المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جمانة حداد : «التابو» مقيم في العقل العربي..وليس في ثقافة الجسد وحدها


صفاء ابو صالح
12-14-2008, 10:37 AM
http://www.banias.net/writers/joomana.jpg
جمانة حداد : «التابو» مقيم في العقل العربي..وليس في ثقافة الجسد وحدها


بيروت - منى سكرية – صحيفة أوان

تتقن الشاعرة اللبنانية جمانة حداد سبع لغات عالمية. ومن صنوف الإبداع تتقن ما يلزمها لإطلاق العنان لـ«جماناتها» الخبيئة. ووسط كل ما تكشفه مما تتقن في «دعوة إلى عشاء سري»، فإنها «لم ترتكب ما يكفي»، لتعود من خلال «عودة ليليت»، فتكرس مواهبها في الانقضاض كـ «النمرة المخبوءة عند مسقط الكتفين»...هذه عناوين لدواوين شعرها، إضافة إلى عدد من الكتب المترجمة والمقالات المنشورة في الصفحة الثقافية في صحيفة «النهار» اللبنانية... أما «جسد»؛ فتلك لها حكايات لا يتقنها سوى جمانة حداد... التقتها «أوان» وكان هذا الحوار:

{ دعينا نبدأ من جديدك: مجلة «جسد» الثقافية الفصلية المتخصصة في آداب «الجسد» وعلومه وفنونه. لماذا هذه المجلة؟

ـ لأن الجسد هو حقيقتنا جميعاً، الفردية والجماعية. وهو هويتنا، وعلامتنا الفارقة، ولغتنا، وبوصلتنا، والطريق إلى كل واحد منا. ثم لأن هذا الجسد مغيّب عن حياتنا وثقافتنا ولغتنا العربية، وإذا كان يحضر فهو يحضر مهاناً، ومشوَّهاً، ومداناً، أو منتقصاً، في حين أنه كل شيء، ويمثل في كل شيء. أريد لهذه المجلة أن تعيد الاعتبار إلى الجسد، الجسد الإنساني والجسد اللغوي، أن تضعهما تحت المجهر، أن تجعلهما صديقين وحبيبين لكل واحد منا، في اعتبارهما مرآتنا الأولى والأخيرة. وإذا كنتُ أصدرها الآن فلأنه كان يجب إصدار مثلها من زمان. كل نقصان يجب أن يُملأ. كل توق يجب أن يتحقق. فهي ليست حزباً سياسياً أو منبراً نضالياً. بل حاجة. وكل حاجة تخترع أسباب تحققها. تالياً...من الطبيعي أن تخترع «جسد» أسباب وجودها وأن تحميها بكل الكتابات والفنون التي تستحق الوجود والعيش. علماً أنه لكي تعيش هذه المجلة لا بدّ من أن توسّع لنفسها مكاناً في قلب الثقافة العربية، وهذا لا يكون إلاّ بخضّ أسس هذه الثقافة عن طريق العقل والخلق.

{ وهل الكلام عن الجسد سهلٌ في رأيك في عالمنا؟

ـ الكلام عن الجسد وعُريه جيد ومحبوب ومرغوب في العالم العربي ما دام «الآخر» هو الذي يكتبه ويقوله. نتحدث عن الجسد باعتباره جسداً «آخر» وليس باعتباره جسدنا. نميل غالباً إلى أن نشيّد مسافةً سميكة تفصلنا عن المسائل الحساسة، فلا نلامسها ملامسة مباشرة، ولا نقترب منها، ولا نخاطبها إلاّ من وراء حجاب، أو بطريقة ملتوية. نتحدث مثلاً عن «الأنا» مستخدمين الـ «نحن» أو الـ«هو». نقارب العُري، عُرينا، وحياتنا الحميمة، بطريقة ملتبسة، خجولة، أو دونية، فكأننا نرتكب خطيئة مميتة أو جريمة. هذه المسافة التي نقيمها بين الذات والموضوع ليست مسألة عابرة في ثقافتنا العربية السائدة، إنما هي في الأساس من كل مقاربة ذات إشكالية تتعلق بأحد «التابوهات» الحساسة في مجتمعنا وحياتنا. فـ «التابو» مقيم في كل مكان وفي كل شيء. وليس في مسألة الجسد فحسب. إنها مسألة تتعلق بالعقل العربي.

{ كثيرون يتساءلون عما إذا كانت المجلة ستكون منبراً للجسد الجنسي فحسب؟

ـ كل جسد هو موضوعٌ دسم لهذه المجلة. من جسد «الأرض» إلى جسد «الطبيعة» مطلقاً إلى جسد «الفضاء» إلى جسد «الخيال» إلى جسد «الإنسان» وصولا إلى جسد اللغة. ليس من جسد إلاّ هو مبتغى هذه المجلة. وعليه فإن موضوعات هذه المجلة لا تتعلق فقط بجسد الرجل أو بجسد المرأة، أو بالجنس، إنما كل جسد على الإطلاق. الجنس جزء من فلسفة الجسد وحياته ولغته. الجسد عالم كامل، أما الجنس فهو جزء من هذا العالم. ما أبتغيه هو العالم كلّه، جسد العالم كله، وليس الجسد الجنسي فحسب.

{ هل ستُباع فعلاً المجلة في «صندوق» كما ذكر أحدهم؟ وكم كلفة الاشتراك؟



ـ (تبتسم) مضحكةٌ قصة الصندوق هذه. لا أعرف كيف تمّ اختراعها. كلمة bag، التي استخدمها في الفيديو الخاص بالمجلة، تعني الكيس، لا الصندوق! أي أن «جسد» ستكون في كيس مختوم من النايلون، على غرار عدد كبير من المجلات الموجودة في الأسواق، أما كلفة الاشتراك السنوية فأكثر من معقولة (مئة وثلاثون دولاراً لأربعة أعداد فصلية)، لأن هدفها ليس الربح بل الاستمرارية.

{ في الحديث عن الجسد، ترى من يُتعب الآخر: هل جمانة تُتعب جسدها، أم أن جسدها يُتعب مكنوناتها؟

ـ مسكين جسدي: غالباً ما أشعر حياله بشيء من الحنان الأمومي، لشدة ما أنهكه. حتى أنه ما عاد يتحملني، فأنا أحيانا أجلس أمام الكمبيوتر 14 ساعة، إلى حد أني أسمعه ينهرني قائلاً: «حلّي عني! رحماكِ». لكني لستُ حنونة حياله على الدوام، بل أجدني أتعامل معه أيضاً بغضب وقسوة، لأنه لا يلبّيني، لأنه يخذل نشاطي، لأنه يخون جوعي إلى مزيد، ويجبرني على التوقّف، بينما العقل (المتواطئ تماماً مع إدماني للعمل وهوسي به) لايزال قادراً على الإيغال في متاهاته وأفكاره ومشاريعه. الجسد في بعده الفيزيقي المحض يعيدني إلى حدود بشريتي، وإلى دائرتي المكان والزمان المغلقتين اللتين نتحرك داخلهما. لأجل ذلك تجذبني جداً احتمالات الاستنساخ والسفر عبر الزمن والأزمنة الموازية الخ.

{ هل أنت متصالحة مع ذاتك الفردية كشاعرة وكاتبة وامرأة، أم أنك مُنساقة إلى العناوين الكبرى المكثفة والضاغطة، على غرار «تمكين المرأة»، «حرية المرأة»، «حقوق المرأة»... الخ. وهل أنت مقتنعة بما تقومين به؟

ـ يمكنني أن أجزم أنه ليس للعناوين الشعاراتية، من مثل التي ذكرت، أي تأثير عليّ. أنا لا أقوم بأي عمل دفاعاً عن قضية أو كفاحاً في سبيل شعار. محرّكي الأكبر هو الشغف. الشغف بالشعر. الشغف بالكتابة. الشغف بالحبّ. الشغف بالحرية. الشغف بالسفر. الشغف بالمعرفة. الشغف بالجديد. الشغف بالشغف. أما عنوان حياتي العريض فأصغر من أصغر نقطة: إنه الفرد، أي الذات، أي الخلية الأولى والمؤسِّسة، التي هي في رأيي بداية العالم ونهايته.

أما مسألة كوني متصالحة مع ذاتي فشائكة على أقل تقدير: كيف لا وأنا على خلاف دائم مع نفسي، لا يرضيني شيء؟ إنني فعلاً شديدة الانتقاد حيال ما أنا عليه وما أقوم به، إلى حد اللؤم والشراسة، وأحاول كل يوم اختراع طريقة جديدة لنيل بعض رضاي. أطمع مني بتربيتة سريعة على الكتف من هنا، أو بابتسامة تقدير عابرة من هناك. يا ليت. ولكنْ، عبثاً. هذه المرأة اللعينة (أنا) لا يعجبها العجب! (تضحك)

{ أهديتِ كتابك «عودة ليليت» إلى النساء السبع اللواتي يقمن فيكِ، هل لأنك تتكلمين سبع لغات، أو لأسباب أخرى؟

ـ رقم 7 عندي مرتبط بأمور عدّة، أحدها موضوع اللغات طبعاً، فضلا عن أني على مرّ الزمن رصدتُ فيّ – ولما أزل أرصد – شخصيات عدة متنوّعة ومختلفة في ما بينها، لها أصواتها وخصائصها وهمومها ورغباتها. يذهلني كم أن الإنسان خشبة مسرح. علينا أن نصيخ السمع فحسب. نحن جميعاً كتل من الأضداد. من التجاذبات المغناطيسية المتعاكسة. وفي هذا اللامتوقّع، غير القابل للبرمجة، يكمن جمال الكائن البشري ومصدر غناه. لأجل ذلك لا أؤمن بالتبويب والتصنيف.

{ أنت شاعرة، مترجمة، مسؤولة صفحة ثقافية في صحيفة يومية، وترأسين تحرير مجلة ثقافية. أنت أيضا مسؤولة عن جائزة أدبية، وتحضرين دكتوراه في السوربون. وأيضاً: زوجة وربة بيت وأم ولدين، ولا تكفّين عن السفر لدواعي العمل أو للمشاركة في ندوات وأمسيات شعرية. فكيف يُعقل ألا تكون جمانة حداد مكتفية بكل هذه الصفات؟ والأدهى: متى تعطين لكل من هذه الصفات وقتها؟

ـ ما كنتُ لأستطيع فعل كل ذلك من دون تنسيق وتنظيم، لكن ما يُساعدني على تحقيق كل هذه الأمور عاملان جوهريان: الأول دعم عائلتي وشريك حياتي لي، والثاني قدرتي على تنظيم وقتي، وعلى الانقسام الذهني عند الحاجة إلى جمانات مختلفة تتولى كلّ واحدة منها جانباً من مسؤولياتي. مما لا شك فيه أن هناك تعباً كثيراً، وهناك تقصير أيضا يطاول حياتي الخاصة. أدرك أنني كائن لا يطاق عائلياً واجتماعياً، لكنني تعلّمتُ أن أتعايش مع الإحساس بالذنب، وأن أستسلم بأنانية لاستفزازات نهمي ورغباتي، ولضرورة استثمار الطاقة الدينامية الموجودة فيّ، أقلّه إلى حين نفادها.

{ أي امرأة في التاريخ تشعرين أنك تنتمين إليها؟

ـ إلى ليليت طبعاً! من سواها! من سوى تلك الشيطانة الرائعة؟

{ نلاحظ أن ملامح وجهك ملائكية، ماذا يخفي الوجه الشرس الخفي في شخصيتك؟

ـ وكيف لي أن أتقصّد ذلك؟ دائما يقال لي: «أنتِ المفترسة المثالية، من الصعب رؤية الأظافر والأنياب وراء كل هذه الأنوثة والرقّة!». ذلك جزء من تناقضاتي الخارجية والداخلية: قطّة تارةً، ونمرة طوراً. تناقضات لا تصب طبعاً في خانة الخداع أو الخبث، بل تشجّع، إذا شئتِ، على عدم الركون إلى المظاهر.

{ مروراً بكل أعمالك حتى الآن، أنت كاتبة تفعلين الصدمة بما تكتبين؛ فهل تراقبينها؟

- الصدمات التي أحدثها هي «أضرار جانبية» لا أقصدها، وإنما أفعلها ولا أفتعلها قطّ. وبين الكلمتين يكمن الفرق كلّه.

{ أية جائزة تنتظر جمانة حداد؟

ـ الجائزة التي أشتهيها هي أن يظل هذا الشغف الذي يحركني حياً، وألا تنطفئ جذوته. أنا بلا شغف منذورة لليباس. أتمنى ألاّ أشبع، ألاّ أكتفي، ألاّ «أبرد» يوماً.

{ لماذا نتواطأ مع ذواتنا عندما نريد الإفصاح عن مكنوناتنا الجريئة؛ ونستاء في الوقت نفسه من هجوم الآخرين علينا إذا كتبنا ما كتبناه؟

ـ هناك فارق بين من يكتُب مقالاً نقدياً وهذا حقه، وبين من يحكم على كتاباتك فقط لأنها تحتوي -على سبيل المثال لا الحصر-، بعداً إيروتيكياً ترفضه مجتمعاتنا. في الحال الأولى موقف نقدي أحترمه حتى لو كان ضد اقتناعاتي الأدبية والفكرية الشخصية، أما في الحال الثانية فموقف أخلاقي متزمت أرفضه تماماً، لأنه ليس معياراً للحُكم على نص أدبي، ولأنه يصل أحياناً بحاملي لوائه إلى حد استخدام لغة تشهيرية بذيئة وساقطة لا تمت إلى النقد بصلة. لا مشكلة في الهجومات، فقرار النشر هو حكماً قرار ذهاب إلى الحرب، ولكن ثمة فارقا هائلا بين حرب طرفاها راقيان، وحرب أحد طرفيها موتور أو متطرّف أو نذل الخ. حقي المطلق كإنسان وككاتب أن أعبّر عما أفكّر فيه. وحق الناقد أن يُحاسب نصي على فنيته، لا أن يُحاسب هذا النص، والأبشع، أن يحاسبني أنا، بناء على معايير أخلاقية بحتة. لنتذكر في هذا الإطار ما قاله أندره جيد بسكينية تامة: «المشاعر الطيبة تصنع أدباً سيئاً».

حملات إعلامية رخيصة..

{ إذا أردنا التطرّق إلى جدالين تناولاك أخيراً، سوف أسألك عن كتاب صدر حديثا في بريطانيا من إعدادك وإشرافك عن قصص «مدن من الشرق الأوسط»، بمشاركة مجموعة من الكتّاب العرب الآخرين، من أمثال يوسف المحيميد ونبيل سليمان وإلياس فركوح وسواهم، وتجري أحداث إحدى القصص في تل أبيب. لماذا إدخال هذه المساحة الجغرافية الملتبسة الوجود عند كثير من العرب؟

ـ أؤثر عدم التعليق على هذه المسألة، وحسبي أن البيان الذي أصدره ناشر الكتاب البريطاني، كما مقال الكاتب الفلسطيني المشارك في الأنطولوجيا علاء حليحل، يفيان في ذاتيهما بواجب الرد.

{ أيضاً، لقد هدّدت بإقامة دعوى على جريدة «الغاوون» : لماذا؟

ـ أتعرض من حين إلى آخر، ككثيرين غيري، لحملات إعلامية رخيصة، ناجمة عن الحسد وعن الحقد الأعمى لكل شيء ناجح وجميل، كما هي ناجمة بالتأكيد عن انهيار الوازع الأخلاقي والضميري. وأحياناً يكون الاحتكام إلى القضاء ضرورياً لضمان حقوقنا، أي، في هذه الحال حقوق مجلتي «جسد»، التي تصدر عن شركة «الجُمانة» للنشر والترجمة والاستشارات الأدبية، بترخيص قانوني وشرعي من وزارة الإعلام ونقابة الصحافة في لبنان.

في أي حال، الصحيفة إياها نشرت بيان التوضيح والتصحيح الذي صاغه محامي شركتي، كما ينص القانون، وهذا يشكّل في ذاته تراجعاً عن الافتراءات. لكننا نحتفظ بحق المداعاة، كما يذكر بياننا، في أي وقت، إذا ما شعرنا بأن ثمة حاجة إلى ذلك. عموماً، أعتقد أن خير ما يفعله المرء في ظروف مماثلة هو الترفع عن التعليق والانزلاق إلى مستوى كهذا. ليست هذه المرة الأولى التي أواجه فيها مثل هذه الحملات، ولطالما امتنعتُ عن الردّ. ولما كنتُ نشرتُ ردّاً هذه المرّة أيضاً، لو لم يوعز إليّ محاميّ بفعل ذلك. «ما بتحرز» (تبتسم).

{ ختاماً، جمانة حداد، هل لك من مثيلات في هذا التمرّد والإقدام والجرأة والشجاعة في عالمنا العربي؟

ـ طبعاً. أنا ضدّ النظرة التشاؤمية واليائسة على هذا المستوى. بل إنني على اقتناع بأن هناك كثيراً من الكاتبات والكتّاب الشجعان في العالم العربي، ممّن لا يترددون في قول ما يفكّرون فيه بصدق وإقدام وعمق وثقافة وتنوّر. وأنا أقلّهم... في أي حال؛ ليس العدد الأول من مجلة «جسد»، ولائحة الكتّاب الرائعين الذين أوتي لي شرف أن يشاركوا فيه سوى أحد الأدلّة البليغة الكثيرة على ذلك.