تركي عامر
07-02-2007, 07:09 AM
معين حاطوم .. بين الكيف والكم
بقلم مجيد حسيسي
من يقرأ معين حاطوم ،يقف على اثنتين: التعجب من الكم الذي أصدر، والاحترام لجمله الفلسفية العميقه..بدءاً بـ " وذوت بسمة الله وانتهاء بديوان العشق والإدراك " ، ويلاحظ أنه وظـّ،ف جمله في سياق قصصه أو أشعاره لتقول لنا شيئا ًفي زمان ما ومكان ما ، مستحدثا بعض الكلمات والتعابير ، متبعا نهجا جديدا غير مألوف، محاولا البحث عن حقيقة ما والكشف عنها بطريقته السيمفوسردية الفريده ، ليمكـّـن القارىء من فهم ما يرمي إليه ، علما أنه كان بإمكانه اختزالها وإيجازها ، لكنه يعرف أنـّـه لا يفهم من المرة الأولى ، وهو بطبيعته كريم ومعطاء ، لم يبخل على القارىء ، فراح " يلتّ ويعجن " منزلا عليه وابلا من الأفكار والمواضيع وكأنه مصمم على إفهامه على الرغم من صعوبة الموضوع ..
وعلى رغم الغموض الذي يلف جمل وكلمات معين حاطوم فهو واقعي يخاطب القارىء بالمنطق .. وعلى سبيل المثال لا الحصر ، ففي كتابه " زمهرير الكرملي يكتشف هذا الكون " والواقع في أربعة أجزاء ، يجمع فيه آراء الفلاسفة والمفكرين ، ليعزز نظرية التوحيد المؤمن بها والتي تقول أنّ للعالم خالقا واحدا مبدعا ليس كمثله أحد ، مستعملا مفردات حاطومية بحته جديدة حتى على المجمع اللغوي..راسما لنا بريشة فيلسوف قصة تكاد أن تكون عادية بسيطة ، ويلاحـَـظ هنا أنه لم يـُـعنَ بالحبكة للقصه أو بتعاقب الأحداث ، لكنه ألبسها جملا فلسفية غنية أضفت على القصة شيئا من الهدوء والراحه عند اكتشاف مكنونات الحياه ..ومعين لم يأخذ في حينه بنصيحتي بالتخلي عن القصه والاهتمام بالفقرات الفلسفية فينقشها بريشة الرسام معين ، ويلبسها أثوابا جبرانية تليق بهذا العصر.
أما ديوان العشق والإدراك ، والذي يقع بنصف ألف صفحة بشكله المستطيل قليل العرض ، ليكون مختلفا حتى في الشكل عن سائر الكتب ، جعله في ستة مجالس :
الأول : لأنّ الشمس ما كانت ..في هذا المجلس يستعرض معين قدرته اللغوية جنبا إلى جنب مع جمله الفلسفية ، وعلى سبيل المثال ، في " أكمة وحدتي الجرداء " يكتب:
" رويدك ِ أيتها اللهفة الدافئة ُ ..
كأنفاس الصـّـِـبا..المتلولبة ِ حرارة ً..
كأفاعي الصحارى.. فقد ادـّـخر فيّ العمر رزايا وأشجانا
لا تجد مصرفا واحدا في فيافي..
الروح الغنيـّـة بكل هاب ٍ وداب
بكل حال ( بمعنى وضع )
وحال ( من كلمة حلوليّـه )
وحال ( من حل وحلول )
لمأزق هذه الحشرجة..."
وفي صفحه 34 : "أيها المتدرج على مسالك الغيب ، تروي الحدس وتقيتَ العقل ..هلمّ َ إلى صفائي الأزلي تروق مباهجك وتهيم سجيـّـتُك في صفاء النور ، فأنا شعاع الجمال وليد الهناء منبع المتع والحبور..فاخرجْ..اخرج إليّ من هذا الديجور ، وتوحـّ،دْ بهمسي المسحور ..فأنا أنت ..وأنا ما لست فيك..فادنُ مني يا أيها الرجل الأوحد فإني أحب فيك خصوبة الجمال وروعة الخيال ..فلتدس أيها المرتقي ودّا ً مشحونا بوميض الحب المشعور.. مشارف حناني ولتنعم برخاء الصفوه " ولو انني لا أعرف معينا عز المعرفة لأسأت الظنّ فيه!!
وفي صفحه 114 " اليوم أيها الأنا المنفصم عن أناه ،أضحينا رقعا لثيابنا ورقعا لأفكارنا ورقعا لوجود مستحيل على الحيوية المتدفقة من منبتنا الخصب..بسحر صيرورة ٍ لا تصدأ من ركود أو جمود أو ضياع "
وهكذا.. يضيع القارىء المتصفح لأدب معين، ويتجلى كل من يعرف ولو القليل مما يقصده صاحب الكلمه ..ويتزحلق..
صفحه 128 " يتزحلق الوحي اللزج على قمم الذاكرة الخصبة ..بأعاصير َ موتورة ٍ يطيـّـب خاطرها..
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : من ذا الذي سيطيـّـب خواطر الذين تزحلقوا لعجزهم عن مجاراة معين ، من يدري ، علـه يكسر حواجز الصمت فيه ، ليقول :
" صفحه 194 : لأنك ِ اخترقت حواجز صمتي ..لأنك تسربت الى مخابىء مهجتي وداعبت نبض القلب ..عانقت صرايا لحني المبحر وامتزجت بخمرة الدن .. شرّعت ُ للحب دينا ً .."
ومن ظن أنه فهم ، سرعان ما يجد نفسه معلقا ما بين الهب ّ والهوى..لكنه يطمئن قليلا : ص 244
"أرصفك ِ كي لا تشيخَ روحي ..كيلا يعمــّـرَ قلبي .."
ومرة واحده يجد القارىء نفسه طفلا رضيعا يتمنى لو يرشف رشفة من فنجان قهوة جـُـهـِـزت لانتظار إبراهيم الخليل :
ص 48" قال الفنجان لشاربه وهو يذرف الدمع وقد جرحت شفته وتقطـّـر منها الدم :
لا تشرب كل ما فيّ وتبقيني فارغا..فأصبح مأوى للجراثيم والفيروسات !!
فضحك الشارب بجشع وقال : وليكن ، ما همني..أي النفايات ستستقر في جوفك ؟ وما همني ما تعاني منه من ألم وما تنوج به من بكاء ؟ قبضت عليك وامتصصت ما فيك ..وكان لذيذا !!
_ إتق ِ الله أيها الشارب ..إتق الله .. فالذي كان قبلك شرب مني نصفي ..وأنت تريد أن تجهز عما تبقـّـى..أترك فيّ القليل ولا تجعلني فنجانا فارغا..!"
وأنا ، سأترككم هنا ، بعد أن أدركنا الصباح .. وللحديث تتمه .. وللحديث عن معين حاطوم بقايا قد لا تدرك في جلسات عديده ، فهنيئا لي لأني كنت معلمه ، ولأني صديقه ، ولأني أستطيع قدر الإمكان أن أغوص في أعماق فكره ..له مني ألف تحيه ومحبه !!
ألقيت في لقاء ورقستان الأرضي الأول: تكريم معين حاطوم: حرفيش: حزيران 2007
بقلم مجيد حسيسي
من يقرأ معين حاطوم ،يقف على اثنتين: التعجب من الكم الذي أصدر، والاحترام لجمله الفلسفية العميقه..بدءاً بـ " وذوت بسمة الله وانتهاء بديوان العشق والإدراك " ، ويلاحظ أنه وظـّ،ف جمله في سياق قصصه أو أشعاره لتقول لنا شيئا ًفي زمان ما ومكان ما ، مستحدثا بعض الكلمات والتعابير ، متبعا نهجا جديدا غير مألوف، محاولا البحث عن حقيقة ما والكشف عنها بطريقته السيمفوسردية الفريده ، ليمكـّـن القارىء من فهم ما يرمي إليه ، علما أنه كان بإمكانه اختزالها وإيجازها ، لكنه يعرف أنـّـه لا يفهم من المرة الأولى ، وهو بطبيعته كريم ومعطاء ، لم يبخل على القارىء ، فراح " يلتّ ويعجن " منزلا عليه وابلا من الأفكار والمواضيع وكأنه مصمم على إفهامه على الرغم من صعوبة الموضوع ..
وعلى رغم الغموض الذي يلف جمل وكلمات معين حاطوم فهو واقعي يخاطب القارىء بالمنطق .. وعلى سبيل المثال لا الحصر ، ففي كتابه " زمهرير الكرملي يكتشف هذا الكون " والواقع في أربعة أجزاء ، يجمع فيه آراء الفلاسفة والمفكرين ، ليعزز نظرية التوحيد المؤمن بها والتي تقول أنّ للعالم خالقا واحدا مبدعا ليس كمثله أحد ، مستعملا مفردات حاطومية بحته جديدة حتى على المجمع اللغوي..راسما لنا بريشة فيلسوف قصة تكاد أن تكون عادية بسيطة ، ويلاحـَـظ هنا أنه لم يـُـعنَ بالحبكة للقصه أو بتعاقب الأحداث ، لكنه ألبسها جملا فلسفية غنية أضفت على القصة شيئا من الهدوء والراحه عند اكتشاف مكنونات الحياه ..ومعين لم يأخذ في حينه بنصيحتي بالتخلي عن القصه والاهتمام بالفقرات الفلسفية فينقشها بريشة الرسام معين ، ويلبسها أثوابا جبرانية تليق بهذا العصر.
أما ديوان العشق والإدراك ، والذي يقع بنصف ألف صفحة بشكله المستطيل قليل العرض ، ليكون مختلفا حتى في الشكل عن سائر الكتب ، جعله في ستة مجالس :
الأول : لأنّ الشمس ما كانت ..في هذا المجلس يستعرض معين قدرته اللغوية جنبا إلى جنب مع جمله الفلسفية ، وعلى سبيل المثال ، في " أكمة وحدتي الجرداء " يكتب:
" رويدك ِ أيتها اللهفة الدافئة ُ ..
كأنفاس الصـّـِـبا..المتلولبة ِ حرارة ً..
كأفاعي الصحارى.. فقد ادـّـخر فيّ العمر رزايا وأشجانا
لا تجد مصرفا واحدا في فيافي..
الروح الغنيـّـة بكل هاب ٍ وداب
بكل حال ( بمعنى وضع )
وحال ( من كلمة حلوليّـه )
وحال ( من حل وحلول )
لمأزق هذه الحشرجة..."
وفي صفحه 34 : "أيها المتدرج على مسالك الغيب ، تروي الحدس وتقيتَ العقل ..هلمّ َ إلى صفائي الأزلي تروق مباهجك وتهيم سجيـّـتُك في صفاء النور ، فأنا شعاع الجمال وليد الهناء منبع المتع والحبور..فاخرجْ..اخرج إليّ من هذا الديجور ، وتوحـّ،دْ بهمسي المسحور ..فأنا أنت ..وأنا ما لست فيك..فادنُ مني يا أيها الرجل الأوحد فإني أحب فيك خصوبة الجمال وروعة الخيال ..فلتدس أيها المرتقي ودّا ً مشحونا بوميض الحب المشعور.. مشارف حناني ولتنعم برخاء الصفوه " ولو انني لا أعرف معينا عز المعرفة لأسأت الظنّ فيه!!
وفي صفحه 114 " اليوم أيها الأنا المنفصم عن أناه ،أضحينا رقعا لثيابنا ورقعا لأفكارنا ورقعا لوجود مستحيل على الحيوية المتدفقة من منبتنا الخصب..بسحر صيرورة ٍ لا تصدأ من ركود أو جمود أو ضياع "
وهكذا.. يضيع القارىء المتصفح لأدب معين، ويتجلى كل من يعرف ولو القليل مما يقصده صاحب الكلمه ..ويتزحلق..
صفحه 128 " يتزحلق الوحي اللزج على قمم الذاكرة الخصبة ..بأعاصير َ موتورة ٍ يطيـّـب خاطرها..
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : من ذا الذي سيطيـّـب خواطر الذين تزحلقوا لعجزهم عن مجاراة معين ، من يدري ، علـه يكسر حواجز الصمت فيه ، ليقول :
" صفحه 194 : لأنك ِ اخترقت حواجز صمتي ..لأنك تسربت الى مخابىء مهجتي وداعبت نبض القلب ..عانقت صرايا لحني المبحر وامتزجت بخمرة الدن .. شرّعت ُ للحب دينا ً .."
ومن ظن أنه فهم ، سرعان ما يجد نفسه معلقا ما بين الهب ّ والهوى..لكنه يطمئن قليلا : ص 244
"أرصفك ِ كي لا تشيخَ روحي ..كيلا يعمــّـرَ قلبي .."
ومرة واحده يجد القارىء نفسه طفلا رضيعا يتمنى لو يرشف رشفة من فنجان قهوة جـُـهـِـزت لانتظار إبراهيم الخليل :
ص 48" قال الفنجان لشاربه وهو يذرف الدمع وقد جرحت شفته وتقطـّـر منها الدم :
لا تشرب كل ما فيّ وتبقيني فارغا..فأصبح مأوى للجراثيم والفيروسات !!
فضحك الشارب بجشع وقال : وليكن ، ما همني..أي النفايات ستستقر في جوفك ؟ وما همني ما تعاني منه من ألم وما تنوج به من بكاء ؟ قبضت عليك وامتصصت ما فيك ..وكان لذيذا !!
_ إتق ِ الله أيها الشارب ..إتق الله .. فالذي كان قبلك شرب مني نصفي ..وأنت تريد أن تجهز عما تبقـّـى..أترك فيّ القليل ولا تجعلني فنجانا فارغا..!"
وأنا ، سأترككم هنا ، بعد أن أدركنا الصباح .. وللحديث تتمه .. وللحديث عن معين حاطوم بقايا قد لا تدرك في جلسات عديده ، فهنيئا لي لأني كنت معلمه ، ولأني صديقه ، ولأني أستطيع قدر الإمكان أن أغوص في أعماق فكره ..له مني ألف تحيه ومحبه !!
ألقيت في لقاء ورقستان الأرضي الأول: تكريم معين حاطوم: حرفيش: حزيران 2007