ورد عقل
11-25-2009, 09:13 AM
هجرة الكلمات
شوقي بزيع
http://www.adabwafan.com/content/thumbnails/1/Migration%20of%20Words.JPG
هجرة الكلمات... من أجمل الكتب الّتي قرأتها!
يقدّم الشّاعر اللّبنانيّ شوقي بزيع في هذا الكتاب مجموعة من المقالات الّتي يتناول فيها عددًا من القضايا الشّعريّة والاجتماعيّة بأسلوب وتوجُّه لافتين للانتباه.
صدر الكتاب عن دار الآداب في مطلع هذا العام (2009)، وفيما يلي عناوين المقالات الّتي يتضمّنها:
1 يا للهول، لقد فقدتها من جديد 2 هجرة الكلمات
3 زمن بلا جدران 4 الرّياح المجنونة للإبداع
5 نجاة الاسم وهلاك المسمّى 6 حوار الألوان والكلمات
7 الجسد الدّينيّ والجسد الإبداعيّ 8 الظّلال الهائلة لعالم العميان
9 في القراءة ودلالاتها 10 العزلة العميقة للمبدعين
11 العرب وفتنة الشّعر 12 الأوزان الضّيّقة والإيقاع المفتوح
13 الحداثة وثن أم فضاء 14 الإيديولوجيا المنتصرة والشّعر المهزوم
15 الاقلّيّة الفاعلة والحشد المعطّل 16 شعر الحنين إلى الأندلس
17 الرّكض على رؤوس السّنوات 18 عقدة الاحتفاظ بالأشياء
19 يا أبي لقد قتلتلك! وأنا أيضًا! 20 مقهى تصريف الأعمار
21 تمائيل زمنيّة لزواج الصّخر والماء 22 التّسوّل في صوره المتحوّلة
23 كلّما تفتّح نهد على سرير 24 عن رحيل سهيل إدريس، أو الموت بالتّراضي
25 ربيب الجنّتين
فيما يلي أحد الأجزاء الّتي أعجبتني جدًّا في الكتاب:
من مقال: "يا للهول، لقد فقدتها من جديد"
"...
إنّ ما يلفت في هذا السّياق هو أنّ الكثير من الشّعراء والكتّاب يتحدّثون عن أنفسهم حين يتحدّثون لا كما هم في الواقع بل كما يتمنّون أن يكونوا، خالطين بين القصيدة المتحقّقة أو المنجزة وبين فكرتهم عن الشّعر أو المطلق الشّعريّ الّذي يسعون إلى بلوغه. لهذا فإنّ الشّعراء حين يتحدّثون عن تجاربهم الشّعريّة غالبًا ما يَقْتُلُونَ في النّقد الآباءَ الّذين يحيونهم في النّصّ، ويجنحون إلى التّحرُّر ممّا لم يجدوا في نصوص قصائدهم سبيلاً إلى التّحرّر من سلطته. فالفرق بين أن نكتب القصيدة وبين أن ننظّر لها أو نتحدّث عنها شبيه إلى حدّ بعيد بالفرق بين فعل الحبّ وبين الحديث عن الحبّ. ذلك أنّ القصيدة من بعض وجوهها كالحبّ تمامًا تتفتّح في الصّمت لا في الثّرثرة، وتتربّى في كنف العتمة الخالصة لا تحت المصابيح الكاشفة والضّوء الباهر والعيون المحملقة. إنّها تتشكّل في "ليل المعنى"، كما يعبِّر صلاح ستيتية، لا وقف الخطط المُتَعَثِّرَةِ لنهار الأشكال وقواعد الهندسة الأكثر صرامة من الحقيقة الفنّيّة. وإذا كان في الشّعر ما يشي بهندسة ما فإنَّه في هذه الحالة ليس أكثر من هندسة البرق الّتي تولد من تلقائها، وتخلق نظامها من الطّاقة المتحالفة مع الكلمات لا من التّأليف المتعسّف والنّحت المجرّد.
لكلّ ذلك أجد مهمّة الحديث عن تجربتي الشّعريّة صعبة وشاقّة ليس فقط لأنّ اللّغة ستجد نفسها مضطرّة لتغيير وظيفتها والانحراف نحو القراءة والتّحليل والرّبط والاستنتاج بل لأنّني بشكل من الأشكال لن أفعل شيئًا يُذكر سوى الاستعانة بالنّثر على ما تكبّده الشّعر طوال ربع قرن، أعني إعادة رسم صورة يدي على الورق وإعادة رسم المشهد الّذي أفلحت القصيدة في رسمه حينًا، وتعثّرت مهمّتها أحيانًا كثيرة، وأقصد به مشهد البدايات في تجلّياته الأولى وأماكنه البكر حيث لا شعر غنيًّا بلا طفولة غنيّة. فالطّفولة ليست شيئًا يموت فينا وينحلّ ما أن تنتهي دورتها بل هي الكنز الّذي نحمله في داخلنا على امتداد العمر. إنّها الجسد الّذي لا يبلى والدّم الّذي يجدِّدُ نفسه في الشّرايين، والكريات الصّغيرة الّتي لا تحتاج إلاّ لِهَبَّة ريح لكي تلمع في عراء النّسيان.
..."
شوقي بزيع
http://www.adabwafan.com/content/thumbnails/1/Migration%20of%20Words.JPG
هجرة الكلمات... من أجمل الكتب الّتي قرأتها!
يقدّم الشّاعر اللّبنانيّ شوقي بزيع في هذا الكتاب مجموعة من المقالات الّتي يتناول فيها عددًا من القضايا الشّعريّة والاجتماعيّة بأسلوب وتوجُّه لافتين للانتباه.
صدر الكتاب عن دار الآداب في مطلع هذا العام (2009)، وفيما يلي عناوين المقالات الّتي يتضمّنها:
1 يا للهول، لقد فقدتها من جديد 2 هجرة الكلمات
3 زمن بلا جدران 4 الرّياح المجنونة للإبداع
5 نجاة الاسم وهلاك المسمّى 6 حوار الألوان والكلمات
7 الجسد الدّينيّ والجسد الإبداعيّ 8 الظّلال الهائلة لعالم العميان
9 في القراءة ودلالاتها 10 العزلة العميقة للمبدعين
11 العرب وفتنة الشّعر 12 الأوزان الضّيّقة والإيقاع المفتوح
13 الحداثة وثن أم فضاء 14 الإيديولوجيا المنتصرة والشّعر المهزوم
15 الاقلّيّة الفاعلة والحشد المعطّل 16 شعر الحنين إلى الأندلس
17 الرّكض على رؤوس السّنوات 18 عقدة الاحتفاظ بالأشياء
19 يا أبي لقد قتلتلك! وأنا أيضًا! 20 مقهى تصريف الأعمار
21 تمائيل زمنيّة لزواج الصّخر والماء 22 التّسوّل في صوره المتحوّلة
23 كلّما تفتّح نهد على سرير 24 عن رحيل سهيل إدريس، أو الموت بالتّراضي
25 ربيب الجنّتين
فيما يلي أحد الأجزاء الّتي أعجبتني جدًّا في الكتاب:
من مقال: "يا للهول، لقد فقدتها من جديد"
"...
إنّ ما يلفت في هذا السّياق هو أنّ الكثير من الشّعراء والكتّاب يتحدّثون عن أنفسهم حين يتحدّثون لا كما هم في الواقع بل كما يتمنّون أن يكونوا، خالطين بين القصيدة المتحقّقة أو المنجزة وبين فكرتهم عن الشّعر أو المطلق الشّعريّ الّذي يسعون إلى بلوغه. لهذا فإنّ الشّعراء حين يتحدّثون عن تجاربهم الشّعريّة غالبًا ما يَقْتُلُونَ في النّقد الآباءَ الّذين يحيونهم في النّصّ، ويجنحون إلى التّحرُّر ممّا لم يجدوا في نصوص قصائدهم سبيلاً إلى التّحرّر من سلطته. فالفرق بين أن نكتب القصيدة وبين أن ننظّر لها أو نتحدّث عنها شبيه إلى حدّ بعيد بالفرق بين فعل الحبّ وبين الحديث عن الحبّ. ذلك أنّ القصيدة من بعض وجوهها كالحبّ تمامًا تتفتّح في الصّمت لا في الثّرثرة، وتتربّى في كنف العتمة الخالصة لا تحت المصابيح الكاشفة والضّوء الباهر والعيون المحملقة. إنّها تتشكّل في "ليل المعنى"، كما يعبِّر صلاح ستيتية، لا وقف الخطط المُتَعَثِّرَةِ لنهار الأشكال وقواعد الهندسة الأكثر صرامة من الحقيقة الفنّيّة. وإذا كان في الشّعر ما يشي بهندسة ما فإنَّه في هذه الحالة ليس أكثر من هندسة البرق الّتي تولد من تلقائها، وتخلق نظامها من الطّاقة المتحالفة مع الكلمات لا من التّأليف المتعسّف والنّحت المجرّد.
لكلّ ذلك أجد مهمّة الحديث عن تجربتي الشّعريّة صعبة وشاقّة ليس فقط لأنّ اللّغة ستجد نفسها مضطرّة لتغيير وظيفتها والانحراف نحو القراءة والتّحليل والرّبط والاستنتاج بل لأنّني بشكل من الأشكال لن أفعل شيئًا يُذكر سوى الاستعانة بالنّثر على ما تكبّده الشّعر طوال ربع قرن، أعني إعادة رسم صورة يدي على الورق وإعادة رسم المشهد الّذي أفلحت القصيدة في رسمه حينًا، وتعثّرت مهمّتها أحيانًا كثيرة، وأقصد به مشهد البدايات في تجلّياته الأولى وأماكنه البكر حيث لا شعر غنيًّا بلا طفولة غنيّة. فالطّفولة ليست شيئًا يموت فينا وينحلّ ما أن تنتهي دورتها بل هي الكنز الّذي نحمله في داخلنا على امتداد العمر. إنّها الجسد الّذي لا يبلى والدّم الّذي يجدِّدُ نفسه في الشّرايين، والكريات الصّغيرة الّتي لا تحتاج إلاّ لِهَبَّة ريح لكي تلمع في عراء النّسيان.
..."