المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر الكبير سميح القاسم : لن يعرف الفجر الأزرق سواي -


بواسطة مشرفي المنتدى
07-24-2007, 01:46 PM
لن يعرف الفجر الأزرق سواي http://i10.servimg.com/u/f10/11/09/86/01/icon_q10.gif (http://paperstan.editboard.com/post.forum?mode=quote&p=9325) لن يعرف الفجرَ الأزرق أحدٌ سواي!"




http://www.al-ayyam.ps/znews/site/articles/small_61695.jpg


سميح القاسم: أكتب لإنقاذ ذاتي

أنا لا أخاف الـموت، أعتبره صديقاً ..
لا أحب مجيئه، لأنّ لدي قصيدة قادمة

التقته: فاطمة بطحيش وأسماء عزايزة

أن تقرأ شاعرك الـمفضل على ورق، أو حتى أن تسمعه ينشدُ شعره، ما هو إلا أمر يثير فراشات الخاصرة لتدغدغك، مُحاوِلةً اختزال الـمسافة بينك وبين قلبه أو قصيدته أو صوته ... ولكنّك، وفعلاً، تختزل هذه الـمسافة التي "تبدو" طويلة، عندما تدخل إلى حجرته الخاصة وتراقبه يمجّ سجائره ويشرب قهوته على مهل ... دخلناها متلفّتين حولنا ... غرفة صغيرة زادت من حرارتها حرارة القصائد التي وُلدت منها وفيها ... كتبٌ هنا وهناك تحمل رائحة خاصّة ... ربما هي رائحة الـماضي والذكريات، وربما رائحة مخاض القصيدة القادمة، وربما رائحة الشاعر الذي فيه ... سميح القاسم.

ü أين هو سميح القاسم من ماضيه وحاضره؟ هل أنت في عزلة معينة؟

ــ على عكس الـماضي الذي انحصر في جغرافيا وسياسة معينة، اليوم، ولأسباب موضوعية أكثر من الذاتية، أصبحت اهتماماتي عالـمية وعملي عالـمياً. وهذه الاهتمامات لا تلغي الاهتمام القومي والوطني، ولكنها لا تقتصر عليه .. وأعتقد أن عملي مبرر لأنه ضروري وليس فقط لأنه مطلوب ... .

ü هل تعتقد أن ما يؤثر على الناس هو كلـمة سميح القاسم، بصرف النظر عن مضمونها، أم أن الـمضمون هو الذي يصل إليهم قبلك؟

ــ أي كلام لا يدفع الناس إلى القشعريرة والبكاء أو الغضب أو الفرح، يكون غير مبرر ... وأعتبر أن غير ذلك هو "رغي"، وهو ما أسميته "دولة الرغي" وهو الكلام غير الـمجدي وغير الواضح، وربما الخالي من الأخلاق، وللأسف هو سيد الـموقف الآن في الثقافة العربية والسياسة العربية والصحافة العربية. وإن كان ما أقوله دفع أي إنسان إلى القشعريرة، فهذا يعني أنني أصون نفسي خارج دوامة "الرغي" العربي، وألاحظ ذلك من خلال قراءاتي الشعرية ولقاءاتي في جميع أنحاء العالـم.

ü هل بالإمكان ربط ذلك بالتحول الذي مرّ به سميح القاسم شعرياً على الأقل، من الـمباشر إلى غير الـمباشر، أو من اليقين إلى الشك، أو من الحماس إلى الهدوء؟

ــ الكلام عن الـمباشرة وغير الـمباشرة هو هراء وكلام إنشاء فارغ، تسلى به أشباه شعراء وأشباه نقّاد. ولا أحب أن أرد عليه حتى ... ما هي الـمباشرة؟ الـموضوع الساخن يتطلب رداً ساخناً، والـموضوع الهادئ يُعبَّر عنه بشكل هادئ. الـمباشرة الفنية هي الفن الصعب، وإذا اعتبرنا أن الـمباشرة هي أمر سيئ، فنحن نلغي الشعر العربي والشعر الـمحترم في العالـم، ونُبقي فقط كلام بعض الـمرضى النفسيين والـمهووسين. إنه لقلة ذوق أن يُطلب مني أن أكتب عن الانتفاضة والدم ومأساة الشعب الفلسطيني الواضحة بكلام غير مفهوم. والذي يلجأ إلى الكلام الغامض وغير الـمفهوم في هذا السياق هو الذي لا يريد أن يواجه الاستعمار ويكون كلامه "لعب عيال". وهذا لا يلغي، أيضاً، وجود شعر واضح ورديء فنياً، ولكن الصدق مطلوب في جميع الحالات.

ü قلت: "حين أكتب لا يكون أحد في بالي، ولا في ذهني ولا في مخيلتي لا جمهور ولا وطن ولا دولة ولا أي شي، أنا أكتب حتى أتمكن من التنفس أكتب لأنقذ ذاتي من الجنون أو الانتحار" ... إذاً ما الذي يستحوذ على ذهنك قبل الكتابة؟

ــ لا شيء ولا أحد يكون في ذهني قبل الكتابة، أنا أكتب لإنقاذ ذاتي. ولكن بالتأكيد، أكون وقتئذٍ ممتلئاً ومسكوناً بشعور معين ولكن لا أفكر بموضوع أو مناسبة قبل الكتابة. لا تحدث مثلاً مناسبة ما أو انتفاضة مثلاً، فأجلس على الكرسي لأكتب عنها. فأولى قصائد الانتفاضة مثل "تقدموا"، لـم أقرر أن أجلس وأكتبها، بدأت بكتابتها خلال تظاهرة في القدس. أي أنها نبعت من تجربة شخصية، فالانتفاضة تحوّلت عندي إلى مسألة شخصية. وإسرائيل لـم تقم على هذه الأرض حتى تذل وتضطهد الشعب الفلسطيني، إنما لإغاظة سميح القاسم!.

ü حدث أن هاجمت ما أسميته الاستحداث مقابل الحداثة التي اتّسم بها شعرك؟

ــ الحداثة موجودة وقصيدتي موجودة ... أما الاستحداث، والتشبّه بشاعر فرنسي أو إنكليزي فهذا شعور بالنقص والدونية والانحطاط تجاه الأجنبي. على سبيل الـمثال، دعيت إلى مهرجان "غرينوبل" في فرنسا وهو مهرجان فرنسي ــ عربي، وقد تواجد هناك العديد من الشعراء العرب الذين ترجمت قصائدهم، وهم بأنفسهم أقرّوا بأنّ هنالك قصائد لشعراء العرب تشبههم، وكأنها تُرجمت من الفرنسية، ولكنهم في الوقت نفسه قالوا لي إن قصائدي لا تشبههم البتّة، وأنني أشبه نفسي ... أما الشعراء الذين يملكون عقدة "الخواجة" ويقلدون الأجنبي فهم شعراء استحداث.

ü ولكنّ مفهوم الحداثة لديك مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأصالة ... كيف؟

ــ طبعاً، الحداثة يجب أن تستمر من الأصالة، ودون الأصالة، لن تكون الحداثة موجودة. الحداثة هي نسبية، فقصيدتي تُعتَبر حداثة للـمتنبي أو الـمعري. والـمتنبي، أيضاً، قدّم الحداثة بالنسبة لـمن سبقوه. عليّ أن أجدد بالنسبة لـمن سبقوني في الحياة الشعرية العربية. والتجديد، بالطبع، لا يلغي السابق ولا يستعلي عليه ولا يطالب بنسفه. من قال أنّ شكسبير مثلاً أكثر شاعرية من الـمتنبي؟ لا على الإطلاق. الكمبيوتر الذي تنتجه ألـمانيا مثلاً هو أفضل من الذي تنتجه جيبوتي، وأنا أعترف، ولكن هذا لا يعني أنّ قصيدتهم أفضل من القصيدة العربية ... آمل أن نقلدهم في صناعة الطيارات والسيارات وغيرها، ولكن من قال إنني يجب أن أقلد قصيدتهم؟ ألا أستطيع أن أكون حديثاً إلا إذا تبرّأت من الشعر العربي؟

ü لـماذا طلبت حق اللجوء السياسي للـمتنبي في سويسرا؟

ــ ألا ترين وضع العراق اليوم؟؟ الـمتنبي هو ابن العراق، ولو كان حياً لاغتالوه! وببساطة أريد أن أحميه من الوحوش الذين حوله؛ الاحتلال الأجنبي والطائفية التي تقتل الـمئات كل يوم، فطلبت له حق اللجوء السياسي في سويسرا.

ü قلتَ: معظم أعمالي الشعرية ربما لـم تُقرأ بالشكل الكافي في الوطن العربي، بسبب موقعي الجيوبوليتي الاستثنائي ...

ــ هذا صحيح .. فبعض أعمالي لـم تُطبع في العالـم العربي لأنها مُنِعت. ليست هنالك أية دولة عربية في العالـم العربي تستطيع أن تحتمل كلَّ شعري وصوتي بالكامل. هنالك قصائد أصبحت محفوظة بشكل كبير مثل "منتصب القامة أمشي" أو "تقدّموا" أو "الانتفاضة"، أما قصائد مثل "أشد من الـماء حزناً" أو "سيرة بني سميح"، والقصائد الـملغومة التي تحمل إدانة للسياسة العربية والواقع العربي، فيبتعدون عنها. أنا مسموع ومرئي جداً في العالـم العربي، ولكني لست مقروءاً بالشكل الكافي.

ü هل تعتقد أنّ الاهتمام العالـمي بالشعر الفلسطيني ممكن أن ينبع من تعاطف ما، وأنّ الاهتمام العالـمي يزيد عندما تتعلّق أية مسألة، كالشعر، بالقضية الفلسطينية؟

ــ هذا السؤال، والـمطروح أيضاً في كل العالـم العربي، يحمل شيئاً من عدم الثقة بالنفس. لـماذا لا يُطرح هذا السؤال عندما يُدعى شاعر أجنبي إلى العالـم العربي؟ لا يسأل الأجنبي لـماذا دُعي شاعرٌ من دولته إلى دولة عربية. ولكننا دائماً نُفسّر ذلك على أنه تعاطف مع القضية الفلسطينية أو العراقية أو غيرها. بالإضافة إلى ذلك، هنالك ما يقارب 10 آلاف شاعر عربي، ولكن أحداً لـم يسأل لـماذا من بينهم هنالك أربعة أو خمسة ممن هم مطلوبون في العالـم العربي؟ لأنّهم شعراء ... ثم إن التعاطف مع القضية ليس عيباً. وإذا دُعيت لأمسية شعرية في بلد أجنبي، وطُلب مني أن لا أتطرق للقضية الفلسطينية، فإني حتماً سأرفض. هذا الربط بين النضال من أجل قضية معينة وبين الشعر موجود في كل مكان، لـماذا عُرف ناظم حكمت؟ لأنه دمج بين عبقريته الشعرية وبين عبقريته النضالية ...

ü وما الفرق بين سميح الـمناضل الشاب والـمناضل الآن؟

ــ (ضاحكاً) فرق بسيط .. خمسون سنة فقط! ولكن فعلاً فرق بسيط ... بالطبع هنالك دور للزمن والتجربة في تطوير الرؤيا ولكن ليس في تغييرها. هنالك من يفكر أن الـمواقف هي قمصان نغيرها حسب الـموضة. الـمواقف تتطور، تصبح أكثر تركيباً وتعقيداً وشموليةً، ولكنها لا تتغيّر كالـملابس.

ü تكلّمنا عن الـمواقف التي تنبع من عناصر خارجية والتي تولد القصيدة، بالطبع هنالك أيضاً هواجس داخلية تثيرها، أيهما الـمتسلط الأكبر على قصيدتك؟

ــ ليس هنالك فصل بينهما، ولا يعقل الفصل بين الخارج والداخل، بين العام والخاص ... فقط الـمجنون هو الذي يدخل في حالة فصام وينسلخ عن العالـم. فعلى سبيل الـمثال، الكولاجات التي أكتبها في الفترة الأخيرة، كان منها ما تطرّق إلى "التسونامي"؛ وحدث أن لطمت امرأة من الـمجتمع الراقي يداً بيد خائفةً على خدّامتها السيريلانكية، هذه مسألة تُقشعر الأبدان وهي صالحة لأن تُكتب شعراً ... هل انفصلت هنا الـمسألة الشخصية عن العامة؟ أمامي حالة إنسانية تحمل كارثة "تسونامي"، ونفسي والطبقة البرجوازية الـمريضة، والـمرأة التي لـم تمثّل نفسها فقط إنما مثّلت الواقع العالـمي الذي خاف على الشواطئ الجميلة هناك من الخراب ولـم يكترث لآلاف الضحايا الذين قُتلوا.

ü ما هي طقوسك في الكتابة.. أما زالت أوقات بعد منتصف الليل حتى الفجر الأزرق هي الأنسب لديك؟

ــ نعم، ذاك الفجر الأزرق الذي لا يعرفه أحدٌ سواي ... وأريد أن أطوّبه ضمن أملاكي الخاصة (ضاحكاً) ...

ü يقال إن الشاعر الـمبتدئ يعتمد في كتابته على اللحظة التلقائية والعشوائية، بينما يستطيع في مراحل شعرية متقدّمة أن يُطوّر أدوات تمكّنه من استخراج التراكمات الذهنية والحسّية في أوقات محدّدة وبشكل يومي. هل من الـممكن أن تُسيطر على الوقت وتحدده بنفسك؟

ــ كل شيء وارد بالحسبان، وليست هنالك قواعد أو قوانين تسمح بهذا وتمنع ذلك. الإبداع يملي آليته أحياناً. فعلى سبيل الـمثال، الروائي الكبير إرنست هامنغواي كان يطبع في الصباح على آلة الطباعة وقوفاً لـمدة 4 ساعات. أنا شخصياً لا أكتب واقفاً ولا أرى هنالك حاجة لأن أكتب واقفاً. نحن مختلفان، ولكن ذلك لا يعني أنّ ذلك هو مقياس الإبداع، فلكلٍ طريقته. ثم أنني لا أحب كلـمة "طقوس" لأنها تحمل شيئاً من الهيبة والوقار الـمُفتعل، أسميها "عادات" كتابة.

ü وماذا عن هؤلاء الذين يكتبون بتأثير الـمسكرات؟

ــ أعتقد أنّ ذلك يضر بعملية الكتابة. فالكتابة لدي تكون في أرقى درجات الصحو والوعي الداخلي. من الـممكن أن أكون بحالة ذهول من كل ما يحيط بي، ولكني أكتب وأنا في حالة من الصحو التام. حتى في أيام شبابي لـم أمر بهذه التجربة، فقد أصدرت مجموعتي الأولى في الثامنة عشرة من عمري، ولكني لـم أستجب لأي عرض يقضي بأن أسكر أو أدخّن لأكتب ... أنا أدخن بكثرة، ليس ليساعدني ذلك على الكتابة، ولكن ربما هروباً من احتقان معين أو إلهاءً للذات في الوقت الذي أنتظر فيه خلاصاً للقصيدة حتى أصل للصورة الـمرجوة.

ü عندما تُعرّف في العالـم العربي، تٌعرّف بـ "الشاعر العربي" أو "الكبير" أو "الفلسطيني"، إذا جرّدناك من هذه الألقاب، كيف تعرّف نفسك بعيداً عن الشعر؟

ــ أنا لا أحب أن أُزج في خانة "الشاعر الفلسطيني". أنا عربي أولاً، وهمومي الفلسطينية هي جزء من الهم العربي. ولـم أتعامل يوماً معها وكأنها مسألة منسلخة عن الهم العربي. الألقاب كثيرة، ولكنني لـم أشتر أياً منها. ولكن ردّاً على الإقليمية الـموجودة في العالـم العربي بتلقيب الشعراء بالفلسطيني والسوري والـمصري، فرحت عندما لقبني البعض في الدول العربية بـ "شاعر العروبة"، لأنني لست ضيفاً هناك، هذا وطني وشعبي.. ولكن بعيداً عن الشعر أنا لست ملزماً بأن أعرّف نفسي، ثم إن مسألة التعريف تأتي من الخارج؛ السؤال هو كيف ينظر الآخر إليّ. أما إذا سئلت كيف أحب أن يُنظر إلي، فأنا إنسان يحب البشر والحرية والطبيعة والجمال، أحب الإبداع والتعاون بين البشر لحماية الأرض ... ولكنني في نفس الوقت مكلّف بأن أكون صوت هذا الشعب الفلسطيني الذي أنا ابنه. أنا عربي حتى النخاع ... وفلسطيني حتى النخاع ... وإنسان حتى النخاع!

ü قلت: "لا أحب التكرار، أحب الـمغامرة الفنية وأمارسها". ألا ينتابك خوفٌ بعد هذه التجربة والعمر الطويل بأن يتوقف شيء ما، الذي ربما يرتبط بهاجس الـموت، ويزيد من عزيمة الشاعر أو يحبطه؟

ــ أنا لا أخاف الـموت، وهذه حقيقة وليست ادعاءً لبطولة، أعتبره صديقاً ولا أطلبه، ولكنه إذا قرّر الـمجيء فلن أخافه "يا ميت مرحباً".. لا أحب مجيئه، لأنّ لدي قصيدة قادمة، ولكن ليس لأي سبب آخر.

ü هل تخاف القصيدة القادمة؟

ــ على العكس، لا أخافها ... هنالك لعبة جميلة بيني وبين القصيدة القادمة ... هي تُهدد وتتوعّد، تسألني: "أريني ما عندك؟" فأقول لها: "تعالي يا بنت الكلب لأريك ما عندي"!

ü كيف ترى إلى النقّاد الذين كتبوا قراءات في شعرك، وخاصة إلى الذين قلت إنهم أثاروا نقاطاً لـم تنتبه أنت إليها، مثل الناقدة الأميركية تيري دي يونك التي كتبت دراسة عن تحديث الجناس في شعرك؟

ــ الـمفاجئ في مسألة النقد هو أن نقاد عرباً كباراً يقرؤون الشعر قراءة تقنية وميكانيكية في الشكل والنمط واللغة والصور؛ وهو إطناب سواءً للإيجاب أو السلب، أما هذه الناقدة الأميركية التي اهتمّت بتحديث الجناس وكتبت دراسة مطولة فيه، فاحترمتها أكثر منهم. من لفت نظري هم النقّاد غير الـمعروفين ممن تحدّثوا عن مسألة الـموت أو تجديد الأسطورة لدي.

ü لـماذا برأيك، وكما قلت، إن العديد من الشعراء استراحوا لشكل "السربيات" الشعري الذي أضفته؟

ــ ربما لأنها أعجبتهم ... هذه تعتبر إضافات للشعر، فمثلاً القصيدة الـمركبة من العمودي والتفعيلة والنثر، أضفتها إلى الشعر العربي الحديث، وهي عملياً بداية الكولاجات. بالإضافة إلى ذلك، الومضة الشعرية أو الليزر الشعري؛ الـمكونة من كلـمات قليلة، وأمور أخرى، أعتقد بأنني كنت السّباق فيها. في الشعر العربي كان هنالك مطوّلات شعرية تتحدث عن موضوع واحد بطريقة قصصية، ولكنني كتبت القصيدة التي تقوم على تداعيات وأفكار متعددة تختلف ولكنها بنفس الـمناخ الشعري. وهذا النوع لا يسمى ملحمة ولا مطوّلة، فسميته "سربيات" نسبة لشكله الذي يشبه سرب الطيور وحركته؛ أية عملية السرب التي تتجه إلى أكثر من اتجاه.

ü لأي مدى تعتقد بأنه من الضروري تحديد هوّية النص، ليس بالـمعنى التقييدي للكلـمة، وإنما حرصاً على حماية الكتابة من الأقلام التي تملأ مواقع الانترنت، والتي تكتب "النصوص" العارية من الهوية، والتي لا تُعرّف شعراً ًولا نثراً ولا قصة ولا رواية؟

ــ إن تعبير "النص" هو تعبير مُترجم، بدأ في أوروبا بعد الحرب العالـمية الأولى، حين شعر بعض الكتاب بالتأزم، فخرجت إلى الساحة الأدبية مدارس كالدادائية والسوريالية وغيرها ... وبعد الحرب العالـمية الثانية، كُتبت نصوص فيها من النثر والشعر شيء، فاحتاروا بتسميتها، فاتفقوا على تسميتها (text)، وبعدها تُرجمت إلى "نص) بالعربية، وهذا مشروع ومقبول. الـمهم أن يكون الإنسان صادقاً ومبدعاً، ومن ثم يكتب ما يحلو له، ولا حاجة لأن يقلق في تسمية ما يكتب.

ü هل تعتقد، وكما قال كثيرون، أنّ الحزب الشيوعي وصحيفته ساهما في شهرتك؟ وماذا أعطاك الحزب؟

ــ هذا الادعاء القائل بأنّ الحزب و"الاتحاد" ساهما في شهرتي، ممكن أن يكون صحيحاً، وممكن أيضاً أن يكونا قد قللا من شهرتي، لأن الشهرة تزيد عن طريق وسائل الإعلام الرسمية بشكلٍ أكبر، كالوسائل الـمرئية أو العالـمية وغيرها. ثم إن هذا الادعاء فيه نوع من الخبث، ويخرج من أولئك الذين لـم يحصلوا على الشهرة، فيحرصون على التقليل من شأن شهرة الآخرين. عمل معي العديد من الشعراء في صحيفة "الاتحاد"، ولـم يختلفوا مع الحزب كما اختلفت معه أنا، فكيف سيختار الحزب هذا الـمشاكس الـمختلف ويدفعه إلى الأمام؟ لكن في الوقت نفسه، أنا لست من الأشخاص الذين يخونون ماضيهم، فأنا أحترم وأعتز بكل لحظة قضيتها في الحزب، وأنظر إلى تاريخه على أنه تاريخ مشرّف، و"الاتحاد" بالنسبة لي هي معقِل تاريخي، وأي عربي يملك كرامة قومية، عليه أن يدافع عن "الاتحاد" ويحميها. للأسف، بعض الأشخاص من داخل الحزب، والذين هاجموني وكانوا السبب وراء خروجي من الحزب بتهمة أنني أحمل مشاعر قومية، انقلبوا الآن على الحزب وادعوا القومية العربية. ولكن، إذا قدّم لي الحزب أو "الاتحاد" شيئاً فـ"شكراً جزيلاً"، وأنا أيضاً قدّمت الكثير للحزب، حتى أنّ توفيق زيّاد في أحد الـمؤتمرات قال بأن الحزب بحاجة إلى سميح القاسم، وسميح القاسم ليس بحاجة إلى الحزب. الحزب شجّعني على الوعي الأممي وزاد من معرفتي، وأنا أعتز أن مكان قصيدتي كان في "الاتحاد"، ولكن الشهرة تصنعها القصيدة ولا شيء آخر.

ü غُنَّت بعض قصائدك من قبل عدد من الفنانين مثل مرسيل خليفة، وفنانين محليين مثل سيدر زيتون، وهنالك حديث أيضا مع الفنانة فيفيان بشارة. كيف ترى أهمية الشعر الـمغنّى؟

ــ نعم، هنالك حديث حول تعامل مشترك معها. وأهمية الشعر الـمغنى تكمن في تحوّله إلى تراث شعبي. عندما غنى مرسيل "منتصب القامة أمشي" لـم أكن أعرفه بشكل شخصي، جوليا بطرس أيضا لـم ألتق بها قبل ذلك. قصيدة "سأقاوم" تُرجمت إلى اليونانية وغناها اثنان من أهم الـمطربين في اليونان. بالإضافة إلى ذلك، فرقة "موّال" غنّت "أوبريت البيت" التي عُرضت في العديد من الدول العربية. جوقة "يُعاد" في الرامة أنتجت أيضا "قطر الندى" ولاقت نجاحا كبيرا. جميل أن يغنى الشعر، لأنه بالأساس إنشاد، وهو قريب من الغناء، فالعلاقة بينهما طبيعية.
ü اعترفت أن الشيء الوحيد الذي أزعجك بسبب حادث الطرق هو حرمانك من رقص الدبكة والفالس والتانجو والسامبا ...

ــ كنت أتمتع بالرقص الغربي والدّبكة، ولـم أجامل أحداً في الأعراس برقصي، إنما كنت أرقص بمتعة فائقة. أنا أحب الرقص وأتقنه أيضاً، وليس لديّ انغلاق ثقافي على الرقص الغربي مثلاً، فأنا أحبه وأتقنه بلا حدود.

ü عُرضت عليك جائزة إسرائيل باعتبارها خشبة قفز إلى جائزة نوبل ورفضت ... وكيف تنظر إلى الجوائز التي تُمنح اليوم للأدباء؟

ــ أبداً لـم تشغل تفكيري أية جائزة. ولكني لا أكون صادقاً إن قُلت إن حصولي على جائزة لا يفرحني، ففيها نوع من التكريم والتقدير والرضى عن الذات، أيضا. وأعتز أنني لـم أسع يوما وراء جائزة، كما يفعل الكثيرون. عُرضت علي، أثناء رئاستي لاتحاد الكتاب العرب، جائزة التفرّغ ورفضت. ولكن عندما طُرحت على اتحاد الكتاب، لـم أمانع، لأنه من حقنا أن نسترجع الضرائب التي ندفعها للدولة بطرق مختلفة، كجائزة التفرّغ للأدباء، ولكن شريطة أن لا تكون مشروطة. أما بالنسبة للجوائز التي حصلت عليها عالـميا، فجميعها طُرحت من قبل جهات مختلفة من العالـم وقبلتها. أما إذا كانت الجائزة مشروطة أو ذات هدف سياسي، فلا أقبلها. على سبيل الـمثال، جائزة نوبل برأيي هي جائزة مهمة ولكنها فقدت قيمتها الأدبية وأصبح هدفها سياسياً، ونجيب محفوظ بنظري أكبر من جائزة نوبل، ولكنها عُرضت عليه لأنه أيّد السادات وكامب ديفيد.

ü هل تحرص على قراءة الأقلام الـمحلية الشابة، وهل تود أن تنصحهم بشيء؟

ــ أجل، أقرأ وأتتبع وأهتم بهم، حتى أنني أبحث أحيانا عن أصوات جديدة ومتميزة. عملت لسنوات طويلة محرراً ثقافيا، ولـم أقبل يوما أن أنشر قصيدة تشبهني لأي شاعر. كنت أقول لهم أن يكتبوا أنفسهم وأصواتهم وأن يشبهوا أنفسهم فقط. هنالك شعراء يفرحون بالذين يشبهونهم حتى يقولوا مثلا: هذا من مدرسة هذا الشاعر أو ذاك، ولكنني أرفض هذا الـمنطق. أما بالنسبة للأصوات الـمحلية، فهناك العديد من الأصوات الـمتميزة والجيّدة. وأحب أن أشدد هنا على ثلاث نقاط بالنسبة للكتابة لديهم؛ قضية العَروض واللغة والتثقيف الذاتي. العَروض العربي ليس قيودا إنما أجنحة، تكون قيودا عندما لا يعرفها الشاعر، أما إذا أتقنها وذوّتها فستدفعه إلى آفاق كثيرة. أما اللغة، فاللغة العربية غنيّة جدا ومدهشة في جمالها وموسيقاها، ويجب أن نعرفها جيّدا ونكتشف كنوزها غير الـمحدودة. وأنا أستغرب شاعرا لـم يقرأ الـمتنبي وابن الـمقفع والقرآن والإنجيل والأساطير العربية والأوروبية وغيرها ... فالقرآن مثلا، وبعيدا عن الـمعنى الديني، تجاوز مفاهيم الحداثة الـموجودة في الشارع الأدبي العربي كنص إبداعي. إذا لـم يعرف الشاعر أسرار اللغة ولـم يعرف هذه الأمور الأساسية في التراث، فكيف باستطاعته أن يكتب؟

ü ماذا عن إلقاء الشعر، هل هو تلقائي لديك أم يسير حسب قوانين معينة؟

ــ ليس سراً أن إلقائي متميز ... وألاحظ ذلك في مختلف أنحاء العالـم من خلال أمسياتي الشعرية. أما أن يحاول الشاعر مثلا أن يكون ممثلا على الـمسرح وأن يسير حسب قوانين التمثيل، فذلك لن يُقنع الـمتلقي، فالجمهور ليس قطيع أغنام، هو يعرف كيف يسمع الشعر. الـمهم أن يكون الشاعر صادقا وأن يقرأ بحرية ودون خوف أو تملّق، وأن يقرأ القصيدة بحريتها وأن يدعها تعبّر عن نفسها بحرية. الإلقاء هو أمر مهم جدا، فالشعر لا يقرأ إنما يُنشد إنشادا. وبنظري، من لا يتقن إلقاء شعره، فلا يقرأ على الـمنابر والـمسارح. مثلا، الشاعر أنسي الحاج، أحترمه جدا لأنه اعترف بصدق بأنه لن يصعد أي منبر في الـمستقبل لأنه لا يجيد الإلقاء.

ü هل هنالك مواد في أدراجك تنتظر الإصدار؟

ــ أجل، أعد خمسة كولاجات للطباعة. بالإضافة إلى ذلك، أفكر في إصدار الكلاسيكيات وبعض الترجمات. هنالك 5 مجموعات جاهزة، ولكن يبقى الأمر متعلقا بناشر جيّد.


انتهى


المصدر: (الأيّام) الفلسطينيّة

http://www.al-ayyam.ps (http://www.al-ayyam.ps/)
_________________

سمير فياض
11-27-2007, 10:57 PM
سميح القاسم الشاعر المرابط ابدا في ارض الانبياء
عبر المدى والمسافة
ومنتدى الكلمة ارسل تحيتي لعينيك وقبلة لجبينك الشامخ ابدا