المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دكتور نديم القاسم : معين حاطوم حادثة لا تقع كل يوم


بواسطة المنتدى
05-24-2007, 10:57 PM
دراسة إنطباعية حول أدب,شعر,وفلسفة معين حاطوم

بقلم الدكتورالشاعر : نديم حسين

مقدمة:

- هدوء هدوء !
أن طفلي نائم.
أيقظه, أسرع !
فالأمر خطير
إننا بحاجة لمن يقرر النجوم والغيوم والمصير!!!
***
ماذا لو ألقت البلاد همومها على أصابع شاعر ؟!!
ماذا لو ترسبت خيوطٌ من ليلها في قهوة صباحه الأبدي ؟!!
ماذا لو طلبت الأرض زوجها إلى بيت طاعة لم يغادره أبدا,فأطلق قلمه على سواد جديلتها,ذهب عميقا في جراحاتها دعوةً لشفاء عاجل,وتزوج عذاباتها ,فتشرد وجاع وحوصر,وذبح بالكلمة السوط وطرد من كل الغرف وأدخل إلى كل السجون . تزوج عذاباتها وظل الطلاق أبغض الحلال!! وكلما ازداد اختراق شوكة الوطن لقلبه,كلما ازداد النشيد عذوبة ووضوحا وإحمرارا. ينشطر دما ووردا لكي تكوني كاملة. يحبك لكي تكوني آمنة . يمسح عن جراحاتك عبث الخنازير البرية والجوية, يطبخ حجارة لكي تنامي شبعة .... آخ من ضيق ذات اليد وضيق ذات القلب .... عسى الخليفة أن يمر ذات ليلة بحوش داره ليرى ما لا يحب أن يرى !!.
تغرب عن الوطن في مسامات الوطن, لتظل أسماء القصائد بعض أسماء الوطن الحسنى.
لنا العذاب بكل تفاصيله, وله شاعر بكل تفاصيله, لحبره طعم الدم , يصوغ كوشان التراب الجديد, بشعر جديد ونثر وفعل جديدين , يحرس ملامحه , ويمنع رمح شعره روحنا من النوم في منطقة ما تحت الصفر .
وإذا كان الحزن لدينا طفل المناسبة . فمناسبة الحزن لديه طقس مفتوح على الحواس الست , الأن الحزن لديه فصيلة الأرض , وفرح الأرض مهره عال , فعل وشعره عال ينفلت من القلب , آخذا معه شظايا من نسيج القلب لينزل على أوقاتنا بردا وسلاما .
بوركت جمهورية الشعر التي تعرف كيف تنظم الرجال الرجال
* * *
الطفولة طقس فلسفي في فصول الخلق والحكمة الإلهية , فهل هي طقس ربيعي أم خريفي أم ماذا ؟ أن الجواب, تحدده أبعاد الطول والعرض والارتفاع والعمق , فإذا شاء القدر جعل الطفولة بأبعادها المتاحة, فتكون ربيعية, وإذا تدخل وجعلها قصيرة... لموت أو لطارئ اجتماعي.... فيقتحم التهجم ملامح طفل أو يدفع بيدي طفل لعمل مبكر ! تكون طفلة قصيرة عريضة واطئه ضحلة !! بطعم الخريف وإذا شاء القدر فجعل الطفولة طويلة ضيقة واطئة ضحلة لتلد رجلا طفلا تكون الطفولة شتاء غزيرا من الإبر فوقر رأس الزمان, ومخزنا للرجال الضعفاء ! أما إذا كانت الطفولة بطولها الحقيقي, عريضة, مرتفعة , عميقة, فمن شأنها أن تلد طفلا فيلسوفا !! ينمو ليفسر الحياة لا ليعيشها فقط!! ومن هنا ينبع سؤال آخر :
- هل يجوز لطفل أن يخرج من ملامحه ويده القصيرة وعفويته المحببة وألعابه المزركشة ... ليدخل إلى بهو الفكر العميق ....؟ والتفكير في أمور دنياه واللعب مع الأفكار الكبيرة مع سبق التعمد ؟!
وهل من ضامن أن يعود إلى طفولته دون ندبات على جلد عمره الغض؟!
هل ثمة غضاضة في ذلك ! وأين وكيف تراه المنتهى؟!.
هل يشد الطفل سيدة الفلسفة من فستانها إلى عفويته ... فيقطع زرا أو يفتق قماشا ؟ أم أنها السيدة من يده الطرية ... فتوجعه وترمي على يومه شمسا مبكرة قد تؤذي بصره ؟!
أقول لا غضاضة في أن يرفع الطفل بأنامله فستان السيدة فيشبع حب إستطلاعه المبكر, بشرط أن تستسلم السيدة لكفه في لحظة خشوع أو تفهم ! فلا يخرج الطفل من مساحة وجهه وعقله ولا تقتحم عليه سريره الضيق أفكار لا يتسع السرير لها وله !
إذا يرفع معين حاطوم الشاب الغض بأطراف أصابعه فستان صاحبة الجلالة فيرى ما يرى! وترقبه الحياة وتتفهم شبقه الفكري المبكر.
طفولة بابعادها الحقيقة طولاً وعرضاً وارتفاعاً, لكن عمقها يضعها في مستوى الصيف ...شمساً وثمراً مبكراً , ولا غضاضة عليها وعليه, فيولد طفل فيلسوف.
لا تقع هذه الحادثة كل يوم , لكنها تحدث يوماً ما فتلد ما يسمى بالظاهرة الطبيعية.
ولكن!
كم سنة يبعد وجه الله عن أصبع طفل؟
وكم نضجاً تبعد السعادة والحياة والأشياء المجردة عن غشاء عقله!!؟
هل يطارحها الفراش فتلد طرحاً ! أم يعانقها فتمتلىء ساحة المفاهيم ورداً وعطراً!!؟

في البدء
ذوت بسمة الله

( ملاحظة قبل البدء : " وذوت بسمة الله " كتبه معين وهو في الثانية عشرة من العمر – قصة فلسفية بكل المقاييس)
وفي البدء ذوت بسمة الله , وكان شهيدها وشاهدها فتاة. كان "هي" كان النصف المستضعف الموؤد تحت حطام فكرنا وعقليتنا والقابع في ادنى طبقات جيولوجيا حياتنا.
كانت بطلته المفكرة فتاة ..تسأل وتحاور وترسم بأحمر شفاه باهت علامة سؤال أو استفهام على وجنة هذا العالم الشاحب! ويا له من نضوج في الاختيار!
منذ التحمت هذه الكتلة الهائلة من الخلايا.
وشاء الله سبحانه وتعالى فكان الإنسان . شد الإنسان حبلين . حبل الفكر وحبل العاطفة , ومركزهما العقل . يشده حبل العاطفة, فيخفق القلب, يشده حبل الفكر فيخفق قلب الحياة ... وقد تطرق معين حاطوم في مؤلفه البكر "وذوت بسمة الله " إلى هذه المعادلة. وإلى الأصابع التي تعبث بهما. فالموت والسعادة والحب والحرية والجمال هي أصابع القدر, فحاول وضع كل مفهوم في برواز مزركش لا يطغي على مضمونه وبأسلوب شاعري ... فنحا الكتاب منحى الرسالة تارة, والحوار الذاتي التأملي والثنائي تارة أخرى .
عبثا تبحث عن خيوط محددة فهو أشبه ما يكون بالبحر العاصف ... فلا هو بالقصة ولا بالرواية ولا يخضع, كمضمونه , لأي إطار أو قيود ... إنما هو بحر متلاطم الأمواج فإما أن تكون سباحا ماهرا فتجد ضفته الأخرى... وتصلها مرهقا لا بأس , أو أن تغرق فيه فتقول لم أفهم شيئا ... ولا يعيب البحر الهائج أن لا يفهم موجاته سمك السردين !! وقد وفق معين حاطوم على نعومة أظفاره وطراوة تجربته الحياتية ... وفق في بري أحاسيسنا وأعصابنا كأقلام الرصاص ... ليجعلها تخط على بياض صفحات العمر والقلب والعقل خطوطا تلتقي وتفترق لتترك أشكالا تتراوح بين الديالكتيك واللوحة التجريدية واللوحة التي ترسم حصانا جامحا تعجب لشده إياك إليه ... رغم أنه رسم على ورق ... أنك لا تعبأ كثيرا بحصانك الحي الذي ينقلك من مكان إلى مكان ... فلوحات معين حاطوم على تعقيداتها تنقلك إذا كنت مزودا بتذكرة سفر مناسبة من زمان إلى مكان مخالفة قوانين فيزياء الكتابة .... وماذا تكون الفلسفة الحقيقية إذا هي لم تكن فيزياء الحياة العليا ؟!
فليشمر كل قادر على السباحة عن عضلات قلبه وليقرأ حتى الثمالة. ولتكن الضفة الأمان والسعادة في إنتظاره!!
لقد حلق الكثير من المبدعين في سماء التأمل العاطفي والفكري.... وأما معين فقد كان أول من سار على وجه القمر الموعود ... ولكن هل ترك ثقبا في طبقة الأوزون وأقول ممكن, ولكن في أي سماء يا ترى ..؟!
* * *
لقد أرتفع هذا الفيلسوف الشاب إلى مدارات المعاناة الفلسفية فكان وجهه عابسا ... وهل رأيتم فيلسوفا مرحا؟! فثمة حزن في هواء بيئة الحياة .
ومن همه سبر اغوار المجاهل ... والإرتفاع إلى أعلى من القامة المتوسطة في المجتمع, من شأنه أن يعلو ثيابه شيء من الحزن !! يذهب الفيلسوف في الحياة عميقا ليبحث عن سعادة مرتجاة فيعود عابسا ؟! متجهم الملامح والحبر .
فكان ذلك الحوار الغزلني بين طفلنا العابس والآنسة سعادة التي تخرج لتوها من رحم العبث !! إذن هو طفل يلعب في أفكار كبيرة. فهل يكبر قبل أوانه فيستهلك ذاته وطاقته فيذوي أم أنه يصل إلى محطة النضوج رجلا فيلسوفا؟
إذن من التطرق إلى الفضيلة والعبث إلى الخوض في الصوفية والحسية...!
وهنا لا بد من وقفة ..
فأين النقد والنقاد من هذا الطرح الجديد ! لقد إفتقدنا الطرح الفلسفي في الشعر .. وهو إنعكاس تعقيد الحياة العصرية على حياة البشر, فوادي عبقر بات مضاء بالكهرباء ويباع على جوانبه في الحوانيت الحديثة أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا ! فبإمكانك أن تتناول شطيرة بالهمبورغر وتشرب معها الكوكا كولا ! وقد هربت الظباء خوفا من الدخان المنفوث من سيارات الكاديلاك
فهل يلتزم الشاعر بظباء قلبه ويصر على ناقته وحور العيون دافنا رأسه في الطين ؟! إذن إندلقت الفلسفة مرة واحدة وبجرعة كبيرة على مساحة الشعر فهل نقبل بهذا الإنقلاب الأدبي بسهولة ؟!
أقول ما قال أديبنا الكبير طه حسين : نملك لغتنا كما ملكها الأقدمون ولنا أن نغير فيها حسب متطلبات عصرنا وأقلامنا, إذن لا جمود في اللغة ولا في مضامينها ولنا أن نصف الكلام بحيث يتسع أو يضيق حسب إحتياجاتنا, وفي إعتقادي الشخصي فأن ركوب الكاديلاك ليس عيبا, ولكن لا بأس علينا إذا نحن إحتفظنا بظيبة رقيقة في مخيلتنا .. ظيبة بيضاء ليوم القلب الأسود !! فأنا لا أقبل إقتحام الفلسفة لبيت العاطفة ! فمهر الشعر إذا ما حمل فوق ما يحتمل يربخ ويعجز عن طي المسافات الطويلة ... فعلينا أن نشفق على الشعر من أحمال فلسفية باهظة, ولكن أن يخرج النقاد وخاصة المتحجرون منهم بسكاكينهم ليقطعوا تجربة جميلة جديدة إربا إربا فهذا ما نرفضه, وأن يخرج المداحون بطبولهم المزعجة, يقرعونها دونما حد رادع فهذا ممجوج أيضا.
لقد أشهر معين حاطوم أفكاره وصوبها نحو صدر البراويز الجاهزة كفارس ترك مكانه في صفوف الجنود ليقف, بتلقائية ما خارج المشهد الآني, أشهرها وقال للجمود : تأهب للموت بشرف ! وبدأت المنازلة !! فثارت ثائرة أصحاب العقول المبروزة المتأطرة, فقالوا: ليس هذا شعرا أو قصة قصيرة ولا طويلة ولا رواية ... لقد عصي هذا الفارس أوامر الإمبراطور ... فطلب المعتقدون بعدم كروية الأرض دمه وطلبوا بحرقه !! لقد إقتحم عليهم معين حاطوم غرف نومهم الأدبي, بسرعة تنبيه جديدة, فصرخوا : لماذا تحاول إيقاظنا مبكرا ؟!. وأقول : لا بأس على صباحكم أيها السادة بقليل من ملح الفلسفة والفكر .. مرشوشا على إفطاركم, فكلوا أو فجوعوا وإصرخوا !!
* * *
وماذا بعد !!
فقد ناداه شيء فيه ..( الإشارة الى مطولة : شيء ما فيك يناديك) وهو الاخصاب الذاتي, عقلا وروحا, حضورا وغربة, وضوحا وإغراقا ضبابيا... والضباب شفاف ومتحرك !
إذا :
ستكرهك الشمس
ستكره أحلامك !
ستكره سيفك الصديء
وترسك المصدوع
ورؤاك الضبابية
أيهذا الأنا
برملي وتمري وواحتي الخرافية !
وأنه لعشق مستور أو مستمر :
في جروح الأرض
وأحشاء الشرق !!
فهل تسحب نعامة الحاطومي رأسها من رمله؟ فهو يريد أن يقلع عن حبه الذي ما أصابه إلا بالتعاسة, فهل هذا هو الإستمرار ذاته في البحث عن السعادة في حوار شذاء ؟!
ثم يذهب الحاطومي إلى أفواه العامة .. ولكنه يذهب غناء راقيا .. فيزاوج وبكثير من التوفيق في معظم الأحيان بين الفصحى وضرتها العامية .. يلبس قبعة الإخفاء الفصيحة ليريد .. ليرتد إلينا معتمرا كوفية عامية .. إذا لا جدوى من الفرار!!
ويحاول تشخيص المرض :
فلا تشتموا الكفار
نحن مرضنا وبؤسنا
وجذوة العار !!
شيء ما فيه .. يناديه.. فمرة إلى الهرب من ذاته المحبة خوفا على من يحب ومرة إلى الرجوع بحل وتشخيص وعلاج ! فهو يشفق على الباز العربي, فينصر أخاه – ولكنه يعترف بأن أخاه ظالم !! فقد إقتنص الطيور الغريدة ليقدمها محشوة على موائد الوطنية الفردية .. الوثنية .
إذ حول الأفراد المتسلطون الأوطان إلى معابد وعين كل منهم نفسه كاهنا أعظم فتحولت الوطنية إلى وثنية .. فمتى نلقي بأكياسنا الثقيلة بعيدا عن ظهورنا المقصوصة ؟!

فهل هرب الحاطومي من موته وفقره ومن حزنه وقهره إلى ملاجئ النفس المسلحة بالإسمنت الغيبي؟! هنا يمكن الرد على من لا يفهم أو يدرك ما يكتب هذا الإنسان .. وأعتقد أن فهم أفكار معين حاطوم وأدبه يبدأ من صفحة 30 من كتاب " شيء ما فيك يناديك " فهل يداوي جرحه بالكي ويترك قلبه " الولهان" يخيم فوق شبابيك داره ؟!
هل هذا الطفل الفيلسوف أراد منذ البداية أن يحرق الدمى الشرقية المحشوة بأحلام قطنية, ويتخلص منها قطنا نافعا لشفاء الجروح الكثيرة المتقرحة في بدن المجتمع ؟
هل هو ضائع بين شوكة وفله ؟
هل بات لا يفرق بين الشوك والفل شكلا ورائحة ؟ فأحب أن يجتث كل ما في الحديقة ليزرع نوعا واحدا وواضحا ؟!
وهل يتسنى له ذلك إلا بمعول فلسفي !!
ولن يضير معينا أن يداعب ذئبه شاة خارج حديقته, فغرسه يحتاج إلى دفء السلم لينمو !!
وهكذا فقد كنا في حفلة زواج شرعية بين الفصحى والعامية بحضور اللهجة الشهريارية, وخرجنا, ضارعين إلى الله تعالى أن يرزق العروسين بطفلة السلام والسعادة .
* * *
أتكون إستحالة الحياة حالة ما ( اشارة الى مطولة : فعل استحالة الحياة ) أم أنها تكون رد فعل, أنجبته الحالة ذاتها ؟! فهل يكون الجهل الفاسق, والتبحر العلماني في منابت الخطأ التاريخي لصيرورة فاشلة, والحزن المتسرب إلى مسمات الحياة كما يتسرب الدواء إلى قطعة من القطن هو فعل يلد إستحالة الحياة إذ يخلق عناصر معينة منها عاهة في الحظ , إنفلات من ما في إنسان معين, والخروج عن الزمن, والفشل في معرفة أحد أو الإستعصاء على فهم أحد, والتلفع بأوشحة الجهل والضجر على ما في هذه العناصر من طاقة سلبية تدلق السواد القاتم على ثوب الحياة فتغدو مستحيلة .. أم أن العكس هو الصحيح ؟!
فهو " يتبرمج" على طبائعه .. لتصير أحاسيسه حاسوبية الطعم, وهذا تطور تراجيدي ويكفي لوحده أن يجعل الحياة مستحيلة لإنسان مرهف الحس, يركب حصان قلبه دون سرج ويلكزه بالنبض السريع ليعدو بسجية كاملة وغير مبرمجة في جهات القلب كلها .
ولهذا فقد أستخف بعدل الآتي ورأى كل ما حوله ميتا ... وهل يرى الحاسوب بغير أرقامه ؟ وما أبعد الأرقام عن معادلة العاطفة وقد فقد الضوء قدرته على الإخصاب والحياة فبات يهرب من أوكار الشمس ملفعا بالإعدام والجمود .
ركدت سجيته –فلم يبق إلا أن يتبرمج على صمتها ... فهو يدرك أن الركود موطن الأوبئة – الصحيحة والاجتماعية الأخلاقية .
فهو يطبق على ظبيته بحريته ويمطرها بوابل من الوجد البدائي ... ( البعيد عن شاشة الحاسوب ) ... ويجئ كل هذا تمردا على إستحالة الحياة .
وتأتي ثلاثة الإستحالات في التغرب واللامعنى, والتردي في إهتداء الوقائع . وتتولى الإستحالات في التغرب أو تجنب أحداها الأخرى, فتأتي السذاجة الميتة , وبلاهة اللا إكتراث المشرشة في أعماق النفس والتحنيط الدائم لخوافق الزمن .
وبعكس التبرمج يأتي التموسق على أنين الانصهار ببواثق شغف فينساب العازف نغماً.
أذن هي كوة التفاؤل يطل منها كاتبنا في كل استحالة للحياة على قابليته للحياة المستحيلة " وممكنيتها" وفي مطلع الاستحالة الحادية عشرة, نقرأ في بطاقة هوية الكاتب تفاصيل ملامحه وشخصيته الشعر-فلسفية:
" ارتمي بين أحضان الترانيم وأستلقي على تموجات من الأنغام فأرفرف فراشة انبثقت من شرنقة الحياة وطارت , تشدها مسالك الغيب ويدفعها ثغر الشهوة النهم".
وهكذا ينتشل نفسه من ذاكرة تاريخنا الجماعي , بأقل قدر من الخسائر الروحية والعقلية . ونرى أن الحلم المشبه بلفافة التبغ .. وهي على الأقل من وجهة نظر المدخن متعة ما يستهلكه الرقاد .. ولا يبقى منه إلى حين اليقظة إلا عقب لفافة من التبغ!! يا له من عقاب ويا له من عذاب ! فهل يختار اديبنا النوم الدائم لينعم بلفافات تبغه كيفما يشاء ؟!لا.
ثمة كوة يطل منها من ليلة الحالم على خيبة أمله النهارية الصرفة.
" لن تجدي في غير خليط من البلغم, الكيفوئين النيكوتين والكحول وبقايا كهل لم يأخذ شيئاً من دنياه غير تعقل أساها والإدمان على قيء تاريخها .. فلم الحزن؟"
لم الحزن وثمة كوة نورانية دائمة !! حين يضحل الحزن يرقص الحاد على خطى جنازة وتمطر الدنيا إلى فوق!!! تكون العبثية ويكون اللامعقول قد بلغ سن الرشد . ويشدك هذا الطقس ألشتائي العاصف إليه تستسلم لعاصفة برقية فيلتقي وجهك أو قل يصطدم بوميضها .. ومضة في اثر ومضة , فإما تدرك أن البرد أساس العلات كلها فتنسحب أو أن تسلم جسدك للعمى المؤقت الذي تنجبه كل ومضه , فيكون ثمة مخرجان ..
فإما الوقوع في حفرة ممكنة أو الإنسياب والانسحاب نحو دفء بيت دافىء.
****
ثمة نغمة سجن في كتابات هذا الإنسان ..
ثمة طعم لعدم الرضى عن شيء ما عام , سياسي نفسي , انتمائي , أو ذاتي!!
فترى مومو المبكر جداً ( الاشارة الى الكتاب تأملات مومو الساذج وترحاله - بالعبرية ) يدعى بأنه يسخر من العالم كله لأنه ليس بمقدوره البكاء عليه!
وأن الإنسان هو شكل معين في الأساس بناء بلا لون . أشبه ما يكون بشارع ممتد , مرصوف بالاسفلت ..يصلح لعبور البقر والحمير والقردة !! أو لاندفاع مهر جامح ثم ينطلق ظاحكاً , وضحكه يوقظ عالما كاملاً من نومه ! ويضحك تماماً , مثل الذين لا يستطعون البكاء؟؟
فهل يلتزم الإنسان في عالم هذا شأنه ؟ ضبابي , يفرش ذرية آدم كالشوارع المرصوفة في أرضه, لتمر فوقها دابة الأرض !!
والإنسان خلق على شاكلة بارية!
فأي تناقض هذا , وأية خيبة أمل هذه " قل لي ...
هل تتزوجي !" تقول فتاته فيتراجع كالملدوغ من عقرب ! ويعترف " لقد ملأني الإحساس بالرعب, فزحفت على بطني وهربت .. وكنت أثناء هربي أتألم كثيرا.
أذن يهرب الإنسان في هكذا - عالم من الإلتزام مهما كان شأن الإلتزام هذا.
ثم يذهب في رحلة بين أشداق الموت( الاشارة الى مسرحية : رحلة بين اشداق الموت) وهو الشاب, الذي من المفروض أن تشغله أمور شبابه وحيويته عن هاجس الموت. الموت هو أغرب وجيه تقدمه الحياة على مائدة الشباب ... أنما هو التشاؤم غير المفهوم وغير المبرر, الذي يدفع شابا إلى الكلام عن أدران النفس, وليس عن مباهجها .
ثم تتولى اللوحات الرمزية والصور التشاؤمية الفلسفية في كتاباته فهو قارئ جيد ومتشائم مع مرتبة الشرف فحتى في شعره الكلاسيكي نقرأ :
بحنين جرح صامت متماوت يخشى سكون الرمس يخشى الانطواء ..
ويخاف نسيانا ولوما من الهوى ويخاف يا فيروزتي عبء البقاء .
وفي موقع آخر :
تضحكين يا شذاء
إذا صليت
إذا هتفت
لو لبست جماجم الموت
وجه الحياة ؟!
وبعد,
في زمن العجائب هذا في زمان "الكوريوز".. والتناقضات الغريبة .. زمان مغرق في التقدم المادي وغارق فيه يتراجع الأدب في جغرافيتنا, يتراجع الناس عن الكتاب والحبر, ونراهم يتقدمون نحو حسابات البنوك والأرقام, نحو شاشات المرناة, والأغنيات التافهة ...نحو المفاهيم الساقطة في هذا الزمان بالذات . ينبت الفيلسوف . فهل تكون تربيتنا صالحة لإحتضان هذه النبتة ؟ أم أننا محظوظون بهذه النبتة , علها تفلق الصخر فتضفي شيئا من الخضرة على شحوب أيامنا ؟!
ثم نرى هذا التعتيم الإعلامي, هذا التجاهل الفاضح. فنجده شر البلية, فنضحك حتى الدمع. فساحة الأدب خلت من الجمهور القراء, الذي إبتعد عنها بتأثر واحدة من قوتين طاردتين, التكالب عن المادة, أو هموم الخبز اليومي. على أية حال .....
استفرد أشباه الموهوبين وأبرع المثقفين بالساحة فكدسوا فيها ترهاتهم "الأدبية" فتارة لقربهم من الخليفة, وأخرى لتوفر مصروفات طباعة الكتب في جيوبهم أو جيوب أسيادهم .
سيدي الأدب , سيدتي الثقافة .. السادة الكرام في هذا الإحتفال التأبيني للأدب الرفيع, لا يسعني إلا أن أفرح بمحاولة فردية لرش قليل من العطر على دمنة واقعنا ! للفقيد الرحمة, وله من يرعى دماره , وله من سيقيمه من مماته المؤقت .. ساحبا إياه من هاويته إلى سماء شاسعة كثيرة كان الله مع المبدعين ! وألهمهم الصبر والقريحة الغزيرة والحبر النظيف !!.
وبعد.
كلمة لا بد منها .. بخصوص العلاقة بين الإبداع والتقييم الإبداعي فليس لإنسان أستخف عن جدارة أو بدونها أن يفرض ذوقه على الناس.
وحين تدخل القرائح, يخرج أفعل التفضيل,الذي يحبه الناس حبا جما ويعشقه الناقدون فيقولون ... هذا أفضل الشعراء, هذا أكبر وذاك أصغر, هذا أعنف وذاك أرق ...
وتخرج الألقاب البائدة – فيقال هذا أمير الشعراء وذاك ملك الشعر جمهورية الورد, تجد فيها الياسمين والبرقوق والقندول .. وبدون حرف واحد من حروفها لا تبقى الحديقة ... حديقة .
أننا لا نعد أبقارنا, أنما نقيس ضروعها . ولذا يطلب من كاتب الشعر المبتدئ حدا أقصى من الموهبة ومن الإلمام بقواعد اللغة .
وحد أقصى من الثقافة والتأني, وحدا أقصى من الرغبة في التطور, ونعمة التواضع الممتزج بالعنفوان وإيانا أن نطبع كلمة واحدة قبل أن نسهر ليلة كاملة . ليكتب من يشاء ما يشاء وليسميه ما يفكر أما أنا شخصيا فأن ما يطربني ببيتي شعر يكون شاعرا حتى وأن لم يكتب سواهما ومن لا يطربني ببيتي شعر لا يكون في مساحة البيتين شاعرا, حتى ولو سبق أن كتب ألاف الأبيات .
وأقول للنقد, مهلا, دعونا نتنفس, دعونا من أختامكم, فأنتم رجال جمارك, فحرية ولوج عالم الشعر المطلقة, وحرية الرقي بالشعر وللشعر متاحة ومطلقة, وحرية الناس في تقييم من يكتب الشعر مبتدئا كان أو متقدما, مبكرا كان أو متأخرا هي حرية مطلقة, سواء كان التقييم سلبا أو إيجابيا, رفعا أو دفنا من النقاد من هم ملكيون, مملكون أو جمهوريون والخطر يأتي من فصيلة الجملكيين.
نعرف أن لبعض الشعراء في خارج الوطن ميليشيا قلمية مسلحة, تنتمي إليها بعض الجالسين على جدار حوش شعرنا الوطني في داخل الوطن, إذا كان هذا الناقد أو ذاك عضوا مسلحا في إحداها عن قناعة أو لحاجة في نفس يعقوب, فأنه يقيم شعر المبتدئين هكذا ..
ذاك يسبح في عوالم ذاك الشاعر الكبير ...
وذاك يستعمل مفردة إستعملها ذلك الشاعر الكبير...
وإلى آخر مثل هذه التقييمات السطحية والتافهة . وبالمناسبة, فنحن أولى بالتفاعل مع مفرادتنا, نتاج مصائبنا هنا من شاعر مهما يكون كبيرا, وقد هرب مما يجعلها تخرج طازجة وصادقة؟؟؟
لدينا هنا شعراء كبار, شعراء البقاء الكبير, نقرؤهم ونحبهم كما هم, ولكننا نأبى ويقينا أنهم يأبون أن يستعملهم نقاد "نصف كم" لضرب قرائحنا وإجهاضنا في أول الطريق ...
سنكتب الشعر, وهذا حقنا, وسنتنفس ملء رئتنا.

الدكتور الشاعر : نديم القاسم