المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في ذكرى تسعين عام على ولادته 12-2005


عماد فرو
07-22-2007, 05:44 PM
فريد الأطرش...
لحن خالد... وفارسٌ للعود...

الذي ملأ الدنيا، وشغل الناس حقبة طويلة من الزمن بأعماله الرائعة ومقطوعاته الفنية المبدعة، ونغماته الجميلة المؤثرة التي أخذت على الدهر عهدا بالخلود.

...إنه الإنسان الفنان..الفنان الإنسان.. كما وصفه أحمد شفيق أبو عوف، رئيس اللجنة الموسيقية العليا بمصر، في مقالة مطّولة له يتحدث فيها بإسهابٍ عن هذا الفنان الإنسان معترفا بالعجز والحَرج لوصف شخصيته الزاخرة بالصفات الحميدة وبصدق إنسانيته.
ويستطرد: "وهو إنسانٌ، وصل في إنسانيته الى المثال الذي صورّه فلاسفة الإغريق من قديم وعلى رأسهم سقراط وأرسطو وأفلاطون.

فالفن في رأي هؤلاء: " خُلُق الإنسان الكامل الذي يكون مثالاً مجسداً للفضيلةِ، والإنسان الكامل هو الهدف الحقيقي للفن، ومن لا يحققه فإنه لن يكون فناناً على الإطلاق".

وصفٌ لإنسانيته من قبل أشخاص قد أحاطوا به وعايشوه، وناقشوه في طبيعة هذه الإنسانية- المثال. وكانت هذه الشهادة, التي تبعث في النفس الفخر والإعتزاز- لفنانٍ شُكلت فيه سمات الإنسان-المثال. أما الجانب الاّخر لهذا الشخص فهو فنه-فنه المتدفق، متوهج من تلك الإنسانية الموصوفة، باعثةُ هذا الفن الساطع من موهبةٍ صادقةٍ، صادقة في أنها موهبةٌ حقيقة, وما الصدق إلا الميزة الأولى والشرط الأول للفن.

هذا الفن المميز لا يمكن أن يصل الى المتلّقي دون عملية توصيل، وعملية التوصيل تحتاج الى فنانٍ ذي قدراتٍ وأدواتٍ لتوصيل هذا الفن، ومن أهم هذه الأدوات: الفكر، الذوق، الصدق، الإجتهاد كلها مجتمعة في وحدة ٍكاملةٍ مندفعة نحو المتلقي تسطو عليه وتمتلكه بنشواها به لتوصله الى ينابيع الفن الأصيل والفن الأصيل لا ولن يأتي من فراغ.

فالإنسانية بكونيتها، هي الطبيعة في الإنسان،والإنسان في الطبيعة محتضنة له، وهذا اللقاء نراه في الفن وهو منشأٌ فيها، مرسل منها الى المتلقي، كالنحل حين يخرج سارحا نحو البراري الشاسعة، فيعود مشبعا بالكلأ من رحيق الأزهار المختلفة، وقطرات الندى، عابراً المسافات الطويلة في الطبيعة، معايشا فصول السنة، فيعود ليضعها في القرص المعد لصنع العسل، والفنان الإنسان لا يستخدم المتلقي بل يتفاعل معه: هذه الإنسانية ،تبعث بالفن الى المتلقي وتعود لتجمعه كالغلة الثمينة ،بعد اتمام التغلغل فيه، فتعود لترعاه ثانية (ذلك الفن) بعد تأثيره بالمتلقي، متأثرةً به- غلة قيمة مشكلة من اغمار الرحيق، والألوان والرائحة الطيبة والأطعمة. تضعها في النفس الانسانية فتقوم هذه النفس بصهر تلك التشكيلة ورعايتها وتجهيزها، وتصميمها بجاهزيةٍ معدة لنشرها مجددا الى الوجود في ثوب جديد لعصر جديد.

اذا النفس الانسانية هي المنشأ للفن...بل هي الأم لكل ما هو جميلٍ كما هي عدو لكل ما هو قبيح.

ومع التسليم بأن الفن هو من جماليات هذا الوجود بل حاجته، فلا يكون فنا الا اذا اجتمعت وتاّزرت فيه جميع المقومات والعناصر الجمالية والأنسانية مشاركة في عملية الصهر الفني مطيعة لفنان ذكي...ذي قدرة تسعفه على اُلاُدارة اي توزيع اًلأدوار والعوامل المؤثرة في العملية الابداعية... ٍلاتمام الانجاز الفني ... مستهلكاَ طاقة جهد كبيرة، يجول في فكر خلاق مزودا بحس مرهف، وذوق بديع متمثل في موقف ساطع، يسطع على رأسه مشيرا الى امتلاكه رؤية خاصة... تتجاوز هذا الوجود...

..على ما يبدو شطح بي القلم دون ان أُعرف عن نفسي...بداية لم ولن استطيع،بأن ازعم بانني المتخصص في مجال الفن، ولم ارتقي الى مستوى معرفة الخبراء بأصول الفن،كما انني لم اكن من محترفي هذا الفن في يوم من الايام،وان كنت امارس بعض منه كالعزف، والاداء ،لكن هذا ليس بالضرورة سببا كافيا من طرح وجهة نظر تجاه هذا الفنان،معتمدا على خبرة متواضعة في مجال الفن الغنائي وعلى....محبتي.

...في بداية ثلاثينيات القرن الماضي،وقف فنان في مقتبل العمر ، شريدا غريب الاطوار في ارض غريبة المناخ والعادات عن مناخ بلاده وعاداته،ارض غريبة في ايقاع اللغة واللهجات عن ايقاع لغته ولهجتها،وقف منتفضا من حضنها الدافئ الحنون التي احتضنته كالام التي تحتضن طفلها وقرة عينها لتحميه من الجوع والعطش والبرد والخطر الاكيد،انتفض من ذراعي امه ....هذه الام حاضنة الامة العربية واسعة الصدر والقلب... جمهورية مصر العربية التي ضمته الى صدرها بحب شديد... وسواعد قوية مع عائلته ، الوالدة علياء المنذر،والشقيق فؤاد، وشقيقته اسمهان (امال) (امله) لتحميهم من خطر الموت المحقق من قبل الفرنسيين اللذين كانوا يلاحقون اب العائلة الذي كان يتبوا منصبا رفيعا في قيادة الثورة السورية الكبرى ضد المستعمر الفرنسي اّنذاك، فخوفا على مصير العائلة ،ارسلهم الوالد الى صديقه المناضل سعد زغلول ليتولى امرهم بالحفض والصون حتى تنجلي الامور ويبان المصير.

وقف هذا الفنان لينتفض من غربته، ومن خوفه مستندا الى ذراعي امه الحاضنة المحبة ،ليعلن عن موهبتيه ،بين عمالقة الفن والطرب أنذاك. عمالقة شكلوا نهضة موسيقية رائدة ناقمة على كل ما هو شائب في روح وجسد ونبض الامة العربية،تلك النهضة بداءت خاصة في مصر تدفعها وتحركها مجموعة رائدة منهم : سيد دريش،محمد القصبجي،زكريا احمد،رياض السنباطي،ومحمد عبد الوهاب، وقف هذا الفنان،وقف فريد الاطرش كالملك الجسورالمصان ثائرا في مملكته التي شيدها من نفسيته، وجهزها بكل ما يملك من رعية وحلفاء موسعا مساحتهاا لتشمل كل الاقطار العربية بلغاتها ولهجاتها،واكثر من هذا بل ضم اليها أقطار أخرى
اوروبية وعالمية ايضا بلغاتها ولهجاتها الموسيقية..وايقاعاتها المختلفة ،مضيفا اليها ايقاعات من ابتكاراته وابداعاتة ،ايقاعات مثيرة تحث السامع...بل تستفزه الالمزيدمن السمع...فالغربة خوف...هروب...قلق والتستر مطوب من اسم العائلة،بل مطلوب ايضا وملح لصون شخصه كونه ابنا لهذه العائلة ذات الاسم الشجاع...المخيف: ... الساحق لكل عدو لها.

اسم خافته الدول الكبرى المتقدمة في جاهزيتها العسكرية.

دول باتت تخشى هذه العائلة، التي لطالما نالت حقها بالقوة...بقوة الحق،الذي وصفه عطوفة سلطان باشا الاطرش بكلام مأثور له"الحق يؤخذ ولا يعطى-والحق قوة كحد السيف"فكانت هذه المقولة تكفي لما فيها من حكمة وايمان وعزم،لتصد المعتدي وتقهره،وتنتصر عليه،مسجلة تاريخ بطولي لامعا في احداث افرزت عادات عسكرية يحتذى بها،وقيما جليلة مشكلة دائرة حضارية مميزة في الجهاد

فريد الاطرش ابن هذه العائلة وابن هذا التاريخ والعادات والقيم، هارب دون ارادته شارد يبحث عن النجاة من الموت حاملا هذا التاريخ الكبير كاتما فخره واعتزازه به، قاطعا صلته بالعائلة علناً ولكنها مستقرة في ذاكرته منذ طفولته،لينمو،وينمو معه هذا التاريخ،يسمع من افواه الناس عن هذه العائلة كمن يسمع قصصا اسطورية مثل سيرة عنترة ابن شداد وابو زيد الهلالي،وحين كان يختلي ومع نفسه كانت تتمرد وتتدفق الشجاعة في نفسه فتثور مشاعره لتلتم اوصاله مع هذه العائلة فيعود ابناً لها معلناً: "انا منهم" فعمه سلطان باشا الاطرش الثائر الكبير والمجاهد الاكبر في طرد الطغاة،زعيم الثورة السورية الكبرى.

والان اذا من هو فريد الاطرش ؟؟؟؟

هو ابن فهد الاطرش اخي عطوفة سلطان باشا الاطرش،المطارد كونه من الابطال اللذين يحققون هذه البطولات في المعارك ضد الاستعمار ،وهو من اللذين كانت لهم القوة والحكمة،ومن اللذين ضحوا بالغالي والرخيص لطرد هذا الاستعمار ولينيل الحرية .
.....لا حياة ..دون حرية...ولا ابداع دون حرية ولا انتصار في المعارك دون ايمان بحق يولد شجاعة تدفع به فيأخذ الحق الذي لا يأخذ الا بالقوة،والحق قوة كحد السيف،لا تستطيع ان تدوسه كذلك لا تستطيع اخذه الا اذا كان من يطالب به مؤمنا بحقه والا فالحياة ذل كالموت في الحياة...

هل تتسع مملكة فريد الاطرش لهذه الروايات؟!!؟

.....وهل تتسع مملكة لهذه الولايات؟؟ المتحالفة معه!؟هل يملك مساحة كافية لاحتوائها في نفسيته،ومخيلته لتتعايش معه في نفسه الانسانية وتتفاعل معه باخلاص وانضباط؟؟
هل يملك الادارة الحكيمة ،القوية لتوزيع الادوار وللسيطرة عليهم ليوظفهم في خدمة عملة الفني ضمن نهجه الموسيقي في اتجاهه الغنائي المتفرد!؟

....كرم...ضياع...نخوة...حب...فروسية،غربة مجتمعة في شخص واحد،كونت زخم وتمرد لا بد من مفلت لتحريره... وانطلق بعبقريته تدعمه كل العناصر المتحالفة متجندة ليصبح الحدث الفني في اوائل الثلاثينيات من القرن الماضي كما اجمع النقاد حينها.....

...فساقتنا موهبته معه، ساقته هي الى ما لم نعهده ولم نعتاد عليه ليفتح لنا اّفاقا جديدة،مثيرة مسامعنا طارقة مخيلتنا ليضعنا فريد في حالة من الاعجاز،فقد اخترق عادية اللغة وكشف لنا افاقا لم نكن وصلناها بعد....مملكه فنية مشيدة ، مجهزة بكل ما هو أصل يقدمها فريد ألاطرش لنا عبر موسيقاه وغناءه بشكل جديد ومضمون ذي سمة عصرية مملكة اسسها على اصول الغناء الاصيل متناغما متفاعلا بايقاعات عصرية قليلة الاستعمال في الغناء العربي اّنذاك تستسيغها الاذن يستقبلها الذوق محدثة مناخا جديد: تشد الاهتمام لما فيه من مغايرة في النهج غير المتبع...لا تقليدا لا تكرارا لاحد او امتدادا لاحد فقد كان فريد اسما على مسمى ، كان فريدا في الاتجاة والنهج متفردا في بابه .

......لم اسمع صوتا كصوت فريد الاطرش في خامته ومساحته،هذه الخامه المطرزة بخيوط متصلة بالبعد الكوني .

......لم اسمع عزف عود كعزف فريد في الاسلوبيه والتقنية المحققة قاعدة عزف جديدة مبتكرة تسيرها موهبة فريدة معلنة الحدث...
.....لم اسمع فنانا -مطربا،..انشد الموال كما انشده فريد الاطرش....لم استمع لقوالب لحنيه عربية كالتي قدمها فريد الاطرش في بداية الثلاثينات من القرن الماضي وكانت مغايرة تماما لما كان سائدا من قبل ،مغايرة الاسلوب التقليدي،المشبع بالروح والشكل والرتم (الايقاع)التركي،ذالك الاسلوب التطريبي المطول الممل،فقد افسح فريد المجال في التأليف الموسيقي لشطحات يقدمها بعوده ببراعة وابداع في ثنايا اللحن كجزء عضوي في اللحن.
ليذكر السامع بأهمية هذه الأله العريقة،التي ما زالت تعطينا انغاما من عهد سيدنا نوح وحتى يومنا هذا، ما دام هنالك من يبحر ويغوص في اعماق هذه الألة الى اخطر المناطق الخفية الكامنة , در نغمي ينتظر اختراقه وانتشاله من تلك الاعماق، المؤدي الى "اّدم بن لامك"ليسطع بسحره متملكا السامعين.

ان صوت فريد الاطرش في خامته ومساحته وعمقه ايضاً صرح واسع للعشاق والمحبين، بالروح والحس المرهف بالحب والبهجة والفرح... فرح اللقاء بهجة الحب الراسخ والمصر على الوصول الى الهدف، الهدف المنشود في الحياه كحتمية وجود
فريد المجاهد المهيمن كابن لعائلةً تفتخر العرب بمجاهديها، باتت تعتز وتفتخر بابنها فارساً من فرسان الفن الاطرشي، ايضاً مالكا مملكة فنية مميزة في دنيا الغناء والطرب، ممتلكً المساحه الاكبر في اّلة العود ...فسمى بقدر هذه الاّله كما سمت بقدره معلنا قرانهما.

فريد العود... والعود فريد ..وهنا ولدت مملكة فنية أطرشية اخرى في عالم الفن والموسيقى مضافة الى المملكة الأم مملكة العائلة والجهاد..ينضمها ويقودها عطوفة سلطان باشا الاطرش عم فريد الذي ايضا اقترن اسمه بالجهاد كما اقترن الجهاد بأسم عطوفة سلطان باشا الاطرش..وكيف هذا في فن فريد الاطرش!!؟

........فكيف تظهر فروسية فريد في عزفه؟؟
......حين يحتضن فريد العود، يشعرك بانك امام فنان يحتضن اّلة عربية اصيلة بقيمتها التاريخية والفنية،مسيطرا على المساحات والمسافات البعيدة التي اتت منها هذه الاّله،يستقبلها بحب وحنان واحترام ومهابة،يطوعها ويجندها كالمسعف الاول له والاقوى في مملكته الغنائية،وفي حفلاتة الغنائية،اول ما يستنفر هذا الداعم له ليقوم برفقته بجولة في المملكة قبل الاندفاع الى السامع بانغامه،متفقدا المواقع ونظام النغم بهدوء وادراك بأنامله فمن نغمة الى نغمة ومن مقام الى مقام...ينقلك من جو الى جو.. ومن موقع الى موقع... ومن مناخ الى مناخ ضمن تخطيط غير مخطط يتدفق من احاسيسه بارتجال،محدد المواقع والمواقف مطلق الاوامر عبر عوده المطيع له والذي يداعبه وينتخيه حتى يتوثب حين يدق ناقوس الخطر المقترب المهدد فيطلق عنانه كالفارس على اصيلته ليغير بشجاعة نحو المعتدي،يصده وينتصر عليه،هكذا يصور فريد الاطرش بأداتة وأدائه على عوده نغمات وصفيه ،لفارس يكر ويفر على حصانه ليطرد الخطرولصون الحياة،عندها يحدث الطرب المنبعث بحماس الفروسية ،طرب خيليل ينقله فريد الاطرش عبر أوتار عوده الى السامع، الى الاغنية العربية كعنصر ايضا في الاغنية العربية .

لم يكن قائما طرب بهذا الطعم والمناخ ،مغذيا الوجدان،متغلغل في النفس.

يتبع


عماد فرو - دالية الكرمل