بواسطة مشرفي المنتدى
07-24-2007, 02:05 PM
قراءة في "سلامي لك مطرًا"
للشاعرة آمال عواد رضوان
http://www.aljabha.org/q/images/amal-awad-radwan.jpg
بقلم: د. بطرس دلّة *
كانت المفاجأة كبيرة عندما اكتشفت شاعريّة آمال عواد رضوان في مجموعتها الشعرية الأولى "بسمة لوزيّة تتوهّج"، وقد تنبّأت أنّه سيكون لها دور كبير في عالم الإبداع المحلّيّ باللّغة العربيّة وبالشّعر خصوصًا. وها هي ذي تفاجئنا من جديد في مجموعتها الشعرية الثانية "سلامي لك مطرًا"، والّذي صدر هذا العام (2007) بالتعاون بينها ودار الزّاهرة للنّشر والتّوزيع - بيت الشعر الفلسطيني في رام الله، وقد قدّم لهذه المجموعة د. إبراهيم سعد الدّين من القاهرة تحت عنوان "من غواية التشكيل إلى فتنة الرؤيا"، كما ختم المجموعة تحت عنوان "تحسّس المجهول بالعين الثالثة" صديقنا الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة الذي يرأس تحرير السلاسل الثقافية في بيت الشّعر الفلسطيني.
قصيدة النّثرمنذ أن كتبت نازك الملائكة على طريقة الشّعر المحدث، تلاها بدر شاكر السّيّاب، وعلي أحمد سعيد (أدونيس) وغيرهم، وانتشر هذا النوع من الشّعر يعبّ من بحور الخليل الكلاسيكيّة، وينحو نحوًا مغايرًا إلى بحور جديدة، منها ما هو كلاسيكيّ خليليّ، (نسبة إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي)، ومنها ما هو محدث على بحور جديدة بعيدة عن الكلاسيكيّة، لها ميزاتها الخاصّة التي هي خروج عن المألوف في القصيدة العربيّة التقليديّة، وثورة على الماضي في انطلاقة نحو التحرّر من قيود الكلاسيكيّة.
وهكذا بات هذا التّيّار الذي بدأ مترّددًا مثقلَ الخطوات، إلاّ أنّه ما لبث أن تحوّل إلى تيّار جارف، في الكثير من دواوين الشّعر، للكثيرين من الشّعراء في العالم العربيّ الأرحب، وفي عالم الشّعر المحلّي لأدبائنا العرب الفلسطينيّين. وكان من الطّبيعي أن ينبريَ عشّاق الشّعر العموديّ للدّفاع عن نهجهم، ولتسخيف قصيدة النّثر، إلاّ أنّ انصراف الكثيرين إلى كتابة الشّعر النّثريّ فاق كلّ توقّع، على الرّغم من المعارضين، فكان من الطّبيعيّ أن يكون هذا الحكم على المشهد الشّعريّ المذكور متطرّفًا، لأنّه حكم صادر عن الكمّ لا الكيف، كما يقول د. إبراهيم سعد الدين في مقدّمته لهذه المجموعة.
والحقيقة التي لا جدال عليها هي أنّ قصيدة النّثر التي احتلّت مكانتها في شعرنا المحلّيّ، لم ترتقِ إلى مستوىً يجعلها أكثر قبولاً لدى جمهور القرّاء على قلّتهم، كما أنّ جمهور النّاقدين لهذا الشّعر لم يتحمّسوا كثيرًا في إعلاء شأنه، ولم تصدر دراسات وافية لهذا الجانب، تؤسّس له وتُدْرجه في باب التّجديد المقبول، متأثّرين بتيّار المعارضة، وهكذا بات النّقد يُراوح بين الكلاسيكيّ وقصيدة النّثر ولا يزال.
والباحث القارئ لهذه المجموعة سوف يكتشف أنّ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان، تشكّل في هذه المجموعة سمة بارزة متمّيزة، ومتحرّرة من بعض الموروث الشّعريّ، كالوزن والقافية، إلاّ أنّ قصائدها لم تعدم الجرس الموسيقيّ فيما تكتب، بل لجأت إلى الكتابة بطريقتها الخاصّة، مع اعتناء كبير بالتّشكيل الصّوريّ، ذي الإيحاء العميق، في مغامرة بانت عليها تجربتها التي مرّت بها في مجموعتها الأولى "بسمة لوزيّة تتوهّج، ولكنّها لم تعدم أصول الجماليّة البلاغيّة الكامنة في الاستعارات والتّشبيهات الجميلة، والمحسّنات اللّفظيّة، والمصطلحات التي باتت تلازم شعرها كالجناس والطّباق أحيانًا، دون أيّ نشاز أو خروج على الذّوق الرّفيع، فهي تختار الكلمات بدقّة متناهية، تجعلنا نحلّق أثناء القراءة في سماء وهج الكلمات الحبلى بالمعاني البعيدة، مع شيء من التّعمية أو الإبهام أحيانًا، وشيء من الرّومانسيّة الحالمة التي تفاجئك من بين السّطور، فالشّاعرة لها استغراق صوفيّ ومناجاة يغلب عليهما طابع الحزن أحيانًا، تفيض شوقًا ووجدًا، بحيث تُشرق روحها بحرارة الميل والانجذاب، والتوحّد حتّى الذّوبان في مناجاة حبيب القلب، أو قُلْ فتى الأحلام بتعبيرات صادقة، عمّا تشعر به شاعرة كلّها أنوثة وبوح لمن تهوى، وقد يكون ذلك تعبيرًا عن رغبة أيّة أنثى، وليست الشّاعرة ذاتها في هواها لمن تهوى، تبثّ لواعجها دون حذر ولا تردّد. فلنقرأ ما تقوله في (ص37-38) من قصيدتها "سلامي لك مطرًا" التي هي عنوان المجموعة:
عَلى
مَوائِدي التَزْدَحِمُ
بِرَقائِقِ بَسْمَتِكِ الشَّقِيَّةِ
بِفَطائِرِ حُبِّكِ المَعْسولَةِ
أَأَقْتَرِعُ... عَلى
كِ سْ رَ ةٍ
مِنْ خُبْزِ نُعاسِكِ؟
أَأُقامِرُ على
نَ غْ مَ ةٍ
مِنْ ماءِ هَذَيانِكِ؟
أَتُبَعْثِريني بِـ
حَ فْ نَ ةٍ
مِنْ خَميرَةِ أشْعارِكِ؟
وتضيف في (ص41):
وَسَلامي ظامِئٌ
يَرْتَشِفُ طَلَّ فَجْرِكِ
يَتَرَدَّدُ صَدى مَلَكوتِكِ
وَلَهًا.. حَنانًا..
فهذا الظّمأ هو وجع الحنين الّذي يشدّه إليها أو يشدّها إليه، في دعوة صريحة إلى الوصل والتوحّد. أيّها القارئ.. على رِسْلكَ:
عندما تناولت مجموعتها الأولى "بسمة لوزيّة تتوهّج"، قام أحد القرّاء بمهاجمة ما كتبت عن شاعرتنا، مدّعيًا أنّها لا تكتب الشّعر، وأنّ ما تكتبه لا يتجاوز كونه كلامًا عاديًّا لا يمتّ إلى الشّعر بِصِلة.
لم أُعِرْ هذا التّعليق الحاقد اهتمامًا، لأنّه لم يخرج عن كونه رأيًا فجًّا لا عمق فيه، بسبب سطحيّة خاصّة، إذ لاحظنا أنّ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان قد نجحت في إبداعها، لتتجاوز مضمون الكلمات الخارجي إلى عمق المعاني، فذلك لأنّ القارئ المتذوّق لقصيدة النّثر، يجب أن يبحث عن الجمال الخلاّق، فبراءة الشّعر تأخذنا إلى براءة القراءة كما يقول الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة في كلمته لهذه المجموعة.
من هنا، فإنّ إصدار الأحكام الفجّة على هذا الشّعر، لا يمكن أن يتمّ من ناقد متبحّر في مناهج النّقد، إزاء موقف الشّاعرة التي تغوص في عاطفيّة، لتعانق المجهول الّذي تتوق إليه روحها، وتأخذنا معها في تذوّق لرحلتها هذه إلى عالم المجهول في قلب من تهوى.
هذا هو الشّعر الّذي يترك في النّفس هذيانًا، وفي المشاعر رعشة، إذا ما تفيّأنا بظلال ثمار هذه التّجربة على تشكيلاتها الشّعريّة الخارجة عن المألوف.
كذلك من يقرأ قصائد شاعرتنا آمال عواد رضوان، ليس له إلاّ أن يقف على ما لديها من تأمّلات صوفيّة في معبد العشق والمحبّة، تسبر فيه غور الأعماق دون القشور، وتعلو بالنّفس إلى الآفاق البعيدة، وإلى جماليّة الكلمة التي تلازم قصائدها، وأنا إذ أقول ما أقول، فذلك لأنّني مقتنع تمام الاقتناع، بأنّ شاعرتنا إنّما تحقّق في هذه المجموعة قفزة نوعيّة، سواء كان ذلك في القالب الشّعريّ، أو في المضمون الرّؤيوي.
الشاعرة الحالمةفي قصيدتها الأولى "خرافة فرح"، تشكو الشّاعرة من أنّ طيف الحبيب يتلبّس صمت عطرها، ويشاطر سطوع شعرها، ويتنفّس حاضرها الجامح، فتتلو عليه نداءاتها الخافتة الخجولة، وتغمض عينيها على سعادتها الحالمة، وترى فيما يرى النّائم، أنّ حلمها العبثيّ هو حلم كلّ فتاة محبّة للحياة، وطالما لديها هذا الحلم فهي جديرة بالحياة، لأنّ من ليس له حلم ولا رؤيا مستقبليّة، ليس جديرًا بالحياة.
أمّا قصيدتها "سماوية غوايتي"، فترتفع فيها بحلمها الكافر، إلى الأفق الهارب من تناغم الفصول في معبد روح العاشق، فتحطّ هالة من السّكون، عندما ينقلب العاشق من كونه جرّة الأمس، ليصبح أنفاس الغد الذي تفيض أقماره نورًا وبخورًا على هضاب الحروف، فيدعو معشوقته إلى أن تتراذذ (أي أن تصبح رذاذًا) على ضفاف صومعتها التي يضمّخها موّال كئيب.
في قصيدتها "في ملاجئ البراءة"، تعود شاعرتنا إلى الحلم من جديد، ولكنّها في هذه المرّة بقالب مختلف. بقالب الحلم والكابوس، حيث ترى جوقًا من الشّياطين تهمّ بسحقها وتمزيقها، فتلجأ إلى أمّها، لتوفّر لها الصّدر الدّافئ الذي يحميها من خطر تلك الكوابيس الّتي تقضّ مضجعها.
الشاعرة والتّجديدما نعنيه هنا بالتّجديد، هو بحث الشّاعرة الدّائم عن كلّ جديد في الشّكل الفّنّي للكلمة الحلوة. وهكذا عدنا إلى المجموعة في عمليّة إحصاء سريعة، فوجدناها مليئةً بالمصطلحات الجديدة التي ابتكرتها الشّاعرة، ونماذج ذلك كثيرة نعرض بعضًا منها فيما يلي:
أوّلاً: إدخال أل التّعريف على الأفعال، ونحن نعرف أنّ أل التّعريف تلازم الأسماء النّكرة فتعرّفها، أو تقلّل من قيمتها، فإذا قلنا: (اللّيل السّاجي) مثلاً، عرفنا أنّه نوع من أنواع اللّيالي، أمّا إذا قلنا: (هذه التّركيّا)، نكون بذلك نهزأ من تركيّا، لأنّ تعريفها يقلّل من قيمتها في ذهن السّامع المتلقّي، أمّا إدخال هذه الأل على الفعل، فهو ظاهرة جديدة لاحظنا استعمالها في أكثر من مناسبة، ولذلك، فإنّ الشّاعرة هنا إنّما نترصّد خطوات بعض من مالوا إلى إدخال هذه الأل على الأفعال ولذلك نقرأ في (ص36):
لأَظَلَّ ضَميرَكِ اليَسْتَتِرُ خَلْفَ جِبالِ صَمْتِكِ
وفي(ص43) تقول:
غَافِلي نَوافِذَ هَذَياني التَتَرَاقَصُ بِهَفْهَفَةِ رِقَّتِكِ..
وفي (ص46) تقول:
لِسانَ القَلَم ِاليَصْهَلُ:
"أُحِبُّكِ"
وفي (ص50) تقول:
في أَرْوِقَةِ اليَأْسِ اليَزْحَفُ خَوَرًا
وفي (ص51) تقول:
فَأبْرَأُ مِنْ يَبابي
رَحْمَةً بِاليَتَسَرْبَلُ أرْجُوانَ الوَجَعِ؛
وغير هذه. إلاّ أنّ التّجديد لا يقتصر على هذه الظّاهرة اللّغويّة فقط، بل يتجاوزها إلى مصطلحات أخرى مثل:
في (ص46) تقول:
عَنْدِليني بِلَفْتاتِ هَزارِكِ..
لا تُ مَ زِّ قِ ي شِغافِيَ بِطَنينِ الخَوْفِ
لِئَلاّ أَنْدَثِرَ في تَزَوْبُِعِ الأَحْزانِ
إذن هي تطلب العندلة والتزوبع في آنٍ واحد
وتضيف في (ص47) التالية:
لأُغافِلَ وَسَنَ النُّجومِ
لأَنْجُمَ سَماءَنا بِقُبَلِ أسْمائِنا
فهي تريد أن ترصّع السّماء بالنّجوم، لذلك خلقت هذا المصطلح الجميل "لأنْجُم"، وها هي في (ص 46) تزوبع الأحزان فحزنها ثائر كما الرّياح العاصفة.
ثانيا: تحدثت عن التّعمية في مطلع هذه المقالة، فلنتأمّل القول التّالي في (ص49):
اغْزِلي وُشاحَ لَهيبي
طَوِّقيهِ عَلى جيدِ بَرْدِكِ المُتَأجَّجِ دوني
لأَنْسَلَّ إِلْهاماً إلى حيثُ روحِكِ
فهل يتأجّج جيد البرد؟ هذه استعارة غريبة فيها إبهام
وفي الصفحة نفسها تقول:
لَمْلِمي سُبْحَةَ آلامي تَعْويذَةً
تُرَصِّعُ صَدْرَ لَوْعَتي
وَتَبَخْتَري نِداءً يَهْجَعُ
في حَناجِرِ لَيْلِيَ المَبْحوحَةِ
إنّها تكثّف الاستعارات في كلّ شطر، بحيث يلهث القارئ وراء مضامين الكلمات، وهذه هي التّعمية أوّلاً، ثمّ عمق المعاني ثانيًا.
في (ص54) تعود إلى الأسلوب والكثافة نفسيهما في قولها:
شَهْقَةُ شَفافِيَتِكَ حارِقَةٌ تَصْهَلُ
تُرْبِكُ سُكونَ النَّدَمِ
سُدًى
تُلْقي بِجَمْرِ الوَقْتِ الكَسيحِ في مِحْجَرَيَّ
تَشُقُّ دَمِيَ الرَّبيعِيَّ بِعَصا الوَحْدَةِ
تُدَثِّرُني بِنَزْفٍ لا يَضِلُّ
أتَيَبَّبُ
وَتَنْضُبُ كُؤوسُ العَتْمَةِ
فالشّهقة عندها تصهل حارقة، لتربكّ سكون النّدم، وتشقّ دمها الرّبيعيّ، فتتيبّب، أي تتصحّر، فتصبح صحراء يبابًا عندما تنضب كؤوس العتمة، فهل بعد هذه الأقوال من تعمية أكبر؟!
هذا ما قصده د. إبراهيم سعد الدّين عندما قال: "إنّ شاعرتنا تجيد العزف على أوتار اللّغة دون نشاز أو نبو أو مجافاة للذّوق، وهكذا يبقى الحبيب نبع معصية الشّاعرة، فما هي هذه المعصية؟!".
وإذا ما أرادت التّعبير عن شوقها وحرمانها لقبلات الحبيب، لا تلجأ إلى اللّغة التّقريريّة، بل تتفنّن في جماليّة اللّغة بقولها (ص63):
تَشْتَعِلُ حُروفُ اسْمِكَ الأَخْضَرَ
في مَواقِدِ فَمي
تُمَثِّلُنِي بِدِفْءِ ضَوْئِكَ
حَنينًا دائِمَ الاخْضِرارِ
تَتَقافَزُ بَراعِمُ العِناقِ
تُزَقْزِقُ فِراخُ القُبَلِ
تُفَرْفِرُ...
تَتَطايَرُ...
لِيَفيضَ لِساني بِنورِ اسْمِكَ
ويَغْسِلَ شِفاهِيَ مِنْ عَتْمَةِ الحِرْمان!
الله ما أجمل هذا الغسل لعتمة حرمانها من قبل الحبيب!
في (ص65) تنتقل في قفزة نوعيّة أخرى فتقول:
في دُروبِ الحِكايَةِ تَتيهُ بوصَلَةُ القَلَمِ
في غُرْبَةِ الجِهاتِ
أيَشيبُ مِدادِيَ اليَتَوالَدُ أمَلا؟
إذًا، يشيب حبرها عندما يعيش الحبيب في فضاء فوضاها، فيلملم فيض أحزانها عندما يتناغمان، فتعيش الرّوحان في رقصة ارتقاء، ويتشظّى الشّوق متلعثمًا صارخًا: تَعالَيْ.
وتصل ذروة التّجديد في (ص74) عندما تقول:
"أنا لَسْتُك.. وَما كُنْتُك"
فهل قرأ أحد مثل هذا المصطلح في أيّ إبداع غير هذا الإبداع؟
بعد مراجعة سريعة لما جاء في هذه المجموعة، وجدنا أنّ الشّاعرة تذكر:
المجوس في (ص59) ، والمجوس ورد ذكرهم قي الأناجيل، عند ذِكر ميلاد السيّد المسيح، كما تتحدّث عن القداسة وعن الصلب في (ص74)، وعن تطويب الذّكرى والتّقديس في (ص88)، وعن الكرازة في (ص89)، وغيرها من المصطلحات التي لا يفطن بها إلاّ من كان مقرّبا من التديّن ومن دور العبادة.
أخيـرًابعد هذه القراءة السّريعة، لا يمكننا إلاّ اعتبار قصيدة النّثر كما ذكرنا، وكما تجسّدت في هذه المجموعة إلاّ شعرًا، وأضيف اعتقادي أنّ الشّاعرة معلّمة اللّغة العربيّة، متمكّنة من أصول اللّغة العربيّة، تملك فنّ التّعبير عن مشاعرها بخصوصيّة مميّزة، هذا إلى جانب لجوئها أحيانًا للحديث على لسان الرّجل في مناجاة المرأة، إلاّ أنّها لا تنسى أنوثتها، فتستردّ الحديث عن الذّات الأنثى بين قصيدة وأخرى.
تهانينا لك أيّتها الشّاعرة المجيدة، لك الحياة والصّحيح في كلّ ما تعملين.
الشاعرة والتّجديد
ما نعنيه هنا بالتّجديد، هو بحث الشّاعرة الدّائم عن كلّ جديد في الشّكل الفّنّي للكلمة الحلوة. وهكذا عدنا إلى المجموعة في عمليّة إحصاء سريعة، فوجدناها مليئةً بالمصطلحات الجديدة التي ابتكرتها الشّاعرة، ونماذج ذلك كثيرة نعرض بعضًا منها فيما يلي:
أوّلاً: إدخال أل التّعريف على الأفعال، ونحن نعرف أنّ أل التّعريف تلازم الأسماء النّكرة فتعرّفها، أو تقلّل من قيمتها، فإذا قلنا: (اللّيل السّاجي) مثلاً، عرفنا أنّه نوع من أنواع اللّيالي، أمّا إذا قلنا: (هذه التّركيّا)، نكون بذلك نهزأ من تركيّا، لأنّ تعريفها يقلّل من قيمتها في ذهن السّامع المتلقّي، أمّا إدخال هذه الأل على الفعل، فهو ظاهرة جديدة لاحظنا استعمالها في أكثر من مناسبة، ولذلك، فإنّ الشّاعرة هنا إنّما نترصّد خطوات بعض من مالوا إلى إدخال هذه الأل على الأفعال ولذلك نقرأ في (ص36):
لأَظَلَّ ضَميرَكِ اليَسْتَتِرُ خَلْفَ جِبالِ صَمْتِكِ
وفي(ص43) تقول:
غَافِلي نَوافِذَ هَذَياني التَتَرَاقَصُ بِهَفْهَفَةِ رِقَّتِكِ..
وفي (ص46) تقول:
لِسانَ القَلَم ِاليَصْهَلُ:
"أُحِبُّكِ"
وفي (ص50) تقول:
في أَرْوِقَةِ اليَأْسِ اليَزْحَفُ خَوَرًا
وفي (ص51) تقول:
فَأبْرَأُ مِنْ يَبابي
رَحْمَةً بِاليَتَسَرْبَلُ أرْجُوانَ الوَجَعِ؛
وغير هذه. إلاّ أنّ التّجديد لا يقتصر على هذه الظّاهرة اللّغويّة فقط، بل يتجاوزها إلى مصطلحات أخرى مثل:
في (ص46) تقول:
عَنْدِليني بِلَفْتاتِ هَزارِكِ..
لا تُ مَ زِّ قِ ي شِغافِيَ بِطَنينِ الخَوْفِ
لِئَلاّ أَنْدَثِرَ في تَزَوْبُِعِ الأَحْزانِ
إذن هي تطلب العندلة والتزوبع في آنٍ واحد
وتضيف في (ص47) التالية:
لأُغافِلَ وَسَنَ النُّجومِ
لأَنْجُمَ سَماءَنا بِقُبَلِ أسْمائِنا
فهي تريد أن ترصّع السّماء بالنّجوم، لذلك خلقت هذا المصطلح الجميل "لأنْجُم"، وها هي في (ص 46) تزوبع الأحزان فحزنها ثائر كما الرّياح العاصفة.
ثانيا: تحدثت عن التّعمية في مطلع هذه المقالة، فلنتأمّل القول التّالي في (ص49):
اغْزِلي وُشاحَ لَهيبي
طَوِّقيهِ عَلى جيدِ بَرْدِكِ المُتَأجَّجِ دوني
لأَنْسَلَّ إِلْهاماً إلى حيثُ روحِكِ
فهل يتأجّج جيد البرد؟ هذه استعارة غريبة فيها إبهام
وفي الصفحة نفسها تقول:
لَمْلِمي سُبْحَةَ آلامي تَعْويذَةً
تُرَصِّعُ صَدْرَ لَوْعَتي
وَتَبَخْتَري نِداءً يَهْجَعُ
في حَناجِرِ لَيْلِيَ المَبْحوحَةِ
إنّها تكثّف الاستعارات في كلّ شطر، بحيث يلهث القارئ وراء مضامين الكلمات، وهذه هي التّعمية أوّلاً، ثمّ عمق المعاني ثانيًا.
في (ص54) تعود إلى الأسلوب والكثافة نفسيهما في قولها:
شَهْقَةُ شَفافِيَتِكَ حارِقَةٌ تَصْهَلُ
تُرْبِكُ سُكونَ النَّدَمِ
سُدًى
تُلْقي بِجَمْرِ الوَقْتِ الكَسيحِ في مِحْجَرَيَّ
تَشُقُّ دَمِيَ الرَّبيعِيَّ بِعَصا الوَحْدَةِ
تُدَثِّرُني بِنَزْفٍ لا يَضِلُّ
أتَيَبَّبُ
وَتَنْضُبُ كُؤوسُ العَتْمَةِ
فالشّهقة عندها تصهل حارقة، لتربكّ سكون النّدم، وتشقّ دمها الرّبيعيّ، فتتيبّب، أي تتصحّر، فتصبح صحراء يبابًا عندما تنضب كؤوس العتمة، فهل بعد هذه الأقوال من تعمية أكبر؟!
هذا ما قصده د. إبراهيم سعد الدّين عندما قال: "إنّ شاعرتنا تجيد العزف على أوتار اللّغة دون نشاز أو نبو أو مجافاة للذّوق، وهكذا يبقى الحبيب نبع معصية الشّاعرة، فما هي هذه المعصية؟!".
وإذا ما أرادت التّعبير عن شوقها وحرمانها لقبلات الحبيب، لا تلجأ إلى اللّغة التّقريريّة، بل تتفنّن في جماليّة اللّغة بقولها (ص63):
تَشْتَعِلُ حُروفُ اسْمِكَ الأَخْضَرَ
في مَواقِدِ فَمي
تُمَثِّلُنِي بِدِفْءِ ضَوْئِكَ
حَنينًا دائِمَ الاخْضِرارِ
تَتَقافَزُ بَراعِمُ العِناقِ
تُزَقْزِقُ فِراخُ القُبَلِ
تُفَرْفِرُ...
تَتَطايَرُ...
لِيَفيضَ لِساني بِنورِ اسْمِكَ
ويَغْسِلَ شِفاهِيَ مِنْ عَتْمَةِ الحِرْمان!
الله ما أجمل هذا الغسل لعتمة حرمانها من قبل الحبيب!
في (ص65) تنتقل في قفزة نوعيّة أخرى فتقول:
في دُروبِ الحِكايَةِ تَتيهُ بوصَلَةُ القَلَمِ
في غُرْبَةِ الجِهاتِ
أيَشيبُ مِدادِيَ اليَتَوالَدُ أمَلا؟
إذًا، يشيب حبرها عندما يعيش الحبيب في فضاء فوضاها، فيلملم فيض أحزانها عندما يتناغمان، فتعيش الرّوحان في رقصة ارتقاء، ويتشظّى الشّوق متلعثمًا صارخًا: تَعالَيْ.
وتصل ذروة التّجديد في (ص74) عندما تقول:
"أنا لَسْتُك.. وَما كُنْتُك"
فهل قرأ أحد مثل هذا المصطلح في أيّ إبداع غير هذا الإبداع؟
بعد مراجعة سريعة لما جاء في هذه المجموعة، وجدنا أنّ الشّاعرة تذكر:
المجوس في (ص59) ، والمجوس ورد ذكرهم قي الأناجيل، عند ذِكر ميلاد السيّد المسيح، كما تتحدّث عن القداسة وعن الصلب في (ص74)، وعن تطويب الذّكرى والتّقديس في (ص88)، وعن الكرازة في (ص89)، وغيرها من المصطلحات التي لا يفطن بها إلاّ من كان مقرّبا من التديّن ومن دور العبادة.
أخيـرًا
بعد هذه القراءة السّريعة، لا يمكننا إلاّ اعتبار قصيدة النّثر كما ذكرنا، وكما تجسّدت في هذه المجموعة إلاّ شعرًا، وأضيف اعتقادي أنّ الشّاعرة معلّمة اللّغة العربيّة، متمكّنة من أصول اللّغة العربيّة، تملك فنّ التّعبير عن مشاعرها بخصوصيّة مميّزة، هذا إلى جانب لجوئها أحيانًا للحديث على لسان الرّجل في مناجاة المرأة، إلاّ أنّها لا تنسى أنوثتها، فتستردّ الحديث عن الذّات الأنثى بين قصيدة وأخرى.
تهانينا لك أيّتها الشّاعرة المجيدة، لك الحياة والصّحيح في كلّ ما تعملين.
* د. بطرس دلّة، مربٍّ متقاعد وأديب غير قاعد راكد من "كفر ياسيف" الجليليّة
للشاعرة آمال عواد رضوان
http://www.aljabha.org/q/images/amal-awad-radwan.jpg
بقلم: د. بطرس دلّة *
كانت المفاجأة كبيرة عندما اكتشفت شاعريّة آمال عواد رضوان في مجموعتها الشعرية الأولى "بسمة لوزيّة تتوهّج"، وقد تنبّأت أنّه سيكون لها دور كبير في عالم الإبداع المحلّيّ باللّغة العربيّة وبالشّعر خصوصًا. وها هي ذي تفاجئنا من جديد في مجموعتها الشعرية الثانية "سلامي لك مطرًا"، والّذي صدر هذا العام (2007) بالتعاون بينها ودار الزّاهرة للنّشر والتّوزيع - بيت الشعر الفلسطيني في رام الله، وقد قدّم لهذه المجموعة د. إبراهيم سعد الدّين من القاهرة تحت عنوان "من غواية التشكيل إلى فتنة الرؤيا"، كما ختم المجموعة تحت عنوان "تحسّس المجهول بالعين الثالثة" صديقنا الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة الذي يرأس تحرير السلاسل الثقافية في بيت الشّعر الفلسطيني.
قصيدة النّثرمنذ أن كتبت نازك الملائكة على طريقة الشّعر المحدث، تلاها بدر شاكر السّيّاب، وعلي أحمد سعيد (أدونيس) وغيرهم، وانتشر هذا النوع من الشّعر يعبّ من بحور الخليل الكلاسيكيّة، وينحو نحوًا مغايرًا إلى بحور جديدة، منها ما هو كلاسيكيّ خليليّ، (نسبة إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي)، ومنها ما هو محدث على بحور جديدة بعيدة عن الكلاسيكيّة، لها ميزاتها الخاصّة التي هي خروج عن المألوف في القصيدة العربيّة التقليديّة، وثورة على الماضي في انطلاقة نحو التحرّر من قيود الكلاسيكيّة.
وهكذا بات هذا التّيّار الذي بدأ مترّددًا مثقلَ الخطوات، إلاّ أنّه ما لبث أن تحوّل إلى تيّار جارف، في الكثير من دواوين الشّعر، للكثيرين من الشّعراء في العالم العربيّ الأرحب، وفي عالم الشّعر المحلّي لأدبائنا العرب الفلسطينيّين. وكان من الطّبيعي أن ينبريَ عشّاق الشّعر العموديّ للدّفاع عن نهجهم، ولتسخيف قصيدة النّثر، إلاّ أنّ انصراف الكثيرين إلى كتابة الشّعر النّثريّ فاق كلّ توقّع، على الرّغم من المعارضين، فكان من الطّبيعيّ أن يكون هذا الحكم على المشهد الشّعريّ المذكور متطرّفًا، لأنّه حكم صادر عن الكمّ لا الكيف، كما يقول د. إبراهيم سعد الدين في مقدّمته لهذه المجموعة.
والحقيقة التي لا جدال عليها هي أنّ قصيدة النّثر التي احتلّت مكانتها في شعرنا المحلّيّ، لم ترتقِ إلى مستوىً يجعلها أكثر قبولاً لدى جمهور القرّاء على قلّتهم، كما أنّ جمهور النّاقدين لهذا الشّعر لم يتحمّسوا كثيرًا في إعلاء شأنه، ولم تصدر دراسات وافية لهذا الجانب، تؤسّس له وتُدْرجه في باب التّجديد المقبول، متأثّرين بتيّار المعارضة، وهكذا بات النّقد يُراوح بين الكلاسيكيّ وقصيدة النّثر ولا يزال.
والباحث القارئ لهذه المجموعة سوف يكتشف أنّ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان، تشكّل في هذه المجموعة سمة بارزة متمّيزة، ومتحرّرة من بعض الموروث الشّعريّ، كالوزن والقافية، إلاّ أنّ قصائدها لم تعدم الجرس الموسيقيّ فيما تكتب، بل لجأت إلى الكتابة بطريقتها الخاصّة، مع اعتناء كبير بالتّشكيل الصّوريّ، ذي الإيحاء العميق، في مغامرة بانت عليها تجربتها التي مرّت بها في مجموعتها الأولى "بسمة لوزيّة تتوهّج، ولكنّها لم تعدم أصول الجماليّة البلاغيّة الكامنة في الاستعارات والتّشبيهات الجميلة، والمحسّنات اللّفظيّة، والمصطلحات التي باتت تلازم شعرها كالجناس والطّباق أحيانًا، دون أيّ نشاز أو خروج على الذّوق الرّفيع، فهي تختار الكلمات بدقّة متناهية، تجعلنا نحلّق أثناء القراءة في سماء وهج الكلمات الحبلى بالمعاني البعيدة، مع شيء من التّعمية أو الإبهام أحيانًا، وشيء من الرّومانسيّة الحالمة التي تفاجئك من بين السّطور، فالشّاعرة لها استغراق صوفيّ ومناجاة يغلب عليهما طابع الحزن أحيانًا، تفيض شوقًا ووجدًا، بحيث تُشرق روحها بحرارة الميل والانجذاب، والتوحّد حتّى الذّوبان في مناجاة حبيب القلب، أو قُلْ فتى الأحلام بتعبيرات صادقة، عمّا تشعر به شاعرة كلّها أنوثة وبوح لمن تهوى، وقد يكون ذلك تعبيرًا عن رغبة أيّة أنثى، وليست الشّاعرة ذاتها في هواها لمن تهوى، تبثّ لواعجها دون حذر ولا تردّد. فلنقرأ ما تقوله في (ص37-38) من قصيدتها "سلامي لك مطرًا" التي هي عنوان المجموعة:
عَلى
مَوائِدي التَزْدَحِمُ
بِرَقائِقِ بَسْمَتِكِ الشَّقِيَّةِ
بِفَطائِرِ حُبِّكِ المَعْسولَةِ
أَأَقْتَرِعُ... عَلى
كِ سْ رَ ةٍ
مِنْ خُبْزِ نُعاسِكِ؟
أَأُقامِرُ على
نَ غْ مَ ةٍ
مِنْ ماءِ هَذَيانِكِ؟
أَتُبَعْثِريني بِـ
حَ فْ نَ ةٍ
مِنْ خَميرَةِ أشْعارِكِ؟
وتضيف في (ص41):
وَسَلامي ظامِئٌ
يَرْتَشِفُ طَلَّ فَجْرِكِ
يَتَرَدَّدُ صَدى مَلَكوتِكِ
وَلَهًا.. حَنانًا..
فهذا الظّمأ هو وجع الحنين الّذي يشدّه إليها أو يشدّها إليه، في دعوة صريحة إلى الوصل والتوحّد. أيّها القارئ.. على رِسْلكَ:
عندما تناولت مجموعتها الأولى "بسمة لوزيّة تتوهّج"، قام أحد القرّاء بمهاجمة ما كتبت عن شاعرتنا، مدّعيًا أنّها لا تكتب الشّعر، وأنّ ما تكتبه لا يتجاوز كونه كلامًا عاديًّا لا يمتّ إلى الشّعر بِصِلة.
لم أُعِرْ هذا التّعليق الحاقد اهتمامًا، لأنّه لم يخرج عن كونه رأيًا فجًّا لا عمق فيه، بسبب سطحيّة خاصّة، إذ لاحظنا أنّ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان قد نجحت في إبداعها، لتتجاوز مضمون الكلمات الخارجي إلى عمق المعاني، فذلك لأنّ القارئ المتذوّق لقصيدة النّثر، يجب أن يبحث عن الجمال الخلاّق، فبراءة الشّعر تأخذنا إلى براءة القراءة كما يقول الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة في كلمته لهذه المجموعة.
من هنا، فإنّ إصدار الأحكام الفجّة على هذا الشّعر، لا يمكن أن يتمّ من ناقد متبحّر في مناهج النّقد، إزاء موقف الشّاعرة التي تغوص في عاطفيّة، لتعانق المجهول الّذي تتوق إليه روحها، وتأخذنا معها في تذوّق لرحلتها هذه إلى عالم المجهول في قلب من تهوى.
هذا هو الشّعر الّذي يترك في النّفس هذيانًا، وفي المشاعر رعشة، إذا ما تفيّأنا بظلال ثمار هذه التّجربة على تشكيلاتها الشّعريّة الخارجة عن المألوف.
كذلك من يقرأ قصائد شاعرتنا آمال عواد رضوان، ليس له إلاّ أن يقف على ما لديها من تأمّلات صوفيّة في معبد العشق والمحبّة، تسبر فيه غور الأعماق دون القشور، وتعلو بالنّفس إلى الآفاق البعيدة، وإلى جماليّة الكلمة التي تلازم قصائدها، وأنا إذ أقول ما أقول، فذلك لأنّني مقتنع تمام الاقتناع، بأنّ شاعرتنا إنّما تحقّق في هذه المجموعة قفزة نوعيّة، سواء كان ذلك في القالب الشّعريّ، أو في المضمون الرّؤيوي.
الشاعرة الحالمةفي قصيدتها الأولى "خرافة فرح"، تشكو الشّاعرة من أنّ طيف الحبيب يتلبّس صمت عطرها، ويشاطر سطوع شعرها، ويتنفّس حاضرها الجامح، فتتلو عليه نداءاتها الخافتة الخجولة، وتغمض عينيها على سعادتها الحالمة، وترى فيما يرى النّائم، أنّ حلمها العبثيّ هو حلم كلّ فتاة محبّة للحياة، وطالما لديها هذا الحلم فهي جديرة بالحياة، لأنّ من ليس له حلم ولا رؤيا مستقبليّة، ليس جديرًا بالحياة.
أمّا قصيدتها "سماوية غوايتي"، فترتفع فيها بحلمها الكافر، إلى الأفق الهارب من تناغم الفصول في معبد روح العاشق، فتحطّ هالة من السّكون، عندما ينقلب العاشق من كونه جرّة الأمس، ليصبح أنفاس الغد الذي تفيض أقماره نورًا وبخورًا على هضاب الحروف، فيدعو معشوقته إلى أن تتراذذ (أي أن تصبح رذاذًا) على ضفاف صومعتها التي يضمّخها موّال كئيب.
في قصيدتها "في ملاجئ البراءة"، تعود شاعرتنا إلى الحلم من جديد، ولكنّها في هذه المرّة بقالب مختلف. بقالب الحلم والكابوس، حيث ترى جوقًا من الشّياطين تهمّ بسحقها وتمزيقها، فتلجأ إلى أمّها، لتوفّر لها الصّدر الدّافئ الذي يحميها من خطر تلك الكوابيس الّتي تقضّ مضجعها.
الشاعرة والتّجديدما نعنيه هنا بالتّجديد، هو بحث الشّاعرة الدّائم عن كلّ جديد في الشّكل الفّنّي للكلمة الحلوة. وهكذا عدنا إلى المجموعة في عمليّة إحصاء سريعة، فوجدناها مليئةً بالمصطلحات الجديدة التي ابتكرتها الشّاعرة، ونماذج ذلك كثيرة نعرض بعضًا منها فيما يلي:
أوّلاً: إدخال أل التّعريف على الأفعال، ونحن نعرف أنّ أل التّعريف تلازم الأسماء النّكرة فتعرّفها، أو تقلّل من قيمتها، فإذا قلنا: (اللّيل السّاجي) مثلاً، عرفنا أنّه نوع من أنواع اللّيالي، أمّا إذا قلنا: (هذه التّركيّا)، نكون بذلك نهزأ من تركيّا، لأنّ تعريفها يقلّل من قيمتها في ذهن السّامع المتلقّي، أمّا إدخال هذه الأل على الفعل، فهو ظاهرة جديدة لاحظنا استعمالها في أكثر من مناسبة، ولذلك، فإنّ الشّاعرة هنا إنّما نترصّد خطوات بعض من مالوا إلى إدخال هذه الأل على الأفعال ولذلك نقرأ في (ص36):
لأَظَلَّ ضَميرَكِ اليَسْتَتِرُ خَلْفَ جِبالِ صَمْتِكِ
وفي(ص43) تقول:
غَافِلي نَوافِذَ هَذَياني التَتَرَاقَصُ بِهَفْهَفَةِ رِقَّتِكِ..
وفي (ص46) تقول:
لِسانَ القَلَم ِاليَصْهَلُ:
"أُحِبُّكِ"
وفي (ص50) تقول:
في أَرْوِقَةِ اليَأْسِ اليَزْحَفُ خَوَرًا
وفي (ص51) تقول:
فَأبْرَأُ مِنْ يَبابي
رَحْمَةً بِاليَتَسَرْبَلُ أرْجُوانَ الوَجَعِ؛
وغير هذه. إلاّ أنّ التّجديد لا يقتصر على هذه الظّاهرة اللّغويّة فقط، بل يتجاوزها إلى مصطلحات أخرى مثل:
في (ص46) تقول:
عَنْدِليني بِلَفْتاتِ هَزارِكِ..
لا تُ مَ زِّ قِ ي شِغافِيَ بِطَنينِ الخَوْفِ
لِئَلاّ أَنْدَثِرَ في تَزَوْبُِعِ الأَحْزانِ
إذن هي تطلب العندلة والتزوبع في آنٍ واحد
وتضيف في (ص47) التالية:
لأُغافِلَ وَسَنَ النُّجومِ
لأَنْجُمَ سَماءَنا بِقُبَلِ أسْمائِنا
فهي تريد أن ترصّع السّماء بالنّجوم، لذلك خلقت هذا المصطلح الجميل "لأنْجُم"، وها هي في (ص 46) تزوبع الأحزان فحزنها ثائر كما الرّياح العاصفة.
ثانيا: تحدثت عن التّعمية في مطلع هذه المقالة، فلنتأمّل القول التّالي في (ص49):
اغْزِلي وُشاحَ لَهيبي
طَوِّقيهِ عَلى جيدِ بَرْدِكِ المُتَأجَّجِ دوني
لأَنْسَلَّ إِلْهاماً إلى حيثُ روحِكِ
فهل يتأجّج جيد البرد؟ هذه استعارة غريبة فيها إبهام
وفي الصفحة نفسها تقول:
لَمْلِمي سُبْحَةَ آلامي تَعْويذَةً
تُرَصِّعُ صَدْرَ لَوْعَتي
وَتَبَخْتَري نِداءً يَهْجَعُ
في حَناجِرِ لَيْلِيَ المَبْحوحَةِ
إنّها تكثّف الاستعارات في كلّ شطر، بحيث يلهث القارئ وراء مضامين الكلمات، وهذه هي التّعمية أوّلاً، ثمّ عمق المعاني ثانيًا.
في (ص54) تعود إلى الأسلوب والكثافة نفسيهما في قولها:
شَهْقَةُ شَفافِيَتِكَ حارِقَةٌ تَصْهَلُ
تُرْبِكُ سُكونَ النَّدَمِ
سُدًى
تُلْقي بِجَمْرِ الوَقْتِ الكَسيحِ في مِحْجَرَيَّ
تَشُقُّ دَمِيَ الرَّبيعِيَّ بِعَصا الوَحْدَةِ
تُدَثِّرُني بِنَزْفٍ لا يَضِلُّ
أتَيَبَّبُ
وَتَنْضُبُ كُؤوسُ العَتْمَةِ
فالشّهقة عندها تصهل حارقة، لتربكّ سكون النّدم، وتشقّ دمها الرّبيعيّ، فتتيبّب، أي تتصحّر، فتصبح صحراء يبابًا عندما تنضب كؤوس العتمة، فهل بعد هذه الأقوال من تعمية أكبر؟!
هذا ما قصده د. إبراهيم سعد الدّين عندما قال: "إنّ شاعرتنا تجيد العزف على أوتار اللّغة دون نشاز أو نبو أو مجافاة للذّوق، وهكذا يبقى الحبيب نبع معصية الشّاعرة، فما هي هذه المعصية؟!".
وإذا ما أرادت التّعبير عن شوقها وحرمانها لقبلات الحبيب، لا تلجأ إلى اللّغة التّقريريّة، بل تتفنّن في جماليّة اللّغة بقولها (ص63):
تَشْتَعِلُ حُروفُ اسْمِكَ الأَخْضَرَ
في مَواقِدِ فَمي
تُمَثِّلُنِي بِدِفْءِ ضَوْئِكَ
حَنينًا دائِمَ الاخْضِرارِ
تَتَقافَزُ بَراعِمُ العِناقِ
تُزَقْزِقُ فِراخُ القُبَلِ
تُفَرْفِرُ...
تَتَطايَرُ...
لِيَفيضَ لِساني بِنورِ اسْمِكَ
ويَغْسِلَ شِفاهِيَ مِنْ عَتْمَةِ الحِرْمان!
الله ما أجمل هذا الغسل لعتمة حرمانها من قبل الحبيب!
في (ص65) تنتقل في قفزة نوعيّة أخرى فتقول:
في دُروبِ الحِكايَةِ تَتيهُ بوصَلَةُ القَلَمِ
في غُرْبَةِ الجِهاتِ
أيَشيبُ مِدادِيَ اليَتَوالَدُ أمَلا؟
إذًا، يشيب حبرها عندما يعيش الحبيب في فضاء فوضاها، فيلملم فيض أحزانها عندما يتناغمان، فتعيش الرّوحان في رقصة ارتقاء، ويتشظّى الشّوق متلعثمًا صارخًا: تَعالَيْ.
وتصل ذروة التّجديد في (ص74) عندما تقول:
"أنا لَسْتُك.. وَما كُنْتُك"
فهل قرأ أحد مثل هذا المصطلح في أيّ إبداع غير هذا الإبداع؟
بعد مراجعة سريعة لما جاء في هذه المجموعة، وجدنا أنّ الشّاعرة تذكر:
المجوس في (ص59) ، والمجوس ورد ذكرهم قي الأناجيل، عند ذِكر ميلاد السيّد المسيح، كما تتحدّث عن القداسة وعن الصلب في (ص74)، وعن تطويب الذّكرى والتّقديس في (ص88)، وعن الكرازة في (ص89)، وغيرها من المصطلحات التي لا يفطن بها إلاّ من كان مقرّبا من التديّن ومن دور العبادة.
أخيـرًابعد هذه القراءة السّريعة، لا يمكننا إلاّ اعتبار قصيدة النّثر كما ذكرنا، وكما تجسّدت في هذه المجموعة إلاّ شعرًا، وأضيف اعتقادي أنّ الشّاعرة معلّمة اللّغة العربيّة، متمكّنة من أصول اللّغة العربيّة، تملك فنّ التّعبير عن مشاعرها بخصوصيّة مميّزة، هذا إلى جانب لجوئها أحيانًا للحديث على لسان الرّجل في مناجاة المرأة، إلاّ أنّها لا تنسى أنوثتها، فتستردّ الحديث عن الذّات الأنثى بين قصيدة وأخرى.
تهانينا لك أيّتها الشّاعرة المجيدة، لك الحياة والصّحيح في كلّ ما تعملين.
الشاعرة والتّجديد
ما نعنيه هنا بالتّجديد، هو بحث الشّاعرة الدّائم عن كلّ جديد في الشّكل الفّنّي للكلمة الحلوة. وهكذا عدنا إلى المجموعة في عمليّة إحصاء سريعة، فوجدناها مليئةً بالمصطلحات الجديدة التي ابتكرتها الشّاعرة، ونماذج ذلك كثيرة نعرض بعضًا منها فيما يلي:
أوّلاً: إدخال أل التّعريف على الأفعال، ونحن نعرف أنّ أل التّعريف تلازم الأسماء النّكرة فتعرّفها، أو تقلّل من قيمتها، فإذا قلنا: (اللّيل السّاجي) مثلاً، عرفنا أنّه نوع من أنواع اللّيالي، أمّا إذا قلنا: (هذه التّركيّا)، نكون بذلك نهزأ من تركيّا، لأنّ تعريفها يقلّل من قيمتها في ذهن السّامع المتلقّي، أمّا إدخال هذه الأل على الفعل، فهو ظاهرة جديدة لاحظنا استعمالها في أكثر من مناسبة، ولذلك، فإنّ الشّاعرة هنا إنّما نترصّد خطوات بعض من مالوا إلى إدخال هذه الأل على الأفعال ولذلك نقرأ في (ص36):
لأَظَلَّ ضَميرَكِ اليَسْتَتِرُ خَلْفَ جِبالِ صَمْتِكِ
وفي(ص43) تقول:
غَافِلي نَوافِذَ هَذَياني التَتَرَاقَصُ بِهَفْهَفَةِ رِقَّتِكِ..
وفي (ص46) تقول:
لِسانَ القَلَم ِاليَصْهَلُ:
"أُحِبُّكِ"
وفي (ص50) تقول:
في أَرْوِقَةِ اليَأْسِ اليَزْحَفُ خَوَرًا
وفي (ص51) تقول:
فَأبْرَأُ مِنْ يَبابي
رَحْمَةً بِاليَتَسَرْبَلُ أرْجُوانَ الوَجَعِ؛
وغير هذه. إلاّ أنّ التّجديد لا يقتصر على هذه الظّاهرة اللّغويّة فقط، بل يتجاوزها إلى مصطلحات أخرى مثل:
في (ص46) تقول:
عَنْدِليني بِلَفْتاتِ هَزارِكِ..
لا تُ مَ زِّ قِ ي شِغافِيَ بِطَنينِ الخَوْفِ
لِئَلاّ أَنْدَثِرَ في تَزَوْبُِعِ الأَحْزانِ
إذن هي تطلب العندلة والتزوبع في آنٍ واحد
وتضيف في (ص47) التالية:
لأُغافِلَ وَسَنَ النُّجومِ
لأَنْجُمَ سَماءَنا بِقُبَلِ أسْمائِنا
فهي تريد أن ترصّع السّماء بالنّجوم، لذلك خلقت هذا المصطلح الجميل "لأنْجُم"، وها هي في (ص 46) تزوبع الأحزان فحزنها ثائر كما الرّياح العاصفة.
ثانيا: تحدثت عن التّعمية في مطلع هذه المقالة، فلنتأمّل القول التّالي في (ص49):
اغْزِلي وُشاحَ لَهيبي
طَوِّقيهِ عَلى جيدِ بَرْدِكِ المُتَأجَّجِ دوني
لأَنْسَلَّ إِلْهاماً إلى حيثُ روحِكِ
فهل يتأجّج جيد البرد؟ هذه استعارة غريبة فيها إبهام
وفي الصفحة نفسها تقول:
لَمْلِمي سُبْحَةَ آلامي تَعْويذَةً
تُرَصِّعُ صَدْرَ لَوْعَتي
وَتَبَخْتَري نِداءً يَهْجَعُ
في حَناجِرِ لَيْلِيَ المَبْحوحَةِ
إنّها تكثّف الاستعارات في كلّ شطر، بحيث يلهث القارئ وراء مضامين الكلمات، وهذه هي التّعمية أوّلاً، ثمّ عمق المعاني ثانيًا.
في (ص54) تعود إلى الأسلوب والكثافة نفسيهما في قولها:
شَهْقَةُ شَفافِيَتِكَ حارِقَةٌ تَصْهَلُ
تُرْبِكُ سُكونَ النَّدَمِ
سُدًى
تُلْقي بِجَمْرِ الوَقْتِ الكَسيحِ في مِحْجَرَيَّ
تَشُقُّ دَمِيَ الرَّبيعِيَّ بِعَصا الوَحْدَةِ
تُدَثِّرُني بِنَزْفٍ لا يَضِلُّ
أتَيَبَّبُ
وَتَنْضُبُ كُؤوسُ العَتْمَةِ
فالشّهقة عندها تصهل حارقة، لتربكّ سكون النّدم، وتشقّ دمها الرّبيعيّ، فتتيبّب، أي تتصحّر، فتصبح صحراء يبابًا عندما تنضب كؤوس العتمة، فهل بعد هذه الأقوال من تعمية أكبر؟!
هذا ما قصده د. إبراهيم سعد الدّين عندما قال: "إنّ شاعرتنا تجيد العزف على أوتار اللّغة دون نشاز أو نبو أو مجافاة للذّوق، وهكذا يبقى الحبيب نبع معصية الشّاعرة، فما هي هذه المعصية؟!".
وإذا ما أرادت التّعبير عن شوقها وحرمانها لقبلات الحبيب، لا تلجأ إلى اللّغة التّقريريّة، بل تتفنّن في جماليّة اللّغة بقولها (ص63):
تَشْتَعِلُ حُروفُ اسْمِكَ الأَخْضَرَ
في مَواقِدِ فَمي
تُمَثِّلُنِي بِدِفْءِ ضَوْئِكَ
حَنينًا دائِمَ الاخْضِرارِ
تَتَقافَزُ بَراعِمُ العِناقِ
تُزَقْزِقُ فِراخُ القُبَلِ
تُفَرْفِرُ...
تَتَطايَرُ...
لِيَفيضَ لِساني بِنورِ اسْمِكَ
ويَغْسِلَ شِفاهِيَ مِنْ عَتْمَةِ الحِرْمان!
الله ما أجمل هذا الغسل لعتمة حرمانها من قبل الحبيب!
في (ص65) تنتقل في قفزة نوعيّة أخرى فتقول:
في دُروبِ الحِكايَةِ تَتيهُ بوصَلَةُ القَلَمِ
في غُرْبَةِ الجِهاتِ
أيَشيبُ مِدادِيَ اليَتَوالَدُ أمَلا؟
إذًا، يشيب حبرها عندما يعيش الحبيب في فضاء فوضاها، فيلملم فيض أحزانها عندما يتناغمان، فتعيش الرّوحان في رقصة ارتقاء، ويتشظّى الشّوق متلعثمًا صارخًا: تَعالَيْ.
وتصل ذروة التّجديد في (ص74) عندما تقول:
"أنا لَسْتُك.. وَما كُنْتُك"
فهل قرأ أحد مثل هذا المصطلح في أيّ إبداع غير هذا الإبداع؟
بعد مراجعة سريعة لما جاء في هذه المجموعة، وجدنا أنّ الشّاعرة تذكر:
المجوس في (ص59) ، والمجوس ورد ذكرهم قي الأناجيل، عند ذِكر ميلاد السيّد المسيح، كما تتحدّث عن القداسة وعن الصلب في (ص74)، وعن تطويب الذّكرى والتّقديس في (ص88)، وعن الكرازة في (ص89)، وغيرها من المصطلحات التي لا يفطن بها إلاّ من كان مقرّبا من التديّن ومن دور العبادة.
أخيـرًا
بعد هذه القراءة السّريعة، لا يمكننا إلاّ اعتبار قصيدة النّثر كما ذكرنا، وكما تجسّدت في هذه المجموعة إلاّ شعرًا، وأضيف اعتقادي أنّ الشّاعرة معلّمة اللّغة العربيّة، متمكّنة من أصول اللّغة العربيّة، تملك فنّ التّعبير عن مشاعرها بخصوصيّة مميّزة، هذا إلى جانب لجوئها أحيانًا للحديث على لسان الرّجل في مناجاة المرأة، إلاّ أنّها لا تنسى أنوثتها، فتستردّ الحديث عن الذّات الأنثى بين قصيدة وأخرى.
تهانينا لك أيّتها الشّاعرة المجيدة، لك الحياة والصّحيح في كلّ ما تعملين.
* د. بطرس دلّة، مربٍّ متقاعد وأديب غير قاعد راكد من "كفر ياسيف" الجليليّة