المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الباب الرابع..!


غازية منصور الغجري
03-21-2009, 07:41 PM
الباب الرابع ..!

--------------------------------------------------------------------------------

.. في الصباح الباكر فتحت باب الشرفة لأمتع ناظري بجمال صديقتي "شجرة البرتقال" التي فارقتها بكثير من الحزن قبل سنوات ـ ثمة علاقة حميمة كانت تربطني بالحي ...الرصيف ..الأماكن الأبواب ، رائحة الياسمين ..أما شجرة البرتقال فقد كان بيني وبينها أسرار وضحكات عالقة بذاكرتي .. أشتاق إليها كلما لفحتني شمس الغربة في الصحراء الحارقة ....! و أحن الى صدر أمي كلما تكالبت علي النوائب.

فتحت باب الشرفة بفرح غامر ...يا إلهي لاأصدق ما أراه ، أين شجرة البرتقال ..؟! أين شجيرات الياسمين ....لقد تطاول البنيان فوق المحلات التجارية ولا شيء غير جمهرة من الناس تتدافع على الباب الرابع .. دون الأبواب الأخرى، كان الأمر مريباً ..إزدحام وضجيج وتلاسن ..!


وقفت عند ناصية الشارع بإنتظار سعادة الإشارة الحمراء لكي تسمح لي بالعبور.. ثمة رجل عجوز كان يقف إلى جانبي ، بادلته الإبتسامة والتحية وقلت له :-

- صباح الخير ياعم

- صباح الياسمين

- لوتكرمت ماهو سبب هذا الضجيج والإزدحام على الباب الرابع دون الأبواب الأخرى في المبنى المقابل لنا ( فتحت الإشارة ، سرنا معاً أنتظر الجواب ) قال لي : -

- تبدين غريبة عن هذا الحي.. لذا تسألينني هذا السؤال الغريب ؟!!

حزنت لإجابته ..وتسألت : هل حقاً أنا غريبة عن بيتي وحارتي ..وهل الغربة تفضح من يغادر حيه رغم حنينه وشوقه الدائمين اليه ..!

(وصلنا إلى مكان الإزدحام )قال لي الرجل بعد أن رمقني بنظرة فيها شيء من الإزدراء : -

- لاحظي ماكتب على هذه الأبواب لكي تجدين الجواب .

بدأت أقرأ الملصقات الورقية ( على الباب الرابع كتب رؤوس و أرجل دجاج الكيلو غرام ب11 ليرة ، على الباب الثالث كتب جلد دجاج سعر الكيلو 12 ليرة ، على الباب الثاني كتب أجنحة دجاج الكليو 30 ليرة و على الباب الأول كتب بالأحمر كليو الدجاج 180 ليرة) ....!



لم أجد على الباب الأول إلا العم أبو قاسم "مسؤول كبير " كان يطمئنني عن حينا عبر الأثير " الأنترنت" ويقول أن الأوضاع في حينا مايرام ولايوجد بيننا جياع !!

بادلته التحية وسألته :

- كيف حالك يا عم أبوقاسم ؟!

- من ..ليلى..؟!! متى عدتِ من السفر سيدتي

- عدت بالأمس

- أخبرني يا عم أبوقاسم ما هو سبب هذا الإزدحام على الباب الرابع دون الأبواب الأخرى؟!!

التفت أبو قاسم إلى البائع بتماهٍ وفوقية وقال : -

- ارسل 30 كيلو دجاج إلى البيت بسرعة ياولد ثم ..التفت صوبي هامساً بسخرية : -

- إنه الوعي ياليلى ..ألم أخبرك بأن الوعي لدى أهل حينا عالٍ جداً ....وقد علمنا حسب تقرير الطب البديل أن الفوائد الجمة في رؤوس الدجاج وأرجلها ..؟..

ورد عقل
03-22-2009, 04:09 PM
رؤوس وأرجل الدّجاج تصبح ألذّ وأكثر "فائدة" عندما نقنع نفسنا بذلك.. أو عندما نكذب كذبة ونصدّقها...
السّؤال الباحث عن إجابة هنا هو:
هل نستمرّ بالتّوافد على الباب الرّابع غير مكترثين.. نعيش في هدوء وندفع اللّيرات القليلة والثّمن الباهظ؟؟
أم نموت جوعًا؟

الأستاذة غازية الغجري،
قصّتك ذكيّة وتلامس حقيقة مؤلمة...

تقبّلي تحيّاتي وتقديري،
ورد عقل

غازية منصور الغجري
03-26-2009, 04:04 PM
الشاعرة الجميلة "ورد عقل " التدافع على الباب الرابع ليس صدفة ..!


نحتاج لتغيير جذري بالعقل العربي لكي نقف على باب انعاش الضمير المهني لنصحح مايجري خلف كل الأبواب .شاكرة حسن قراءتك مع ودي وإحترامي

غازية منصور الغجري
04-03-2009, 04:38 AM
قراءة أعتز بها ، فاجأني بها ، الكاتب والناقد "مأمون المغازي" المدير العام لمنتدى أروقة الأدب لذا وجب نشرها تقديراً لجهوده مع خالص ودي وإحترامي

قراءة في قصة : الباب الرابع
للأديبة القاصة : غازية منصور الغجري

قصة رائقة بما قامت عليه من فنية بنائية فقد عشنا حدثًا مركزيًا ترفده روافد واقعية هي نقل لما يعانيه الشارع .
القاصة تدخل إلأى العمل مستخدمة خصيصة الهجوم وإن كان الدخول هادئًا في شكله إلا أنه هجوم حقيقي على الحدث فشجرة البرتقال اختفت والمدعم الآخر لهذا الهجوم هو الصباح الذي يفترض فاتحة الخير، فالقاصة هنا في الدخول بنا للعمل أوقعتنا مباشرة في براثن التوحد مع العمل ومعايشته ـ تمامًا ـ لنبحث معها عن البرتقال ولون الصباح، ثم تسترجع الماضي في تداخله مع الحاضر لتؤصل للحالة وليس فقط للذكريات مستعرضة الفارق، ليس الزمني وإنما الحالي فحال كل شيء تبدل .
أربعة أبواب وبنايات شاهقة تبتلع الفراغ ليتحول المتنفس إلى اللافراغ ، هذا اللافراغ الذي أصاب الحي والحارة والرصيف والشارع معادل موضوعي لفراغ أعمق إنه فراغ الوسط من القانون ومن المنطقية . نعم المنطقية التي توازن بين الأشياء والحالات في الوسط الواحد فكثافة بشرية أمام باب واحد من أربعة ونافذة أمام كثافة عمرانية ، وعينان أمام لا محدود من التساؤلات المتوالدة .
هنا نحن أمام تكثيف بارع استطاعت من خلاله القاصة أن تستعرض محاورها الفكرية ليس بالطريق المباشر وإنما بطريقة الصور المعروضة للعقل في نقاط دقيقة:
غربة ـ عودة ـ ذكريات ـ فراغ في مقابل اللافراغ ـ المنطقية في مقابل اللامنطق ـ التساؤلات في مقابل الحيرة .
هذه المحاور هي التي تم من خلالها التنامي الحدثي الذي تطور في الواقع وفي عقل البطلة التي حررتها القاصة منها بالنسبة التي تؤدي إلى إنجاح العمل فهي تتحرك بعفويتها بعيدًا عن سيطرة القاصة لذلك نجدها تتحدث بعفوثة حين تقف منتظرة ( سعادة الإشارة الحمراء ) وتقول : صباح الخير يا عم في إبراز لواقع الحال والتعايش في المكان ومعه ، وتبدأ في طرح السؤال الذي أشعرتها الإجابة بالغربة والاستنكار في آن واحد حتى الإجابة كانت صادمة كما محركات السؤال، وتلعب الإشارة الحمراء دورها ( أقصد سعادة الإشارة الحمراء ) في إسقاط قوي باستخدام اللون الأحمر والإشارة ( قف ) ورغم هذا لا تمتنع عن طرح السؤال هذه العفوية الذكية وصياغة الردود العفوية الذكية أيضًا براعة تحسب للعمل، وفوق هذا يتطور الحدث منطثيًا من كل الأطراف لا من طرف واحد فالتنامي هنا محسوب يقوم على المقومات الداخلية والخارجية فهي لم تنظر للافتات إلا بتوجيه ساخر من العجوز لتجد الأسعار .
هل هي أسعار أم إشارات تفتيت ؟
هل أضيف لون جديد للإشارات الضوئية ؟؟
كنا نشتري دجاجة . قسمت الدجاجة .
كنا نثق في التسعير .
القاصة لعبت على ظاهرة انتشرت في الأسواق، إنها تلعب على وتر الجوع . تلعب على وتر الفقر ؟؟ لا . تلعب على وتر المحسوبية ؟ لا . تلعب على وتر السيطرة والهيمنة ؟ لا . تلعب على وتر السلطة والأذناب ؟ لا . تلعب على وتر التعمية والتضليل ؟ لا .
لعبت على وتر الجوع الذي أوصل الناس إلى شراء ما كانوا يستخفون به من الدجاجة .
على الطرف الآخر تستحضر ذكريات الطمأنة من أحد معارفها ، هو نفسه الواقف على باب الدرجة الأولى بمفرده يأمر بثلاثين كيلوا من اللحم ، والإشارة الحمراء هنا أيضًا وموقف ساخر آخر سعادة اللحمة مقابل سعادة الإشارة ( قف ) المرور مسموح لفئة خاصة . ويأتي التبرير الموجع الذي ينم عن الاستخفاف ؟؟ لا . إنما يدل على استغلال الجوع .
القاصة تلقي بظلال كثيرة من خلال عباراتها الحرة المتحررة والتي تنبع من معاناة حقيقية يعيشها الشارع مستعملة لغة يسيرة سهلة وسيك مدروس حتى تصل بنا إلى الإغلاق الفنتازي ( الوعي يا ليلى ) استغلال مفهوم الوعي لاستغلال من وقعوا في اللاوعي .
إننا لا نتهم من خلال هذا العمل من أحدثوا اللا فراغ واللا وعي ، واللا منطق وحدهم ، وإنما نتهم من تركوا أنفسهم حتى وقعوا فيه .
وأتساءل هنا هل الأبواب أربعة ؟؟
أين باب الأمعاء ؟ وأين باب الرقاب ؟ سمعت أن الأمعاء صارت تباع ، أما الرقاب والأكبداد والقوانص فتجمع في عبوات فاخرة كل على حدة وربما لا يجدها العامة ، ترى هل لم يصل الموظف المرموق إلى الأبواب التي تبيعها ؟ أم حجبت عنه ؟ أم أن خطة التفتيت لم تطبق بأكملها بعد ؟

الأديبة القاصة :غازية الغجري؛
أداء قصصي رائع ولغة قصصية عالية ، وعمل مستفز ابتداء من العنوان ، عمل فاتح لأبواب العقل بما قام عليه من فكر نقدي يجيد توظيف الأدوات .
نشكركِ لما قدمتِ لنا وننتظر الأكثر والأكثر بإذن الله .

تقبلي شكري واحترامي

مأمون

ورد عقل
04-03-2009, 08:39 AM
يسعدني أن أعود إلى هذه القصّة المميّزة، وقراءة هذا النّقد العميق من الأستاذ مأمون المغازي.

نحن بانتظار المزيد أستاذة غازية.

تقبّلي فائق الاحترام والتّقدير،
ورد عقل

حسن محمد آل ناصر
01-05-2010, 04:12 AM
آه آه على الفقر والعوز والحاجة!!
آه آه مالي سوى الآهات!!
قصة تستوجب الوقف!!
الأديبة الأستاذة
غازية منصور الغجري
لقد فتحتي في نصك الرائع موجة للأمة، بداية جميلة في السرد ومشوار يشد القارىء لنيل الأتي وماذا حصل؟!!
دق جرس المنبه استيقظ ايها العربي!!
أستيقظ ايها الغني الجشع!!
نعم مرحلة تدق اجراس المكان والزمان ووو!!
لا مجال هنا للمجاملة فالفقير يأكل الخبز الحافي، والغني يأكل ما لذ وطاب، أنا هنا لا أحسد أحد، ولكن دعونا نتفكر في من هم أصغر منا عيشا أو مأونة!!
فصراع الحياة أوله نبتة قربان لله، ولو تعمقنا في القصة لوجدنا أننا أمام حرب ضروس نهايتها (دهس) الفقير المسكين!!
آه آه من ذلك الصابر المسكين حين يرغم على أكل الرأس أو الأرجل، قباحة في القول هذه نعمة، نعم نعمة وحمدلله ولكن لا يأكلها البشر ترمى للكلاب والذئاب، الله كرمنا وجعلنا كرماء والبعض من الوحوش الذين بوجوه بشر يجعلوننا مثل الحيوانا وأكثر!!
لا تلومني على التعقيب ايها القارىء الكريم ففي القلب حرقة وفي الضمير وخز، لماذا إجتمع الجمع الغفير في الباب الرابع قل؟!!
هو العوز !! هو الحاجة !! هو الفقر !!!
رغم من الجمعيات الخيرية إلا أن السراق كثر والظالمين عدد ولا تقف!!
لا مجال للكذب أخرجوا إلى الشارع وقفوا منتبهين متأملين، ستجدون آلاف من الباب الرابع، نعم أخرج وتعقب ستعلم أنك لم تكن تعيش في الدنيا!!
وأرجوا أن تتعقب بيت الغني الجشع !!
لا تنسى أن ترى قمامة منزله!!
عندها فقط ستعلم أنك واحد من من ينصحون بالباب الأول!!
*******************************************
قصة مأثرة جدا وبارك الله فيك
تقبلي مروري الضعيف في باكورتك العظيمة

غازية منصور الغجري
07-12-2010, 10:19 AM
الأديب الشفيف /حسن محمد آل ناصر حياك الله وبياك
قربك من النص ومن الجماهير العريضة الواقفة خلف الباب الرابع ،باب الفقر والجوع والإستغفال أسعدني ، يدل على رقيك وطيبك.

شكراً