صفاء ابو صالح
09-19-2008, 01:43 AM
http://www.jawlany.com/Photos/W1909200803.jpg
قراءة في ذاكرة أحلام مستغانمي
في اختيار أحلام لبطل قصتها بأعضاء جسده المشوهة والمنكل بها نوع من الإعتراف بحالة العجز والنقص والخراب.
عن ميدل ايست اونلاين - 19\09\2008
بقلم: ظبية خميس
في زمن مضى حينما كانت تتفتح الأحلام في المخيلة وعلى مشارف استقبال الأنوثة المبكرة داعبت خيالاتنا كتابات خاصة تحمل المذاق الرومانتيكي لتشكل وجدان الحلم لمعظم فتيات جيلي في الخليج والعالم العربي. "أيام معه" لكوليت خوري، أشعار نزار قباني، روايات غادة السمان، نساء أحسان عبدالقدوس المتمردات. كانوا يكتبون الحب، وكنا ننتظره. أدخلونا المقاهي، وأخذونا إلى الحدائق وحلبات الرقص، والنجوم والقمر والبحر. معهم جاءت صورة المرأة العاشقة، والمعشوق الغامض، اشتعالات العواطف، الترحال، الهمسات والاحتراقات العديدة. وكانت الصورة تكتمل تحت ضوء غناء فيروز، وعبدالحليم حافظ، وفريد الأطرش ومع أفلام نادية لطفي، وسعاد حسني، وفاتن حمامة.
وبين الزمن المليء بالأحلام الناعمة والغامضة، واللحظة الراهنة نبتت غابات وأدغال من الكوابيس حرمت أجيالاً من الفتيات والفتيان من الحلم. إن الأحداث في العالم وفي الجغرافية العربية ما بين حروب، وحصار، ومجاعات، وجرائم ما كانت إلا لتخلق إضطرابات في المخيلة، النفس، وتبدل الحلم بالكابوس.
تنقلت نصوص المبدعين من الشعراء والروائيين بين كابوس وآخر ومن الواقعية إلى السحرية، ومن العالمية إلى المحلية طارحة تجارب تطيح بمخيلة المراهقات والمراهقين نحو كوابيس رغم هولها ما زالت أصغر من كوابيس الواقع التي صارت مثل غيوم الإنفجارات النووية في أرواحنا ووجودنا الخاص والعام.
كانت الرومانتيكية العاطفية تأخذ بوجدان عدد من الأجيال العربية ليس في الأدب وحده، ولكن في الحياة، والفكر الفلسفي، والحركات السياسية، كانت في أحشاء الحركات الوطنية بين يسار وقومي وحتى اليمين الليبرالي، جمال عبدالناصر، هوشي مينه، تشي غيفارا، نيكروما، الثورة الجزائرية، بن بيلا، الثورة الفلسطينية بشهدائها وحركات التحرر الوطني في كل مكان. كان الحلم غنياً وطويلاً بأوطان وبشر أحرار يذهبون إلى مستقبل له ملامح التحقق والوطنية في ظل شعارات وحركات أممية متعددة.
ثورات الطلبة، قصائد الشعراء، صور الزعماء الأحرار، تتصدر القلوب والعقول وتمثل رعباً حقيقياً لمن كان يسمى بالأمس قوى الاستعمار وذيوله من المدعوين سابقاً بالعملاء والخونة.
اليوم يتبقى لنا ذكرى ما كان، ومن هذه الذاكرة المرهقة بخيباتها تكتب أحلام مستغانمي أعمالها الجديدة، أحلام المرأة الكاتبة في الأربعينيات من عمرها تكتب عن اليوم بذاكرة الأمس الذي لم يسقط بعد من وجدان جيل عربي بأكمله. تثير مخيلة القارئ الذي زامنها ليتذكر، وتهدي الجيل الصغير صورة تذكارية لم يعد يراها أو يتعرف عليها في مرآة واقعة في اللحظة الراهنة.
أحلام مستغانمي كانت شاعرة من الجزائر، عاشت وكتبت في باريس لزمن طويل. عرفتها الملتقيات الأدبية عبر نثرها، وشهاداتها الحية حول الأدب والجزائر والمرأة أكثر مما استمعت إلى شعرها وقصائدها. وجاءت بيروت مع النصف الثاني من التسعينيات لتعيش فيها مع عائلتها وزوجها اللبناني. ومع بيروت جاءت روايتها الأولى " ذاكرة الجسد" لتصنع رد فعل استثنائي وتلقيا مليئا بالمحبة من قبل القراء، والمثقفين، والجامعات والأوساط الأدبية والصحفية.
كنت قد التقيت بأحلام في ثلاثة ملتقيات، وثلاث مدن: عام 1988 في أغادير، وعام 1990 في فاس ، وعام 1995 في القاهرة، ومع ذلك لم أسمع لها نصاً شعرياً واحداً في تلك اللقاءات فقد كانت كلها شهادات حولها كامرأة، وكاتبة، ثم مواطنة جزائرية، وكان نثرها مفعماً بنكهته الخاصة وجمالياته الشاعرية حتى حينما تتحدث عن المطبخ، معاناة الكتابة أو كل تلك المجازر الدموية في وطنها وما يحدث لشعبها من فظاعات مرعبة لا تستثني أحداً من دمويتها حتى الشعراء، والروائيين، والمغنيين، والرسامين، والصحافيين، والأساتذة.
حينما فازت أحلام كروائية بكل ذلك التقدير الذي أحاط بعملها الروائي الأول "ذاكرة الجسد" سواء عبر الاحتفال بها في الجامعة الأميركية ببيروت، أو نيلها لجائزة من الجامعة الأميركية في القاهرة أو حتى الاحتفاءات العديدة بها كما قد كان في الشارقة، احتفى بها القراء أيضاً الذين صاروا يبحثون عن كتابها ويحفظون اسمها جيداً. ولكن أحلام لم تنج من التنكيل بها أيضاً عبر أقلام كتاب وكاتبات من جيلها في أكثر من منبر مثل الحملة التي قادها ضدها الشاعر اللبناني عبده وازن، وشهر زاد العربي، وغيرهم ممن لا تتوقف الذاكرة عندهم كثيراً.
البعض ربط ظاهرة نجاح روايتها بأحداث الجزائر وتعاطف الناس مع الشعب الجزائري في محنته الطويلة. والبعض ربط ذلك بكونها كاتبة تكتب الأدب باللغة العربية في بلد ما زال معظم نتاجه الروائي المحلي يترجم من الفرنسية إلى العربية. غير أن أحلام كانت ستثير الجدل بنجاحها الأدبي أيًّا كانت جنسيتها العربية، وخصوصاً إذا كانت من الدول الأطراف على تلك الخارطة الممتدة من الخليج حتى المحيط.
ما زالت الجوائز، والاحتفاءات الاحتفالية تذهب للجيل الأسبق من الشعراء والكتاب العرب ممن شاركوا في ريادة الحركة الأدبية الحديثة: عبدالرحمن منيف، عبدالوهاب البياتي، سعدي يوسف، نزار قباني، محمود درويش، نجيب محفوظ، أحمد عبدالمعطي حجازي، حنا مينا، الفيتوري، سليمان فياض، إحسان عباس، فاروق شوشة، فاروق جويدة، محمد عفيفي مطر، وكذلك الجيل الوسط من أمثال: جمال الغيطاني، إبراهيم أصلان، سعيد الكفراوي، يوسف القعيد، وغيرهم.
أما المحتفى بهن من الكاتبات فإما أن يكن من جيل الأجداد أو من مدن المركز المعترف بها كالقاهرة وبيروت، ودمشق فمن النموذج الأول جاء الإحتفاء بكل من لطيفة الزيات، وفدوى طوقان ومن النموذج الثاني جاء الإحتفاء بسلوى بكر، وحنان الشيخ، وميرال الطحاوي، وغيرهن.
لم تثر الجوائز، ومقالات المدح، والترجمات والاحتفالات بكل أولئك ما أثارته من قسوة في التلقي عند البعض في رد الفعل على الاحتفاء بأحلام مستغانمي وعملها الروائي الأول.
أحلام مستغانمي تكاد تكون الأولى في جيلها من الشاعرات العربيات في تلقي ذلك الاحتفاء فهل كان كونها إمرأة، شابة، جزائرية وشاعرة في الأصل سبباً لذلك التلقي المتهكم.
لقد التقت عقدة نوع الجنس، بعقدة الجغرافية مع عقدة نوع جنس الكتابة في نفوس العديد من جيلها ممكن يكتبون ويحاكمون في الوقت نفسه. الرواية تكاد تكون فحولتها ذكورية الجنس في الأوساط الأدبية العربية، أما الشعر الذي تكتبه المرأة فهو قابل في نظرهم للتجاهل أو الأحكام التملقية أحياناً أو أحكام الإعدام في أحوال أخرى.
إذن جريمة أحلام مستغانمي الأصلية هي كونها قد نجحت في إيصال صوتها ككاتبة أخيراً، إلى جماهير القراء ضمن جيل، وجغرافية، ونوع جنس ما زال مقنناً في صلاحيته ضمن أحكام نقاد مدن المركز.
في "ذاكرة الجسد" لعبت أحلام على أوتار العلاقة الثلاثية الأطراف، والحلم، والخيبات الرومانتيكية والسياسية في جو حملت شخصياته ملامح إبداعية: امرأة، رسام، وشاعر. وفي "فوضى الحواس"، عملها الروائي الثاني، تواصل أحلام ما كانت قد بدأته.
وهذه المرة تكتب أحلام مستغانمي لتؤكد على كونها روائية لا بفعل الكتابة من جديد، بل حرفياً حين تصر على أن بطلة العالم هي كاتبة روائية وهي أحلام نفسها التي كتبت "ذاكرة الجسد"، ويكاد عملها الثاني أن يكون تسجيلاً لذاكرتها عن عملها الأول. ربما كان نجاح العمل الأول صاعقاً، ومثيراً لشكوك ذاتية واضطراب إبداعي جعلها تريد التأكيد على ذلك النجاح عبر عمل جديد هو مسار كتابة أكثر منه مسار أحداث، وهواجس روح أكثر منه هواجس حب، وقلق إبداعي حقيقي يريد أن يقبض بيديه على ما سبق وتحقق لإعطاء تلك اللحظة زمناً أطول في سجل الشاعرة – الكاتبة أحلام مستغانمي.
تهدي الكاتبة عملها إلى عدد من شهداء الجزائر، وضحاياها، وتنطلق "بدءاً" من محاولة تخيل رواية جديدة، أو قصة تكتبها الكاتبة وتكتب ملاحظاتها حول الكتابة الروائية والشخصيات.
تحشد بين النصوص مقولات قصيرة لشعراء، وأدباء وشخصيات عامة تؤكد بها رؤاها عبر تلك الوقفات.
بين أمل الحب العشقي، وانهيار الوطن تتراوح أحلام بطلة القصة الرواية لتبني بناءً شعرياً خيالياً، قائماً على أساس الخيبة والهم فصلاً فصلاً في كتابها "فوضى الحواس"، وهناك أيضاً، حكمة العمر والتجربة وتأمل ما وصلت إليه الذات سواء في الحلم أو الرؤية النهائية للأشخاص ومسار الحياة وحال الوطن.
تقول الراوية "ولكن هذه المرة، توقعت إنني أذكي من أن أتعثر في قصة حب وضعها الأدب في طريقي، لا ليختبر قدري على الكتابة، وإنما ليختبر جرأتي على أخذ الكتابة مأخذ الحياة." ص (44).
جاءت قصة الحب الوهمية النسيج التي كتبتها أحلام من ذاكرة شاعرية – وشعرية ومن غموض الحب الرومانتيكي حيث أن تحب هو أن لا تعرف شيئاً.
بطلة القصة تبحث عن الحب وراء جدران الوهم، كثافة الظلام، حواس الشم وترتيبات القدر والمصادفة، تساق إلى علاقة غير حقيقية مع شخص لا تعرف اسمه ويكون في آخر الأمر شخصاً آخر افترضت أنها رأته في مصادفة سابقة.
ب وجودي يقوم على الحواس والحدس "الخائن" والخيانة ليقودها في مصادفة دموية إلى حب آخر لم تعرف شخصية بطله إلا حينما واراه القبر.
تقول الرواية "الحب يجلس دائماً على غير الكرسي الذي نتوقعه، تماماً، بمحاذاة ما نتوقعه حباً." ص (54).
في هذا البحث المحموم عن مادة عشقية على شكل رجل تفترض الكاتبة انتماءه للإبداع الفني والأدبي تكمل إصرارها على خلق قصة حب عن سابق تصميم وإصرار حيث تقول:
"أكثر من انبهاري بشخصية ذلك الرجل، ومساحة الظل فيها، كنت مبهورة بلقائنا المحتمل بين عتمة الحبر، وعتمة الحواس كلما تعمقت في هذه الفكرة كنت ازداد تصديقاً أو تورطاً في مقولة أندريه جيد، واثقة تماماً بكتابة قصة حب من الجمال إلى درجة لم يعد بها الجنون أية كاتبة قبلي!"
شيء ما في مقولة الرواية يعيد للذهن ذكرى قصة كوليت الخوري ونزار قباني في رواية "أيام معه"، وقصة غادة السمان وغسان كنفاني في روايات غادة الحارة في حقبة السبعينيات، ربما قفزت للذهن أيضاً. نماذج أخرى لمبدعات مثل: ليلى العثمان وزوجها السابق الأديب الفلسطيني، وخالدة سعيد وأدونيس، وسنية صالح ومحمد الماغوط، ورضوى عاشور ومريد البرغوثي، والعشق في ظل الغياب بين مي زيادة وجبران خليل جبران، ونجوم الغانم وخالد بدر عبيد، ومحمود درويش ورانيا قباني، وغيرها من نماذج لقصص حب وزيجات بين مبدعات ومبدعين شغلت بعضها مادة للكتابة الإبداعية ومحور من محاور الحياة المشتركة.
شهوة الحب تأخذ الكاتبة إلى نسيج رواية كان لها من الحالة الشعرية حظ أوفر من البناء القصصي. تقول أحلام "الحب هو الذي اشتهانا معاً"، وحلم ببطلين يشبهاننا تماماً، ليمثلا دوراً على هذا القدر من الغرابة." (ص86)
وبين ثنايا الحكاية تتدفق أحداث الموت والقتل المجاني في الجزائر، وحرب الخليج، وشظايا الوضع الفلسطيني واللبناني، تستجمع تلك الأحداث غضب وحزن الكاتبة وتسجيلاً لحالتها المعنوية تجاه تلك الأحداث، وبين ثنايا قصة الحب تحاول أن ترسم أحلام شخصية بطلها بغموضه وبهائه الخاص، وتقرر لنا حالة زوج البطلة كشخصية بوليسية عامة، وأخ البطلة الثائر على الأوضاع، وأمام البطلة التي تنتمي لزمن الأمس، وتجاه كل تلك الشخصيات والأحداث تبدو بطلة القصة شبه محايدة، شبه عاجزة، مخذولة الذات إلا فيما يتعلق في البحث عن شخصية المعشوق الضبابية.
في لعبة تعزيز الوهم تذهب بطلة القصة للحب مع بطل القصة الذي تفترض أنه نسخة شبه حية من "خالد" الرسام بطل قصتها الأولى "ذاكرة الجسد" لتكتشف أنه صحفي ومثقف من جيلها، جيل الخيبة، وأن حبها الحقيقي كان لصديقه "عبد الحق" صحفي آخر تم إغتياله في الجزء الأخير من الرواية دون أن تتعرف عليه الكاتبة، تقول الكاتبة:
"إن تذهب إلى موعد حب، وإذا بك مع شخص خارج توا من كتابك، يحمل الإسم نفسه، والتشويه الجسدي نفسه لأحد أبطالك، وأن تبقى برغم ذلك على اشتهائك نفسه له، لابد أن يترك في نفسك كثيراً من فوضى المشاعر وفوضى الأسئلة." ص (272)
وتقول أيضاً:
"وقرأت أيضاً، أن الكتابة تغير علاقتنا مع الأشياء، وتجعلنا نرتكب خطايا، دون شعور بالذنب، لأن تداخل الحياة والأدب يجعلك تتوهم أحياناً أنك تواصل في الحياة نصاً بدأت كتابته في كتاب. وأن شهوة الكتابة ولعبتها تغريك بأن تعيش الأشياء، لا لمتعتها وإنما لمتعة كتابتها." ص (308).
في "فوضى الحواس" حالة حلمية تعيش في ثنايا كوابيس عامة جمة. البحث عن الحب والتعلق بأمل إحياء النموذج – الحلم على أرض الواقع. محاولة إنقاذ للذات ورحلة بحث تعيشها طويلاً الكاتبة العربية وخصوصاً المرأة الشاعرة في ظل جنبات سهلة التوقع.
في جيلنا بالتحديد من جيل المبدعات العربيات – جيل أحلام مستغانمي – ربما نكون قد أحسسنا بعمق أنه تم اغتيال أحلامنا وآمالنا العامة كمواطنين ينتمون إلى الجغرافية العربية وفكرة الوطن، فهل تكون فكرة وهوس البحث عن معنى أعمق ووجود خاص وراء فكرة البحث عن المعشوق الغامض، الرجل – النموذج. الغرق في عاطفة مسكوبة على أرضية الخراب الجرداء والرمادية.
ربما في اختيار أحلام لبطل قصتها الرومانتيكي بأعضاء جسده المشوهة والمنكل بها نوع من الإعتراف بحالة العجز، والنقص، والخراب حتى في جسد الحب الذي لا يعني أحداً غير الشخص نفسه، العاشق أو العاشقة.
في كل الأحوال لا يبقى من كل ذلك سوى ذكرى الحزن: حزن النص، الوطن، والعشق الناقص.
قراءة في ذاكرة أحلام مستغانمي
في اختيار أحلام لبطل قصتها بأعضاء جسده المشوهة والمنكل بها نوع من الإعتراف بحالة العجز والنقص والخراب.
عن ميدل ايست اونلاين - 19\09\2008
بقلم: ظبية خميس
في زمن مضى حينما كانت تتفتح الأحلام في المخيلة وعلى مشارف استقبال الأنوثة المبكرة داعبت خيالاتنا كتابات خاصة تحمل المذاق الرومانتيكي لتشكل وجدان الحلم لمعظم فتيات جيلي في الخليج والعالم العربي. "أيام معه" لكوليت خوري، أشعار نزار قباني، روايات غادة السمان، نساء أحسان عبدالقدوس المتمردات. كانوا يكتبون الحب، وكنا ننتظره. أدخلونا المقاهي، وأخذونا إلى الحدائق وحلبات الرقص، والنجوم والقمر والبحر. معهم جاءت صورة المرأة العاشقة، والمعشوق الغامض، اشتعالات العواطف، الترحال، الهمسات والاحتراقات العديدة. وكانت الصورة تكتمل تحت ضوء غناء فيروز، وعبدالحليم حافظ، وفريد الأطرش ومع أفلام نادية لطفي، وسعاد حسني، وفاتن حمامة.
وبين الزمن المليء بالأحلام الناعمة والغامضة، واللحظة الراهنة نبتت غابات وأدغال من الكوابيس حرمت أجيالاً من الفتيات والفتيان من الحلم. إن الأحداث في العالم وفي الجغرافية العربية ما بين حروب، وحصار، ومجاعات، وجرائم ما كانت إلا لتخلق إضطرابات في المخيلة، النفس، وتبدل الحلم بالكابوس.
تنقلت نصوص المبدعين من الشعراء والروائيين بين كابوس وآخر ومن الواقعية إلى السحرية، ومن العالمية إلى المحلية طارحة تجارب تطيح بمخيلة المراهقات والمراهقين نحو كوابيس رغم هولها ما زالت أصغر من كوابيس الواقع التي صارت مثل غيوم الإنفجارات النووية في أرواحنا ووجودنا الخاص والعام.
كانت الرومانتيكية العاطفية تأخذ بوجدان عدد من الأجيال العربية ليس في الأدب وحده، ولكن في الحياة، والفكر الفلسفي، والحركات السياسية، كانت في أحشاء الحركات الوطنية بين يسار وقومي وحتى اليمين الليبرالي، جمال عبدالناصر، هوشي مينه، تشي غيفارا، نيكروما، الثورة الجزائرية، بن بيلا، الثورة الفلسطينية بشهدائها وحركات التحرر الوطني في كل مكان. كان الحلم غنياً وطويلاً بأوطان وبشر أحرار يذهبون إلى مستقبل له ملامح التحقق والوطنية في ظل شعارات وحركات أممية متعددة.
ثورات الطلبة، قصائد الشعراء، صور الزعماء الأحرار، تتصدر القلوب والعقول وتمثل رعباً حقيقياً لمن كان يسمى بالأمس قوى الاستعمار وذيوله من المدعوين سابقاً بالعملاء والخونة.
اليوم يتبقى لنا ذكرى ما كان، ومن هذه الذاكرة المرهقة بخيباتها تكتب أحلام مستغانمي أعمالها الجديدة، أحلام المرأة الكاتبة في الأربعينيات من عمرها تكتب عن اليوم بذاكرة الأمس الذي لم يسقط بعد من وجدان جيل عربي بأكمله. تثير مخيلة القارئ الذي زامنها ليتذكر، وتهدي الجيل الصغير صورة تذكارية لم يعد يراها أو يتعرف عليها في مرآة واقعة في اللحظة الراهنة.
أحلام مستغانمي كانت شاعرة من الجزائر، عاشت وكتبت في باريس لزمن طويل. عرفتها الملتقيات الأدبية عبر نثرها، وشهاداتها الحية حول الأدب والجزائر والمرأة أكثر مما استمعت إلى شعرها وقصائدها. وجاءت بيروت مع النصف الثاني من التسعينيات لتعيش فيها مع عائلتها وزوجها اللبناني. ومع بيروت جاءت روايتها الأولى " ذاكرة الجسد" لتصنع رد فعل استثنائي وتلقيا مليئا بالمحبة من قبل القراء، والمثقفين، والجامعات والأوساط الأدبية والصحفية.
كنت قد التقيت بأحلام في ثلاثة ملتقيات، وثلاث مدن: عام 1988 في أغادير، وعام 1990 في فاس ، وعام 1995 في القاهرة، ومع ذلك لم أسمع لها نصاً شعرياً واحداً في تلك اللقاءات فقد كانت كلها شهادات حولها كامرأة، وكاتبة، ثم مواطنة جزائرية، وكان نثرها مفعماً بنكهته الخاصة وجمالياته الشاعرية حتى حينما تتحدث عن المطبخ، معاناة الكتابة أو كل تلك المجازر الدموية في وطنها وما يحدث لشعبها من فظاعات مرعبة لا تستثني أحداً من دمويتها حتى الشعراء، والروائيين، والمغنيين، والرسامين، والصحافيين، والأساتذة.
حينما فازت أحلام كروائية بكل ذلك التقدير الذي أحاط بعملها الروائي الأول "ذاكرة الجسد" سواء عبر الاحتفال بها في الجامعة الأميركية ببيروت، أو نيلها لجائزة من الجامعة الأميركية في القاهرة أو حتى الاحتفاءات العديدة بها كما قد كان في الشارقة، احتفى بها القراء أيضاً الذين صاروا يبحثون عن كتابها ويحفظون اسمها جيداً. ولكن أحلام لم تنج من التنكيل بها أيضاً عبر أقلام كتاب وكاتبات من جيلها في أكثر من منبر مثل الحملة التي قادها ضدها الشاعر اللبناني عبده وازن، وشهر زاد العربي، وغيرهم ممن لا تتوقف الذاكرة عندهم كثيراً.
البعض ربط ظاهرة نجاح روايتها بأحداث الجزائر وتعاطف الناس مع الشعب الجزائري في محنته الطويلة. والبعض ربط ذلك بكونها كاتبة تكتب الأدب باللغة العربية في بلد ما زال معظم نتاجه الروائي المحلي يترجم من الفرنسية إلى العربية. غير أن أحلام كانت ستثير الجدل بنجاحها الأدبي أيًّا كانت جنسيتها العربية، وخصوصاً إذا كانت من الدول الأطراف على تلك الخارطة الممتدة من الخليج حتى المحيط.
ما زالت الجوائز، والاحتفاءات الاحتفالية تذهب للجيل الأسبق من الشعراء والكتاب العرب ممن شاركوا في ريادة الحركة الأدبية الحديثة: عبدالرحمن منيف، عبدالوهاب البياتي، سعدي يوسف، نزار قباني، محمود درويش، نجيب محفوظ، أحمد عبدالمعطي حجازي، حنا مينا، الفيتوري، سليمان فياض، إحسان عباس، فاروق شوشة، فاروق جويدة، محمد عفيفي مطر، وكذلك الجيل الوسط من أمثال: جمال الغيطاني، إبراهيم أصلان، سعيد الكفراوي، يوسف القعيد، وغيرهم.
أما المحتفى بهن من الكاتبات فإما أن يكن من جيل الأجداد أو من مدن المركز المعترف بها كالقاهرة وبيروت، ودمشق فمن النموذج الأول جاء الإحتفاء بكل من لطيفة الزيات، وفدوى طوقان ومن النموذج الثاني جاء الإحتفاء بسلوى بكر، وحنان الشيخ، وميرال الطحاوي، وغيرهن.
لم تثر الجوائز، ومقالات المدح، والترجمات والاحتفالات بكل أولئك ما أثارته من قسوة في التلقي عند البعض في رد الفعل على الاحتفاء بأحلام مستغانمي وعملها الروائي الأول.
أحلام مستغانمي تكاد تكون الأولى في جيلها من الشاعرات العربيات في تلقي ذلك الاحتفاء فهل كان كونها إمرأة، شابة، جزائرية وشاعرة في الأصل سبباً لذلك التلقي المتهكم.
لقد التقت عقدة نوع الجنس، بعقدة الجغرافية مع عقدة نوع جنس الكتابة في نفوس العديد من جيلها ممكن يكتبون ويحاكمون في الوقت نفسه. الرواية تكاد تكون فحولتها ذكورية الجنس في الأوساط الأدبية العربية، أما الشعر الذي تكتبه المرأة فهو قابل في نظرهم للتجاهل أو الأحكام التملقية أحياناً أو أحكام الإعدام في أحوال أخرى.
إذن جريمة أحلام مستغانمي الأصلية هي كونها قد نجحت في إيصال صوتها ككاتبة أخيراً، إلى جماهير القراء ضمن جيل، وجغرافية، ونوع جنس ما زال مقنناً في صلاحيته ضمن أحكام نقاد مدن المركز.
في "ذاكرة الجسد" لعبت أحلام على أوتار العلاقة الثلاثية الأطراف، والحلم، والخيبات الرومانتيكية والسياسية في جو حملت شخصياته ملامح إبداعية: امرأة، رسام، وشاعر. وفي "فوضى الحواس"، عملها الروائي الثاني، تواصل أحلام ما كانت قد بدأته.
وهذه المرة تكتب أحلام مستغانمي لتؤكد على كونها روائية لا بفعل الكتابة من جديد، بل حرفياً حين تصر على أن بطلة العالم هي كاتبة روائية وهي أحلام نفسها التي كتبت "ذاكرة الجسد"، ويكاد عملها الثاني أن يكون تسجيلاً لذاكرتها عن عملها الأول. ربما كان نجاح العمل الأول صاعقاً، ومثيراً لشكوك ذاتية واضطراب إبداعي جعلها تريد التأكيد على ذلك النجاح عبر عمل جديد هو مسار كتابة أكثر منه مسار أحداث، وهواجس روح أكثر منه هواجس حب، وقلق إبداعي حقيقي يريد أن يقبض بيديه على ما سبق وتحقق لإعطاء تلك اللحظة زمناً أطول في سجل الشاعرة – الكاتبة أحلام مستغانمي.
تهدي الكاتبة عملها إلى عدد من شهداء الجزائر، وضحاياها، وتنطلق "بدءاً" من محاولة تخيل رواية جديدة، أو قصة تكتبها الكاتبة وتكتب ملاحظاتها حول الكتابة الروائية والشخصيات.
تحشد بين النصوص مقولات قصيرة لشعراء، وأدباء وشخصيات عامة تؤكد بها رؤاها عبر تلك الوقفات.
بين أمل الحب العشقي، وانهيار الوطن تتراوح أحلام بطلة القصة الرواية لتبني بناءً شعرياً خيالياً، قائماً على أساس الخيبة والهم فصلاً فصلاً في كتابها "فوضى الحواس"، وهناك أيضاً، حكمة العمر والتجربة وتأمل ما وصلت إليه الذات سواء في الحلم أو الرؤية النهائية للأشخاص ومسار الحياة وحال الوطن.
تقول الراوية "ولكن هذه المرة، توقعت إنني أذكي من أن أتعثر في قصة حب وضعها الأدب في طريقي، لا ليختبر قدري على الكتابة، وإنما ليختبر جرأتي على أخذ الكتابة مأخذ الحياة." ص (44).
جاءت قصة الحب الوهمية النسيج التي كتبتها أحلام من ذاكرة شاعرية – وشعرية ومن غموض الحب الرومانتيكي حيث أن تحب هو أن لا تعرف شيئاً.
بطلة القصة تبحث عن الحب وراء جدران الوهم، كثافة الظلام، حواس الشم وترتيبات القدر والمصادفة، تساق إلى علاقة غير حقيقية مع شخص لا تعرف اسمه ويكون في آخر الأمر شخصاً آخر افترضت أنها رأته في مصادفة سابقة.
ب وجودي يقوم على الحواس والحدس "الخائن" والخيانة ليقودها في مصادفة دموية إلى حب آخر لم تعرف شخصية بطله إلا حينما واراه القبر.
تقول الرواية "الحب يجلس دائماً على غير الكرسي الذي نتوقعه، تماماً، بمحاذاة ما نتوقعه حباً." ص (54).
في هذا البحث المحموم عن مادة عشقية على شكل رجل تفترض الكاتبة انتماءه للإبداع الفني والأدبي تكمل إصرارها على خلق قصة حب عن سابق تصميم وإصرار حيث تقول:
"أكثر من انبهاري بشخصية ذلك الرجل، ومساحة الظل فيها، كنت مبهورة بلقائنا المحتمل بين عتمة الحبر، وعتمة الحواس كلما تعمقت في هذه الفكرة كنت ازداد تصديقاً أو تورطاً في مقولة أندريه جيد، واثقة تماماً بكتابة قصة حب من الجمال إلى درجة لم يعد بها الجنون أية كاتبة قبلي!"
شيء ما في مقولة الرواية يعيد للذهن ذكرى قصة كوليت الخوري ونزار قباني في رواية "أيام معه"، وقصة غادة السمان وغسان كنفاني في روايات غادة الحارة في حقبة السبعينيات، ربما قفزت للذهن أيضاً. نماذج أخرى لمبدعات مثل: ليلى العثمان وزوجها السابق الأديب الفلسطيني، وخالدة سعيد وأدونيس، وسنية صالح ومحمد الماغوط، ورضوى عاشور ومريد البرغوثي، والعشق في ظل الغياب بين مي زيادة وجبران خليل جبران، ونجوم الغانم وخالد بدر عبيد، ومحمود درويش ورانيا قباني، وغيرها من نماذج لقصص حب وزيجات بين مبدعات ومبدعين شغلت بعضها مادة للكتابة الإبداعية ومحور من محاور الحياة المشتركة.
شهوة الحب تأخذ الكاتبة إلى نسيج رواية كان لها من الحالة الشعرية حظ أوفر من البناء القصصي. تقول أحلام "الحب هو الذي اشتهانا معاً"، وحلم ببطلين يشبهاننا تماماً، ليمثلا دوراً على هذا القدر من الغرابة." (ص86)
وبين ثنايا الحكاية تتدفق أحداث الموت والقتل المجاني في الجزائر، وحرب الخليج، وشظايا الوضع الفلسطيني واللبناني، تستجمع تلك الأحداث غضب وحزن الكاتبة وتسجيلاً لحالتها المعنوية تجاه تلك الأحداث، وبين ثنايا قصة الحب تحاول أن ترسم أحلام شخصية بطلها بغموضه وبهائه الخاص، وتقرر لنا حالة زوج البطلة كشخصية بوليسية عامة، وأخ البطلة الثائر على الأوضاع، وأمام البطلة التي تنتمي لزمن الأمس، وتجاه كل تلك الشخصيات والأحداث تبدو بطلة القصة شبه محايدة، شبه عاجزة، مخذولة الذات إلا فيما يتعلق في البحث عن شخصية المعشوق الضبابية.
في لعبة تعزيز الوهم تذهب بطلة القصة للحب مع بطل القصة الذي تفترض أنه نسخة شبه حية من "خالد" الرسام بطل قصتها الأولى "ذاكرة الجسد" لتكتشف أنه صحفي ومثقف من جيلها، جيل الخيبة، وأن حبها الحقيقي كان لصديقه "عبد الحق" صحفي آخر تم إغتياله في الجزء الأخير من الرواية دون أن تتعرف عليه الكاتبة، تقول الكاتبة:
"إن تذهب إلى موعد حب، وإذا بك مع شخص خارج توا من كتابك، يحمل الإسم نفسه، والتشويه الجسدي نفسه لأحد أبطالك، وأن تبقى برغم ذلك على اشتهائك نفسه له، لابد أن يترك في نفسك كثيراً من فوضى المشاعر وفوضى الأسئلة." ص (272)
وتقول أيضاً:
"وقرأت أيضاً، أن الكتابة تغير علاقتنا مع الأشياء، وتجعلنا نرتكب خطايا، دون شعور بالذنب، لأن تداخل الحياة والأدب يجعلك تتوهم أحياناً أنك تواصل في الحياة نصاً بدأت كتابته في كتاب. وأن شهوة الكتابة ولعبتها تغريك بأن تعيش الأشياء، لا لمتعتها وإنما لمتعة كتابتها." ص (308).
في "فوضى الحواس" حالة حلمية تعيش في ثنايا كوابيس عامة جمة. البحث عن الحب والتعلق بأمل إحياء النموذج – الحلم على أرض الواقع. محاولة إنقاذ للذات ورحلة بحث تعيشها طويلاً الكاتبة العربية وخصوصاً المرأة الشاعرة في ظل جنبات سهلة التوقع.
في جيلنا بالتحديد من جيل المبدعات العربيات – جيل أحلام مستغانمي – ربما نكون قد أحسسنا بعمق أنه تم اغتيال أحلامنا وآمالنا العامة كمواطنين ينتمون إلى الجغرافية العربية وفكرة الوطن، فهل تكون فكرة وهوس البحث عن معنى أعمق ووجود خاص وراء فكرة البحث عن المعشوق الغامض، الرجل – النموذج. الغرق في عاطفة مسكوبة على أرضية الخراب الجرداء والرمادية.
ربما في اختيار أحلام لبطل قصتها الرومانتيكي بأعضاء جسده المشوهة والمنكل بها نوع من الإعتراف بحالة العجز، والنقص، والخراب حتى في جسد الحب الذي لا يعني أحداً غير الشخص نفسه، العاشق أو العاشقة.
في كل الأحوال لا يبقى من كل ذلك سوى ذكرى الحزن: حزن النص، الوطن، والعشق الناقص.