المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النداء


هيام أبو الزلف
12-27-2009, 04:15 PM
النّداء
قصة بقلم: هيام أبو الزّلف
ما إنْ فتحت عيْنيْها، حتّى بعثَتْ ذكراهُ إلى نفسها لمسةً مِنْ صوْلجانِ السّحر، لتبدأَ منذُ الصّباح طقوسُ لَذَةٍ تخرجُ من مسام جسدها وتنتشِرُ في الْمكان. حتّى أنها لم تعد تدرك من منهما يحتوي الآخر، أهو المكان الّذي يحتويها، أم هي التي تحتويه، أتلاشى المكان فيها أم تلاشت فيه؟
شَعرت خلالَ النّهار بِأنَّها قدْ نذرت نفسها إلى الهدوء والصّمت علَّهُ يستطيع أن يواجهَ صَخْب نفسها ويطفئه كما يطفئون النّار بالتّراب. هكذا لم تتفوّه إلاّ بعض الكلمات الضّروريّة الّتي كان يجب أن تقولَها لِوَلديْها وهما يفطران: "سأقلكما بعد الدّوام مباشرة إلى بيت خالتكما، ستتناولان طعام الغداء هناك، من الأفضل يا نبيل أن تكتب وظائفك البيتية وبعدها لك أن تلعب مع أخيك وابن خالتك. سأصل البيت حوالي الثّامنة مساء."
حتى عندما دخلت دكان اللوازم النسائية، لم تتكلّمْ كثيرًا، كانت تشعر بأن يده هي التي تمتد وتختار "الشامبو" لشعرها و"الكريم" المعطّر لجسدها، وذلك العطر الأسطوريّ لجيدها، وظلال العيون الّتي ينسجم لونه مع فستانها السّماويّ الحريريّ، "والإيشارب" الذي ستطويه إكليلا يفصل بين الغرّة وبين شعر يلهث المشط المسافر في ليله الطويل.
كانت قدماها تلامسان الأرض بصعوبة وهي المحلقة في فضاء أشعرها بانعدام الوزن، حتّى أنها لم تعد تذكر الدّافع إلى ملاقاة حبيب الأمس الّذي رفضه والداها لصالح شابٍّ قريب ذي مركز عالٍ في الجيش، ذلك الحبيب الذي ظنّت بأنها قد نسيته وهي تكرّس عمرها لمن اختاره القدر لها زوجا ولولديها أبًا، حتى عندما التقت به مجددا كزميل في الجامعة لم يبدُ أن رفَّ لها جفن وإن تسارعت دقات قلبها واجتاحتها العواطف كما كانت وربما أكثر، وها زوجها الخائن سيدفعها اليوم إلى أحضانه، لقد سمعته بأذنيها وهو يعدُ "روتي" بأنه سيرافقها إلى المشفى لتجهض جنينه. هذه الـ(...) التي استقبلتها مرارا في بيتها، وتشاركتا في تحضير الطعام، وتجولتا في شوارع القرية وأحراشها، وارتادا مطاعمها، كم من المرات قالت "روتي" لزوجها على مسمع منها كم أنه محظوظ بها كزوجة مثقفة، جميلة، أصيلة في آرائها وتفكيرها. لم تشك يوما بأن هنالك علاقة بين الاثنين، رغم تبادلهما للنكات البذيئة حتى في وجودها. ما الّذي أعجبه فيها؟ تلك التي تغمس جسدها في برميل من الصبغة، تلك التي تكاد تكون صلعاء بشعرها الخفيف (الأشقر).
لقد كاد يجن عندما رآها تدفع حقيبة ملابسها وتطلب الطلاق، ولم تملك إلا أن تبتلع خيانته حيال بكائه وتحنانه وقسمه بأنها كانت غلطة، وأن لا أحد يتربع على عرش قلبه سواها.
لقد أقسم بلسانه بأنه لا يحب "روتي" ومع ذلك لم يجد غضاضة في معاشرتها، أما هي فحبها سيصبغ الشرعية –لا محالة- على كل ما قد يترتب على لقائهما.
لقد كان الحبيب يسكنها، ويسلمها من ثانية إلى أخرى إلى أن وضعت نفسها في السيارة جسدا ينزف عطر الشّوق، ويسافر في جادة طويلة نحو قرص الشمس الّذي ينزف هو الآخر عشقه الأحمر.
في نهاية الدرب، هنالك في قلب الأفق ركنت سيارتها وتركتها تتواصل مع المغيب، لتركض في طريق جانبيّ بين صفّين من السرو، تركض وتركض وتطأ بقدميها سني القحط والظمأ إلى أن وصلت إلى بابه.
ليس بينها وبين الباب إلا مسافة طرقة و... اقتحمتْ ذاكرتها جدتُها... رأتها... بل كادت تلمسها وقد خرجت من حمامها الأخير على بدنها سترة بيضاء طويلة، وحول شعرها المبلّل نقابها النّاصع، فتصادف أحد أحفادها في الباحةِ التي تتوسط الحمام الخارجي والدّار فتحثُّه بصوت ضعيف أن يستدعي "سلَفاتها" (زوجات أشقاء زوجها) لأنها على وشك الموت، فيهرعن إليها من بيوتهن المجاورة ويساعدنها في ارتداء ما تبقى من ملابسها وهي ترمقهن الواحدة تلو الأخرى، وتطلب منهن السماح إذا أخطأت يوما في حقّ أية واحدة منهنّ، فيجهشن بالبكاء ويقدنها إلى السرير لتجلس فيه وتطلب أن يقرأن معها الفاتحة حتى آخر حرف فيها، مسحت بعدها وجهها وألقت برأسها على الوسادة مسلمة الرّوح.
مرّت هذه المشاهد في خاطرها بسرعة الثّواني، "طارت" بعدها باتجاهٍ عكسيّ عائدة طوعًا إلى قحل أيامها. كان يظللها في "طيرانها" ويرمقها برضًا جثمان جدّتها المسجّى وحوله هالة من بياض الطهر...

حسن محمد آل ناصر
01-01-2010, 08:17 AM
الأديبة القاصة الأستاذة
هيام أبو الزلف
جرائة في التقصي وعذوبة في المحاكات لنيل صدود الوجه الأخر!!
ركيزة تلك الوجوه في عنوان الذات مابين الشموخ وبين الغلبة المستمرة، موجة غارقة في الوحل ومن السبب؟!!
جمود الإدراك في شمولية العتاب الذي ينتهي برمزية العفن، أو الخيانة!!
رائعة أنت يا أستاذتنا الكريمة!!
الوصف هنا جميل جدا بتخلل الأماكن المتراكمة على الشعور!!
العذرة على تأخري بالرد على قصتك الرائعة التي تحمل جمل من معاني الوسادة الروحية!!
فخلاص الروح نبوءة المنادي!!
من هو المنادي؟!!
صراخ وعويل ولا حياة لمن تنادي!!
حسن

هيام أبو الزلف
01-01-2010, 10:14 AM
الأديبة القاصة الأستاذة
هيام أبو الزلف
جرائة في التقصي وعذوبة في المحاكات لنيل صدود الوجه الأخر!!
ركيزة تلك الوجوه في عنوان الذات مابين الشموخ وبين الغلبة المستمرة، موجة غارقة في الوحل ومن السبب؟!!
جمود الإدراك في شمولية العتاب الذي ينتهي برمزية العفن، أو الخيانة!!
رائعة أنت يا أستاذتنا الكريمة!!
الوصف هنا جميل جدا بتخلل الأماكن المتراكمة على الشعور!!
العذرة على تأخري بالرد على قصتك الرائعة التي تحمل جمل من معاني الوسادة الروحية!!
فخلاص الروح نبوءة المنادي!!
من هو المنادي؟!!
صراخ وعويل ولا حياة لمن تنادي!!
حسن

الأخ حسن
بودي أولا الترحيب بك هنا في منتدى الكلمة، وأرجو لك طيب وطول الإقامة، وأن تمدنا بإسهاماتك، تباعا.
شكرا لقراءتك قصتي، ولمديحك الباذخ، مع أنني أعارضك في نقطة واحدة وهي وصفك تقصي أحداثها بالجراءة. فنحن ما زلنا نكتب بتحفظ. "مكبوتاتنا أكثر من مكتوباتنا" بكثير.
دمت قلما حرًّا

حسن محمد آل ناصر
01-01-2010, 07:13 PM
الأخ حسن
بودي أولا الترحيب بك هنا في منتدى الكلمة، وأرجو لك طيب وطول الإقامة، وأن تمدنا بإسهاماتك، تباعا.
شكرا لقراءتك قصتي، ولمديحك الباذخ، مع أنني أعارضك في نقطة واحدة وهي وصفك تقصي أحداثها بالجراءة. فنحن ما زلنا نكتب بتحفظ. "مكبوتاتنا أكثر من مكتوباتنا" بكثير.
دمت قلما حرًّا
الأستاذة الموقرة الأديبة
هيام أبو الزلف
شكرا لك من اعماق القلب على ترحيبك العطر!!!
أنني أعارضك في نقطة واحدة وهي وصفك تقصي أحداثها بالجراءة. فنحن ما زلنا نكتب بتحفظ. "مكبوتاتنا أكثر من مكتوباتنا"
هنا قد يقف القلم متحيرا في عالم مليء بالوحشة والرتيبة العكسية لقيد وأسر الكلمة الحرة، فمسير الحبر ينبء بالعزلة لماذا؟!!
هل عاداتنا وتقاليدنا نحن الشرقين تصنع بالكبوت؟!!
لا مجال للشك ولكن دعينا نبحر في الغميق وندور بكلمة الحر ونستغيث الأماني لعلها تفيد في كشف الستار الاسود!!
شكرا على ردك !!
حسن

الشاعر علم الدين بدرية
01-08-2010, 08:02 PM
الصّديقة المبدعة هيام ..

تحيّة لهذا القلم الوارف بظلاله الدافئة وعمقه الأصيل يصوغ الإبداع كلمات طهر تدلّ على تميّز في التفكير والأسلوب ..
قصة جميلة بأبعادها الاجتماعيّة والثقافيّة تجمع بسردها الراقي جماليات بالشّكل والمضمون ..

دمتِ ساطعة في عالم الإبداع

علم الدين بدرية