صفاء ابو صالح
10-17-2008, 11:19 AM
http://www.jawlany.com/photos/s2310200801.jpg
شارلى شابلن.. رائد الكوميديا السوداء
العرب أونلاين ـ 23\10\2008
يمكن أن يكون اختيار ثلاثة أفلام من مجموع أعمال الفنان تشارلى شابلن من الصعوبة بمكان، فنحن ازاء مخرج وممثل كان لأفلامه التأثير الكبير فى تاريخ السينما العالمية بحيث لا يمكن أن نفصل تطور السينما عن حياة وأفلام تشارلى شابلن.
ولد تشارلى شابلن فى لندن 1889 وسافر إلى أمريكا عام 1910 واستقر بها ليقدم بعد ذلك أول افلامه وهو "كسب الرزق" "1914"، ولتبدأ رحلته مع السينما فى الاخراج والتمثيل والتأليف الموسيقى وكتابة الأغاني، وهو من جيل كانت صناعة الفيلم فيه تتم صناعته عن طريق شخص واحد بالدرجة الأولى، رغم وجود عناصر فنية مشاركة.
هناك عشرات من الأفلام القصيرة التى قدمها شابلن، مثل المتشرد والكلب والطفل والملاكم، ولكن النجاح الفعلى كان مع ابتكار شخصية شارلو بكل ما تشكله الشخصية من وصف خارجى وكذلك سلوك داخلى وتصرف ذاتى مبنى على حسن العلاقات الانسانية بين البشر.
سخرية حائرة
لقد سخر شابلن من الفئات المتعالية والغنية، مع معالجة لقضايا الفقر والجوع والادمان، ولكنه كان يمضى بعيدا فى كل ذلك فهو شديد الحرص على امساك العصا من المنتصف.
بعد اكتشاف الصوت استمر شابلن يقدم الأفلام الصامتة، وكان أول فيلم له بعد المرحلة الجديدة "السيرك" عام 1931.
واذا كنّا نتحدث عن ثلاثة أفلام فقط، فلا يمكن نسيان فيلم آخر مهم حاز على اعجاب النقاد والجمهور، لأنه ينتقد الحرب والظلم ونقصد بذلك شريط "الديكتاتور" الذى عرض قبل أن تدخل امريكا الحرب العالمية.
ربما كان الجانب التقنى ضعيفا إلى حد ما فى أفلام شابلن، لكن الأمر لم يكن كذلك فعليا، لأنه اهتم باللقطات البانورامية مثلا، وركز على عمق المجال، ولكن كان الموضوع بالنسبة إليه هو الأهم.
لقد توفى شابلن عام 1977 عن 88 عاما، وانجز طيلة حياته 80 فيلما، يمكن أن نضعها فى سلة واحدة بسبب أهميتها المشتركة.
عالم متعدد
إننا عندما نختار ثلاثة أفلام نلاحظ فيها رموزا تقودنا إلى عالم مترام متعدد ومتشابك ومتنام، وهو عالم تشارلى شابلن.
من الأشرطة التى اختارها المعهد الأمريكى للسينما ضمن قائمة أفضل مئة فيلم امريكى جاء شريط "البحث عن الذهب" لتشارلى شابلن فى الترتيب رقم 74، وهو بذلك يسبق الفيلم المهم "الأزمنة الحديثة" "1936" وفيلم "اضواء المدينة" "1931"، وجميع الأفلام المذكورة صامتة ولا ينافس أفلام تشابلن من حيث الأهمية إلا الفيلم الصامت الشهير "مولد أمة""1915" لمخرجه ديفيد جريفت.
يعتمد الفيلم على فكرة البحث عن الذهب من قبل بعض المغامرين من خلال هاجس البحث عن الثراء بأيّ طريقة، وبما فى ذلك التوجه إلى منطقة الاسكا عام 1898، أى قبل أن تصبح ولاية امريكية.
الرجل المتشرد
يعود شابلن إلى شخصية الرجل المتشرد فى "البحث عن الذهب" "1925"، ويلجأ إلى كوخ معزول، هربا من عاصفة ثلجية، وصاحب الكوخ هو مجرم بائس. وبوجود شخص ثالث أيضا يملك رسميا حق التنقيب عن الذهب فى المناطق المجاورة تبدأ الأحداث فعليا.
وعندما يستولى قاطع الطريق على الوثيقة بضرب صاحبها حتى يفقد وعيه، يشرع فى العمل والبحث، ولكن العاصفة الثلجية الشديدة تجعله مفقودا ومعه الوثيقة.
أما المتشرد فإنه يتوجه إلى المدينة ليلتقى براقصة، وعندما يعود إلى الكوخ يجد صاحب الوثيقة قد فقد ذاكرته، لتعود إليه بالتدريج، ثم تأتى عاصفة ثلجية تقتلع الكوخ ويوضع فوق صخرة عالية، وبمحض الصدفة يعثر الاثنان على الوثيقة – لكن يستفيد بها المتشرد فعليا ويصبح شخصا غنيا ومعه الراقصة التى التقى بها فى البداية. قصة بسيطة ولكن إطارها الفنى مؤثر انسانيا.
تقول الكثير من المصادر النقدية بأن هذا الفيلم يعد من الأفلام المركبة والمعقدة نسبيا بالنسبة إلى مخرجه شابلن، إنه ليس فيلما من الأفلام البسيطة المعتادة، لأن هناك تطويرا فى الشخصيات وبحثا فى أعماقها، فضلا عن أن الكوميديا تتداخل مع المأساة، ويتفوق الممثل شابلن فى التمثيل بطريقة تعبيرية واضحة من خلال التعبير بالوجه والقبعة وأحيانا الظهر والكتفين.
مشاهد لا تنسى
هناك مشاهد كثيرة لازالت عالقة بالذاكرة، وهى مشاهد تنقلها أفلام كثيرة عن هذا الفيلم "البحث عن الذهب" ومن ذلك مثلا الحذاء المطبوخ الذى يأكله المتشرد ثم ابتسامة الفتاة فى المرقص لرجل آخر بينما يعتقد المتشرد أنها تبتسم له، وكذلك مشهد الكوخ فى العاصفة الثلجية، والمشهد الذى نرى فيه الرجل المتشرد وهو يعد العشاء للراقصة، ثم ينتظر قدومها ولكنها لا تحضر.
إن الجمع بين الكوميديا والتراجيديا من خصائص وسمات أفلام تشارلى شابلن، وفى هذا الفيلم يصل التزاوج بين النوعين إلى درجته القصوى.
من جانب آخر ترتكز أحداث الفيلم على نفسية الانسان والجشع الذى يقوده إلى التجرد من انسانيته، فهذا المتشرد تقوده قدماه إلى أمكنة فيها الكثير من الخطورة والبؤس. كما أن العلاقات البشرية يتم تشويهها فيعمل أحدهم على قتل الآخر والراقصة تركز اهتمامها على الذهب قبل كل شيء.
أما من الناحية الانتاجية فقد صرفت على الفيلم ميزانية كبيرة وصلت إلى مليون دولار واستمر التصوير 15 شهرا أما الايرادات فقد تجاوزت ضعف المصروفات بشكل مبدئي، وأيضا حقق نجاحا فى الخارج ومازال يباع إلى حد الآن وبلغت أرباحه الملايين.
ولهذا الفيلم مرحلة أولى عام 1925 وله أيضا مرحلة ثانية عام 1943 عندما أضيفت له موسيقى تصويرية ورشح بهذا إلى جائزتين أوسكار ولم يفز بهما، ومن الصعب جدا أن تجد قائمة أفلام عالمية وضعتها مجلة سينمائية أو شارك فى وضعها عدد من النقاد ولا تجد فيها هذا الفيلم، وربما كان الحنين إلى بدايات السينما سببا، وربما أيضا هناك تقدير خاص لتشارلى شابلن وأفلامه، ولكن هناك الكثير من الجوانب الفنية والنفسية التى تفرض نفسها وتدفع إلى التطرق إلى هذا الفيلم الذى يعد أحد أهم كلاسيكيات السينما العالمية، والغريب أن الفيلم يجد تعاطفا حتى عند الأجيال الجديدة التى تسمع بشابلن بعيدا عن الهالة الأسطورية التى تلحق به والتى تبعد الجمهور عنه بعكس أفلامه.
أضواء المدينة 1931
ليست هناك شهادة حول هذا الشريط، يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار مثل الشهادة التى ذكرها المخرج أورسون ويلز حيث قال عنه بأنه أفضل فيلم شاهده فى حياته، رغم أن الشريط صامت ولا يحتوى إلا على بعض الموسيقى التصويرية، والسينما فى زمن إنتاجه كانت ناطقة، مما يعنى أن تجربة تشارلى شابلن قد سارت فى سياق معين تقنى وموضوعى وهى شاملة ومتكاملة لا يمكن لاختراع الصوت أن يؤثر فيها.
لقد قيل الكثير حول علاقة شارلى شابلن بالصوت بمعنى رفضه لاستخدام الصوت وبعض النقاد رد ذلك لاعتبارات تنظيرية أساسها تركيز شابلن على الصورة باعتبار أن السينما هى فن الصورة.
والحقيقة أن شابلن لم ينظر لذلك ولم يصرح برفضه للصوت وميله إلى الصورة المنظورة، فالحياة قبل كل شيء صوت وصورة، إنما صاغ تجربته وعاشها بلا صوت وتكوّن على ذلك، فهو مثلا لا يستخدم كثيرا اللقطات القريبة، وأغلب لقطاته بعيدة مما يعنى عدم أهمية التركيز على الصوت ونحن نعلم بأن الحوار الناطق قد نقل السينما من اللقطات العامة والبعيدة إلى اللقطات المتوسطة والقريبة جدا، ليس لأسباب تعبيرية فقط ولكن لأن حركة الشفاه فى الحوار تتطلب ذلك، ولهذا السبب كان استخدام إيزنشتاين للقطات القريبة مؤثرا وفعالا ومبكرا لأن السينما فى تلك الآونة الصامتة لا تستخدمها.
لم يكن شابلن يرغب فى التعامل مع الاستوديوهات الخاصة بالصوت، لأنها تفرض عليه تصويرا داخليا لا يريده، وربما لم يكن يتقن التعامل معها وهو المعروف بأنه يستعين بعدد محدود من التقنيين.
قصة واقعية
تدور أحداث شريط أضواء المدينة حول الصعلوك المتشرد وهو الشخصية التى اخترعها شابلن ولكن هذه المرة بالاستفادة من قصة واقعية لمهرج فقد بصره فعمل على إخفاء ذلك عن ابنته.
يقع هذا المتشرد فى حب بائعة زهور عمياء، "فرجينيا تشيريل" ويعمل المستحيل من أجل تدبير المال لإجراء عملية جراحية لها، فنراه يعمل ملاكما ثم عاملا للنظافة وهو يعيش مع صديق ثري، يستقبله ويكرمه عندما يكون ثملا، ولكن عندما يفيق من السكر يطرده، وبسبب تدبير المال يدخل الصعلوك السجن وتجرى الفتاة العملية، لكنها لا تعرف من ساعدها وهى تتعرف عليه فقط عندما تلمس يده.
حياة ساخرة
إن هذا الشريط يجمع الخط العاطفى الانسانى مع المشاهد الحزينة المؤثرة ويقدمها فى إطار من السخرية وكثرة التعليق على مشاكل الحياة بأنواعها.. ويبرز فى الشريط أيضا اهتمام شابلن بالمشاهد التى تكون أحيانا نموذجية ولو حاول المخرج أن يكون كذلك عند تنفيذ الصوت بالحوار ما استطاع ذلك ومن المشاهد الجيدة دخول المتشرد من باب سيارة فخمة ليخرج من الباب الآخر والسبب الفعلى هو تخلصه من الازدحام، بينما تظن بائعة الزهور بعد سماعها الصوت بأن من يحادثها هو رجل غني.
فى هذا الصدد يذكر بأن تصوير هذا الشريط قد استمر لثلاثة أشهر وهناك لقطات أعيدت أكثر من 300 مرة.. أما الاستعداد الفعلى فقد وصل إلى أربع سنوات ليصل بعدها إلى نجاح كبير ويحصل على جائزة المجلس السينمائى الأمريكى الأولى لسنة 1931.. أما بطلة الفيلم فقد جاء اكتشافها بالصدفة، رغم دقة شارلى وحرصه على استبعاد الصدفة فى حياته.
ومثل غيره من أشرطة شارلى شابلن اتسم الشريط بالبساطة فى الشكل الخارجي، لكن هناك دائما رسالة إنسانية واضحة يحرص المخرج على إبلاغها للجمهور، ويستخدم كل الإمكانيات الفنية من أجل هذه الرسالة، بما فى ذلك الموسيقى التصويرية التى ألفها المخرج كما يفعل فى أشرطته الأخرى.
لا يفوق الإخراج إلا التمثيل الإيمائى الذى امتاز به شارلى شابلن واعتبره بديلا مقنعا للحوار، والحكم فى ذلك هو الجمهور الذى يرفض عند وجود شابلن أى بديل له.
أزمنة معاصرة
ثالث أفلام شابلن هو الأزمنة الحديثة إنتاج 1936 وهو فيلم كان من الممكن أن يكون ناطقا لأن المخرج أعد له حوارا كاملا ولكنه تراجع فى النهاية لمصلحة الفيلم الصامت الذى يفهم ويستوعب تشارلى شابلن كل تفاصيله وإمكانياته ويتفهم أوجه التعامل معه فنيا وتقنيا.
إنه فيلم عن الحياة المعاصرة حياة الانسان الذى تتحكم فيه الآلة، أو محاولة الآلة أن تجعل الانسان كائنا يشبهها ويتحرك مثلها كما يحدث فى مصانع التجميع أثناء فترة الكساد الاقتصادى فى أمريكا فى بداية الثلاثينات عندما شهد العالم وفرة غذائية مصحوبة بالجوع والبطالة فى عودة ناجحة إلى شخصية المتشرد من جديد، وهذه المرة يقع المتشرد تحت رحمة الآلة، لأنه عامل من عمال خطوط التجميع، يتم استغلاله لمصلحة أصحاب المصانع، ويطلب منه أن يكون أقرب إلى الترس فى هذه الآلة الكبيرة التى لا تتوقف عن الدوران حتى يصل به الأمر إلى الوقوع فى حالة انهيار عصبي، كما أن العامل المتشرد نفسه يحمل علما بالصدفة ويجد نفسه مشاركا فى مظاهرة دون قصد ويتهم بالشيوعية ثم يحكم عليه بالسجن لكن يطلق سراحه فى النهاية.
أما الفتاة التى يتعرف عليها فهى تدخل السجن بسبب سرقة رغيف خبز كما أن المتشرد نفسه يجد نفسه فى السجن من جديد ليخرج منه باحثا عن طريق جديد مشترك مع الفتاة.
نجاح وفشل
لم يكن الشريط صامتا كليا، لأنه احتوى على موسيقى تصويرية وكذلك احتوى على أغنية من تأليف تشارلى شابلن نفسه. ويذكر أن مصروفات إنتاج الفيلم قد وصلت إلى 1.5 مليون دولار، وخسر فى بداية عروضه فى أمريكا، خصوصا وأن حملة واسعة قد شنّت ضد الفيلم واتهم بأنه دعاية للشيوعية.
ولكن النجاح الذى صادفه الفيلم فى فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفييتى عوض خسائره المبدئية، ثم تحقق النجاح الكبير للشريط مع مرور الأيام ولا سيما عندما أعيد عرضه فى بداية الخمسينات إذ لم تفقد قصة الفيلم بريقها حيث كان الاحتفاء النقدى بالواقعية الصادقة، وقوة الموضوع وسيطرة الجوانب الإنسانية التى عرف بها شارلى شابلن.
وبسبب هذا الفيلم، ونتيجة للاتهامات التى وجهت إلى شارلى شابلن من قبل لجنة النشاطات المعادية لأمريكا، أجبر على السفر والاستقرار بسويسرا طيلة سنوات حياته الباقية، ولم يعد إلى أمريكا إلا فى مناسبة واحدة عندما تقرر منحه أوسكار فخرية عن مجمل أعماله.
جوائز ولكن
لقد تحصل شابلن على الأوسكار الشرفية مرتين كانت الأولى عام 1927 عندما قدم فيلم السيرك واعتبر فنانا كبيرا فى عالم الكتابة والإخراج والتمثيل والإنتاج. أما الأوسكار الشرفية الثانية فكانت عام 1971 ومنحت له لدوره الكبير وتأثيره البالغ فى تطور السينما العالمية.
أما الترشيحات للأوسكار فهى متعددة، عن فيلم السيرك ممثلا ومخرجا وعن فيلم الدكتاتور العظيم منتجا وممثلا وعن كتابة السيناريو بفيلمين وهما السيد فردو والدكتاتور العظيم.
رغم كل ذلك لم ينل شارلى شابلن إلا أوسكارا واحدة بصفة عملية عن التأليف الدرامى كما برز فى فيلم أضواء المسرح.
فى عام 1967 قدم شابلن آخر عمل باعتباره مخرجا وكان الفيلم كونتيسة هونغ كونغ كوميديا، شارك فى بطولته كل من صوفيا لورين ومارلون براندو ورغم ذلك لم ينجح الفيلم، وظل متواريا فى الظل مقارنة بأعماله الأولى، رغم أن هذا الفيلم الأخير روائى طويل وناطق وبالألوان، ولكن كل ذلك لم يجد.
لقد عاش هذا المخرج طيلة حياته عاشقا للسينما عاملا فيها باحتراف الهواية وهو لا يمكنه أن يكون مجرد مسمار فى عجلة إنتاج صناعة هوليوود التى تدور دائما مثلما دارت الآلات فى فيلم الأزمنة الحديثة.
شارلى شابلن.. رائد الكوميديا السوداء
العرب أونلاين ـ 23\10\2008
يمكن أن يكون اختيار ثلاثة أفلام من مجموع أعمال الفنان تشارلى شابلن من الصعوبة بمكان، فنحن ازاء مخرج وممثل كان لأفلامه التأثير الكبير فى تاريخ السينما العالمية بحيث لا يمكن أن نفصل تطور السينما عن حياة وأفلام تشارلى شابلن.
ولد تشارلى شابلن فى لندن 1889 وسافر إلى أمريكا عام 1910 واستقر بها ليقدم بعد ذلك أول افلامه وهو "كسب الرزق" "1914"، ولتبدأ رحلته مع السينما فى الاخراج والتمثيل والتأليف الموسيقى وكتابة الأغاني، وهو من جيل كانت صناعة الفيلم فيه تتم صناعته عن طريق شخص واحد بالدرجة الأولى، رغم وجود عناصر فنية مشاركة.
هناك عشرات من الأفلام القصيرة التى قدمها شابلن، مثل المتشرد والكلب والطفل والملاكم، ولكن النجاح الفعلى كان مع ابتكار شخصية شارلو بكل ما تشكله الشخصية من وصف خارجى وكذلك سلوك داخلى وتصرف ذاتى مبنى على حسن العلاقات الانسانية بين البشر.
سخرية حائرة
لقد سخر شابلن من الفئات المتعالية والغنية، مع معالجة لقضايا الفقر والجوع والادمان، ولكنه كان يمضى بعيدا فى كل ذلك فهو شديد الحرص على امساك العصا من المنتصف.
بعد اكتشاف الصوت استمر شابلن يقدم الأفلام الصامتة، وكان أول فيلم له بعد المرحلة الجديدة "السيرك" عام 1931.
واذا كنّا نتحدث عن ثلاثة أفلام فقط، فلا يمكن نسيان فيلم آخر مهم حاز على اعجاب النقاد والجمهور، لأنه ينتقد الحرب والظلم ونقصد بذلك شريط "الديكتاتور" الذى عرض قبل أن تدخل امريكا الحرب العالمية.
ربما كان الجانب التقنى ضعيفا إلى حد ما فى أفلام شابلن، لكن الأمر لم يكن كذلك فعليا، لأنه اهتم باللقطات البانورامية مثلا، وركز على عمق المجال، ولكن كان الموضوع بالنسبة إليه هو الأهم.
لقد توفى شابلن عام 1977 عن 88 عاما، وانجز طيلة حياته 80 فيلما، يمكن أن نضعها فى سلة واحدة بسبب أهميتها المشتركة.
عالم متعدد
إننا عندما نختار ثلاثة أفلام نلاحظ فيها رموزا تقودنا إلى عالم مترام متعدد ومتشابك ومتنام، وهو عالم تشارلى شابلن.
من الأشرطة التى اختارها المعهد الأمريكى للسينما ضمن قائمة أفضل مئة فيلم امريكى جاء شريط "البحث عن الذهب" لتشارلى شابلن فى الترتيب رقم 74، وهو بذلك يسبق الفيلم المهم "الأزمنة الحديثة" "1936" وفيلم "اضواء المدينة" "1931"، وجميع الأفلام المذكورة صامتة ولا ينافس أفلام تشابلن من حيث الأهمية إلا الفيلم الصامت الشهير "مولد أمة""1915" لمخرجه ديفيد جريفت.
يعتمد الفيلم على فكرة البحث عن الذهب من قبل بعض المغامرين من خلال هاجس البحث عن الثراء بأيّ طريقة، وبما فى ذلك التوجه إلى منطقة الاسكا عام 1898، أى قبل أن تصبح ولاية امريكية.
الرجل المتشرد
يعود شابلن إلى شخصية الرجل المتشرد فى "البحث عن الذهب" "1925"، ويلجأ إلى كوخ معزول، هربا من عاصفة ثلجية، وصاحب الكوخ هو مجرم بائس. وبوجود شخص ثالث أيضا يملك رسميا حق التنقيب عن الذهب فى المناطق المجاورة تبدأ الأحداث فعليا.
وعندما يستولى قاطع الطريق على الوثيقة بضرب صاحبها حتى يفقد وعيه، يشرع فى العمل والبحث، ولكن العاصفة الثلجية الشديدة تجعله مفقودا ومعه الوثيقة.
أما المتشرد فإنه يتوجه إلى المدينة ليلتقى براقصة، وعندما يعود إلى الكوخ يجد صاحب الوثيقة قد فقد ذاكرته، لتعود إليه بالتدريج، ثم تأتى عاصفة ثلجية تقتلع الكوخ ويوضع فوق صخرة عالية، وبمحض الصدفة يعثر الاثنان على الوثيقة – لكن يستفيد بها المتشرد فعليا ويصبح شخصا غنيا ومعه الراقصة التى التقى بها فى البداية. قصة بسيطة ولكن إطارها الفنى مؤثر انسانيا.
تقول الكثير من المصادر النقدية بأن هذا الفيلم يعد من الأفلام المركبة والمعقدة نسبيا بالنسبة إلى مخرجه شابلن، إنه ليس فيلما من الأفلام البسيطة المعتادة، لأن هناك تطويرا فى الشخصيات وبحثا فى أعماقها، فضلا عن أن الكوميديا تتداخل مع المأساة، ويتفوق الممثل شابلن فى التمثيل بطريقة تعبيرية واضحة من خلال التعبير بالوجه والقبعة وأحيانا الظهر والكتفين.
مشاهد لا تنسى
هناك مشاهد كثيرة لازالت عالقة بالذاكرة، وهى مشاهد تنقلها أفلام كثيرة عن هذا الفيلم "البحث عن الذهب" ومن ذلك مثلا الحذاء المطبوخ الذى يأكله المتشرد ثم ابتسامة الفتاة فى المرقص لرجل آخر بينما يعتقد المتشرد أنها تبتسم له، وكذلك مشهد الكوخ فى العاصفة الثلجية، والمشهد الذى نرى فيه الرجل المتشرد وهو يعد العشاء للراقصة، ثم ينتظر قدومها ولكنها لا تحضر.
إن الجمع بين الكوميديا والتراجيديا من خصائص وسمات أفلام تشارلى شابلن، وفى هذا الفيلم يصل التزاوج بين النوعين إلى درجته القصوى.
من جانب آخر ترتكز أحداث الفيلم على نفسية الانسان والجشع الذى يقوده إلى التجرد من انسانيته، فهذا المتشرد تقوده قدماه إلى أمكنة فيها الكثير من الخطورة والبؤس. كما أن العلاقات البشرية يتم تشويهها فيعمل أحدهم على قتل الآخر والراقصة تركز اهتمامها على الذهب قبل كل شيء.
أما من الناحية الانتاجية فقد صرفت على الفيلم ميزانية كبيرة وصلت إلى مليون دولار واستمر التصوير 15 شهرا أما الايرادات فقد تجاوزت ضعف المصروفات بشكل مبدئي، وأيضا حقق نجاحا فى الخارج ومازال يباع إلى حد الآن وبلغت أرباحه الملايين.
ولهذا الفيلم مرحلة أولى عام 1925 وله أيضا مرحلة ثانية عام 1943 عندما أضيفت له موسيقى تصويرية ورشح بهذا إلى جائزتين أوسكار ولم يفز بهما، ومن الصعب جدا أن تجد قائمة أفلام عالمية وضعتها مجلة سينمائية أو شارك فى وضعها عدد من النقاد ولا تجد فيها هذا الفيلم، وربما كان الحنين إلى بدايات السينما سببا، وربما أيضا هناك تقدير خاص لتشارلى شابلن وأفلامه، ولكن هناك الكثير من الجوانب الفنية والنفسية التى تفرض نفسها وتدفع إلى التطرق إلى هذا الفيلم الذى يعد أحد أهم كلاسيكيات السينما العالمية، والغريب أن الفيلم يجد تعاطفا حتى عند الأجيال الجديدة التى تسمع بشابلن بعيدا عن الهالة الأسطورية التى تلحق به والتى تبعد الجمهور عنه بعكس أفلامه.
أضواء المدينة 1931
ليست هناك شهادة حول هذا الشريط، يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار مثل الشهادة التى ذكرها المخرج أورسون ويلز حيث قال عنه بأنه أفضل فيلم شاهده فى حياته، رغم أن الشريط صامت ولا يحتوى إلا على بعض الموسيقى التصويرية، والسينما فى زمن إنتاجه كانت ناطقة، مما يعنى أن تجربة تشارلى شابلن قد سارت فى سياق معين تقنى وموضوعى وهى شاملة ومتكاملة لا يمكن لاختراع الصوت أن يؤثر فيها.
لقد قيل الكثير حول علاقة شارلى شابلن بالصوت بمعنى رفضه لاستخدام الصوت وبعض النقاد رد ذلك لاعتبارات تنظيرية أساسها تركيز شابلن على الصورة باعتبار أن السينما هى فن الصورة.
والحقيقة أن شابلن لم ينظر لذلك ولم يصرح برفضه للصوت وميله إلى الصورة المنظورة، فالحياة قبل كل شيء صوت وصورة، إنما صاغ تجربته وعاشها بلا صوت وتكوّن على ذلك، فهو مثلا لا يستخدم كثيرا اللقطات القريبة، وأغلب لقطاته بعيدة مما يعنى عدم أهمية التركيز على الصوت ونحن نعلم بأن الحوار الناطق قد نقل السينما من اللقطات العامة والبعيدة إلى اللقطات المتوسطة والقريبة جدا، ليس لأسباب تعبيرية فقط ولكن لأن حركة الشفاه فى الحوار تتطلب ذلك، ولهذا السبب كان استخدام إيزنشتاين للقطات القريبة مؤثرا وفعالا ومبكرا لأن السينما فى تلك الآونة الصامتة لا تستخدمها.
لم يكن شابلن يرغب فى التعامل مع الاستوديوهات الخاصة بالصوت، لأنها تفرض عليه تصويرا داخليا لا يريده، وربما لم يكن يتقن التعامل معها وهو المعروف بأنه يستعين بعدد محدود من التقنيين.
قصة واقعية
تدور أحداث شريط أضواء المدينة حول الصعلوك المتشرد وهو الشخصية التى اخترعها شابلن ولكن هذه المرة بالاستفادة من قصة واقعية لمهرج فقد بصره فعمل على إخفاء ذلك عن ابنته.
يقع هذا المتشرد فى حب بائعة زهور عمياء، "فرجينيا تشيريل" ويعمل المستحيل من أجل تدبير المال لإجراء عملية جراحية لها، فنراه يعمل ملاكما ثم عاملا للنظافة وهو يعيش مع صديق ثري، يستقبله ويكرمه عندما يكون ثملا، ولكن عندما يفيق من السكر يطرده، وبسبب تدبير المال يدخل الصعلوك السجن وتجرى الفتاة العملية، لكنها لا تعرف من ساعدها وهى تتعرف عليه فقط عندما تلمس يده.
حياة ساخرة
إن هذا الشريط يجمع الخط العاطفى الانسانى مع المشاهد الحزينة المؤثرة ويقدمها فى إطار من السخرية وكثرة التعليق على مشاكل الحياة بأنواعها.. ويبرز فى الشريط أيضا اهتمام شابلن بالمشاهد التى تكون أحيانا نموذجية ولو حاول المخرج أن يكون كذلك عند تنفيذ الصوت بالحوار ما استطاع ذلك ومن المشاهد الجيدة دخول المتشرد من باب سيارة فخمة ليخرج من الباب الآخر والسبب الفعلى هو تخلصه من الازدحام، بينما تظن بائعة الزهور بعد سماعها الصوت بأن من يحادثها هو رجل غني.
فى هذا الصدد يذكر بأن تصوير هذا الشريط قد استمر لثلاثة أشهر وهناك لقطات أعيدت أكثر من 300 مرة.. أما الاستعداد الفعلى فقد وصل إلى أربع سنوات ليصل بعدها إلى نجاح كبير ويحصل على جائزة المجلس السينمائى الأمريكى الأولى لسنة 1931.. أما بطلة الفيلم فقد جاء اكتشافها بالصدفة، رغم دقة شارلى وحرصه على استبعاد الصدفة فى حياته.
ومثل غيره من أشرطة شارلى شابلن اتسم الشريط بالبساطة فى الشكل الخارجي، لكن هناك دائما رسالة إنسانية واضحة يحرص المخرج على إبلاغها للجمهور، ويستخدم كل الإمكانيات الفنية من أجل هذه الرسالة، بما فى ذلك الموسيقى التصويرية التى ألفها المخرج كما يفعل فى أشرطته الأخرى.
لا يفوق الإخراج إلا التمثيل الإيمائى الذى امتاز به شارلى شابلن واعتبره بديلا مقنعا للحوار، والحكم فى ذلك هو الجمهور الذى يرفض عند وجود شابلن أى بديل له.
أزمنة معاصرة
ثالث أفلام شابلن هو الأزمنة الحديثة إنتاج 1936 وهو فيلم كان من الممكن أن يكون ناطقا لأن المخرج أعد له حوارا كاملا ولكنه تراجع فى النهاية لمصلحة الفيلم الصامت الذى يفهم ويستوعب تشارلى شابلن كل تفاصيله وإمكانياته ويتفهم أوجه التعامل معه فنيا وتقنيا.
إنه فيلم عن الحياة المعاصرة حياة الانسان الذى تتحكم فيه الآلة، أو محاولة الآلة أن تجعل الانسان كائنا يشبهها ويتحرك مثلها كما يحدث فى مصانع التجميع أثناء فترة الكساد الاقتصادى فى أمريكا فى بداية الثلاثينات عندما شهد العالم وفرة غذائية مصحوبة بالجوع والبطالة فى عودة ناجحة إلى شخصية المتشرد من جديد، وهذه المرة يقع المتشرد تحت رحمة الآلة، لأنه عامل من عمال خطوط التجميع، يتم استغلاله لمصلحة أصحاب المصانع، ويطلب منه أن يكون أقرب إلى الترس فى هذه الآلة الكبيرة التى لا تتوقف عن الدوران حتى يصل به الأمر إلى الوقوع فى حالة انهيار عصبي، كما أن العامل المتشرد نفسه يحمل علما بالصدفة ويجد نفسه مشاركا فى مظاهرة دون قصد ويتهم بالشيوعية ثم يحكم عليه بالسجن لكن يطلق سراحه فى النهاية.
أما الفتاة التى يتعرف عليها فهى تدخل السجن بسبب سرقة رغيف خبز كما أن المتشرد نفسه يجد نفسه فى السجن من جديد ليخرج منه باحثا عن طريق جديد مشترك مع الفتاة.
نجاح وفشل
لم يكن الشريط صامتا كليا، لأنه احتوى على موسيقى تصويرية وكذلك احتوى على أغنية من تأليف تشارلى شابلن نفسه. ويذكر أن مصروفات إنتاج الفيلم قد وصلت إلى 1.5 مليون دولار، وخسر فى بداية عروضه فى أمريكا، خصوصا وأن حملة واسعة قد شنّت ضد الفيلم واتهم بأنه دعاية للشيوعية.
ولكن النجاح الذى صادفه الفيلم فى فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفييتى عوض خسائره المبدئية، ثم تحقق النجاح الكبير للشريط مع مرور الأيام ولا سيما عندما أعيد عرضه فى بداية الخمسينات إذ لم تفقد قصة الفيلم بريقها حيث كان الاحتفاء النقدى بالواقعية الصادقة، وقوة الموضوع وسيطرة الجوانب الإنسانية التى عرف بها شارلى شابلن.
وبسبب هذا الفيلم، ونتيجة للاتهامات التى وجهت إلى شارلى شابلن من قبل لجنة النشاطات المعادية لأمريكا، أجبر على السفر والاستقرار بسويسرا طيلة سنوات حياته الباقية، ولم يعد إلى أمريكا إلا فى مناسبة واحدة عندما تقرر منحه أوسكار فخرية عن مجمل أعماله.
جوائز ولكن
لقد تحصل شابلن على الأوسكار الشرفية مرتين كانت الأولى عام 1927 عندما قدم فيلم السيرك واعتبر فنانا كبيرا فى عالم الكتابة والإخراج والتمثيل والإنتاج. أما الأوسكار الشرفية الثانية فكانت عام 1971 ومنحت له لدوره الكبير وتأثيره البالغ فى تطور السينما العالمية.
أما الترشيحات للأوسكار فهى متعددة، عن فيلم السيرك ممثلا ومخرجا وعن فيلم الدكتاتور العظيم منتجا وممثلا وعن كتابة السيناريو بفيلمين وهما السيد فردو والدكتاتور العظيم.
رغم كل ذلك لم ينل شارلى شابلن إلا أوسكارا واحدة بصفة عملية عن التأليف الدرامى كما برز فى فيلم أضواء المسرح.
فى عام 1967 قدم شابلن آخر عمل باعتباره مخرجا وكان الفيلم كونتيسة هونغ كونغ كوميديا، شارك فى بطولته كل من صوفيا لورين ومارلون براندو ورغم ذلك لم ينجح الفيلم، وظل متواريا فى الظل مقارنة بأعماله الأولى، رغم أن هذا الفيلم الأخير روائى طويل وناطق وبالألوان، ولكن كل ذلك لم يجد.
لقد عاش هذا المخرج طيلة حياته عاشقا للسينما عاملا فيها باحتراف الهواية وهو لا يمكنه أن يكون مجرد مسمار فى عجلة إنتاج صناعة هوليوود التى تدور دائما مثلما دارت الآلات فى فيلم الأزمنة الحديثة.