المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابراهيم مالك - آمال قزل شاعرة مسكونة بوجدانيات نسوية


بواسطة مشرفي المنتدى
09-30-2007, 04:24 PM
آمال قزل

شاعرة مسكونة بوجدانيات نسوية

ابراهيم مالك





قرأتُ باهتمام باكورة أعمال الشاعرة آمال قزل ، من قرية المغار الجليلية ، "خلجات في وجدان شاعرة " ، الصادر في عام 2006 .
كشفت القراءة الأولية عن نفس شاعرية مسكونة بوجدانيات نسوية ، وجدانيات انسانة حالمة ، أم وزوجة ، تتألم بصدق لبعض ما يدور في عالمنا وفي مجتمعاتنا . لكن يغلب على هذه الوجدانيات روح الشاعرة ، التي تتأرجح بين أحاسيس اليأس ،الحيرة والرغبة في التمرد على القدر وحالة المرأ ة المأساوية في مجتمع ، يعيش حالة من الرٍٍَّدََّة الى لثم " هبل " كبير أصنام الكعبة في مكة وإلى عبادة "نائلة " التي قدَّسَها العرب القدامى كإلهة . وأكثر ما تظهر حالة اليأس عندها في قصيدة " سفر ورحيل " التي تستهل بها قصائدها المنتقاة والتي يضمها الديوان وكذلك في قصيدة " طلاسم ". في القصيدة الأولى – سفر ورحيل - يشغل الشاعرة واقع مخيف لكيانات غير بشرية تعمل في الظلام ، هي أشبه" بالذئاب في ولائم النعاج " وتتمثل نفسها " ريشة في يد الأقدار " أو "سفينة تقاد " وتتساءل بألم " لماذا تغتال الورود " . في مثل هذه الحالة وغيرها،وهي تعبر هنا بصدق عن وجدانيات امرأة شرقية ، تخلص الى سؤال " متىعن هذا الكون أرحل وأسافر دون
رجوع وعلى نعشي أحمل ". وتزدحم القصائد بما يكشف عن وجدانيات امراة حائرة ، مُنقبة ومتسائلة . والحيرة هي من مميزات الشعر الجميل لما يرافق الحيرة من رغبة في السؤال للوصول الى المعرفة أو الخلاص من حالة الحيرة. وهو ما نقرأه في قصيدة " مأساة الحياة " وإن كنت أوافقها الحديث عن مأساوية الحياة ، لكنني أعتقد أنها لم توفق في تشخيص الحالة ونقل بعض مسببات هذا الواقع المأساوي الذي تشير اليه . وأكثر ما نحس ونقرأعندها الرغبة في التمرّد على هذا الواقع ، الذي تعتبره قدرا ، في قصيدة " قدري " .
ولكنني حين أتأمَّلُ "تمردها " ، أراه لا يتجاوز المألوف في كثيرين من نا سنا ، أراه شعاراتيا وشخصيا ، منقوصا وغير واع كفاية . يتعطش للحرية ولكن كيف ومما ، يتوق للانسانية في العلافات بين الناس ، لكنه توق مجتزأ بشكل صارخ . أنطلق في فهمي من أنَّ الشاعرة ،وإن تكن بنت بيئتها ومجتمعها ، مخلوق غير عادي وغير مالوف ، ولذا يطلب منه ان يكون شعرها كذلك : غير عادي وليس مألوفا . فمأساة المرأة لا تكمن في الرجل وإن كان هو ما يُدْفَعُ لسلبها أجمل قيمة في الحياة: حرية المرأة في أن تكون سيدة ذاتها وشريكة الرجل الحقيقية والفعلية في رسم حياتهما . تكمن المأساة في منظومة القيم والعادات والمفاهيم الاجتماعية ، التي أوجدها بعض الرجال لضمان هيمنتهم . الرجل والمرأة هما ذات وأخرى رُغْمَ كل الأدران الاجتماعية السائدة
في مجتمعنا ، في بلادنا وعالمنا . وأنا حين أقول ذلك أُحاذر من تسييس الشعر ، فالسياسة مفسدة أحيانا كثيرة لما هو جميل في حياتنا ، والشعر هو من هذ1ه الأشياء الجميلة . لكن ما آمله هو أن يطوِّرَ شاعراتنا وشعراءنا الشباب ، كتاب القصيدة الحديثة ، ومنهم الشاعرة آمال قزل ، حدسا ووعيا انسانيا شفافا ولكن واضح الإيحاء ، جريئا ومثابرا وكلِّيا غير منقوص ليكتبوا شعرا غير منقوص أيضا .
تعتمد الشاعرة آمال قزل في كل القصائد المضمنة في المجموعة المذكورة القصيدة المتحررة من التفعيلة . وهي في نظري من أصعب الشعر . فهذه القصيدة تتطلب خيالا واسعا ، غنيا بالصور والاستعارات كالمحسنات اللفظية ، وقدرة على الاختزال والموحيات الشفافة والمفردات الملونة المشحونة بعواطف متفجرة . وهي قصيدة تشترط الحدث الذي تتناوله أو الفكرة التي تتناولها وتشترط توفّر الموسيقى الداخلية ، الجرس الموسيقي الذي لا يكون شعر بدونه .لكن شاعرتنا وقعت من حيث لا تقصد بمطبَّة الإطالة في كتابة القصيدة . وما آمله مستقبلا هو تجنب الإطالة واعتماد الاختزال شديد الشفافية .
وسوف أشير ، هنا، الى قصيدة " تهوي الحضارة " التي في آخر الديوان كي أكون واضحا فيما أعني . تكشف القصيدة أولا عن موقف الشاعرة الانساني لما يجري في العراق وعن مخزون الشاعرة الثقافي. وهذا المخزون هو ما نحتاجه لتزيين شعرنا وإظهار ما فيه من عمق . قرأت القصيدة مرات عديدة وكم كانت القصيدة ستكون رائعة لو أن الشاعرة بذلت جهدا عقليا وحسيا وغربلتها من كثير من الكلام الذي لايضفي أية جمالية على القصيدة المذكورة . كان يمكن اختزال القصيدة لثلاث فقرات قصيرة ، لكن معبرات و أكثر صدقا ،عمقا وإيضاحا لما تريد الشاعرة قوله . كنت سأكتفي بما يلي :










كان حمورابي يعلق
شرائعه على بوابة بابل
عندما قطعوا لسانه
وأوقفوه عن الكلام
كانت المعابد تصرخ
وفي الرصافة
ينوح الحمام .

اغتصبوا الفرح من عينيها
واغتالوا فيها السلام .

رأيت فيها الرشيد
يعبر الرافدين
يبحث عن قصره ،
رأيته يخر صريعا
فبغداد صارت كبش فداء

الشعر المختزل ، شديد الإيحاء والغني بالصور والأفكار هو من أجمل الشعر وأعمقه شكلا ومضمونا . ويمكن القول ذاته في اكثر قصائد المجموعة .
من المستحسن قراءة القصيدة مرات وتطوير قابلية الانتباه للزوائد الكلامية والإطالات غير الضرورية وغير الجميلة ، شعرا ، والسهر الطويل والمشبع بالتوتر القلق أحيانا كثيرة للنظر فيما يكتب الشاعر، قبل النشر . ويجمل بنا أن نتذكر أن كتابة القصيدة كالولادة ، مُضنية عند الحمل وعند الطلق . وكم يحسن بالشاعر أو الشاعرة أن يعا يش حالات طلق الولادة الشاعرية أن يعيد قراءة ماكتب ،أن يصغي الى موسيقاه الداخلية وأن يشرك آخرين فيما كتب لمعرفة وقعه في نفوسهم ولايتعجّل النشر.
يُظهِرُ الديوان أن الشاعرة تمتلك مخزون مفردات غنيا ، متنوعا وجميلا . وهو ما رأيته جليا في القصائد : " الى طفلي الحبيب يزن " ، " أناجي طيفك " ، " عندما ألتقيك " وغيرها . والشاعرة
تستطيع ،إن تحسن استعماله – أي استعمال هذا المخزون، تستطيع منحنا شعرا جميلا .
وأخيرا ، فهمتُ من كلمة الشاعرة على الغلاف أنها درست الفلسفة واللاهوت.وما آمله هو أن تطور هذه الدراسة .
فأنا أعتقد أن الشاعر يولد وفي وجدانه الشاعري فيلسوف صغير، يولد معه وفيه.فما آمله أن تطور الشاعرة معرفتها تلك بالدراسة والثقافة الذاتية. فالشاعر أو الشاعرة أحوج ما يكون الى النظرة الفلسفية المتأملة،المتخيلة ،المتسائلة والعاشقة لكل ما هو انساني جميل وأن تنمِّي في ذاتها نزعة فلسفية للفهم الجمالي. فالمعرفة المكتسبة بالدراسة والثقافة المكتسبة بالجهد الشخصي والقراءة الذاتية هما خير عون للشاعر أو الشاعرة وخير وسيلة لمنحنا الشعر الجميل .
اتمنى للشاعرة مزيدا من العطاء والتعب عند الكتابة والحرص على الاختزال ومواصلة الدرس والتثقيف الذاتي وأتمنى لها حسن التوفيق .