدث الناس بأشياء لا تعنيهم وأشياء أخرى غير مفهومه، لأنهم لا يفهموها، وكثيراً ما أنال عقابي.. وكثيراً ما يكون العقاب مؤلماً ومحرجاً.
فقد شاءت الظروف أن أحضر حفلة زفاف كثر بها الهرج والرقص والغناء، فدب الطرب بعقولهم ونفوسهم وأقدامهم... وباتت الخمرة تزغرد من أفواههم وبطونهم وأطرافهم....وعلا الصراخ والتأوه حتى خيمت على الجو نشوة من طرب مخبولٍٍٍ ثملٍ... فملت على أحدهم، وكنت الصاحي الوحيد في الاحتفال وقلت له:
أتعرف بأن تطور الشعوب يقاس بالموسيقى الخالصة التي يؤلفها ملحنوها وليس بالأغاني الراقصة والإقاعية فقط!؟ فنظر إلى وقد أحمرت مقلتاه... وأنفجر ضاحاكاً..!
شعرت بالخجل فانطويت صامتاً أنظر إلية وهو يهتز في مقعده كحبيبات ماء في مقلاة ملتهبة... تتوائب وتتدحرج، تتفجر وتتبخر... والحقيقة فقد كانت رائحة عرقة كالبخراء تصفع مشامتي وتُغثي أمعائي.... وأصررت عليه بأن أسمع رأيه... فصرخ بي: فلتذهب موسيقاك إلى الجحيم... وليذهب الشعب الراقي الى المحرقة.. اغرب عن وجهي.. أنت مزعج جدًا ... ودفع بي فسقطت على الارض وقد شعرت بالم حاد في صدري من دفع يده الثقيلة، فانفجر الحاضرون ضحكًا على ما اصابني.
اعتدلت ونهضت بتثاقل وانا الوم نفسي قائلاً:
اللعنة.. ما لهذا الرجل السكران وعقدي الثقافيّةّ كان الاجدى بي ان اتركه رهينة طربه الساذج.....استحق هذه الإهانة... استحقها ّ
ترى هل سيحدث لي معكم ما حدث لي مع السكران.... خاصة وان ابلغتكم مسبقًا بانني سالح على عقولكم النجيبة والبابكم النبيهة ومدارككم العاقلة ان تواكب هرجي وسردي وخطابي علّ الله يفتح علي وعليكم بشيء حسن يستسيغه العقل والمنطق.
لا تتذمروا من هذه الصياغة، استطيع ان اصوغ كلامي من جديد بشكل افضل كي يعجبكم ويعجبني.... ولا تعجبوا ان قلت ان عمليات الصياغة من جديد، هي ليست عمليّة عقليّة ابتدعها العقل البشري... بل هي نهج سلوكي منّظم في المفاعل السلوكي الكوني العام...
أنه بوتقة صبت فيه روح الكون شوقها الأبدي إلى الكمال....
فتخيلوا لو لم تصغ الطبيعة نفسها من جديد في كل حقبة جيولوجية ، لكنا الآن وسط براكين تقذف الحمم والطمي في كل مكان، بل قلُ لبقينا كتلا ً من غازات الهيليوم المتناثر في فناء الكوني الفسيح.
أن يصوغ الشيء نفسه من جديد معناها القوة الدافعة للنشوء والإرتقاء والتطور... أن يرفض الشيء إنساناً كان أم موجود آخر، أن يبقى على ما هو عليه، معناها أنه يرفض التقوقع والتجمد والإندثار ... معناها السعي إلى ما هو أحسن وأنفع !
فما رأيكم فيما لو نحاول أن نُصيغ أنفسنا من جديد...ما رأيكم أن نطرح ماضينا وأفكارنا على مائدة التشريح فنجتث منها ما عطب وتآكل مبقين على ما صمد في امتحان الزمان فنفع وجودنا תمجتمعنا ؟
ما رأيكم ؟
أراكم الأن، رغم ضعف نظري، تتأففون من طلبي المافجيء هذا !! وإني متأكد بأنكم اعتقدتم إلى ما قبل حين بأنكم على ما يرام، وأنكم تتكرمون على شذوذي الفكري بإصغائكم الصبور، وها أنا أخترق خطوط دفاعكم ورزانتكم وأبلغكم بشكل غير مباشر: أن ما أنتم عليه..لربما.. لربما. وبكلام مؤدب، غير سوي !
لماذا حقاً تعتقدون بأنكم وصلتم إلى النضج والكمال وأنكم تجلسون في أماكنكم ومراكزكم تديرون الكون وتنظمون الفوضى التي أمثلها وكأنكم مدراء هذا الكون ومدراء النظم الإجتماعي والسياسة... وأنكم المرجعية العليا لكل شيء... رجاء، فكروا ولو لمرة واحدة بأنكم مخطئون !..
فكروا ولو مرة واحدة بأنكم لستم كاملين... وفكروا ولو لمرة واحدة بأنكم لا ولم تفكروا جيدا.
أنا مثلا ً، أفكر دائماً بأنني لا أفكر جيداً.... وعدم التفكير الجيد يجعلني أفكر بأنني لا أفكر صحيحاً، وأن جميع ما فكرت فيه ما هو إلا مجرد هراء وابتذال وثرثرة لقيطة، لا أب لها ولا أم ، ما هو إلا لغو وسفسطة واستعارات سوقية تصلح للتسلية واللهو وقتل الوقت دون رحمة . فلماذا لا تتسلحون مثلي بشجاعة أدبية فتعترفون بأنه آن الآوان لنضيع أنفسنا من جديد...لربما هذا سبب من الأسباب التي جعلتني أعود إليكم دون أن أغادر... لا أعرف، كل ما أعرفه بأن هذه الحالة التي أتخبط فيها الآن ليست حالة نزيهة ولا عادلة بحق وجدي الضائع وغيابي الحاضر على مسرح الحاضر غير الحاضر في اعتباراتي النفسية والفكرية. أنها حالة من اليأس الثقافي الذي يدفعني غالباً إلى التهور والإنزلاق والتدحرج إلى أوضاع محرجه تسبب الضرر، الألم والندم الملحاح.
إنه الحالة البائسة التي تصيبني الآن... فها أنا أهاجم هدأتكم وبر إصغائكم إلي، وأتهمكم بعدم الصلاحية الثقافية، الفكرية، الإجتماعية، السياسية والوجودية وغيرها من الترويسات الدالة على مركزة الفهم للقطاعات التي يتكون منها الوجود الإنساني !
ومع كل هذا وباعتراف مني.. فغالباً ما أكتشف بأنني لا أفكر جيداً... ولهذا فغالباً ما أكون عرضة للخطأ.. وخاصة الفادح منه !
فاعذروني على فداحة أخطائي.. وأنسوا ما سمعتموه للتو مني... فلم أقصد إهانة أحد... ولم أقصد تهميش أي منكم ....لانية ولا علانية !
كل ما في الأمر، أن الحيرة تفترسني وكأنها لبؤة شرسة تنقض علي وكأنني نعجة عرجاء فاتها قطيعها... ورغم هذا، فما زال فيَّ شوق عظيم لأرجح رجاحتكم لصالح محاولتي بجذب نباهتكم إلى ما سأنبهكم به ... وللحقيقة أقول: أن ما أحاول تنبيهكم له لا علم لي به مؤقتاً.. أنه شيء أحدسه وأعانيه ولا أعيه تفصيلا ً وتفسيراً...
لا تلوموني... فهذه خصلة شرقية امتدت من الفراسة التي دُعمت في سجايانا بالحدس والحزر المسنود بفطرة الذكاء والفطنة.... وهي كالفيروس يتسابح في دمنا وأحشائنا..
المهم في هذا الأمر هو تلك الشهوة الغائرة كفارس عربي على مواقع المعرفة الغامضة...والأشياء الغامضة أكثر بكثير بكثير من الأشياء الواضحة..هذا إذا كانت هناك أشياء واضحة أصلا ً... فكل شيء معقد غاية التعقيد...
حتى الأشياء التي تبدو غاية البساطة.. هي في نهاية الأمر وهم واضح لتعقيد حقيقي . ولهذا،فقمة العمق الفلسفي في أن ترى مدى التعقيد في الأشياء المتعارف عليها.... الأشياء البسيطة المعاشة والتعامل معها وكأنها أشياء مفروغ منعها !!!
وهذا الفيروس المتعب.. المتعب جيداً..مصاب به دماغي... فلا أرى شيئاً إلا وأُصاب بالدهشة.. وبوابل من الأسئلة التي لا أعرف الإجابة عليها... ولهذا، فأنا بشكل من الأشكال، أمثل الفوضى والضياع واللايقين.
وهي صفات غير مرغوبة اجتماعيا، سياسياً، فكرياً ومهنياً...حيث أن هذه الصفات هي نفي للواقع المعاش ولبينته التركيبية. أم أنتم أيتها السادة فمتلائمون، متهادنون، متطابقون، متفهمون مسايرون ، متجاملون ، متوددون ، مربتون على أكتاف واقعكم بحب واخلاص...وأنا ... متمرد... متآمر... متخاذل... جاحد نعمة الرضوخ لواقعي. وشتان بين الإثنين ... لكن ورغم هذا فأنا مصر على ان تتكرموا علي بإصغائكم ريثما أتذكر السبب الذي من اجله عدت اليكم .
المسألة التي تشغل بالي الآن، هي تعريفات أولية لبعض المفاهيم التي نستعملها دون تحديد ، فيتداخل المفهوم الأول بالمفهوم الثاني بالثالث فيحدث التباسات تشوه الدقة والصفاء العقلي، ولكي لا أقع في مثل هذا الإحراج، لا بد أن أحدثكم عن هذه المفاهيم:
الأول: مفهوم الأبداع
الثاني: مفهوم الخلق
الثالث: مفهوم الصنعة !!
المفهوم الأول. هو مفهوم رباني، لأن الإبداع هو ايجاد شيء من لا شيء ، ولا يملك هذه القدرة غير الباري جل وعلا . فهو الذي يبدع الموجودات ابداعاً، أي يوجدها من لا شيء لكونه يريد أن تكون... وأسمي هذا العالم إلإلهي عالم اللاسبب ! حيث أن الباري لا يحتاج إلى سبب كي يبدع ابدعاته ....
المفهوم الثاني : هو مفهوم كوني...هو ايجاد شيء من شيء ...ويتصل هذا المفهوم بإرادة الكون والطبيعة والصيرورة... وهذا العالم هو عالم السبب... حيث تحتاج ارادة الوجود إلى أجزائها لتصنيع منها موجوداتها !
والمفهوم الثالث: هو مفهوم إنساني... فالإنسان يصنع الأشياء صنعا ً، ولا يبدعها أو يخلقها !! ويسمى هذا العالم بعالم الصنعة !
هذا التقسيم هو ضرورة منطقية.....! والضرورة المنطقية هي الدليل الأسمى على ما يقابلها في الوجود... لأننا لا نتعامل مع موجودات مادية لها شكلها ولها وزنها
الوزني والنوعي، ولها لونها وحجمها، ونوعها وفصيلتها بل أنها ركيزة يفرضها المنطق كي يستمر قدماً في بناء وتفصيل العالم والطبيعة . أنها وبكلام علمي فرض بديهي لإثبات ما سيأتي لاحقاً، هذا اذا كان هناك ما يجب اثباته !
ولكي لا أزعجكم - لأنني أشعر بالإنزعاج البادي على وجوهكم - أقول ، أن ما قلته لم يدون في أي كتاب ولم أستشهد فيه من أي قائل أو مفكر .. أنه فرض شخصي للذي أرتأيه صحيحاً.... والصحيح هو أن قانون العقل البشري الذي يسمى بالسببية، يتفهم قانون اللاسبب كمنفذ للذي لا يفهمه !
أفهمتم ؟
لا بأس عليكم.. لا بأس عليكم... فأنا نفسي لا أفلح بالغور إلى أعمق ما قلته حالياً،هذا يتطلب مني المزيد من التركيز والذكاء ! وعموماًَ دخلت إلى هذا الجو الجاف،فقط، كي أقنعكم بواجب صياغة أنفسكم من جديد !
وليس كي أقنعكم بأنني أقول أشياء معقدة... المعضلة بأنني قلت أشياء معقدة، وأنا ملزم بأن أوضحها لكم كي لا تتهموني بالسفسطة... لأن ما قلته وبكلام بسيط وغير معقد أن الصنعة نتجت عن السبب الذي نتج عن اللاسبب . ويبدو هذا الكلام في سطحيته شعوذة كلامية : الأن اللاسبب كما يتبادر إلى أذهانكم، وكما يتضح لنباهتكم النجيبة، هي نفي ومحو للسبب.... وذلك لأنكم سببيون مثلي لا تستطيعون أن تتفهموا عالم اللاسبب، من جهة، ومن جهة ثانية، لأن فضولنا السببي ، المنطقي إن شئتم، يتطاول منذ فجر الفهم ونشوء العقل ! على فهم عالم الباعث الأول، ألله جل جلاله.....!ولكن وبعكس المتعارف عليه حتى هذه اللحظة، وهي أن اللاسبب ينفي وجود السبب،لأنه يبتر سبب السبب او المسبب في نقطة منطقية وجب عليها ان تكون متصلة بما قبلها وبما بعدها , ففي يقيني المنطقي أن اللاسبب في هذا السياق فقط ، هو تعزيز وعدم تفسير للسبب وليس نفياً أو محواً له ! وهو أيضاً تفسير للكون ولغاية الوجود .. وخاصة الوجود الإنساني وغائيته التي تشكل غلقاً لدائرة السبب والُمسبب !
أرأيتم ؟
هذا ما يحدث لي دائماً، فحين أنوي أن الفت نظر أحدهم بكلام لطيف ومشوق، يُدخل المسرة إلى القلب، والمتعة إلى النفس، أجد نفسي وعن غير قصد، أتوغل في متاهات عصية، ينفر منها العقل والقلب... فتنبذ كلامي الأسماعُ .. وأجد نفسي وحيداً أصغي لنفسي، الجباشة بالغيب والغموض.... وليس لي سوى الإعتذار عن جركم خلف محراث فكري وسكك منطقي في هذا الأرض الناضبة التي لا يعنيكم ماءها وزرعها..... ولن أغضب أبداً إن أدرتم لي ظهوركم وأبديتم امتعاضكم !!
المشكلة الأساسية في هذه الحالة التي انزلقت وإياكم أليها؛ هيا أننا سوياً بدأنا بالشك والحيرة.. لأننا خلصنا إلى نتيجة قد تبدو مناقضة للمتعارف عليه.... فحين تسعون إلى الإستقرار على ما انتم عليه ... آتيكم طالباً إياكم بأن تكسروا الجمود..تتمردوا على ما أنتم عليه وتًَُصيغون أنفسكم من جديد.... لأن الصياغة من جديد هي غاية الوجود !!! وهي غاية مقدسة يجب أن نُخضع لها أرادتنا ورغباتنا !! وكل هذا مشروط بأن تكون الصياغة إلى الأحسن والأجود والأنفع !
أرأيتم... صبرتم ففتح ألله علي وعليكم بشيء نافع... شيء يدعو إلى التجديد والتطور ودحض ما أكل عليه الدهر وشرب...ولن تصدقوا إن قلت لكم بأن أمنا الطبيعة سلكت نفس المسلك في حقبها التاريخية والجيولوجية.... فلماذا انقرضت الديناصورات؟ أهل حقاً أتت على كل الغذاء في الكون فماتت جوعاً ؟ أم أن نيزكاً هائلا ً ضرب الأرض ففجر البراكين والزلازل، فحرقت الأخضر واليابس الحي والميت ؟
لا تقصدوا هذه الأساطير التخمينية التي بهذر بها رجال العالم وعلماء الطبيعة...فلو أن نيزكاً ضرب الأرض لماتت كل الأحياء، الحيوانات والنبات ، وليس فقط الديناصورات والحيوانات الضخمة الطائر منها والداب ! وسبب هذه التخمينات العلمية،هي أن العلماء، ينظرون إلى الطبيعة كتفاعلات ميكانيكية تتجاوب الأجزاء مع بعضها فتندمج أو تتنافر فتفترق، أو تتصادم فتتنائر والخ من الإمكانيات ! لكنهم أبداً أبداً لن يأخذوا بالحسبان الحقيقة التي تتبدى في مثل هذه القصيدة التي سكبتها من دنان روحي ،ولا بأس علي وعليكم إن قرأناها :
سلطنة على أوتر الوجد
ألرّوْحُ تًَََََسكُنُ اٌلأرضَِ
قـَالـَت...
لا موت....لا انتهاء لأحدٍ !
إنهُ تِرْحالٌ بَيْنَ اٌلأبَدِ واٌلأَبَدِ أ
نِِصْفُكَ هُنَا يَتَعَذَّبُ
وَنِصْفُكَ هُناَكَ يَتَجدَّدُ
فَلا .. لا تَتَهربْ
دَعِ أََلمَك يَتَهذَّبْ..
لا تَتَردَّدْ
اٌلـَرّوْحُ تَسْكُنُ اٌلأرْضَ ..
تَسْكُنُني وَتسْكُنُكَ كـَيْ نَتَوحْدَ
قـَالَت :
وَنَثَرَ اٌلقَلـْبُ أحْزانَهُ اٌلـُمتَهدِّلَةَ
عَلَى أوْتارِ اٌلوجْدِ اٌلنَّاريَّ
فَنَزَفَ مِنْهُ اٌلدَّمْعُ نَغَماً
وَراحَ يَنْسابُ رَقْراقاً يَتَوَدَّدُ !
ذَهَلَت... جَفَلَتْ....! وَرَحَلَتْ!!
- لِلْسَهَرِ عَاشِقٌ
قُلـْتُ : أنْتِ قَمَرُ سَهَري وَعِشْقي
كُلَّما لامَسَتْ يَداكِ حُلُمي
أشْحَذُ أوْتارَ وَجْدي
أهيْمُ في بَيْداء مِنْ نَغَم ٍ سِحْريَّ
عَلى وَجْهي وَقلْبي أهيْمُ
في غَاباتِ اٌلدُّنيا اٌلوعْريةِ
تَدْميْني اٌلأشْواكُ
ولا تـَشْفيْني وُرُودُهَا اٌلزَّكيَّةُ
أهيْم يا صَغيْرتي اٌلقَرَويَّةُ
عَلى بـِساطِ – شِعْر ٍ يَطيْرُ
في قِبابِ اٌلأخْيـِلَةِ اٌلأئيْريَّةِ
إلى مَصْيَفِ عِطرِكِ اٌلآخَّاذِ
في كل الفصول اٌلسَّنَويَّةِ !
- لَجِسَدي روْحٌ
أنْتَ روْحي ؛
قَالتُ : لِروْحي جَسَدٌ
أنْتَ اٌلَّجسَدُ
أنْصَهـِرُ فيْكَ وَفيَِّ تَتَوحَّدُ
أُشيِّدُكَ هَيْكَلا ً
عَلى رَوابي اٌلشّوْقِ ِ
وَفيْكَ أَتَعبَّدُ!
وَكُلّمَا تَلاشيْتَ في خَاطِري
أراكَ في تَتَجدَّدُ
أنْتَ أيُّها اٌلرَّجُلُ اٌلُمتَسفِّعُ !
في خَمَائِل ِروحي
الُمسْتلْقي بَيْنَ بَساتيْن ِ اٌلَحنان ِ
تَغَارُ مِنْكَ اٌلوروْدُ
وَتَهْمِسُ عَجَبَاً
كَيْفَ هَذا اٌلعِشْقُ لا يَذْوي أبَداً
كَيْفَ هَذا اٌلعاشِقُ لا يَمْضي أبَداً !
قـَالـَتْ :
وَتَناثَرتْ في حَدَقَة قَلْبـِها اٌلَحزيْن ِ
فَسحَّتْ مَجْبوْلَةً بِِالدَّمْع ِ
وَصَمَتتْ !
- مَسْخٌ يُمْسي اٌلإنْسانُ
إن فَقَدَ قَلْبَهُ
مَوْتٌ – اٌلَجسَدُ إنْ فَقَدَ نَبْضَهُ
عَدَمٌ – ألوِجوْدُ
إنْ فقد غَدَهُ
لا شيءَ يَقوْم يا وَحيْدَتي اٌلصَّغيْرَةُ
خَارِجَ اسْوارِ اٌلرَّغْبَةِ النقية
لا شيء ينوء بعبء الحياة
خَارِجَ دَفيْئَةِ اٌلكوْن ِ اٌلقُدْسيَّةِ :
تَجاذُبِ قَلْبيْن ِ
تُبرّجُهما رَحْمَةُ اٌلعِشْقِ
وَشوْقُ اٌلعِشْقِ
وَالرّغْبَةُ اٌلفطْريَّةُ !!
أنْتَ أيُّها اٌلَحبيْبُ
الُمتَسكِّعُ في أندِيَةِ هُيامي
صاخِبَةَ اٌلاحْلامِ اٌلورْديَّةِ
أنْتَ أيُّها اٌلرَّجُلُ اٌلأوْحَدُ
القابِضُ عَلى أعٍنَّةِ بَقائي اٌلَخفيَّةِ
إهْجَعْ عَلى وَسائِدِ نِسْياني
أغْرَقْ في خَوابي ذَاكِرَتي اٌلنَّبيْذيَّة
اخْتَمِر... تَصاعَدْ فُقاعَاتٍ بِكْتْيريَّةً
في عَتْمَةِ أيَّامي
فَلا تَراكَ عَذاباتي
َلا تَشْهَقُكَ أحْلامي
وَلا تَبْتَلعُكَ اشْتِهاءَاتي
فَأنْتَ مُحرَّمٌ عَلى مَوائِدي
مَمْنوْعٌ عَلى وَسائِدي وأغْطيْتي اٌلمُخْمَليةِ !
مُنْكَرٌ أنْت عَلى زَمَني
مُبْعَدٌُ عَنْ مَساحاتي اٌلزَّمّنيَّةِ
أنْتَ أيُّها اٌلَحبيْبُ
المُدرَّعُ؛
الُممتْرِسُ في خَنادِق ِ قَلْبي
فُضَّ عَنْكَ
أرْدِيَةَ اٌلإسْتِحالَةِ
اجْتثَّني مِن صَمْيِمكَ اٌلظْمآنِ
عَلَّكَ تَرتَوي
بِقَناعَةٍ أوْ رَضاءٍ
يُهادِنُ أيامَكَ اٌلسّوْداء ببثْقَة ضَوْءٍ عَفَويَّةٍ
أوْ شُعاعِ نِبرْاس ٍ يَسْطَعُ كَالشّمْسِ
خَلْفَ أفْقِ عُمْرِكِ اٌلغارِبِ
في غَياهب أحْزانِكَ اٌلشّذيَّةٍ
أغْربْ يا حَبيبَ اٌلقلْبِ
عَنْ صَاحبي وَمَسائي
وأيَّامي اٌلليْليَّة
لأنني أُحبُّكَ ... لأنني أُحبُّكَ
بِكُلِّ نَزَواتي
بِكُل مَخاوِفي..
بِكُلَّ أحْلامي...
بِكُلَّ فَرَجي وَنَزَقي
بِكُلَّ حِبوْري وَغَضَبي !
أغْربْ يا حَبيْبَ اٌلقلْبِ
لا أَُريْدُكَ
لأِنني أُحبُّكَ .. وَلأِنَّكَ حَبيْبي !!!!
- رَنا إليْكِ اٌلوَرْدُ
فَفَاحِ عِطْرُهُ وَزادَ جَمالا
وَهَجَرَتْ حَمائِمُ اٌلكَرْمِلِ غَابَها
يَوْمَ هَمسْتِ وَغَنجْتِ دلالا
وأيْنَعَ رَبيْعٌ في عَصْفِ اٌلشِّتاءِ
فَرقَّ اٌلعتْوُ وَتَهادَى اعْتِدالا
صَددْثِ فَجَمَّر َاٌلقلْب لَوْعَةً
وَمَضيْتِ لِنأيَّ لن يُطالَ
هَارِبَةٌ أنْتِ مِنْ مَصيْرٍ
شَرَّعَ لَنا اٌلُحبَّ واٌلوِصالَ
وَتُهْتِ في صَحَارى اٌلأَسى عَطِشَةً
لا أبارَ.... لا خُضارَ وَلا ظِلالَ
- عَلى خَاصِرَةِ اٌلزَّمَنِ ، قالت :
يَتَعلَّقُ طِفْلُ اٌلأبَديَّةِ
طِفْلٌ أبَدا ، لا يَشيْبُ
نَقيْتُهُ بأجْسادِنَا
نَرْويْهِ بِعَرَقِنا وَدِموْعِنَا
وَلا يَكْبَرُ أبَداً
يَتَضاحَكُ هازِئاً
مِنْ جَرْيِنْا اٌللاهِثِ
نَحْوَ اٌلغايَةِ
يَسْتَهيْنُ بإدْراكِنا اٌلذي لا يُدْرِكُ
كَنَهَ اٌلوِجوْدِ اٌلسائِرِ
لا يُدْرِكُ
أنّنَا أبْناءُ اٌلتَّجاوزِ
أنَّنَا سِلْسِلَةُ وَمَرَاحِلُ
يَسْخَرُ مِنْ انْتِظارِنا اٌلأخْرَقِ
لِلْغَدِ اٌلآتي
يَضْحَكُ مِنّا يَضْحَكُ
نَشُبُّ وَنَشيْخُ وَهْوَ طِفلٌ يَضْحَكُ
مِنْ غَبِائِنا اٌلمُتَأصِّلِ
مِنْ جَهْلِنا اٌلمُتقَاعِدِ
عَلى آرائِكِ اٌلتُّعقُّلِ اٌلَّذاهِلِ
مِنْ هَذِهِ اٌلحيْرَةِ اٌلقاضِمةِ
كَخْلْلدٍ يُخنْدِقُ في رِؤوسِنا
يَهُزُّها يُمْنَةً وَيسْرَةً
كَريْحٍ شِتائِيةً قارِسَةٍ
حَتًّى يَعْتَمِرَ واحِدُنَا
اٌلقُبَّعَةَ وَالعَمامَةَ وَالكوْفيَّةَ
هَارِبَاً مِنْ صَلابَةِ اٌلرّيْحِ
مُواجَهَةِ اٌلرّيْحِ
وَمُطارَحَةِ اٌلرّيْحِ
كَراقِصَةٍ هَيْفاءَ
عَلى مَسَارِحِ اٌلوِجوْدِ اٌلسَّائِرِ
عَلى كُلِّ مُمْتَلَكَاتِنا .
يَضْحَكُ مِنّا يَضْحَكُ
فَقدْ بُرْمِجْنا لِنسْعَى وَنَتَجاوَزَ
مَا نَحنُ فِيْهِ
خُلِقْنا لِنَحْلُمَ بِالآتي.
ألثَّابِتُ يَموْتُ
فَلْترْحَلْ عَنّي
لِتبْقَى حُلُماً يُرفْرِفَ في مَعاصي نَفْسي
لا يَتَحقَّقُ كَيْ يَبْقَى حُلْماً !
- يَدورُ بِنَا اٌلزَّمانُ
يَسْوُقُنَا كَإبْلِ اٌلصَّحارَى
في مَتاهَاتٍ مِنْ شَكٍّ وَمِنْ يَقيْن ٍ
لا أحَدَ يا صَديْقَتي اٌلصّغيْرَةُ
لا يَدَّخِرُ في قَلْبِهِ حُبًّاً
لا يَدَّخِرُا في لُبِّهِ حُلُماً وخيالا ً
تَتَسرَّب إليْهِ اٌلأحْزانُ
فلا يَصْحو إلا عَلى ضَجيْج ٍ وأفْعالٍ
يَهوَى اٌلمرءُ زيَّاً بِالُحبَّ مُبرَّجُ
فَيُمْسي وَقدْ لَفَّعتْهُ اٌلأسْمالُ
((فآن )) اٌلشّيءِ جَوْهَرُهُ أحْياناً
َوجوْهَرُ اُلشّيءِ سَبَبُ اٌلإحْتِمالِ
و مِنْ لا يَقْوَى عَلى اٌلُحبَّ في غَدِهِ
لا حُبَّ فِيْهِ اٌلآن
فَكَفى يا جَمْرَةُ تَحْرِقُ أصْوافَ دِفْئي
جَميْلُ اٌلهَوَي لا يهوى بِوِصالٍ !
أرأيتم ؟
بدأنا بشيء وأنتهينا بشيء آخر.... وهي عادة لا أستطيع التخلص منها أبداً .... فأن أنساب مع تداعيات فكري تداعي الماء في الجرف .. وأنقاد خلف حدسي كذنب أفعى خلف رأس.... وكأنني أتماهى مع روح الوجود المنسابة في خلاياه، فأنساب معها حدساً دون وعي... وتعايشاً دون فهم.... فأشرع أُلائم وأطابق التصور مع الصورة والفكرة مع الشكل، حتى ينتابني الفزع من مدى جهلي ، فأحن إلى البساطة التي يتمتع بها أغلبية بني البشر .... وأدرك حقيقة أولى ، بأن التعايش وممارسة الحياة وخوض التجربة أسلم لذوي العقل المتوسط أمثالي ، وإن التطاول على الأفكار الراقية، قد تسبب الأذى النفسي، والضياع، والإنحراف عن الهدى الحياتي....
ولكن، أيها السادة النجباء ، لن تسمحوا لي إن سْلمْت الأن، وعدت من حيث أتيت... عدت إليكم .. دون أن أعرف السبب الحقيقي لعودتي ، ودون أن أخبركم به، خاصة وقد وعدتكم وعد الشرفاء ، بأن أبلغم به حينما تتيسر معرفته !
ويحضرني الآن ما قاله أحدهم لأحدهم، حيث قال :
من يعقل الدينا يعجز عن الفرح !
وما يصيبني الآن هو جهلي للدنيا وعجزي عن الفرح !
ولن يطيب خاطري إلا أذا صبرتم أكثر مما صبرتم... ومنحتموني الفرصة لأحدثكم عما وعدتكم به حين أتذكر السبب لذلك !
والحقيقة، تستعصي عليَّ الذاكرة ولا تلين، لأن أحجية الوجود والكون تشغل بالي أكثر من أي شيء، فأنا لا أفهم شيئاً، وهذه حقيقة تواكبني منذ وعيت على الدنيا... إنني مدمن على الدهشة وعلى التساؤل... وهذا ما سبب لي الكثير من المشاكل والتعقيدات، وخاصة حين كنت صغيراً... فقد أصغيت في أحد الأيام لحديث دار بين الشيخ أبو يوسف وجدي:
قال أبو يوسف : سبحان من يهدي، سبحان الله... لقد قدر للشريف أن يكون شريفاً وللفاسد أن يكون فاسداً...لقد قتل الشاب رامي شاباً من القرية ومثل بجثته حسداً وغيرة ... هذا ما أعترف به في التحقيق .. فهل كنت ستصدق بأن هذا الشاب اللطيف الدمث يقوم بمثل هذه الأعمال البشعة الخالية من الأخلاق والأعراف والمسؤولية ؟
فأجابه جدي: لا والله ما كنت لاصدق.. لكن" المكتوب على الجبين ستراه العين " كما يقال !
فقال: كلها تقادير من الله !
فقال جدي: صحيح.. صحيح
ثم نظر إلى جدي وقد أعجبه اهتمامي بحديثهما، فسأل:
- ماذا تعلمت من هذه القصة يا ولد !
فأجبته: تعلمت يا جدي بأن رامي حمار وأن الله لا يحب الخير !
فقال جدي غاضباً: ماذا قلت ؟
قلت: رامي حمار... والله لا يحب الخير !
فأنتفض جدي في جلسته وهوى على وجهي بصفعة هزت أوصالي وطرحتني أرضاً، وصرخ بي غاضباً : حاشاه الله .. حشاه أيها الولد العاق الغبي، قليل التربية.. قليل الفهم، يجب أن تضرب حتى الموت !
فأنتصبت على قدمي فاراً وأنا أبكي وأصيح:
- أنتم علمتموني هذا.. أنا لم آت بشيء من عندي.... أنتم قلتم بأن رامي دون عقل لهذا استجاب لما قدره الله فقتل ومثّل بالجثة.. أنا لم آت بشيء من عندي !! وجرى ورائي جدي يلوح بعكازه مهدداً بها .
ولن تصدقوا ، فمازلت حتى اليوم، كلما فكرت بدور العقل في الطبيعة، أشعر بعكاز جدي تهوي على جمجمتي ! فلماذا منحنا الله العقل إن كان سيقدر عليه تفكيره وعلينا سلوكنا ؟ أما منحنا العقل كي نميز بين الخير والشر؟ بين الفاسد والصالح، بين البشع والجميل... أما منحنا أياه من أجل التعقل والتدبير؟
لعله منحنا أياه كي نختار بحرية السلوك الذي نسلك .. والأفكار التي نفكر والمنهج الذي ننهج دون تدخل منه... الا ترون بأن العقل هو أشارة واضحة المعالم للتحكم الذاتي ... هو أشارة إلى اتونوميا " الحكم الذاتي " ، شارة إلى الإستقلال وإلى الحرية المطلقة في الإختيار ؟ ومن أين لنا إن هذه الصفة البارزة للعقل، وهي صفة الإختيار الحر، ليست صفة كونية تتحكم في كل أجزاء الكون الذي بدافع وضوح هذه الصفة هو كون مستقل ؟
اليس هذا دلالة على أن الله عز وجل أراد لنا أن نكون أحراراً تسندنا الكرامة والعلو والرفعة المتوَّجة بإختيار الخير والأحسن والأجود ؟
انظروا من فضلكم إلى بدعة الخلود التي أبدعها الله في الكون، وهي بدعة قد تتنافى والمنطق العادي للفهم، فإستمرارية الوجود مبنية عملياً على أن السببَ الذي يقود إلى المُسَبَبِ هو نفسه الذي يتحول إلى السبب.... فمثلا ً، الشتاء الذي نشير إليه كأنه المسبب (النتيجة ) كيف يتكون ؟
يتكون من بخار الماء ومن ثم يتحول إلى شتاء.... ودواليك إلى ما لا نهاية !!! وإن مثلنها بأحرف منطقية نتوصل إلى النتيجة التالية:
(أ) يسب (ب)
(ب) يسب (ج)
(ج) يسب (أ) الذي يسب ب وج !!
ولو بدأنا بربط الأسباب لكل شيء لوجودنا هذه الدائرية التي تؤكد على استقلالية استمرارية الكون في استقلاله بوجوده ! ويبدو هذا الأمر جليا واضحاً في مظاهر الوجود حتى بات الأمر بالنسبة لنا يقيناً نحدسه ونعبر عنه دون أن نعيه منطقياً وتفسيراً . ولو سألت أياً كان من بني البشر، فيما إذا كانت الشمس التي غربت ستشرق في صباح الغد... فسترى بأنه يجيبك بالإيجاب ودون تردد! فمن أين هذا اليقين ؟
إنه نوع من الإيمان الذي اكتسبناه من العادة المتجددة كل يوم.... ليس إلا... ولو حدث في أحد الأيام أن غابت الشمس ولم تشرق إلا بعد مضي ثلاثة أيام مثلا ً، لرأيت الناس يترددون في الإجابة عن شروقها في اليوم التالي ويشكوكون بيقينية الأمر... ولكن مثل هذا الشيء لم يحدث في الالف سنة السابقة ... ورغم هذا لا يستطيع أحد أن يضمن عدم حدوثه !! لأننا لا نعلم متى تشاء الطبيعة الحية أن تصيغ نفسها من جديد...
أنا أعرف أيها السادة النجباء بأنكم تتساءلون عن غاية هرجي وتفلسفي... وأُقسم لكم بأغلظ الإيمان بأنني لا أعرف الهدف... أنني كرصاصة طائشة لا تعرف هي نفسها أي جذع أو أي صدر ستخترق.... لكن الجميل في هذا التسيُّب التلقائي الذي أصاب لساني وعقلي أنني قلت أشياء كثيرة اقتربت أحياناً من الثرثرة، ولكن بقليل من حسن النية والتعقل، يمكننا لمس الحقيقة خبيئة بين ثنايا الكلمات، وقد أستجمع قواي العقلية وتركيزي لاحقاً، فأكف عن القيام بدور الأيائل الواثبة من هضبة إلى تلة إلى واد.....
ولأحدثكم عمّا حدث لي في أحد الأيام، في شهر تشرين ثاني في أحدى السنوات التي لا أذكر تاريخها... ومن عادتي ألا أذكر التواريخ... وذلك لأنني تعقدت تاريخياً... ، تعقدت من التاريخ الذي لم أجد به ما يسر القلب، لكونه سلسلة من الغباء والعنف المتواصل فتطورت لدي عقدة الرفض ومسح الذاكرة الرقمية ونفيها من رأسي..... هذا هو السبب الشخصي .. الشخصي جداً.. الذي يجعلني أنسى التواريخ ..... وقد تتحسن ذاكرتي الرقمية فقط حين يشوقها شيء ذو منفعة معنوية أو مبدأية.... مثلا ً أن تعلن الأنسانية عن يوم به تستنكر الغباء والسخف في شن الحروب واستعمال الأسلحة باهظة الثمن ورخيصها ...فتخيلوا ولو من باب المجاملة أن الإنسانية تتوقف عن صنع وبيع الأسلحة... وتستثمر كل الأموال في تربية وإثراء البشرية بأخلاق السلام والتجدد من أجل الأحسن والأنفع والأجود... أؤكد لكم أنه فيما لو حدث لما احتجنا إلى مدية أو رصاصة من أجل تسوية الإمور بين الشعوب والأفراد... لكن ما لنا الآن ولهذا، أردت أن أحدثكم عما حدث لي في تشرين ثان في أحدى السنوات !
كنت جالساً وحيداً في غرفتي المطلة على احراج الكرمل وعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط... كنت وحيداً... لا أحد يزعجني ولا أزعج أحداً، وهذا ميزة أستلطفها في نفسي وهي عدم القدرة على أزعاج أحد.. حتى حين يتطلب الأمر ذلك، أرى نفسي أنسحب من وضعية الهجوم الكلامي أو الحضوري، وفقط لأنني لا أحسن الأزعاج.. هذا إذ لم أبدأ بالإعتذار عن الأزعاج حتى دون ان أسببه، عموماً، أن يكون المرء وحيداً، لا يعني البتة، بأنه منقطع أو منفلت عن زمانه،بل العكس فقد تكون الوحدة هي نقطة الوصل الوحيدة والحقيقية بين الأنا وبين الزمن الذي نعيشه.. هذه الصفة التي قد توصف بالجبن والتهرب ما هي في واقع الحال سوى سلوك نابع من يقينية أخلاقية أحسها وأدركها، وهي أن الخير لا يكتمل إلا إذا دحضت الشرمن كل خصالك حتى الغريزي منها .
فأساس الخير دحض البشر.....
وبما أنني أكره السفلة والسافلات، ومرض الأخلاق المنافقين، والمنافقات،وأكره الجبناء والجبانات والمتهورين والمتهورات، تجار القيم الفاسدين والفاسدات، وأكره أيضاً محبي ومحبات النوايا السيئة، أسف،أصحاب النوايا السيئة الذين يتلذذون على كل جرم يُرتكب،نساء ورجالا , ًبدأت وبشكل عفوي، ودون تخطيط مسبق أدحض الشرمن كل سلوك أقوم فيه، وكل فكرة أفكر فيهاِ..... ودحض الشر كما تبين لي هو عالم قائم بذاته ويفرض نقسه على النفوس كالقصائد الجميلة، وتبين لي فيما بعد بأنه القانون الأول للنظريات الأخلاقية والسلوك الأخلاقي .! وحين غرت أكثر فأكثر متأملا ً جمال الكون المدهش تراءى لي حدساً وفكراً بأن دحض الشر ما هو إلا قانون كوني عام وليس قانوناً أخلاقياً سلوكياً فحسب . وهذا الكشف الذي أتت به البصيرة ومكاسب البصر تضعني الآن أمامكم موضع الدهشة والإستغراب والتساؤل فيما أذا كنت بقواي العقلية الكاملة، أم تُرى الخرف بكر في زيارة العقل.
فكيف يمكن لدحض الشر أن يكون قانوناً كونياً؟
وهو يظهر في مظهر الفعل المبادر إليه، وليس بُنية قياسية يقاس وفقها كقانون الجاذبية مثلا ً او قانون المد والجزر او قانون القصور الذاتي أو القوانين الهندسية والكيميائية.
على هذا سأجيبكم، ولكن كنت قبل ذلك أنوي أن أحدثكم عمّا حدث لي في تشرين ثاني في أحدى كنت جالساً وحيداً في غرفتي المطلة على غابات الكرمل و البحر الأبيض المتوسط...
كنت حينها أنظر إلى السماء.. وهذه أيضاً عادة من عاداتي القديمة التي لا أتنازل عنها أبدا...
آه... تذكرت، قال لي في أحد الأيام استاذ جامعي لا يُحب السماء ولا النجوم ولا ما فوقها، قال بلهجة ساخرة :
- أتعرف ما هي إحدى أهم مشاكل العقل العربي ؟
فقلت له مازحاً يا للهول، إحدى أهم... هذا يعني وبعكس ما ترمز به إلي دائما، أنه يوجد شيء مهم في العقل العربي ! فرضاً بأن للعرب عقلا واحداً !!!
فضحك وقال: أنا جاد فيما سأقول !
فأجبته: وسأكون جاداً حين أسمع!!
فقال: مشكلة العربي أنه يبدأ من فوق!!
فأجبته بدهشة: ماذا... كلنا نبدأ من فوق؟ هذا جيد...
المغتصبون فقط يبدأون من تحت !
فقال ضاحكاً: لا أقصد هذا وإنما أقصد أن العربي يبدأ من الله ويعزو كل شيء له وينتظر كل شيء منه... أما نحن فنبدأ من الأسفل...من التجربة، من التقنيات فنطوعها بالتجربة والإكتشاف كي تسهل لنا حياتنا وتزيدنا منفعة، جودة وحيوية، ومن ثم، إن تبقى لنا مزيد من الوقت نصعد إلى أعلى، إلى الحياة الروحية.... إلى مسامي الإيمان !!
فقلت له ضاحكاً: وأنا لم أقصد ما اعتقدت أنني قصدته
حين قلت: المغتصبون يبدأون من تحت ... لأنني قصدت بهذا المحتلين ومبتزي الشعوب الضعيفة... قصدتهم هم لأنهم كم قلت أنت يبدأون من تحت ويبقون تحت!!
أتعرف لماذا ؟
فقال: لا لماذا؟
- لأنه من واجبنا الإنساني أن نحترم الشعوب وعقائدها، وأن يمد القوي يد المساعدة إلى الضعيف.... وهذا ليس معروفاً ولا تجارة، ولا نفخ عضلات إنه أمر تأمرنا به الطبيعة ويأمرنا به الله !!
فقال ضاحكاً وهو يغرب عني: أرأيت... أنت عربي... تبدأ من فوق وتبق فوقاً.. وهذا مضر لمن لا أجنحة له !
وهذا الأستاذ الذي لا يحب السماء ولا النجوم ولا ما فوقها..... يُغضب دائما صديقي موسى... الذي يؤمن وبكل جوارحه أن الإنسان هو ضحية إيمانه الثنائي، حيث أنه يعتقد أن على الإنسان أن يؤمن بالله فقط... وليس بالأنبياء لذاتهم... وموسى حين يتحدث في هذا الموضوع لا يرُضي أحداً أبداً.... ويجد نفسه مهاجماً من كل العقائد والأديان.... مسكين صديقي موسى أنه موسوعة حب للأنبياء... فهو يحب محمداً وعيس وموسى وشعيب وبوذا وهيركريشنا وشنكارا وكل تلك الأسماء البهيجة حتى زرادشت... ويعتقد بأنهم القوة التي دفعت بالعقل البدائي الذي لم يستطع أن يؤمن إلا بالأشكال والظواهر الواضحة المرئية دون المطلق... أنهم البوابة التي دخلت منها العقول البشرية إلى استدراك القوى الخفية والموجدات الما- بعدية للمادة الملموسة !
ويفكر دائماً أنه لو كان بالإمكان إقامة مؤتمر دولي للأنبياء به يشرحون لبني الإنس بأن الرسالة التي أتوا بها هي من أجل إيصالهم إلى الإيمان بالله وليس بهم... حيث أنه يعتقد بأن بني البشر يفضلون أنبياءهم عن ألله وإلا فلماذا لا توحد الديانات ؟
هذا ما يعتقده وموسى.. وأنا لا أفهم كثيراً بالأمور اللاهوتية، ولا بالأمور النبوية، فقط أحدثكم عن هذا الصديق العجيب الغريب الذي لا ينظر إلى الديانات
المكتوبة وغير المكتوبة بجدية من كثرة إيمانه بالله .
إنها مشكلة.... ولكن لا بأس عليه فهو يعيش في جو ديمقراطي وليس في عصر الظلمات ولا في عهد محاكم التفتيش.... ناهيك على أن قوانين المحافظة على الطبيعة تمنع منعاً باتاً من أشعال جذوع الأشجار والأغصان ولهذا فهو آمن ولن يجرؤ أحد على حرقه، طالما الإنسان يحمي الغابات من الإحتطاب من أجل إشعال الحرائق !
ما يشغل بال صديقي موسى هذه الأيام هو أنه أكتشف وبشكل عفوي وببراءة خالصة أن القوة والمال التي كان يعتقد بأنها حصانة للشعوب وسعادتها،قد تكون فيروسَا يفكك أنسجتها ويفترس هدأتها.... ولكن أكتشافه هذا، الساذج جداً أضحك هنري وبوب (لا أعرفهما ) اللذين أكدا بأن على الإنسان أن يكون قطعة نقدية حتى ولو صدأت !! ومن جملة ما فهمت من قول موسى أن هنري وبول يتعاملا بالحديد ولهذا فهما يكثران من الحديث عن الصدأ والإنصهار والنار واللّي والثني والتسطح والتكوير والإمتداد وغير ذلك من الصفات التي تلتصق بالحديد .
ما لي ولكم من هذا وذاك. هكذا أبدع الله الدنيا: قسم من البشر يحبون الحديد حتى الذي يطفون على سطح الماء، وقسم يحبون الخشب الذي يغوص في الأعماق لمجرد ان يبتل في الماء، وهذه ليست أحجية، بل واقع وقع وسيقع دائماً طالماً يوجد واقع.... والواقع،لا أعرف ما الذي أتى بي إلى هنا وأنا لست حداداً لأفهم بالحديد وليست نجاراً يفهم في بالخشب,أردت فقط أن أحدثكم ما حدث لي في تشرين ثان ولماذا عدت إليكم دون أن أغادر....
لكن طبيعتي تغلب طبعي.. ككل شيء في الحياة, أما سمعتم من قال:
التطبع يغلب الطبع وإن ستره
فالكلاب وهي تغني تنبح
والعنادل وإن نهقت تصدح
ومن طبعي وطبيعتي أن أجري كمياه النهر, ولكن من دون خرير!! رحم الله الفيلسوف اليوناني الذي قال:
لن تغتسلوا بماء النهر مرتين! قاصدا بذلك أن الموجود أياً كان يتغير ويتبدل كماء الأنهر.. وهذا يعني أن ما تحسبه أنت الأن هو ليس أنت في ما بعد.. تخيلوا مثلا ً أن " حسن " الذي تعرفه تتغير خلاياه كل فترة زمنية تقريبية (خلال سبع سنوات) ولا يبقى منه جسدياً أي شيء من الذي كانه عليه... وهذا الأمر يحير ويدهش الفكر فكيف لنا أن نثبت فيما بعد طبعاً بأن حسناً بقي حسناً رغم أنه لم يبقى منه شيء أبداً، وأن حسناً الجديد ما هو إلا مجموعة خلايا جديدة تماماً ولا تمت بصلة إلى خلاياه القديمة بأية صلة سوى صلة السلالة !!
الأمر محير! محير جيداً... حيث أننا نخلص إلى نتيجة غريبة عجيبة، وهي، ما أنا عليه الآن ليس ما كنته.. وما كنته قبلا هو الذي حدد ما أنا عليه الآن !
الطبيعة غريبة عجيبة أيها الأخوة النجباء... ورغم هذا فالعقل البشري يعاند غرابة الصيرورة ويسأل:
ما الذي جعل من حسن حسناً، حتى بعد أن تغير وتبدل بكل أجزائه التي كونته سابقاً ؟ أهي ذاكرته التي حملت معطياته السابقة في ذاكرته الحالية !
أنا طبعاً لا أحدثكم عن هذا الأمر لمجرد أنني ثرثار يقتل الوقت كي يشيخ... أبداً لا .. أحدثكم به لأنني أشك بأن ما يحدد الشيء هو غايته وليس سببه...
وبالطبع قد لا أكون جريئاً ما به الكفاية كي أدعي ما أقول أمام جهابذة العلم والمعرفة، لأنهم حتماً سيتهمونني بالشعوذة والسفسطة، وبرداءة الفكر والتحليل... فكيف يمكن أن نحدد الموجود الآن بما سيكونه !
ولماذا ما سيكونه والذي هو ليس ما هو الآن ... هو نفسه ؟
أرأيتم قد أدخلت الشك في قلوبكم وفي يقينكم وهو أن ليس كل ما نتيقن منه يقيناً.. وأن كل ما يبدو من مظهر ليس سوى ظلٍ لمظهر لم يظهر بعد!!
تخيلوا هذا المأزق الذي بليت به نفسي وبليت به أسماعكم !!
المعضلة، بأن ما قلته ينفي الماهية كسابقة للمظهر وينفيها لا حقة له...وهذا أيضاً ما يناقض المتعارف عليه فكرياً وفلسفياً، وهي أن الماهية تسبق الوجود وكأنها منفصلة عنه ومفارقة كما أدعى العقليون القدماء أو لا حقة له كالوجوديين المحدثين!! ... بكلام أبسط واوضح، أنا أنفي هذا الماهية.. وأدعي بأن هدف الوجود هو التجوهر... وكأنه تلقائية عشوائية تملك وعياً يصوبها ويوجهها نحو أن تتطور وترتقي كي تصبح جوهراً !
وهذا يدعوني لأن أفرق بين الماهية، وبين الجوهر...
فالجوهر هو جزء من الوجود كامل الصفات ويحوي بأجزائه كل الإمكان للنشوةء والإرتقاء، والماهية هي ما هو الآن بما هو بحذافيره !
والتجوهر هو السعي الحثيث نحو الجوهر ، نحو أن يصبح المتجوهر جوهراً، الأمر الذي يستحيل في الماهية، لأنها آنية فقط وليست بعدية كالجوهر!!
أتفهمون ما أقول؟
لا بأس.. لا بأس... فلاحقاً ستفهمون بأنني أحاول بهذا أن أدحض فهمكم اليقيني... ستعرفون بأنني أحاول وبخبث مطلق أن أهزكم كالمخيض كي تزبدوا وتتيقنوا بأن كل ما كنتم تتمسكون به من أفكار وسلوك وطباع، ما هي سوى وهم مؤقت كي تنفذوا من خلاله إلى الحقيقة الأكثر جلاء ووضوحاً ويقيناً .
ولكن قد يعترض أحدكم عليَّ قولي بقوله: ما لنا ولهذه التعليلات والتفسيرات والطروحات ، هل تأتي إلينا بالخبز والمأكل والسعادة؟ وأجيبهم: لا..لا تأتي إليكم بالخبز والمأكل والماء الزلال، ولكنها قد تأتي إليكم بالسعادة، التي تبدد لكم فلقكم النابع من الجهل... هذا لا يعني، لا سمح الله، بأنني أختلف عنكم، فأنا نفسي لست بسعيد، وهذا يعني أنني مثلكم جاهل وقلق.فلا تغضبوا من هذا الإدعاء، أنه مجرد ادعاء لا أستطيع أن أثبته، لأنه من الممكن أن تكونوا، بسذاجتكم وتعقلكم لواقعكم هو المنشود من الوجود، وليس فضح كنهه والوقوف على حقيقته وكشف اسرار تمرحله وصيرورته !
والمهم ألا يصيبكم ويصيبني ما أصاب ذاك الذي أراد أن يفحص وردية الوردة ومركب عطرها، فقطع بتلاتها وبتر تاجها وساقها وبدأ بتحليل مركباتها... ولكنه توصل إلى نتيجة أنه إن حللت الشيء فقدته، فلقد فقد هذا الباحث الوردة وفقد عطرها.... فخرج بخفي حين... خرج بنتيجة أن المركبات التي تركب الشيء في شكله النهائي، ليست بالضرورة الشكل النهائي، بل لربما هي نفي له.. فالفراشة إن عادت تسلساً إلى مصدرها لوجدتها دودة وشرنقة... والجوهرة إلى فحم حجري...
والياسمينة إلى بصلة، وعملياً، نستخلص من هذا، بأن الشيء هو ليس ما كانه . وإنما ما أضحي إليه.
هذا جميل.. جميل جداً... فالشيء هو ما اضحى إليه، إلا في الأجواء الإجتماعية البشرية، فإن صدفتم رجلا ً يدل سلوكه على الشرف والتقوى والإستقامة، رجل كانت أمه عاهرة، فلن يساعده هذا السلوك كثيراً، وسيبقى أبن عاهرة وسيبقى أصله موصوماً بالعار طالما يعرف عنه الناس ذلك... ولو فحصت الأمر حول الياسمين عند اؤلائك الناس، فلن تجد أحداً يحاسب الياسمينة لكون أصلها بصلة، ولا الفراشة لكون أصلها شرنقة...
هذا الأمر يغضبني جداً... فلماذا تلاحق أخطاء الأباء ومعاصيهم أبناءهم الأبرياء... إنه مجرد وهم أخلاقي يسمح به الإنسان لنفسه، بل تراه يرفض الشيء لذاته، يرفض استقلاليته، يرفض أن يكون ملكاً لنفسه، بل للآخر.... للشيء الذي كونه.... أنه إعلان يشهر به الإنسان عن صلاحية الأصل..... اعلان على أن صلاحية ألاصل الأخلاقي هي صلاحية الناتج الآن عن هذا الأصل... والغريب في الأمر، أن طريقة الإستنتاج هذه، ركبت رؤوس العلماء المفكرين...
وصارت نمطية الفكر والمنهج قانونا نعتمدة في كل تحليلاتنا.... فلكي يفهم تشارلز داروين صاحب نظرية النشوء والإرتقاء ما هو الإنسان، أعادة تسلسلا ً حتى توصل إلى نتيجة مفادها أن الإنسان قرد في الأصل !!
بينما لو كنت أنا تشارلز داروين لخرجت بالنتيجة الواجبة من مثل هذا البحث،فرضاً بأنه صحيح ويقيني، وهو أن الإنسان ليس قرداً، لأنه لو كان كذلك لبقي قرداً، وما كان ليتجاوز حدود قرديته، محْوَها وتغييبها، والنتيحة الواجبة هي كما يلي:
الإنسان ليس قرداً لأنه بطبيعته الأولى رفض قرديته وتطور تاركاًَ وراءها كل الصفات التي تجعل من القرد قرداً، مكتسباً الصفات التي تجعل من الإنسان أنساناً !
لكن ما العمل فأنا لست دارون !
إلا يبدو هذا الأمر صحيحاً ؟
أعرف.. اعرف بماذا تتهامسون.... على أنني أعقد الأمر.... ولا أجهر بالسبب الحقيقي لخروجي عن سياق الحديث.. وعن تواثبي غير المتوقع في غالب الأحيان،وعن كوني لا أقول شيئاً كاملا ً... أعرف، هذا متعب جداً، فلقد نويت أن أحدثكم عما حدث لي في إحدى أشهر تشرين من إحدى السنوات... ولم أنجح حتى الآن من وابل الأفكار الذي عصف بعقلي...
إنه نوع من هوس الإبلاغ كما أسميه... فأنا أحب أن أبلغكم عن كل ما في خلدي قبل أن أحدث عما وعدتكم فيه خشية الا أجد أحداً يصغي إلى ... فأنا أعرف بأن ما أملكه من كلام وأفكار لا يعني أحداً..
وأعرف بأنني كي أستطيع قول ما عندي يجب أن أعتمد هذه الطريقة الخبيثة... حتى تحولت هذه الطريقة إلى نمط وأسلوب ونهج طبيعي في تكويني الفكري والحياتي...
صرت هكذا دون أن أقصد...... ولعل هذه العقدة تصاحبني من صغري... فحين كنت صغيراً ... وعلى سبيل المثال، وأرغب بقليل من الكنافة، لم أطلب من والدي أن يشتري لي الكنافة بل كنت اقول له :
اتعرف يا ابي كم الكنافة لذيذة ... لو كنت يا أبي أباك وكنت أنت إبني لأشتريت لك الكنافة....، ولقد كان أبي وما زال ذكياً..... فلقد أجابني دائماً بكلمات مقتضبة مفادها:
ما العمل أنت إبني وليس أبي ! حين تصبح أبي فالرجاء أن تشتري لي الكنافة !
وهكذا أيها السادة النجباء، أجد نفسي دائماً خاسراً في توجهي غير المباشر للأشياء... وأجد نفسي تائهاً دون يقين فكري أو علمي لكثرة التداعيات التي تتقاذفني كأمواج البحر... و
آه تذكرت الآن ما حدث لي في إحدى الأمسيات في تشرين الثاني من أحدى السنوات وأنا أجلس على شرفتي المطلة على غابات الكرمل والبحر الأبيض المتوسط ، فلقد زمجر الريح حينها وتكاثفت الغيوم وهطل المطر... فشعرت بقشعريرة تكهرب لي جسدي... وتجعلني أحس بأنني عار في العراء !!
هذا ما حدث لي وهو شيء ليس بمهم... أنه شيء عادي قد يحدث لكل شخص.. للغبي وللذكي.. للقوي وللضعيف ! ولكن أحداً منهم لن يدوّن هذه الحادثة في ذاكرته مثلي، وكأنها حادثة مهمة.... هاكم، وفيت بالوعد الأول وحدثتكم عمّا جرى لي في تشرين.... وكونوا على ثقة بأنني حين يحين الآوان سأخبركم عن سبب عودتي إليكم!
وحالياً لا أعرف بالضبط ماذا سأقول لكم.. إنني أبجث في خفايا وثنايا عقلي... وأرشف من قِرَبِ الذاكرة علني أجد شيئاً يسر القلب فأشارككم به، ولكن هيهات هيهات... فبعض الأفكار التي كنت قد طرحتها عليكم، والتي كانت مبتورة وغير كاملة تلح علي بأن أحاول جاهداً الخوض فيها من جديد... لأن مشكلتي معكم لا تختلف كثيراًعن المواطن الشرقي مع زعمائه... وهي مشكلة النظام ! فنظامي الفكري الذي أطرحه عليكم هو نظام جبري بشكل من الأشكال لا يضمن لكم الحقوق الجدلية، ولا حرية الإختيار في نقض النهج وإقتراح البديل !
أنا كما أبدو هنا لا أختلف كثيراً عن الملوك والروؤساه الذين هم فوق القانون... في هذا الهرج الذي أبلل أسماعكم وعقولكم به لا توجد ديمقرطية ولا حرية... إنه حكم قسري بأن تسمعوا ما أقول دون أن تعترضوا ودون أن تفحصوا الحجج وتنقضوها بالحجج!
وهذا الأمر مؤسف للغاية... حبث أنه لا ضمانة فكرية تمنحكم الرفض والقبول... حق اقتراح النقيض البديل... حق استساغة النافع والأقرب إلى نوعية تفكيركم والإيمان به، بل التنفيذ المقبول لمكوناته !
أنا في هذا قدركم... أنا جبر وقسر لا يطاق... وما حيلتي في كل هذا سوى أن استسمحكم عذراً أن أمنطق الأشياء حتى ترتفع إلى مستوى قناعتكم.. وإلا فسأكون ملكاً يحكم بالسيف وبعيار النار.. وهذا الأمر ليس هدفاً من أهدافي.. ولا نهجاً في فكري ونيتي !
ولكن لا بأس بهذا التهور...فقد يحدث لي ما حدث لذاك المتهور الذي صمم على الإنتحار بعد أن أنهار وأفلس... لقد أبتاع قطعة سلاح وقرر أن يلجأ إلى غرفة بيته الذي كان قد أشتراه من أحد القروين...
وضع فوهة البارودة في فمه ينوي أطلاق النار ليفجر جمجمته... أملا ً أن يرتاح من حياة الفشل التي هيمنت عليه وعلى سعادته... وقبل أن يضغط الزناد.. فكر بأن العيار قد لا يقتله تواً... وحينها سيمر في جحيم من ألم لا يطاق فقرر أن يجرب قوة العيار فأطلق على سقف البيت...فأحدث العيار فجوة... تساقطت منها الألاف من القطع الذهبية... فأضحى خلال ثانية غنياً، بعد أن كان على قاب قوسين أو أدنى من الموت والإندثار !
وأنا، لن أضع فوهة البندقية في فمي.. وسأحاول أن أطلق عيارها عله يحدث ثغرة تنهال منها الاف القطع الفكرية التي تجعلكم وإياي أغنياء ! ولكن المشكلة التي تواجهني، هي أنني لا أملك سقفاً ، أنما سماءَ رحبة كالفناء الكوني سعة، ومهما أطلق الرصاص، فلن أطيب شيئاً، هذا، ناهيك على أن لاّ أحد يُخبيء كنوزه في السماء !
فما العمل، وكيف سأتدبر مع هذا الواقع الذي يحجم لي مجالي وقدراتي الضعيفة أصلا ً!! هذا عدا الحقيقة التي يعرفها الغرب عنا، حقيقة أننا لا نملك السماء... !
وبالكاد نملك الأرض !!
أنا لا أبالغ أيها الأخوة الحكماء...... فعلى مدى الحقب التاريخية .... الشعوب التي ملكت السماء ، هي الشعوب التي ملكت الأرض.... فحين اخترع العرب بساط الريح في اساطيرهم ، وروضوا الصقور وتطاولت عقولهم وأخيلتهم إلى السماء... امتلكوا الأرض، وشقوا دروب الحضارة دون جرافات !
واليوم ، وحين غرنا إلى بطون الأرض لنستحلب حليبها الأسود، نسينا السماء، وصدأت في حضارتنا الجرافات والمقادح !
هل أنتم غاضبون من قولي هذا ؟
لا تغضبوا...
فكثرة القسوة تنبعث من رقة الحب !!
كحرية ترفرف اعلامها من قسوة الجبر والرق !
كاستقلال شعب من محتل بطش بالأرض والرمق !
فعانق السلام ساعيا دون عائق
أرأيتم ؟ لقد قلت الآن شيئاً جميلا ً ولو أنه مصطنع بعض الشيء.... ذكرت الحرية والإستقلال والحب والسلام !
فهل هذه المفاهيم هي كم يبدو في سطحيتها وفي معناها المباشر.... ؟
وعملياً ما هو المعنى المباشر لكل معنى ؟
وهل يعرف أحدكم ؟ هل سبق وفكرتم بهذه المفاهيم ولكن ليس بتلك البساطة التي قد تبدو للأذهان من أول وهلة ؟ أو لنقل، هل يعرف أحدكم مصدر هذه المفاهيم ؟
أنا أدعي بأن هذه المفاهيم ليست سلوكاً وحالات بشرية، وإنما قوانين طبيعية تُسقط نفسها على العقول والنفوس البشرية..... فتبدأ تسلك وتشعر بمقدار قدرتها الذاتية وصلاحيتها كجهاز بيولوجي يستقبل ما يُبث إليه ويبث ما أستطاع تلقيه وتمحيصه من هذا البث !! وكأنني أقول بأن الإنسان هو مجرد هوائية أو صحن لاقط – وباث يسير على قدمين... فهل يُعقل ما أقول ؟
ما رأيكم فيما لو نحاول إثبات ذلك بطريقة البرهان الفلسفي ؟
ولكي نفعل ذلك سوياً لا بد وأن نضع بديهة واحدة بدافع الضرورة المنطقية وهي أن السبب الأول هو العلة المنطقية لسلسلة الأسباب التي تلته كالكون وما
تركب فيه من أسباب !
ولكي نتفهم العالم السببي فلا بد لنا من النظر في طبيعة وصفات السبب الأول، المتعارف عليها كقوة ربانية، والتي هي سبب العالم السببي !
فما هي الصفات الممكنة للمُسِببِ الأول أو القدرة الربانية ؟
* القدر الربانية لا يلزمها المُثل ولا القانون .
* القدر الإلهية لا يلزمها الزمن ولا المكان .
* لا يلزمها التمرحل والصيرورة
* لا يلزمها الجوهر ولا الماهيات .
* لا يلزمها السبب .
* لا يلزمها الوجود !
* إنها اكنفاء ذاتي كامل، وهي الكمال الذي لا ينقصها إلا النقص !! وتعزيزاً لهذا الكمال فقد شاء أن يُبدع النقص...
فأوجد المستوجد الأول.. ألا وهو العالم السببي.....
أترون... لقد تعقدت الأمور... ولا بد أنكم مللتم من هذه الأفكار الخشنة غير اللطيفة التي أقذف بها بوجوهكم ولكن،وكما يبدو فانأ بحاجة ماسة إلى ركيزة تدعم الأفكار التي قلتُ بعضها وسأقول غيرها لاحقاً... من ثم ما العيب في ذلك.. فكلنا نعاني من الملل والفراغ... وخاصة وقد شاهدنا الغيث الأول من الشتاء ! .... وشرعنا نحضر حطب المواقد لنستدفيء من شر البرد ! ما العيب في أن نتحدث في مثل هذه الأمور الخالصة من العقد التقليدية، المحررة من الغايات الشخصية والتي تتصوب نحو الحقيقة المحصنة داخل غموضها السحري... لعلنا نرتاح إن عرفنا الحقيقة أو بعضاً منها من عناء الحيرة والجهل.... ولم لا ؟!
فدعونا إذن نعلل ما قلنا:
إن صفات الله الواجبة منطقياً، والمستمدة من وجوب وجودها كنقيض لا سببي ، أي لأن صفات الله لا سببية في قدرتها ووجودها،ولأنها تملك صفة الإبداع المفروضة استنتاجاً، أي ابداع وجود من عدم , فهو " الله " عز وجل لا يحتاج في ابداعه إلى قانون أو مُثل أو نموذج أو ماهية أو جوهر قبلي كي يبدع موجوداً إضافة لوجوده... إنه يبدع ما يشاء حين يشاء ولمجرد أن يشاء . فينتزعه . تواً من عدم إلى الوجود بكامل شكله وكامل قانونه . فلا يحتاج إلى نموذج قبلي أو قانون يعمل بوفقه كي يوفق في بدعته . وبناء عليه، فهو لا يحتاج إلى التنبؤ ولا إلى التمرحل ولا إلى الزمان ولا إلى الحيز المكاني ولا إلى السببية كقانون لأنه قانون ناقص لذاته ولا يتيسر وجوده الا بدافع البدعة .
الحقيقة :
أن كان الكمال المطلق هو صفة واجبة لطبيعة الله.... وإن كانت طبيعته ومشيئته ما فوق السبب، أي لا سببية في فعلها بل ابداعية... تومض لمداركنا حقيقة يقينية وهي:
أن الله كمال لا ينقصه الا النقص... وهذا الكمال هو أسمى كمال يمكن للعقيلة أن تعقله... ولكن كي يصبح بدافع الضرورة المنطقية كمال الله كمالا ً لا ينقصه الا النقص، ولكي يستقر على الإكتفاء الذاتي بكماله فقد أوجد النقص الكامل ، أوجد السبب أوجد الكون في نقائه الأول .
تعليل أضافي :
أن كانت طبيعة ألله عز وجل كما ورد أعلاه، فهي في إكتفاء ذاتي... لأنها تحوي في وجودها القدرة على ابداع كل ما يشاء ، فإن كان كل ما يشاء متضمناً في قدراته فهو لا يطمع بشيء هو مالكه.. ولأنه مالك كل ما يمكن أن يكون .. فهو مكتف ذاتيا ولا يحتاج لشيء.. لأنه لا يمكن لأي شيء أن يكون قائماً خارج إرادته.. إذن هو مكتف بذاته.. لأن الضرورة المنطقية تعلمنا أن لا أحد يطمع بشيء هو مالكه... ولأنه مكتف بذاته فهو لا يحتاج إلى الوجود ولا يتحكم فيه الا إذا شاء .
بهذا أيها الأخوة النجباء حددنا تخوم اعتنائنا وحدود مسائلنا، وهي المستوجد، أو العالم السببي ... الذي هو الكون !! ولكنني أراكم من خلف الأسطر تشيحون بوجوهكم عني وتهمسون الواحد للآخر :
كيف بلانا الله بهذا الثرثار غير المستقر على قرار...
ابتدأ عائداً دون أن يغادر.... فبتتنا ندعو الله أن يغادر دون عودة !
وأنا أقول بأنكم صادقون في قولكم ... لأنني أنا نفسي لا أعرف الذي قادني إلى هذه النقطة المعقدة والمحرجة , عموماً... هذه عقدة حياتي.. فأنا كوطواط فقد سوناره الطبيعي... فبدأ يغير من اتجاهاته كلما تخيل حائطاً أمامه ! ... ومشكلة الوطواط أن ضوء النهار لا يساعده في الرؤيا !
هذه مآساة وطواطية .. وهي مأساة ثقافية أيضاً... البحث عن الحقيقة ... والأنكى من هذا أن هذه الصفة أصبحت قديمة ومهملة وغير جدية في زمننا ! ولكنني أعتقد بأن حضارة الإنسان وصلت إلى ما وصلت إليه من تقنيات رفيعة المستوى وإدراك لقيمة الإنسان بفضل هؤلاء الذين فكروا بالوصول إلى الحقيقة....
فلماذا لا نغامر علَّ الله يفتح علينا جميعاً بفكر يهدينا إلى سلامة التعايش في الوجود... إلى متعة هذه القدسية الخالدة المسماة : الحياة !
العائق الوحيد الذي يعترض إيضاح ما قلته حتى الآن هو الشتات الذي تبعثر من فكري دون ربط بين الأفكار في نسق واحد مفهوم وواضح .... فبدأت أفكاري كخليط من الكلمات لا نمو عضوي بينها وذلك، لأنني فصلت نوعين من مراتب المعرفة، الأولى: معرفة المحرك الأول ووصف طبيعته وكماله واكتفائه الذاتي المطلق وتعاليه عن صغائر عقلنا مهما سمت !
والنوع الثاني :هو نوع الخلق وعالم الصنعة.. وهو عالم في تخوم السبب والنتيجة ... وتخوم التعقل والإدراك.... وهو النقص الذي أبدعه المحرك الأول لغاية لا يسعنا إلا أن نحزرها حزراً، وهو أنه بجلال كماله لم ينقصه إلا النقص كبدعة إضافة !!
ولو نظرنا إلى الوجود بعين فاحصة لأدركنا بأن ما هو عليه الآن يختلف إختلافاً عما كان عليه قبل خمسمائة عام ودواليك تراجعاً في الزمان إلى ما نهاية.... والإستناج الأول الذي يتبدي للأذهان هو أن الوجود تطور بمفاهيمنا الإنسانية وتغير بالمفاهيم الوجودية الكونية .
والسؤال الذي يتبادر – ولا بد - إلى أذهانكم , كيف كان الوجود حين براه الله أو المحرك الأول كما سماه اليونانيون القدماء !
وللإجابة أقترح التصور للوجود في نقائه الأول :
تصور :
*لقد أبدع ألله وجوداً سببياً متمثلا ً في قدرة سببية توازي في قدرتها قدرة الله المبدعة.. الا أنها في مسار السببية... أي أن المستوجد الأول ( الكون ) في نقائه الأول ملك من السبب الأول قدراته الفائقة وصفاته الخالده التي لا يستوعبها فكر ولا
حدس عدا ثلاث صفات :
الأولى : الإكتافاء الذاتي .
الثاني : الإبداع .
الثالثة :التنبؤ .
التعليل الأول : كي يملك الشيء الإكتفاء الذاتي فعلى الشيء أولا ً أن يكتفي بذاته . ولكي يكتفي بذاته وجب أن يكون كل شيء فيه ولديه، ولأن المستوجد الأول خال مما سيذكر أدناه، أذن فهو موجود ناقص لا يستطيع ولا يملك نعمة الاكتفاء الذاتي ! .
التعليل الثاني :
لأن المستوجد الأول، اوجد في تخوم الوجود السببي ، ولأن الوجود السببي خال من العدم، ولا يستطيع أن يكون جزءاً منه ، فلا يستطيع هذا الوجود أبداع شيء من لاشيء أو وجود من العدم لانعدام العدم في وجوده. ولأن صفة الإكتفاء الذاتي تلازم فقط من يوجد وجوداً من لا وجود، أذن، تسقط هذه الصفة من صفة المستوجد الأول...
ولأن التنبؤ غير وارد في طبيعة المبدع الأول لعدم لزومه، فهو أيضاً غير وراد في صفات المستوجد الأول .
تفسير : التنبؤ غير لازم، لأن ألله عز وجل، حين يبدع شيئاً يبدعه بداية ونهاية دفعة واحدة ووحدة ابداعية واحدة، أنه لا يتعامل مع الإبداع بشكل سببي، أي لا يركب جزءاً من جزء حتى يتنبأ بنتيجة المركب... ومن يعتمد التنبؤ، يعتمده استناداً على أسس وقوانين قبلية قد تكون حدسية أحياناً أو صورة ومُثل وتجربة وتمرحل زمني حتى نضوج المركب والوصول إلى غائيته التركيبية..وهذا ما لا يلزم في قدرة الإبداع .
الصفات الواجب وجودها في المستوجد الأول
* قدرة حية
* واحدة لا أجزاء فيها .
* واعية وعياً مباشراً لذاتها حساً وتخاطراً .
* مستقلة لعدم وجود قدرة ثانية في تخوم وجودها
* لا تناقض فيما بينها .
* لا وجود للشيء " الجزء " لعدم وجود نقيضه
* لا وجود للحب... لعدم وجود الكراهية والمقت والحقد
* لا وجود للحرية .. لعدم وجود الجبر والعبودية والقسر
* لا وجود للخير والعدل.. لعدم وجود الشر والظلم والإفتراء والتنكيل .
* لا وجود للطمع والإستيلاء... لعدم وجود الحاجة .
* لا حاجة لوجود الصدق .. العدم وجود الكذب الرياء والنفاق .
* لا حاجة لوجود الشرف .. لعدم وجود الفساد والتردي
* لا وجود للسلام .. لعدم وجود الحرب والعنف ..
* وهي ليست جوهراً .. لأنها تنقسم وتتكاثر
تعليل :
إنها قدرة قادرة على صياغة نفسها كما تشاء ، مادة أو روحاً ... مادة خام غير محددة، فعالة ، لكل ما يمكن أن يكون موجوداً .
حقيقة :
البداية : ما كان ، كان وجوداً سببياً وليس كوناً . !!
ها الآن قلت شيئاً يدعو إلى التفكير .... قلت أن المستوجد الأول كان وجوداً سببياً ولم يكن كوناً ... فكيف وفق هذا التصور أصبح الوجود السببي الذي براه الله كوناً ؟
الشوق إلى الكمال ! الشوق إلى الإكتفاء الذاتي !!
هذا هو السبب المنطقي الوحيد !
لقد نظر المستوجد الأول إلى نفسه .... فوجد نفسه قدرة لا نهائية من الإمكانيات.... وجد نفسه رغم ذلك وجوداً ناقصاً إلا من الطموح بأن يصبح كاملا ً .... ووجد في روحه الحية ووعيه غير المتناهي شوقاً أبدياً إلى الكمال الذي أوجده ...
فجزأ نفسه كي يصيغها من جديد بشكل أفضل كي يرتقي بوجوده إلى الوجود الأعلى... إلى الوجود الأب ... السبب الأول الذي تتحقق إراداته لمجرد أن يريد ...
أجل جزأ من نفسه .... فتفجر في خلاء الكوني رذاذاً وأجزاء !! ولعل هذه التصور يتطابق مع ما قرره العلماء حين أدعوا بأن بداية الكون منذ الإنفجار الكبير ....
والآن أيها النجباء ، سنبدأ سوياً ببناء الكون وفق هذا التصور...
أعرف بأن جرأتي تُغضبكم .... ولكن ، ما العيب في هذه المحالة .. أليست أجدى من الثرثرة والإستغابة والتلهي بالسياسة والفساد السياسي ، والأحكام التخمينية على السلوك الإجتماعي والفردي ؟
لربما ، لربما إن أكثرنا الحديث عن السلبيات السلوكية ، يبتعد الناس عنها ، ولكن كما ذكرت ، هذا ما قد يحدث في عالم الصنعة، وليس في عالم الخلق.. رغم أن غائية الخلق والطبيعة الكونية بأن تُمبديء سلوك الإنسان وفق نهجها في السعي إلى البقاء والكمال ! لأن هذه المبدأة غير الواضحة حالياً هي سلاح الكون بخلوده !
لا أعرف كيف أتتني هذه الفكرة ، ولكنها , وكما يبدو فتحت أمامكم سرداباً من الغموض , لا تزحف فيه إلا العقول النيرة فما رأيكم ، ولو من باب التمثيل والإدعاء أن نحاول الزحف في هذا الدهليز ... فقد يقودنا إلى باحة من باحات الحقيقة الخالدة ؟
أعرف بأنكم لا تنتمون إلى فئة الجرذان والفئران ولا إلى فئة الخلدات ... ولعلمكم أن من ذكرنا أسماءهم ليسوا الوحيدين الذين يزحفون داخل الأنفاق والدهاليز والجحر ... كما أنني أعرف ، بأن ما حدثتكم به حتى الآن وما أحدثكم به لاحقاً لن يزيد من قوت يومكم ولا من مشروبكم بشيء ,العكس هو الصحيح ، فكلامي هذا، يجفف اللعاب في البلعوم ويضجر القلب ويصب في دنان السأم حتى الفيضان !! ولكن،: خير الكلام ما لا يتقمط ببذيء ، ولا يتظلل بشر ، ولا يوحي بفساد ولا يتزين بنميمة ولا يتشكل بنفاق ، ولا يوزن بميزان ظالم ووعد عاق !
ولا تسألوني كيف خرج مني هذا القول ... فأنا نفسي لا أعرف أو لعلي لا أذكر, حيث أنه انبثق من دخيلتي متجاوزاً ذاكرتي الواعية لذاتها ! ولكن ، ما المهم في الكلام غير الكلام ؟ أيُهم القائل أم ما قاله القائل ؟ فرحم الله من قال " إن كان قد مات " : الكلام هو الذي يخلد صاحبه رغم أنه سيموت وتأكله الديدان !
وطالما أن الديدان تأكل الجسد حين يتحلل ، فلا بد لنا أن نسأل : ما الذي يمنع الديدان من أن تأكل الجسد الحي ؟
أترون ؟ لقد عقدتكم ولا أقصد بذلك شراً ، وإنما مجرد سؤال يفتق لكم عقولكم كما يفعل الفتاق في صرة البطن !
فحقاً لماذا تأبى الديدان الإقتراب من الأجساد الحية، بينما نراها تنقض على الأجساد الميتة تقضمها وتفترسها حتى تأتي على كل لحمها وشحمها .. ومن بعدها تموت !
ألا تندهشون من هذه الظاهرة التي تواكب حياتنا وطبيعتنا دون ملل وضجر؟
لعلكم لا تندهشون لأنكم تعون الحقيقة وعيناً كامنا ً ، أي في وعيكم الباطني وليس في وعيكم الواجد .... ما رأيكم ؟ أنا أوافق على أنكم تعرفون ولكنكم لا تعرفون تعليل ذلك , وتعليل ذلك أن الديدان لا تفترس الأجساد الحية ، ليس لأنها لا تحب اللحوم الإنسانية الطازجة ، ليس لأنها تخشى أن يُطلق عليها أسم أكلة لحوم البشر ، بل لأن الإتفاق الطبيعي يمنعها من فعل ذلك ، أجل ، إتفاق طبيعي ، معاهدة طبيعية سنتها الروح والوعي الكوني ....
أعرف بأنني أبلبلكم ... وأعرف بأنني أبدو كمن يخلط حابل الكلام بنابله ،وكل ذلك نبع من اللحظة التي توقفت فيها عن الإستمرار في الحديث عن المستوجد الأول الذي جزأ نفسه .... تخيلوا موجوداً واعياً وحياً يفتقر إلى الإكتفاء الذاتي ولا يملك خاصية التنبؤ ليتنبأ ما سيحدث له ! ومن جهة ثانية يملك شوقاً عملاقاً يحثه إلى الكمال لإدراكه اليقيني بأنه ناقص .
أنها حالة من عدم الرضى... حالة من القلق والتردد حالة من التقاعس الممل الذي يذهب بالهدأة والإستقرار !
أذن ، لا بد لهذا الموجود الواعي أن يحاول صياغة نفسه من جديد كي يرضى عنها ، كي يبلغ الكفاف ويحقق شوقه إلى الكمال .
ولكن لكي يصيغ نفسه من جديد فلا بد له أن يجزأها ليركبها من جديد ... ، وقد يسأل السائل من أين لك بأن المستوجد الأول كان واحداً فجزأ نفسه لتبني أجزاؤه هذا الكون الرحيب ؟
وبالطبع أيها السادة، لا أحد يعرف وإنما نستطيع أن نستنتج، فهيا بنا :
الطرح : الجزء هو قسم من كل .... ولا يعقل أن يكون الكل جزء من جزء حتى ولو حمل الجزء صفة الكل ...
الإستنتاج : إن كان الكون هو مركب من أجزاء مستقلة ، فهذا لا يعني البتة إن الإصول الكونية هي أصول مجزئة ... لأن الجزء لا يشتق الا من الكل.. والكل هو واحد ... من هنا ينبع بأن الإصول الجزئية للكون هي كل واحد مجزأ، بمعنى إن قبلية الكون كما نراه بمظاهره المختلفة وبتناقضاته وائتلاف أجزائه وتنافرها الواحد عن الآخر، وتعدادية أشكاله وتباين سبله ، كان كلا واحدا لا تناقض فيه وإنما أجزاء تابعة عضوياً لكلٍ شاملٍ مستقلٍ .
إن هذا الذي أتحدث به، يسمى فلسفة .. ومعناها الحرفي حب الحكمة ، كما سماها طاليس ، الفيلسوف اليوناني الذي سُمى بأبي الفلسفة الكونية ... والحقيقة، إن علم الفلسفة ، ليس "حب الحكمة بعناها الحرفي ، وإنما ، كما أراه مجرد محاولة فهم، وثيقةُ الإرتباط بعلائقها المنطقية ...
ولهذا،كما رأيتم حتى الآن ، فأنا أحاول أن أقدم اقتراحات لمحاولة الفهم هذه، من شأنها أن تركب الكون تركيباً منطقياً مقبولاً على العقل والأفهام .
بمعنى آخر ، يحاول الفيلسوف أعادة بناء الكون فكراً ومنطقاً ، كالبازل الذي يركبه الأطفال . هذا يعني ويكثر من العجب والسخربة الفيلسوف، ما هو إلا طفل يركب البازل الكوني كما يتفق وفكره !
المهم من ذلك ، وما ينتج عنه أن الفيلسوف يفكر ... بل ، لعل التفكير هي المهنة الوحيدة التي يُجيدها .... ولهذا ، ولأن هذه العملية الدماغية تتعب صاحبها ، فلم يحبها بنو البشر إلا حين كانت تخدم حياتهم المادية والغرائزية ... ولهذا ، فقلما أحب الناس الفلاسفة ... خذوا مثلا ً سقراط .... كان إنساناً دميماً، عاطلا ً عن العمل .. تكرهه زوجته ولا تُطيق أن تراه وترى جلبابه الأبيض الرث، ولا شعره الكث .... ولكنه ورغم ذلك كان جميلا ً... فقد ملك على محبي الحكمة والمعرفة عقولهم... وقوض خصال الفساد وكشف منابع الإنحلال ، فأغضب أصحاب المناصب وأولياء القرار فحكموا عليه بالإعدام ... ولكنهم ،هم الذين ماتوا واندثروا ولم يبق لذكرهم أثر..وهو الذي عاش وبقي حياً بفكره حتى اليوم ...فمن منكم يعرف أسماء الذين حكموا عليه بالإعدام ؟ ومن منكم يعرف من كان أرباب العائلات ومن كان الأمراء والقضاة والقادة في ذلك الزمن ؟
لا أحد . ولكننا كلنا نعرف سقراط ... حتى وإن لم نعرف كنه فلسفته!!
والآن أشعر بأنني غصت في دوامة رملية لا أعرف كيف الخروج منها .... وأشعر أيضاً بتأففكم من خلطي وعدم تركيزي ... فكأنني سبحة قطع خيطها فتطايرت حباتها كل واحدة في جهة !
ولا بأس في ذلك ... فوظيفتي هي أن أجمع الحبات لأعيد السبحة إلى سابق عهدها !!
هل أنتبهتم إلى أن مَثَلَ السبحة يشابه من حيث المبدأ تشظي وتجزئة المستوجد الأول.... ؟ ولكن الفرق بين حبات السبحة وأجزاء المستوجد التي تطايرت في الخلاء الكوني ، هي أن الأجزاء دخلت في دوامة من الفوضى وعدم الإتزان ... بل لعلها لم تدرك مصيرها ولم تعرف اتجاهها ، فأوغلت في الضياع والتشظي والإنقسام ... شيء من الإنتحار الجماعي ... شيء من الإندفاع نحو بوابات العدم الكوني .. ولكن المستوجد الذي وصفناه سابقاً قبل أن يتجزأ بأنه كان وعياً طاهراً وروحاًً واحدة حية... والأن الروح لا تتجزأ من دافع الإستحالة المنطقية، فلقد سعت هذه الروح الواعية وتواصلت مع أجزائها المنتشرة في الخلاء الكوني ! وسنت لها القانون الأول،قانون الحب .. قانون حب البقاء الذي لم يكن جزءاً من وجودها الأول لعدم لزومه . وسنته وغرسته في استقلالية الجزء، المعن في الضياع والتشظي كي يحد من اندفاعه الأعمى نحو الفناء .
وهذا المعايير هي معايير كونية كما أرها ، وبما أن الإنسان هو مجموعة من الأجزاء الكونية المتلاحمة ، فهو منصاع بدافع طبيعته لهذا القانون الكوني ... قانون الحب الأول .. قانون حب البقاء .
طبعاً، قانون حب البقاء اليوم ، وفي عالم الصنعة متعلق بشكل مباشر بالتخصيب الذري ..... ! ولو سألنا الأمريكان والأوروبيين مثلا ً عن سبب امتلاكهم اللأسلحة الذرية لأجابوك : من أجل البقاء والديمقراطية ... ولو سألتهم عن سبب منع الدول النامية وغير النامية من العالم الثلاث امتلاك القدرة النووية لأجابوك : لأن السلاح الذري يضر البلح وجوز الهند والموز وحبوب البن ويسبب العقم للجمال والفيلة والجوارح الصحراوية كالباز والشاهين والنسور والغربان، حيث أن الإشعاع يعريها من ريشها فتحط على الأرض قسراً وتسبب أزمات سير في الصحارى والبطاح .
فقط من أجل هذا تسهر اللجنة الدولية للطاقة الذرية على حفظ التوازن النووي من أجل القانون الكوني الأولى : حب البقاء !
صدقوني هذا هو السبب ! لكن العالم الذري خان الباكستاني استخف بهذه الحقيقة وذهب يبيع التقنيات الذرية للدول التي أرادت أن تقوى بذريتها .... الأمر الذي استوجبه الإعتذار عن الأعمال المشينة غير المحببة لإخواننا الغربيين والغربيين !!!
وهناك نقطة أخرى تحذر منها لجنة الطاقة الدولية ، وهي أن الريح الشرقية قابلة للتخصيب السريع من المواد المخصبة الأمر الذي يهدد بتقوية الأعاصير كالهوريكان وريتا وقد يتسبب بتنشيط فوهة بركان فيزوف .. وقد يتسبب بالتسونامي القتال والله أعلم كما يقوم قدمائنا الشيوخ ... عموماً الإنطباع الأكثر شيوعاً في وضعنا الراهن والذي تتبناه الأمم غير المتحدة هو أن للشرقيين الكثير الكثير من ذرات الرمل ، وهم ليسوا بحاجة لذرة أخرى تثقل كاهلهم .
والمهم في هذه القصة التي حدثتكم بها الآن، والتي حدثني بها أحدهم ،من الذين يستمعون كثيراً إلى المذياع هو الحب والذرة !!!
وجميعنا يعرف بأن الكون على ما به مركب من نوعين : الذرة في الجماد والخلية في الأحياء..
والعجيب في الأمر بأن الخلية الحيوانية هي نفس الخلية النباتية ونفس الخلية الإنسانية .... وإن الذرة التي تركب الحديد هي نفس الذرة التي تركب الحجر !
وإن الخلية لا ترى بالعين المجردة وكذلك الذرة لا ترى بالعين المجردة .... وبمعنى آخر أن العالم الذي يرى بالعين المجردة مركب من جزيئات لا ترى بالعين المجردة !
فما رأيكم بهذا السحر الكوني ؟
ولو أطلنا التفكير لوجدنا بأن الحياة في فعلها المجسد ما هي إلا أشكال متباينة وواحديتها في مجمل تباينها أو لعلنا نعكس القول بأن تقول : الحياة هي مجموعة من أشكال حياة وجماد... أو لعلنا نصوغ القول بشكل أوفى وأصدق فنقول :
الكون هو مجموعة متباينة من الأشكال .... وأما جوهره القبلي فما هو إلا مستوجد سببي لا شكل خاص له ولا وصف سوى وصف طبيعته التي كنا قد أشرنا إليها ، وخلاصتها في أنها قدرة فائقة على الخلق والتطور ! إذن، نعرف الآن بأن أجزاء الوجود كونت أشكالا ً !!
ولو سألنا سقراط وأفلاطون ، لقالا لنا بأن لكن شكل ماهية قبلية كونية ... أما أنا فأدعي بأن كل شكل هو مجمل ما استطاع أن يكون فقط ... فالحمار حمار لأن دفع الحياة الجزئي فيه وتعاضده معاً شكل حماراً وليس إنسان أو شجرة أو حجراً ... وهذا القول الجريء قد يثير الجدل والاستغراب ولكن لا بأس بذلك فان ما اقترحه هنا يمتد وينمو عضوياً من الطرح الأول - الطرح المنطقي - الذي طرحته سابقاً .... والذي لا يأتي بأي شكل من الأشكال بتناقض بي الفرض والنتيجة ، والذي قد يتلاءم والحصيلة العلمية المعروفة لنا عن الحقب الجيولوجية العديدة وعن الهيكلة الطبيعية لنفسها في كل عصر وعصر.... منذ فجر المستوجد نفسه وشرع يصوغ نفسه ساعياً بشوق إلى الكمال الذي حُرم منه إبداعاً .
حاولوا أن تتخيلوا الأبعاد الإسطورية للمجرات ...
وحاولوا أن تتخيلوا أن ما وصلت إليه الطبيعة اليوم هو ناتج عن مسيرة الملايين من السنين والملايين من التجارب التكوينية التي فسدت بدافع عدم صلاحيتها ....، وهناك شبه اجماع لدى العلماء على أن عمر الكون بضع مليارا تمن السينين ...
وعلى سبيل المثل فإن عمر الشمس يقدر ب – أربعة مليارات ونصف المليار سنة ! وإن العمر المقدر لوجود الإنسان هو ثلاثون مليون سنة !!
لن نتوقف عند هذا، ولا بد أنكم تتضاحكون قائلين :
وأي اكتشاف أتيت بهذه المعلومة المليء مثلها في الكتب العلمية وخاصة الجيولوجية والجغرافية ؟
صحيح ، فأنا لم أت بجديد بهذا القول، إنما قصدت من ورائه أن أشير إلى الفرق الشاسع بين النشوء والإرتقاء وبين الصياغة والهيكلة من جديد !!
لمن يفهم في الفكر الفلسفي ، فلا بد وأنه لاحظ بأنني عالق في دوامة ليس لها قرار... وقد يُسأل :
ما هو الشيء الذي جعل الأجزاء تلتئم مع بعضها لتخلق أشكالا ً؟ وما الذي حد من الفوضى العارمة التي نتجت بعد أن فجر المستوجد الأول نفسه وتناثر في خلاء البدعة؟
بالطبع ، لقد استعملت روح الكون صمغها لتوصل بين الأجزاء المتناثر ...وما الصمغ سوى قانون يجعل الأجزاء تتجاذب وتتحد أو تتنافر وتبتعد ... !
وهذا القانون هو قانون السلام .. قانون التهادن.... !
وهو الذي جعل الذرة تلتصق بذرة أخرى وبذرات غيرها حتى كونت شكلا ً!!!
أرأيتم وصلنا إلى نقطة يتضح لنا فيها بأن السلام ليس مجرد أتفاق انساني وإنما هو قانون كوني من القوانين الأولى التي كونت الأشكال الكونية على تباين أشكالها وأحجامها.... ! حتى لو لم تتيسر الدواعي الميدانية أو الأسس التكوينية للجزء كي يتحد مع الجزء .... أنه – قانون السلام كالصمغ يلصق جزءاً مع آخر حتى لو فقدت بين الأجزاء موضوعية التواصل !!!
ما رأيكم فيما لو نسترح بعض الشيء من هذا الكم الهائل من الأفكار اليابسة كهشيم الصيف أو الناضبة كالربع الخالي ؟
حسناً، أنا أعرف بأنكم كنتم تودون الإستراحة منذ بدأت ولكنكم تفضلتم علي بكرمكم السخي حتى وصلنا إلى هذه النقطة التي بدأنا بها بِشعْر ٍ فخرجنا منها بفكر .
لا بأس فقد ينتفع أحد بهذا الذي لم ينفعني وينفعكم !!
الخطبة الثانية
السلام عليكم ؛
عدت ثانية .. رغم أنني على يقين، بأنكم ، ما كنتم تودون أن أعود، ورغم هذا، فإن الحاجة النفسية الملحة التي تجتاح إحساسي وإرادتي ،تدفعني إلى نوع من البلادة والتغاضي عن خجلي منكم لكوني أثقل عليكم هدأتكم بثقيل الكلام .
صحيح أنني وعدتكم في البدء بأن أشرح لكم سبب عودتي .... رغم أنكم اكتشفتم بأنني لم أغادر ولو لمرة واحدة ولم أجتز أبداً مسطح قريتي !
ولكن، ولأسباب، ما كنت أعلم بوجودها ، قد داهمت سردي فانتحى مقصدي جانباً، فتهت في أفكاري التلقائية تلك التي كنت قد حدثتكم بها .
ولعلمكم ؛ مثل هذا الأمر لا يحدث في الطبيعة مطلقاً ... فغائية الطبيعة التي تنتحي جانباً لتسيطر عليها تلقائيات ثانوية... تؤدي إلى فساد في النظام الكوني العام ... فتخيلوا مثلا ً؛ الفصل فصل الصيف . الشمس مشرقة ودرجة الحرارة فوق الثلاثين مئوية . وفجأة وعلى حين غرة ؛ تغير الطبيعة وضعها فتكفهر السماء ... وتعتو العواصف والصواعق ويهطل المطر الغزير ... وكل ذلك في فصل الصيف الحار ! فماذا كنا سنفكر في هذا التلقائية غير المحسوبة طبيعياًً ؟
أكيد ، ؛ سنفكر بأن غضب الله قد حل علينا ... وأن هذه الظاهرة ما هي إلا تحذير رباني بدنو الساعة .
بيد أن التخلي عن المقصد ، والتعلق بمخايلة فجائية ، هي ، كما تعلمون ، نمطية سلوكية في الفكر الإنساني .... ! والمخايلة كما لا تعلمون هي كلمة من اختراعي .. معناها الفنطاسيه باللغات الغربية ... ومعناها العمل الذي يتجاوز القوانين العملية المتعارف عليها ، وخاصة في الأعمال الفنية والتمنيات الشخصية ، ولنعد إلى ما بدأته :
فقد قلت بأن المخايلة هي نمطية سلوكية في الفكر الإنساني وليس في الصيرورة الطبيعية . وهذا معناه ، بأن الطبيعة محكومة بمكانة قانونية ، لا تسمح بها لنفسها بالتسيب الإنساني المنفلت من القواعد المنطقية لصيرورة الشيء المفرد والهرمونية العامة التي تكلل البقاء! هذا من جهة، ومن جهة ثانية فهذه دلالة قاطعة على أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي ملك حرية بأن يكون منطقياً وغير منطقي ، وحرية بأن يكون تابعاً وحراً ... وحرية بأن يكون اتونومياً " مستقلا ً " في الإرادة والأختيار المطلق وفق أهوائه الخاصة . فالإنسان يملك تأشيرة وجود ليكون ذا أهواء شخصية غير محكومة ...وغير مستعبدة من قبل أي قانون منطقي... وكل هذا فقط في تخوم وجوده الفكري ، الروحي والنفسي وليس في تخوم وجوده البيولوجي الجسدي إلا اذا صدقنا تشارلز دارون الذي طورنا عن القردة ! بمعنى آخر ، الإنسان كما يبدو للعقل الناظر . ما هو الا ثنائية منسجمة في واحدية ، هي الإنسان بكليته ! نصفه يلتزم بالقوانين البيولوجية والنشوئية ، ونصفه الثاني لا يتحكم الا لما يتبدى له فهماً وإحساساً !
أنه جسد.... وروح كما علمنا إياه تاريخ المعرفة الإنسانية ...علمنا ان لكل إنسان جسداً وروحاً ... وهكذا ؛ فالعالم مليء بالأجساد والأرواح !! ولكن لماذا ؟ وما الهدف من هذه الثنائية المتناقضة ؟ وهل هي حقاً ثنائية كما تبدو أم أنها على غير ما تبدو ؟
لعل تعرفنا للجسد كمادة هو أساس المشكلة ! أو لعل فهمنا للروح على أنها تجاوز للمادة أو مفارقة لها أساس عدم فهمنا لحقيقة أنها ليست كما نفهمها ! عموماً، كل ما نعرفه حتى الأن هو أن الروح لا تحل عليها قوانين المادة أو صفات المادة ...
فهي لا تحتل حيزاً ... ولا تمتد أو تتقلص أو تُلمس أو تشاهد وليس لها حجم أو وزن وإلخ من صفات المادة ، فمن أين لنا وجود كهذا وكيف نستطيع أن نؤكد وجود شيء لا نملك إي إثبات لوجوده ،ولا نملك القدرة على تحجيمه أو وصفه مادياً ؟
ألا يبدو لنا هذا الأمر غريباً ، ؟ العقل البشري قرر وجود شيء لمجرد أنه قرر وجوده أو أحس بوجوده ليس إلا !! أو أنه لم يجد تفسيراً آخر للجسد الحي سوى أن الروح تسكنه ! وهل حقاً تسكن الرواح الجسد!! وإن كان الأمر كذلك فأين تقيم وفي أي جزء تتواجد ؟ لا أحد يعرف ... أتعرفون لماذا لا يعرف أحد أين تسكن الروح في الجسد ؟
حسناً سأجيبُكم أنا ، فلا أحد يعرف أين تسكن الروح في الجسد ... لأنها أصلا ً لا تسكون بالجسد ! فما رأيكم في هذا القول الجريء ؟ هل بدأتم بشتمي ؟ هل بدأتم بالسخرية من قولي هذا الذي لا يستوي وعادة منطقكم بألا يكون منطقياً !
أعرف بأنني أتعبكم بهذا الهذر الفلسفي غير المقبول عليكم ! وأعرف ما تتهامسون به عن مخايلتي هذه غير المرحب بها على أرض واقعكم...
وأعرف أيضاً بأنني أخاطر بصفاء فكري الذي بدأ يُغيم ببعض السذاجة الفكرية التي تلبك له مساراته المنطقية ، ولكن مهلا ً ... لماذا لا نناقش الموضوع بشكل موضوعي ؟
ما رأيكم أولا ً فيما لو نراقب الولادة والموت ؟
أقصد حين يرى المولود ضوء الدنيا ، حين يفصل الحبل السري يُهز في الهواء أو يُضرب على استه كي يصرخ ويبكي ؟ لماذا ؟
كي تثير الجسد فيحدث تماسٌ بين ميكانيكيته وبين الروح الواحدة !! هكذا طالما هذه الميكانيكية صالحة في تفاعلها المتدائر ( من كلمة دائرة – استحداث ) فهي قادرة على استيعاب فاعلية الروح الحية .. وحين يحل بها عطب جوهري ، تفقد القدرة على استيعاب الروح فيموت الجسد وتتوقف فيه الحياة ليتفكك ويتحول إلى عناصر طبيعية أخرى تكمل التداور الطبيعي ! وهذا أثبات قاطع علىان بني البشر هم أخوة لأم واحدة، الروح الواحدة الوحيدة !!!
تعالوا نتخيل سوياً ما حاولت قوله .
قلت بأن الكون بما فيه هو حي ويملك روحاً واحدة !
وأنه ورغم غرابة الأمر ، مبني على أسس وقوانين ، عُرِّفت فما بعد على أنها أسس وقوانين أخلاقية ... ومعنى الأمر ان هذه الأسس والقوانين هي ضمانةٌ سنها الوعي الكوني ( المستوجد الأول ) ليضمن لنفسه البقاء في تخوم الخلود ، وليبقى منطلقاً بشوقه الأبدي نحو الكمال ، نحو التجوهر ! بكلام آخر ، هدف الوجود هو التطور نحو الأحسن وفق معايير أخلاقية تدحض الشر ؛ وتساند الحب ... تقدس السلام وتتقيد بالحرية !
ونستنتج من هذا ان الإنسان حرٌ بدافع الطبيعة ...... وأن العبودية والإستغلال هي لعنة ووصمة عار تناقض روح الكون وأمر الباري ... وأن الحرب ما هي إلا انحراف عن هدف الحياة وإرادة الكون المتماهية في إرادة الله !
الحياة أيها النجباء لا تؤمن بأبطال الحروب وإنما بأبطال الحياة !!!
قلت ما عندي .. والأن خففوا غضبكم عني ...، فالتفسيرات لا تغير من واقعية الشيء ،فكل من يشعر بأن روحه ملك له ، فليشعر ، هذا لا يخل بالنظام الطبيعي ، وكل من يشعر بأن روحه ليست جزءاً منه وليست ملكاً له ، فهذا لن يجعله من عداد الأموات . أنها فقط أفكار وكلمات ، قد تفنى وقد تُنسى وقد لا تعني أحداً . والحقيقة ، ليس هذا ما قصدت قوله في هذه الجلسة وفي هذا الهرج التلقائي ! بل قل لم أعرف أنا نفسي بأنني سأتفوه بما تفوهت .. ولم اعرف بأنني سأصل إلى حيث وصلت ... وهذا يحدث لنا دائماً ، نحن العرب.... فعقولنا تكره التخطيط والتقنين والتدقيق .... نحن أبناء التخمين والتلقائية ، نحن أبناء ما يريده الله لنا ..... وهذا حسن إلى أقصى الحدود ... ولكن المشكلة التي أعاني منها ، والتي تسبب لي معظم الأزمات الثقافية والضميرية والقومية والإنسانية هي أنني لا أصدق بأن ما نحن عليه هو ما أراده لنا الله فقط ! فما رأيكم في هذا القول الذي لطمني جدي من أجله على خدي حين تفوهت به في الماضي ! طبعاً عُدت لأتفوه به الآن لأن جدي أصبح ممن تولاهم الله برحمته وتغمده بعظيم شفقته " رحمه الله ورحم أمواتكم " وما عدت أخشى من كف تلطم أو رجل تركل أو قبضة تدق وتنطح ، وما زلت أؤمن أن الصيغة الآنية للسلوك الفردي والإجتماعي هي حاصل مجموع قدراته وطموحاته وإرادته متجسدةً ، وأن الإدعاء المتعارف عليه ، والذي ينص على أن إرادة الله عز وجل ومشيئته هما اللتان تطبعان سلوكنا ونتائج سلوكنا ، لهو نوع من التهرب من المسؤولية أولا ً ، وهو النقيض في غالب الأحيان لإرادة الله في أن منحنا قدرة حرية الإختيار العقل والتدبير ، التخمين، الدقيق والتصنيف .... الكفاح والنضال ...... ولعلمكم لم يخلق الله شيئاً عبثاً ! فها أنا قد عدت إليكم بقصد وليس عبثاً ، عدت وأنا غاضب بعض الشيء وخائف " بعضات" الشيء وبعضات كما تعلمون هي الجمع الذي لم يجمعه أحد قبلي ، لأنه جمع بعض، وحين تجمع بعض إلى بعض إلى بعض، تصبح بعضات ،وكونها أصبحت بعضات تبطل البعض التي هي بمثابة الجزء من المجموع ، ولأن أجدادنا جهابذة العرب كانوا يعقلون، فما شاؤوا أن يتركوا لنا تراثاً لغوياً ينفي ذاته ، كما ننفي نحن ذاتنا .
مهما يكن ، وقبل أن أحدثكم عن سبب غضبي ، فأنا مدين بالإعتذار منهم عل جمع ما لا يُجمع ، والذي يُشبه بشكل من الأشكال ، إلى حد ما ، الوحدة العريبة، وكل هذا، هو ما لم أرد أن أحدثكم عنه ، ما أردته حقاً ، أصلا ً لم أفكر بأنني سأحدثكم عنه، ولكن ، مهاراتي غير المتناهية في الخروج عن السياق ، والتي كنتم قد صادفتموها سابقاً ، هي تلك التي جعلتني أصل إلى حيث وصلت . علماً بأنني قصدت أن أحدثكم عن سبب غضبي ، وخشية من أن أنحرف ثانية فإليكم بالقصة ،ولكن ، سأحدثها بالهمس ... كي يتعذر على أحد غيركم سماعي !!
أنتم تعرفون بأن الأمريكيين والأوربيين صنعوا آذاناً طائرة لتُصغي إلى كل الثرثرات العربية في الشرق الأوسط ؛ حتى وهم يتهامسون في الملاجيء وغرفة النوم ... والحقيقة ، أنا أشفق إلى جانب غضبي من استراق السمع والنظر ، أنا أشفق على هذه الآذان الطائرة ؛ كيف تتحمل كل هذه الثرثرات السياسية العربية دون أن تصاب بالدوخان والذهان العصبي ! وعمليا هذا هو السبب الذي يجعلني أهامسكم بما أغضبني ، فلقد صارحني أحدهم بسر أقلق منامي ، ومنذها وأنا أنظر إلى قبة السماء خشية من صاروخ "توماهوك" يحط على قرن رأسي فيفجر دماغي على صغره ويحرق لساني على طوله !
لقد قال هذا الأحدهم : أن بوش يُحب تعنيف العرب !!!
فقلت له : يا للهول ، وكيف ذلك ؟ أيصفعهم على أقفيتهم الطرية !!
فقال لي جاداً : هو لا يصفع ... أنه يضرب بالصواريخ !
فقلت : على أفقيتهم أم فهيا ؟
فضحك طالباً أن أكف عن الهزار ، وقال جاداً ما أردت قوله ، هو أن العالم سيحاكم في أحد الأيام بوش على جرائم حرب أو التسبب بها !
فكممت له فمه بكف يدي كيلا ينهي الحديث صارخاً به :
كف بالله عليك ... فقد يسمعوننا في البيت الأبيض ويطلقون علينا صاروخاً موجهاً يرى ويسمع ! فيضرب أقفيتنا بلا رحمة .
فقال لي : هذا إرهاب نفسي ، هذا ظلم ... ماتت العدالة الإنسانية ! أصرنا تخشى الكلام خوفا على أقفيتنا ؟
فضحكتُ ... ضحكت جداً حتى كدت افتق سرتي .. وتركته وأتيت إليكم والغضب ينزّ مني كما ينز الماء من الجرة !
يحدث لي مثل هذا الأمر كثيراً ! فأنا اضحك من شدة الغضب ! أنا لا أصرخ ولا أتمرغ كالديكة .. ولا أعفر التراب كسنابك الخيل وحوافر الثيران .
أنا أضحك بملء شدقي ... ولا أجد لذلك تفسيراً منطقياً غير أنني أعاني من خلل دماغي في إعطاء الأوامر .... ففي حين يرسل المخ العادي شارة الغضب لأعضاء الجسد حين يغضب حامله، يتلخبط مخي حين أغضب فيرسل شارة الضحك.....
وهذا الأمر مضحك للغاية ! ومغضب حتى شديد الغضب وما علي سوى حمد الله، على أن مثل هذا الخلل لم يصب الكون في بداية التكوين، فإنه لو حدث ، لرأينا الحمم والطمي بدرجة ما تحت الصفر والإنسان حين يضحك يعوي كالثعالب ، وبوش يناضل في العراق ضد الإحتلال الأمريكي .... أجل سيبدو كل شيء مقلوباً وغير منطقي ، بل خارج الذوق الطبيعي السليم للصيرورة .... وجدتُ الكلمة : الذوق الطبيعي للصيرورة ....
وهذه الجملة هي غير قابلة للتحقيق العلمي ....
فالحديد مثلا ً لا يتمدد وفقاً للذوق الطبيعي للحداد .... والحديد نفسه لا يلائم درجة تقلصة وفق أهوائه الشخصية .... وإنما وفق قوانين التمدد والتقلص الطبيعية .. أو المحكومة بإرادة الطبيعة الحيّة !
تخيلوا : يستطيع الإنسان حين يصل إلى أقاصي الغضب وجنونه أن ينفجر ضاحكاً... بينما ، الحديد إن وصل إلى قمة الإنصهار لا يستطيع أن يتقلص....
فلماذا أيها النجناء يلتزم الكون بقوانين لا تحتمل أن تحوي نقيضا ؟
والإجابة التي أراها صحيحة في هذا السياق ، هي كونه مبنياً على أسس مبدأية منطقية !
وإحداها قانون التناقض .... فلا يمكن للشيء أن يكون ونقيضه شيئاً واحداً !!!
إذن ؛ التمرحل الذي مر ويمر به الكون هو تمرحل منطقي ! يحل عليه منطق العقل كما يحل على العقل منطق الصيرورة !
وهكذا أيها الأخوة ؛ نستطيع أن نيقن بأن العقل يستطيع أن ينفي وجود كل شيء يتناقض مع قوانينه المبدأية ....وبالطبع لا أقصد فهمه .... فقد لا يفهم العقل ظاهرة من الظواهر لكنه لا يستطيع نفيها ! لأنه لا يملك الصلاحية المنطقية لنفيها ! وهنا أراني ملزماً بأن أوضح شيئاً مهماً للغاية. فكما أن العقل ملزم بأ يملك الصلاحية المنطقية لإثبات شيء ، فهو أيضاً ملزم بملك الصلاحية ذاتها لنفيها !! وهذه الصلاحية هي بوابة العلم ... عالم الصنعة !!
أرأيتم أيها الأخوة ،بقيت أهذي حتى قلت حكمةً كالذي ظل يهذي حتى قال شعراً ... والحكمة التي قلتها ، رغم أنها ما زالت في مقمطتها ، تبشر خيراً حيث أنها توصل بين المبدأ العقلي والواقع المعاش وبكلام بسيط ومفهوم .... أن من واجب العقل الإنساني أن يجتهد أكثر وأكثر كي يروض الغموض لمصلحة أن يثري صيانة حياته وصيانة الطبيعة التي هي جزء من الكون !
هكذا أبداً ، ففي حال يعي الإنسان عدم وعيه لما يحيطه من ظواهر وأحداث ، يحثه عقله أن يفهم عدم وعيه ، وفي حال وعى ما لا يعي يُجند وعيه هذا في مصلحته وفي تثبيت مبدأية صيرورة الكون المبنية على قانون الحب ، الحرية ، السلام ودحض الشر ! ولو فكرنا لبرهة بهذه القوانين لوجدناها المباديء للإنسانية ... ولإستمراريتها في السيطرة على حياة البشر والموجه الأول لسعادة الشعوب ولجوهر القانون الذي يتحكم بسلوكية الأفراد والمجتمع !
أجل ... هذه هي الأسس التي يتوجب أن يتبناها القانون كي يصبح عادلا ً !!! وما هذه الأسس إلا ناتج مباشر من الذوق السليم لصيرورة الطبيعة . قد يستوقفني احدكم بقوله : بالغت يا اخا العرب فالذوق السليم هو صفة انسانية بحتة وقد تستغل حين يعجز العقل البشري على الحكم المهني أو التحديد العلمي ، فيقال : أن فلاناً سليم ، الذوق ، وفقط لأن ذوقه لاءم ذوقي أو أذواقنا ... أنها الجانب الآخر للموضوعية المستوجبة هنا في مهرجان شرحك وفكرك !!!
وقد يبدو الأمر بادئاً ذا منطق سيلم ، حيث أن من طبيتنا أن نفرق بين الذاتي والموضوعي ، ومن طبيعة الفكر العلمي أن يدعم الموضوعي ويتنازل عن الذاتية !! هذا صحيح ، ولكن إلى حد لا يتجاوز التنظير العلمي ، الذي هو في نهاية الأمر، يحتاج إلى اسناد تجريبي ! . ففي حين تكشف لنا التجربة متحولات ثابته في شروط محددة نبني على هذه الحالة قانوناً علمياً ... ولكن قد يكون الأمر معاكساً تماماً ، حيث أن العالم قد يبني نظرية متجاوزة لحدود التجربة ... ولا يحكم فيها سوى منطق العلائق بين أجزائها . ولنأخذ مثلا ً ، الفرض الذي فرضه البرت أينشتاين ؛ حيث قال : إذ أرسلنا شخصاً إلى الفضاء الخارجي بسرعة 330000 كم في الثانية ،أي بسرعة الضوء ، لبضعة أيام متتالية ومن ثم نجعله يعود إلى الأرض بنفس السرعة لوجد العائد بأن البضعة أيام التي قضاها في الفضاء تساوي ثلاثون سنة أو أكثر .
الأمر يختلف في عالم المستوجد الأول ، وفي العالم المبدع الأول الذي يبدع شيئاً من لا شيء ... أنه يخلق بمجمل قوانينه وبدافع حكمته سليمة الذوق ... كذا المستوجد الأول الذي يُهيكل نفسه ويندفع مرتقياً نحو شوقه الأبدي إلى الكمال ومعياره الوحيد هو الذوق السليم في الإرتقاء والتطور ... وأما القوانين التجريبية فهي تخص عالم الصنعة ... عالم الإنسان !
النتيجة المواتية هنا هي التقنيات المبنية على التجربة وعلى الفكر الطاهر هي الأدوات المباركة التي منحها الله للإنسان كي يطور حياته ويصون بواسطتها الطبيعة!!! وليس فقط الخضوع والإذعان ففي يقيني أن الله يريد لنا الخير ... منحنا العقل وتدبير العقل ... ومنحنا الضمير كي نكبح جماحه حين يبالغ في الزيغ والبطلان ... ومنحنا الإرادة كي نريد ونتطور ونسعى إلى الكمال !!!
تفهمون الآن أيها النجباء بأنني أملك موهبة فذة ،في تعقيد الأمر البسيطة لدرجة التعجيز ! وأنني أمارس مهنة غير عادلة ، مهنة الزعزعة الفكرية للثوابت والكوابح العقلية ، لدى كل منكم ! وأيضاً أملك مهارات أخرى غير محبذة لدى من يريد فهم ما أقول ، وهي مهارة الشطحات الخارجة عن السياق . وعن نوعية السياق فحين أكون داباً في أروقة الحس والحدس دبَّ الدببة ، ترونني وبسرعة البرق أثب إلى ركائز وعلائق المنطق ، فتضيع لحانا بين حانا ومانا .. كما يحدثنا به التراث ! ولكن لا بأس بهذه النطنطة ، طالما لا تفك اخمصي ولا تكسر عقبي ! وهذا بالطبع يسركم في أن أبقى سليماً معافى ؛ ريثما تحن علي ذاكرتي فأحدثكم بالسبب الذي عدت من أجله إليكم دون أن أغادر ! عموماً يحدث لي هذا الأمر لسببين . الأول لأنني غير متأكد من صحة ما يأتي به لساني .... والسبب الثاني لأنني صيغة من الصيغة الإنسانية المتوفرة بكثرة على وجه البسيطة ، التي تعيش في دوامة من الخلط بين الحدس والفكر ! في دوامة الثنائية المتسالمة : ما نفكر به نحسه ! ويذكرني هذا بفيلم أجنبي كنت قد رأيته منذ زمن ، يقول به بطل الفيلم لمنافسه : عقلي يأمرني بأن أحترمك ، وحسي يأمرني بأن أقتلك !!!
وإن نستنتج شيئا من هذا القول ، فإنما نستنتج بأن الحس منفصل ومستقل عن الفكر ، وإن ما بينهما علاقة متبادلة فقط... فقد يدفع الحس الفكر ليفكر ويخطط ....وقد يدفع الفكر الحس ليحس وهذه العلاقة المتبادلة هي التي توحد بين الفكر والحس ! ولكن قد يحس الحس بالمحسوسات دون تدخل العقل .... وقد يعقل العقل دون حقائق الإحساس بها !!! ولكن تبقى الحقيقة خالدة ؛ بأن هدف الإجتهاد العقلي هو ترضية الإحساس الإنساني وتوفير السعادة له حتى القناعة ....
والقناعة هي مصادقة احساسية مدعومة بمساندة عقلية !!!
هكذا تبدو الأمور في مظهرها ! وقد تكون صحيحة طالما هي في إطار – الما هو الآن عيناً – هذا لو استعملنا اللغة الفلسفية ، ولكن – الما هو الآن عيناً – قد يكون ما ليس هو مستقبلا ً ، أو أن يكون – ما هو الآن وماضياً و مستقبلا – مجمل ما هو !!
أرأيتم كم أنا جيد في التعقيد !لقد فصلت الإنسان إلى نصفين : الأول إحساس . والثاني فكر ... ولو أضفنا ثنائية ديكارت لأضفنا الروح فيصبح الإنسان ثالوثاً !! فهل يبدو هذا الكلام معقولا ً ؟
هل حقاً الإنسان مركب من ثلاث قطع كالليغو؟ أم قطعتين ؟ أم أنه وحدة موحدة ؟
وسأجيبكم ، بعد سماحكم الأدبي برأي مغاير عمّا قد تفكرون به ، فيما لو فكرتم !!
لقد سبق وقلت لكم بأن الإنسان يسعى إلى الكمال بدافع فطرته الكونية التي تحثه تطوراً أن يرتقي بشوق حدسي إلى كمال الله !! ولكي يفعل ، فلقد منحته الطبيعة من ذاتها أدوات يستطيع بواسطتها أن يمر كل المراحل النشوئية ليصل الى حالة التجوهر وهي الحالة التي يتوحد بها الحس المنطق ويتحول الإدراك العقلي إلى إدراك حسي والوعي الحسي إلى إدراك عقلي دون اللجوء إلى التحليل والقوانين العملية .. أنها مرحلة ما بعد – عالم الصنعة – الذي هو عالم السببية .... إنها مرحلة لا يستطيع الإنسان ان يحس بشيء لا يدركه ... ولا يستطيع أن يعقل شيئاً لا يحسه ...إنها نفس الحدود بين ثنائية الروح والجسد إنها مرحلة الميثادية (المثالية المادية – استحداث ) الوحدة الكاملة في جوهر واحد قابل لاستيعاب كل جزء من أجزاء الكون ... وقابل أن ينقل فكراً وحدساً كل شيء من العقل إلى عقل إلى حيٍّ وإلى جماد .... أنه الوصول المطلق والتواصل المطلق مع أجزاء الكون !!!
إنها العودة الكبرى للجوهر الأول !!!
إنها نوع من لمِّ الشمل !!!
فتخيلوا أيها النجباء... تخيلوا ...
هناك .. وفقط ينبسط النعيم الإنساني والنعيم الكوني !!! والرحلة إلى هناك مرهونة بالتطور والعمل بالمباديء الأولى لصيرورة الكون : قانون الحب ، الحرية ، السلام ورفض الشر ... والسعي المطلق لتجويد الحياة وصيانة الطبيعة !!
هذا هو أيها الأخوة .... هذا هو سبب عودتي !
كي أخطب بكم هذه الخطبة التلقائية ، على مدارج الإدراك الفلسفي ، والرقص على قمتها !!!
** طبعت المادة : اريج معين حاطوم