المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من مشيئة جسد - راوية بربارة


ورد عقل
11-19-2009, 03:44 AM
من مشيئة جسد
راوية بربارة

ها هو الأسلوب الشّيّق الفخم يأسرني مجدّدًا في "من مشيئة جسد".. بعد أن أسرني في "شقائق الأسيل"... لكنّ أسره هذه المرّة أشدّ وقعًا في نفسي، فقد بدت راوية بربارة، في مجموعتها القصصيّة الثّانية هذه، متمكّنة أكثر من إبداع النّصوص، وكانت لغتها فخمة مشبعة بالمعلومات والتّناصّ الموظّف بطريقة راقية جدًّا.
في بعض الأحيان شعرتُ أنّها تبالغ في استخدام التّناصّ، فيبتعد النّصّ عن عفويّة الكتابة بعض الشّيء.
"من مشيئة جسد" هي مجموعتها القصصيّة الثّانية للكاتبة راوية بربارة، وقد صدرت العام الماضي (2008) عن دار الهدى.
تتضمّن هذه المجموعة واحدًا وعشرين نصًّا قصصيًّا:
1. المحطّة الأخيرة 2. سرير وسريرة 3. رحلة نضوج 4. شرخ نازف في الرّوح
5. بيوت من رمل 6. وتنداح الدّوائر 7. عندما ترفرف الأعلام 8. علاقة سرّيّة
9. جنون الرّيح 10. رسم امرأة 11. نوبة 12. الفقاعة 13. حالة توجّس
14. مواء القطط وحلاوة التّاريخ 15. حنين النّوق 16. خمس نساء وحاسّة
17. محاولة إقناع 18. رجولة 19. كفكف دمعك يا صنوبر 20. أشواق واخزة
21. المخاض عسير.

ورد عقل
11-19-2009, 03:52 AM
قراءة في مجموعة " من مشيئة جسد" لراوية بربارة
بقلم محمد صفوري

كيف صارت اللغة بطلاً ؟

"من مشيئة جسد" هي المجموعة القصصية الثانية للكاتبة" راوية بربارة" ( أبوسنان) بعد مجموعتها الأولى "شقائق الأسيل"(1). يلاحظ القارئ ، ابتداءً من اسم المجموعة، احتفاء الكاتبة بالجسد حتى تجعل له مشيئة نلتقيها في عدد من قصص المجموعة، وتتنبه الكاتبة إلى ارتباط الجسد بالروح فتؤلف بينهما في الإهداء جاعلة الروح ردفا للجسد يشد من أزره فلا تهزه هوجاء العواصف، وفيه تقول:" إلى كل جسد يشدّ أوتاد خيمته بحبال الروح فلا تهزه هوجاء العواصف"(الإهداء). ولمّا كان الشيء بالشيء يذكر،فإن إهداءها يثير فينا الذاكرة لنستعيد إهداء الروائية المصرية"ميرال الطحاوي" في روايتها "الخباء" وفيه تقول:" إلى جسدي.. وتد خيمة مصلوبة في العراء"(2)، الأمر الذي يعكس ،في اعتقادنا، تأثر الكاتبة بالطحاوي ، إلا أنها تهب مجموعتها لكل جسد مع إجراء تغيير جذري يشي بالمزج بين الجسد والروح مثلما يتضح من تقديمها،إذ تخصّ به الجسد والروح ملمّحة إلى ضرورة تحرير الجسد من قيوده لتنطلق حياتنا على هواه ووفق فكر تحرري وروح محلقة تحكم لنا بالبراءة على حدّ قولها.

عند مقاربتنا لقصص المجموعة تنجلي أمامنا العلاقة الوطيدة بين اسمها ومضامين القصص التي تؤكد عناية الكاتبة بالجسد، فقد وردت لفظة "جسد" بصيغها الثلاث، أكثر من خمسين مرّة، توزّعت على ست عشرة قصة من مجموع إحدى وعشرين قصة. وتأتي لفظة "جسد" مشحونة بإيحاءات عديدة أبرزها ما يرتبط بالجنس، العاطفة والحنان،مقاومة السلطة، ومعاناة الإنسان في ظلّ الاحتلال إضافة لما يعانيه في الحياة، كما تسعى الكاتبة في قصص أخرى إلى الجمع بين الجسد والروح على غرار ما نهجت في إهدائها.

على صعيد الإيحاءات الجنسيّة تتردّد لفظة "جسد" نحو ثلاث وعشرين مرّة في قصص مختلفة رغم خلوّ المجموعة من القصص المغرقة في الجنس تقريبًا. ففي قصة " سرير وسريرة " تصوّر الكاتبة شعور الأرملة التي أجبرت على الزواج من أخ زوجها وهي لا تقوى على التعبير عن متعتها وطيف زوجها يلاحقها،يقول الراوي:" آه ٍ تتحشرج كل ليلة بين جسدين خجلين يشعران طيفا يحوم الغرفة يراقب السرير ويفضح السريرة، فتتراجع الآه، تخبّئ أنّتها وتطأطئ احتراقا"(ص:19). وفي قصة " رحلة نضوج" تتخذ الجسد وسيلة لتصوّر رجلاً تسيطر عليه أعراض المراهقة رغم بلوغه سن الخمسين، وكيف يعشق فتاة تصغره بأعوام كثيرة ثم يتنكر لها بعد مداعبة جسدها، يقول الراوي:" أحبّها وأحبّ جهلها.. عبّأها بكل ما زوّدته الحياة من خبرة.. علّم جسدها أن يحتفل بزهوه وترك سفينته على شواطئ رملها"(ص:28)، يسترسل الراوي في تفصيل مدى انقياد ذلك الرجل لشهوته الجسدية حتى يبلغ به الأمر إلى مراقصة صديقات حفيده يوم بلوغ الأخير سن المراهقة، فيقول:"شعر مرّة أخرى بجسده يعبث به، وبهيكله المتآكل لا يتّسع لتلك الضربات التي تنتفض في جوانبه[...] فراح بخفة دمه وكعادته، يراقص صديقات حفيده..."(ص:30). وفي قصة "خمس نساء وحاسّة" تستخدم الكاتبة لفظة "جسد" لتوضّح شوق إحدى النساء الخمس إلى الجنس من خلال أنفها الذي تميّزت به في شمّ الأشياءالسلبيّة بصورة خاصّة، وفي ذلك يقول الراوي:"يشمّ الأسرّة والوسائد والمقاعد والملابس، يشمّ حنينا متفاقمًا فيلهب جسد تلك الأنثى التي تتحمّل وجوده وسط وجهها، تستوعب الحياة بملذاتها ومضارها عبره"(ص:113).

تثور الكاتبة في قصص أخرى على نظرة الإنسان الشرقي للجسد، تلك النظرة التي تحفّ الجسد الأنثويّ بقيود اجتماعيّة من شأنها أن تعيق المرأة العربيّة عن أداء واجبها حينما تحتاج إلى استخدام جسدها أداةً للتعبير مقابل جرأة المرأة اليهوديّة في ذلك مما يساعدها في تأدية ذلك الواجب بنجاح،كما يظهر في قصة "محاولة إقناع"، وفيها تصوّر الكاتبة امتثال طلاب جامعيين لطلب المحاضر في إقناع زملائهم بأمر معيّن يختاره الطالب على هواه، تؤدّي كلّ من "يعل" و "يفيت" المهمّة بنجاح تامّ، أمّا "سمير" و "سعاد" فيتعثران لأسباب عديدة منها إهمال التعبير الجسديّ، وفي ذلك يقول الراوي:" قامت(يعل) وأخذت تستعرض موضوعها.. توزّع نظراتها على الجميع، تبتسم وتعبس وتستفهم بالكلمات والجمل، تاركةً جسدها يتحرّك على طبيعته[...] ثمّ قامت "يفيت" تهزّ شعرها على الأكتاف وتهزّ أفكارنا[...] واسترسلت وتمايلت وعرضت أنواعًا وألوانًا من العباءات التي تلبس الروح قبل الجسد[...] كان على "سعاد" أن تنتشل كرامتنا من الغرق الأكيد، أسرعت تجرجر نظرة حائرة تجول بها بين المقاعد، وصوتا خجلاً[...] لم تطلق العنان لجسدها فحنطته مع الفراعنة في هرم الخوف.. ولم تطلق لسانها السليط[...] ما بال لسانها قد انعقد وأين اختفت قدرتها الإقناعيّة؟؟؟"(ص:120-123)(3).

تتحوّل الكاتبة في قصص أخرى عن إيحاءات الجسد الجنسيّة لتجعله رمزًا لسطوة السلطة وتجرّدها من المشاعر الإنسانيّة مثلما نشهد في قصة "شرخ نازف في الروح"، وفيها تقوم السلطة ببناء جدار فاصل يحول بين لقاء البطلة وحبيبها الذي"يعدها أن يفتت الجدار الحجريّ العازل الذي يُبنى بين شارعيهما وقلبيهما، فتحارب وإيّاه بروحها وبجسدها حجارة لا قلب لها، وتتعجّب كيف اتخذت شكل المكان، وكيف أخذت تشكّل من خلاياها جدارا عازلاً للحبّ" (ص:33). وفي قصة "بيوت من رمل" تنصّب الجسد شاهدًا على مجازر المحتلّ ضدّ الشعب العربي الفلسطينيّ كمجزرة "صبرا وشاتيلا" وما تلاهما من ترحيل أبناء هذا الشعب إلى تونس، كما ورد على لسان الراوي بقوله:"ارتطمت،هاربةً، بالجثث وببقايا أجساد كانت تعشق وجوهها وحديثها قبل أن تحوّلها(شاتيلا) صبرًا عبّأ سفن الترحال والهجرة نحو شواطئ إفريقيّة شمالية" (ص:39)، أمّا في قصة "أشواق واخزة" فتربط لفظة "جسد" تارةً بالهزائم المتكرّرة التي مُنيَ بها العرب،وطورًا بمعاناة وعذاب مَن بقيَ من العرب في البلاد،من وطأة السجون، وذلك من خلال سرد ما دار في نفس رجل حاول جاهدًا أن يلمّ شمل عائلته دون فائدة،يقول الراوي:" كيف لم يرَ تلك الأشباح تتراكض كلما هبّت الغبيّة بأشعتها، تحرق أيامهم، تمدهم ببارقة دفء فتكسر جليد حطامهم، لتسير بهم عظامهم عكاكيز تتكئ عليها أجسادٌ وهنت من الخيبات والهزائم؟ تحسّس جسده، قاس المسافة بعينيه.. تعب وتعكز على بقايا عظم متصدّع من رطوبة الزنازين" (ص:143-144).

يتحوّل الجسد في قصص أخرى إلى رمز يوحي بمتاعب الإنسان في الحياة، ويظهر في بعضها الآخر محلّ سخط وسخرية من الأمّة العربيّة التي لا تحسن تخليد زعمائها، حسبما يرد في قصة "حنين النوق" على لسان الراوي واصفا رحيل أحد الزعماء العرب العظماء(لعله جمال عبدالناصر)، ليدفن في قبر معزول مهجور، إذ يقول:" ولم يتسع جسمه لعروبة تسري في دمائه ..تسدّ شرايين قلبه وتودي به عملاقا، تزفه الملايين إلى مثواه.. وتبكي كل عين سمعت الخبر[...] ذهلنا أمام القبر المقهور المعزول.. المحاط باللامبالاة[...] فتماوجت في بؤبؤ العين صور لقبور العظماء.. لشعوب صنعت لعمالقتها تماثيل شموع وأحاطتها بهيبة جنود يختالون جيئةً وذهابًا" (:109-110).

يوظف الجسد مصدرًا للحنان والعطف كما يتجلى في قصة "سرير وسريرة"، ويُتخذ وسيلة للتعبير عن نقمة الإنسان وانتصاره على مَن كان سببًا في افتقاد مصدر الحنان مثلما تكشف قصة "جنون الريح"، وفيها تصوّر الكاتبة شابًا يافعًا يدعى "هزاعًا"، قدم القرية وهو في سن الثالثة عشرة، يتميّز بهدوئه الغريب صيفا وثورته العارمة شتاءً وهو يصارع الريح حتى تظنه نساء القرية مسكونا من جنيّة، وما سلوكه ذلك إلاّ لأنّ العاصفة حرمته مصدر الحنان والعطف، لقد خطفت الرياح أمّه في يوم عاصف، يقول الراوي:"قفز هزّاع خلف السور وطارد الرياح الهائجة هاربًا من ضعفه، كان لا يقوى على صرصرها، يطفئ غضبه في حوّاماتها الهوائيّة، يطارد العاصفة، يخبط خبط عشواء بيديه ورجليه، يلاحقها حتى تهدأ أو حتى تدمع أعينها، حينها يشعر بلذة الانتصار فيمرّغ جسده بمطرها ويستكين"(ص:61).

يبدو أنّ الكاتبة توقن بعدم جدوى الجسد مسلوخا عن الروح، فتعقد رباطا بينهما يطلّ علينا من إهدائها وتصوّره في بعض قصصها وعاءً للروح، فلا حياة له بعيدًا عنها ، حتى إذا ما برحته كان مصيره الفناء مثلما تشير في قصة "نوبة" وهي تصوّر رجلاً حزينا لحال المدينة التي شوّهتها يد الحضارة بعد أن كانت معشوقته الوحيدة.

يتردّد الرجل في الدخول إلى مدينته من جديد بعد أن تركها من قبل،وفي ذلك يقول الراوي:"لكنه أبدًا ما انفكّ عن عشقها.. كيف سيدخلها الآن وقد خرج منها كما تخرج الروح من الجسد؟" (ص:76). إنّ هذا التلاحم بينه وبين المدينة يعكس حالة عشق لا تكتب لها الحياة إلاّ مع امتزاج الروح بالجسد، كما يظهر في سلوك بطلة قصة "شرخ نازف في الروح" وهي تسرع للقاء حبيبها، روحها، ووطنها دون أن ترتب جسدها، أو تأبه لأيّ شيء سوى لقيا الحبيب، يقول الراوي:" لا تنفض الوحل عن حذائها.. لا تجفف بللها.. لا ترتب جسدها للقاء الروح.. يركض إليها.. ترتمي في حضنه.. يلاطفها بيديه[...] يتذكر أنه ليس روحها فحسب، إنه وطنها.. يحتويها بذراعيه" (ص:36).

هذه الإيحاءات الموظفة في قصص المجموعة تؤدّي وظيفتين أساسيتين: فهي تبرر من ناحية، ملاءمة اسم المجموعة "من مشيئة جسد" لما تحويه من قصص، وتلقي الضوء، من ناحية أخرى على نوعيّة الخطابات العديدة التي تضمّنها، أبرزها الخطاب الاجتماعيّ والسياسيّ اللذان يستحوذان على مساحة واسعة من قصص المجموعة.


من التقنيات الفنيّة البارزة في هذه القصص ظاهرة التناص(4)الحاضرة في معظم قصص المجموعة. تنهل الكاتبة متناصاتها من حقول معرفيّة كثيرة أهمها الموروث الثقافي العربي والإنساني، وأكثر ما تعنى به الكاتبة تلك المتناصات المنسولة من الشعر العربي القديم، الأمر الذي يبرز شغفها وإعجابها بهذا الشعر!!

في قصة "رحلة نضوج"يستعيد الراوي بيت "عنترة العبسيّ" متذكرًا محبوبته "عبلة" وهو يصارع الفرسان في ساحة الوغى، ليصوّر رجلاً لا يقوى على التخلص من سلوك المراهقين، متنقلاً من نصر غراميّ لآخر بقوله: "محاطا بأترابه كفرسان العصور الوسطى، يرتدون الدروع، يردّون بعض صدمات المرحلة الجديدة.. ويهاجمون برماح ( لمعت كبارق ثغرها المتبسّم) كلّ معرقِل"(ص:25). وفي موضع آخر من القصة يسترجع الراوي قول "أبي تمام" عندما يقرّر ذلك الرجل العودة إلى حبّه الأوّل، فيقول:" فكر في تلك التي كانت حبّه الأول.. وتذكر (نقل فؤادك حيث شئت من الهوى...) فعاد لمحبوبته الأولى"(ص:28). مما يلاحظ في توظيف هذه المتناصات أن الكاتبة لا تورد البيت كاملا إنما بعضه، وفي أحيان أخرى تلمّح له من خلال بعض الألفاظ الدالة التي نرى فيها صورة من صور تحدي القارئ حتى يشحذ زناد عقله ويستعيد ما تقصده الكاتبة، كقول الراوي:" ارتعب وارتعد.. انتفض كعصفور بللته المفاجأة" (ص:28)،مما يذكرنا بقصيدة غزليّة رقيقة "لأبي صخر الهذليّ " يقول فيها :

" وإنّي لتعروني لذكراكِ هِزّةٌ كما انتفضَ العصفورُ بلله القطرُ "(5).

يبدو تكلّف الكاتبة لظاهرة التناص في قصة "نوبة"إذ تقوم بعرض قطعة وصفيّة طويلة تحوي تعبيرات متنوعة تؤلّف فيها بين الشعر العربي الحديث، الفكر الصوفي، والحدث التاريخي من خلال وصف شوق البطل لمدينته التي يعشقها جدًا،ومما جاء فيها:" سيخترقها كما اخترق الملك سليمان سدّ مأرب وحواجز قلب بلقيس[...] بل سيحرقها كما أحرق نيرون روما ليعيد بناءها من جديد.. سيعمرها حضارة تشابه المزج الحضاري العربي الأندلسي[...] يجاهد نفسه كالصوفي يدور في حلقات الذكر، يتبع كل شيوخ الطرق، عله يصل لتلك الحالات من السكر الإلهي فيرى ما لا يرى منها[...] عصفت بجدرانه أبيات ابن العربي، وأخذه الحلاج في رحلة الحق.. لحق بالسياب يبحث عن أمه حتى في عواصم ما وراء القبور فلا تدق أبوابه إلاّ الرياح، سكن مدن الوهم واستوطن ملاحم درويشيّة أرّخت أساطير كل المدن، وتركت الحصان وحيدًا..اختصر كل المسافات مع حاوي وأمّمها مع عبدالناصر...."(ص:77-78). إنّ هذا التكثيف البارز لهذه الإشارات النصيّة تؤكد سعة اطلاع الكاتبة على حقول معرفيّة كثيرة، رغم ما يبدو فيها من تكلف؛ لغزارة حضور هذه الإشارات، مما يضطرنا إلى بذل جهد فكري كبير في استحضار هذه النصوص.

تكاد الكاتبة لا تترك حقلاً معرفيًا إلاّ وتطرقه عبر المتناصات التي توظفها في قصصها، فتلتفت في أحيان أخرى إلى الأشكال التراثيّة العربيّة قديمها وحديثها (6)، لتزجها في قصصها مثلما نجد في قصة "رجولة" وهي تصوّر رجلاً يبحث عن عيادة ليتخلّص من دم فتاة حُقن به بعد إصابته بحادث طرق،الأمر الذي حوّله لإنسان جبان فاقد لعنتريته، وفي ذلك يقول الراوي:" قبل أن يصلها عليه أن يصل أقرب عيادة ليفرغ جرعات الدم الملوّث، ليسكت هذا العواء الخائف الذي يتردّد صداه في كل لحظات حاضره، هذا العواء الذي يجعله عبدًا (وقد ولدته أمّه حرًا)..سار.. وومضت في باله قصة الكلب الذي تحرّر من خوفه عندما مزّق صورته المرتعبة في النهر" (ص:130). وتعرّج في قصة "سرير وسريرة" إلى توظيف المثل الشعبي المصري " ظل راجل ولا ظل حيطة" و" تبات نار تصبح رماد"، وفيها يقول الراوي عن الأرملة التي اضطرت للزواج من أخ زوجها:" بعد أن فقدت أوتاد خيمتها وأصبحت مرهونة(بظل رجل) تختبئ خلفه(من ظل الحائط) الذي هوى عموده"(ص:18). وفي موضع آخر من القصة يقول واصفًا حالة الزوج المستحدث:" يدخّن ويدخّن ويسعل حتى تنطفئ جمرته، فيبيت نارًا ويصبح رمادًا مبعثرًا، يرش ندفه فوق نار أهله ليخمدها"(ص:20).

وتنهل الكاتبة من الموروث الديني بعض المتناصات كالتي نقرأها في قصة "حالة توجّس"،إذ تشير إلى قصة كل من النبي "لوط" و"نوح" من خلال الحوار الذي دار بين شخصيات القصة حول موقف الإنسان العربي من ممارسات السلطة،وذلك في التساؤل التالي لإحدى الشخصيات :"وهل ننتظر حتى يحرق الله المدينة؟ فنهرب مع لوط ونستدير كي نرى النيران تخلّصنا من آثامنا فنتحوّل إلى عمود من الملح ونذوب خجلاًلأننا لم نفقه سوى الهرب؟"(ص:95)، أو قول محاور آخر مذكرًا بطوفان" نوح":" نقدّم الضحايا كل يوم وما من مجيب. تقام صلوات الاستسقاء.. ولا تمطر، تقام صلوات الغائب ولا أحد يعود، نوح ما زال ينتظر حمامة تحمل غصن الزيتون.. فلا يأتيه إلاّ الغربان"(ص:96). وفي قصة " المحطة الأخيرة.. شارع الأنبياء" تسخر الكاتبة، عبر متناصتها، من الخلاف المزمن الدائر بين الطوائف الثلاث حول الهويّة الدينيّة للنبي، صاحب المقام في خاصرة الكرمل الغربيّة،وذلك في مقطع حواريّ بين "سامي" و "مأمون"،يقول" سامي" موجهًا حديثه لمأمون:" هل ترى الطيف البعيد بين النجوم؟ إنه(مار الياس) نازلٌ إلى مغارته على رأس الكرمل.

-لا، إنه يشبه(النبي الخضر) وتلك المغارة هناك مغارته.

اختلفا، شربا، سألا، أخبرهما الرجل العجوز وهو يغيب بسرعة من أمامهما

- إنه النبي إيليا وهذه مغارة( إلياهو هنبي)"(ص:13-14).

وفي قصص أخرى تستقي الكاتبة متناصاتها من ميادين علميّة بحتة وتجعلها نسيجًا للغتها مثلما نجد في قصة "رحلة نضوج" وهي تصف حالة رجل لا ينفك عن المراهقة، وقد ارتطم كتفه بكتف امرأة فاستعرت الرغبة بين ضلوعه، ولم تقوَ المحيطات كلها على إطفاء جذوة رغبته فيها، يقول الراوي:"غاص في خضم محيط لا قرار له.. لا(الهندي) يفقه لغته، ولا ( الأطلسي) يميّز تضاريسه، ولا (الهادي) بكل قطرات مائه يستطيع أن يهدّئ من تلك الحالة التي تتقمّصه، تؤلمه وتداعبه.. فلا يدري فكاكا"(ص:24)، ومثل ذلك ما نجده في قصة "مواء القطط وحلاوة التاريخ" وفيها تذكر بعض المصطلحات العلميّة الصرفة كقانون الجاذبيّة، فناء المادّة، وأشكال الطاقة وتحوّلاتها(ص:101).

هذه المتناصات على اختلافها وتنوعها تأتي لتؤكد أولاً سعة الأفق الثقافيّ الذي تتمتّع به الكاتبة وانفتاحها على حقول معرفيّة عديدة، لكنها لا تنسجم وثقافة القارئ العادي ، مما يجعلها حافزا يدفعه لمزيد من الثقافة والمعرفة،زد على ذلك أنها تبيّن لنا كيف تعتلي الكاتبة صهوة اللغة العربيّة وهي تسخر هذه الحقول الجمّة لتنهل منها مصطلحات وألفاظا وتذللها لتشكل بذلك لوحة لغويّة آسرة في حسنها ورونقها وهي تؤلّف بين هذه الألفاظ التي تجترحها من ميادين ومجالات عديدة، وفي هذا تأكيد لما ذهب إليه البروفيسور" جورج قنازع" في رأيه بلغة الكاتبة في مجموعة " شقائق الأسيل" وفيه يقول:"تبدو بربارة مالكة لزمام اللغة وتستعملها بطريقتها الخاصّة التي تشتبك فيها المفردات بشكل مغاير للمألوف، وتمتزج فيها المخزونات الحيّة في ذاكرة بربارة مما وعته من الحضارة العربيّة بصورها المختلفة ومن الحضارة العالميّة الواسعة لتولّد أسلوبًا جديدًا يتميز باللامألوف"(7).

مما يشهد على كلف الكاتبة باللغة العربيّة ما تضمّنه في قصصها من ظواهر لغوية وبلاغيّة كتوظيف ظواهر بلاغيّة عديدة في جملة قصيرة،مثل المشتق، الجناس، والتجنيس الحرفي وهي من السمات البارزة في الشعر، كقولها:" روائح تفكهُ من أسْره ِ ومن أُسْرتِهِ، وتبحث له عن أسِرّةٍ وأسرارٍ، وسرائرَ"(ص:29)،بالإضافة إلى استخدام جمل مسجوعة في مواضع كثيرة منها :" روائح جسد وشبق، روائح نفَسٍ وعرق"(ص:113). وفي مواضع أخرى تلجأ إلى شرح بعض الظواهر اللغويّة بصورة غير مباشرة، كصنيعها في قصة "سرير وسريرة" إذ تشرح كيف تتحوّل الهمزتان إلى مدّة لتصبح فيما بعد آهًا تصوّر الحالة النفسيّة التي تعيشها البطلة، وذلك في قولها:" وتزوّج الأرملة بأخ الزوج.. فتجمع همزتي الأرملة والأخ وتكوّن مدّةً للآه ِ.. آهٍ تتحشرج كل ليلة بين جسدين خجلين يشعران طيفا يحوم الغرفة"(ص:19). وتغوص الكاتبة في لجّة اللغة العربيّة لتصدم القارئ بألفاظ لعله يلتقيها لأول مرّة، كقولها على لسان بطلة قصة "رسم امرأة" وهي تصف علاقتها بحبيبها الراحل :" عندما ظهر في حياتي امتطى صهوة كياني بحبّه اللامتناهي.. بحنانه.. بقلبه يزركش كل المساحات التي ضمّتنا وانطلقنا معًا. فتحنا أبواب الفردوس.. نغبْنا من التسنيم والكوثر"(ص:69-70)(8). وكانت قادرة على أن تقول:"جرعنا" عوضًا عن "نغبْنا". وفي قصة "حنين النوق" تقول:" وتقوم الخنساء من جديد لترثيَ (صخرنا).. وتحن النوق إلى البَوِّ علنا وسرًا"(ص:109) ، وكان أحرى بها أن تقول:"إلى صغيرها بدلاً من " البَوّ"، ومثل ذلك ما تثبته في قصة "رجولة" وهي تصف حالة الرجل الذي يسعى إلى التخلص من دم فتاة حُقنَ به، يقول الراوي:" حمل قلمه ونازل ورقة بيضاء سخرت من كرّ نقاط حبره المتراجع الذي رقأ فجأةً كرقوء دمه"(ص:129)، وكانت قادرة على استبدال كلمة "رقأ"بكلمة أسهل مثل "جفّ"،إلاّ أنها تسعى في استخدام هذه الألفاظ إلى تعريف القارئ على كلمات جديدة من شأنها إثراء قاموسه اللغويّ.

إنّ هذا الخطاب اللغوي الحاضر في معظم قصص المجموعة يؤكد شغف الكاتبة باللغة العربيّة، الأمر الذي يجعلنا نعتبر اللغة هي البطل الفاعل في قصص المجموعة بعد أن غابت سمة البطولة الحقيقية عن الشخصيات الموظفة في هذه القصص.

وفي اعتقادنا أنّ قصص مجموعة " من مشيئة جسد" تعزّز ما ذهبنا إليه في مقاربتنا لمجموعة " شقائق الأسيل" وتؤكد قدرة الكاتبة الفنية في مجال القصة القصيرة التي يطلّ من تضاعيفها عبق الموروث الثقافي العربي والعالمي ، وتسحر القارئ بجزالة ألفاظها وجمالية لغتها، مما يرسّخ مكانتها الأدبيّة محليًا وعربيًا ويعد بالكثير الآتي.

جدول الإشارات:

صدر للكاتبة حتى الآن مجموعتان قصصيتان، انظر:
راوية بربارة. (د.ت.). شقائق الأسيل. (القاهرة- حيفا: دار بيسان- مكتبة كل شيئ)؛ راوية بربارة.(2008). من مشيئة جسد.(كفرقرع : دار الهدى للطباعة والنشر).

انظر إهداء الروائية " ميرال الطحازي" في: ميرال الطحاوي.(1999). الخباء.(بيروت : لبنان).
تفاصيل عن دور الجسد في عملية التعبير واعتباره حاسة سادسة،انظر: منى فياض.(2000). فخ الجسد.(بيروت : رياض الريس للكتب والنشر)،ص:67-81؛ص:153-156.
تعتبر الناقدة الفرنسية" جوليا كريستيفا" "Julia Kristiva" رائدة مصطلح " التناص"، ثم طوّره "جيرار جينيت""Gerard Genette" وعرّفه بأنه كل ما يضع النص في علاقة ظاهرة أو خفية مع نصوص أخرى. لمزيد من التفاصيل، انظر: جيرار جينيت.(1986). مدخل لجامع النص. ترجمة: عبد الرحمن أيوب.(الدار البيضاء: دار توبقال)؛ صبري حافظ.(1984)." التناص وإشارات العمل الأدبي". ألف. عدد4،السنة15.(القاهرة: الجامعة الأمريكيّة)،ص:7-32؛ جوليا كريستيفا.(1991).علم النص.ترجمة: فريد الزاهي.(الدار البيضاء: دار توبقال).
انظر قصيدة أبي صخر الهذليّ في: أبوعلي القالي.(1960). كتاب الأمالي.ج1،(لبنان: منشورات دار الحكمة)،ص: 148.
لمزيد من التفاصيل عن توظيف الأشكال التراثية في الفن القصصي، انظر: إبراهيم السعافين.(1990). "قضية الشكل في الرواية العربية". آفاق جديدة.عدد6،ص:98-105.
انظر رأي البروفيسور" جورج قنازع" تاما في: راوية بربارة.(د.ت.).شقائق الأسيل(م.س.)،ص:3-4.
وقع في قصة " رسم امرأة" تصحيف في كلمة " تسنيم" الواردة في سورة المطففين، فظهرت في القصة " التنسيم"،ص:70، انظر الدليل في: محمد فؤاد عبد الباقي.(1988). المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.(القاهرة: دار الحديث)، ص: 465.

المصدر:
http://www.alwasattoday.com/index.php?option=com_content&view=article&id=2525:-q-q-&catid=48:2009-06-08-19-18-31&Itemid=82