الشاعر علم الدين بدرية
09-18-2008, 06:09 PM
* عندما يتداعى الصمت *
علم الدين بدرية
قراءة نقديّة في المجموعة الشّعريّة الأولى للشّاعرة ورد عقل ..( صمت )
من خلال عنوان الديوان وما اشتمل عليه من قصائد وومضات ، نلمس ثورة داخليّة عارمة تجتاح الشّاعرة ، نتيجة لما تحسّ به وتعانيه من قلق نفسي وإحباطات وصراعات تتراوح بين الصّمت والخروج من عزلة السّكوت لتنطلق في هذا البوح الآسر برقّته وجماله ، ونرى هذا في قولها :
كم أشتاقُ لصوتٍ / يُتقنُ فَنّ العزفِ / على وترِ النسيانْ / ويأخذني في رحلةِ / عشقٍ / تتجاوزُ تاريخ الأحزانْ ...
وما من شك أن الشّاعرة كغيرها من شعراء جيلها تعيش حالة من القلق والغربة والضياع الذي يفجّر في داخلها هذه الثّورة من الأحاسيس والمشاعر المتمرّدة ، تمرّد على كل شيء ، حتى على قلمها الذي هو الوسيلة التي ترسم بها ما يجيش في صدرها من أحاسيس ، وما يعتري فكرها من صور ، فها هي تصرخ عاليا بأن قلمها لم يعد يسعفها في رسم هواجسها وهمومها وترجمة مداركها وعواطفها في متاهات الحياة ، فأسمعها تقول :
قلمي تائهٌ / بين السطورِ / يبحثُ عن بريقٍ / بلونِ الصمتْ .. / وعن كلماتٍ تصرخُ دونَ صوتْ ...
إن الغربة التي تعاني منها الشّاعرة ، ما هي الا حتميّة من حتميات الغربة النفسية التي أفرزتها جراحات الزمن والحلم بغدٍ آخر يكون فيه اللقاء والبوح دون قيود وحدود ... تقول في ماتت عيناي :
ماتتْ عيناي / بحثًا عن بريقٍ / ينقذُني مِنَ الغرقْ ../ في فيض الحبر التائهِ / بين ثنايا الورقْ ../ ماتتْ .. ولم تجدْ إلاّ ../ ظلامًا / ونورًا شاحبًا / يلفظُ آخر رمقْ !!
نسافر مع شاعرتنا تمتعنا بأغنياتها ، فتشنف آذاننا وترقص معها أفئدتنا طربًا وأملاً ، طربًا لما في هذه القصائد من ومضات مشرقة تأسر القلوب في أفكارها وصورها ولغتها ، وأملاً لأنها تفجّر في داخلنا مكامن الجراح التي ما تلبث أن تلتئم حتى تستفيق من جديد ، فنحلم بغدٍ آخرَ وفجر آخر يشرق من خلف الغيوم وهي بذلك تقول :
بحبر المقل .. / رسمتُ كلماتي / وزيَّنتُ حروفها بالأملْ .. / فتاه العمرُ منّي بانتظار الصّدى ، وما زال قلبي / يغنّي ..!! / رغم أنّ صوتي قد جافاني ورحلْ ...
وبهذا العرض السّريع نكون قد استعرضنا بعض الومضات المتوهّجة في قصائد الديوان محلّقين مع شاعرتنا في أجواء علويّة استمتعنا فيها بسيمفونيّة معبّرة جدًا نتوق إلى مثلها من الشّاعرة ، غير أنه لا يفوتني أن أذكر شيئا عما خرجت به من انطباعاتٍ ، خاصة إذا ما نظرنا إلى قصائد الديوان من منظور فنّي ، وهذه الانطباعات تتعلق بنهج شاعرتنا الشّعري ولغتها وخيالها ..
النهج الشعري :
هذه المجموعة الشّعرية هي الأولى للشّاعرة ، وقد وقعت في سبعين صفحة من الحجم المتوسط ، واشتملت على سبع وأربعين مقطوعة وومضة شعريّة ليخرج الديوان لوحة متكاملة وصورة واحدة لأجزاء كثيرة ، ومن خلال اطّلاعي على هذه المجموعة ، أحسست أن الشّاعرة بدأت في نهج جديد للقصيدة ، فهي متحررة من النمط التقليدي للقصيدة العربية ،ولها لون خاص يميّزها عن غيرها ، وقد شمل هذا التجديد معظم قصائدها ...
لغتها الشعرية :
ونعني باللّغة الشّعرية ما تعارف عليه النقاد من استخدام الشّاعر لمكوّنات القصيدة اللفظيّة ذات التداعيات والدلالات الإيحائيّة ، وهو ما اتفقوا عليه بالمدلولات الانفعاليّة للكلمة ، وعليه ، فقد تميّزت لغة شاعرتنا بالشفافيّة والوضوح ، فهي بعيدة عن لغة التعتيم والتعقيد ، تلك اللّغة التي تلفّها الضبابيّة القائمة والرمزيّة المبهمة ، فلغتها ناصعة واضحة لا غموض فيها ، وتعبّر عن مضامينها بأسلوب هو أقرب إلى التصريح منه إلى التلميح ، حتى ولو كانت بومضات وكلمات قليلة ، هذا يعني أن الشّاعرة ذات منهج تعبيري سلس ، وقاموسها الشّعري لا يحتاج إلى كدّ ذهني وبحث في مجاهل اللغة ، وأنا أحيي شاعرتنا على الرؤى الواضحة والألفاظ المعبّرة بذاتها ، وقد لمّحت الشاعرة عن ذلك بقولها :
فلنحلمْ / حلمًا آخر / ونكتبُ شعرًا لا يتحطّمْ / شعرًا أعظمْ من حلمٍ ساذجْ /... يخترقُ ظلام الكلمة / إلى قصيدة / انتظرته وحيدة تتألمْ ، انتظرته دهورًا ولم تسأمْ ...
خيالها الشعري :
الخيال الشّعري هو قوة سحريّة وتركيبيّة تعمل مع الإرادة الواعية ، فهو مصحوب دائما بالوعي ، وفي داخله يتم التوحّد بين الفنان وبين المعطيات الخارجية ، وعن طريق تجميع هذه المستوعبات والمشاعر يعمل الخيال على خلق بناء خيالي متكامل ، ومن المنطلق السابق نجد شاعرتنا تنتقي العبارات العاطفيّة الراقيّة بالصور الشّعريّة الهامسة ، أستمع إليها تقول :
غزتْ كلماتكَ عينيّ / فسرقتْ كلّ دموعي ../واحتل صمتكَ عقلي / فأشعل ثورة بين ضلوعي ...
وفي نهاية المطاف ، بعد هذا الاستعراض القصير أنهي بهذه الكلمات التي تختصر فيها شاعرتنا الصور والقصائد الرّقيقة ، العميقة المعنى الجميلة الفحوى ، شكلاً ومضمونًا ..
كم توافدتْ / إلى عينيّ صورٌ لا أبتغيها!! /يلفُّ الحزنُ كلّ ما فيها ../ ويمقت الرائي طول البقاء / في ظل معانيها ../ صورٌ لا تنتمي إلى وطنٍ / يبثّ السّكينة في نواحيها / ولا تنتمي إلى الألوان وسحر تماهيها ../ صورٌ ستبقى رفيقة دربي / ورفيقة حزني / كلما حاولتُ أن أبعدها / تثورُ ذاكرتي وتُدنيها ...
لقد أسعدتني الشّاعرة بما جادت به قريحتها ، وحلّقت بي في خيالاتها العلويّة ، حيث أفكارها ولوحاتها المعبّرة المعطاءة ، ولا يسعني إلاّ أن أتمنى لها ديمومة الإبداع ، وآمل منها المزيد من العطاء المتجدد ، وإلى الأمام في الصعود من قمّةٍ إلى أخرى ..
علم الدين بدرية
قراءة نقديّة في المجموعة الشّعريّة الأولى للشّاعرة ورد عقل ..( صمت )
من خلال عنوان الديوان وما اشتمل عليه من قصائد وومضات ، نلمس ثورة داخليّة عارمة تجتاح الشّاعرة ، نتيجة لما تحسّ به وتعانيه من قلق نفسي وإحباطات وصراعات تتراوح بين الصّمت والخروج من عزلة السّكوت لتنطلق في هذا البوح الآسر برقّته وجماله ، ونرى هذا في قولها :
كم أشتاقُ لصوتٍ / يُتقنُ فَنّ العزفِ / على وترِ النسيانْ / ويأخذني في رحلةِ / عشقٍ / تتجاوزُ تاريخ الأحزانْ ...
وما من شك أن الشّاعرة كغيرها من شعراء جيلها تعيش حالة من القلق والغربة والضياع الذي يفجّر في داخلها هذه الثّورة من الأحاسيس والمشاعر المتمرّدة ، تمرّد على كل شيء ، حتى على قلمها الذي هو الوسيلة التي ترسم بها ما يجيش في صدرها من أحاسيس ، وما يعتري فكرها من صور ، فها هي تصرخ عاليا بأن قلمها لم يعد يسعفها في رسم هواجسها وهمومها وترجمة مداركها وعواطفها في متاهات الحياة ، فأسمعها تقول :
قلمي تائهٌ / بين السطورِ / يبحثُ عن بريقٍ / بلونِ الصمتْ .. / وعن كلماتٍ تصرخُ دونَ صوتْ ...
إن الغربة التي تعاني منها الشّاعرة ، ما هي الا حتميّة من حتميات الغربة النفسية التي أفرزتها جراحات الزمن والحلم بغدٍ آخر يكون فيه اللقاء والبوح دون قيود وحدود ... تقول في ماتت عيناي :
ماتتْ عيناي / بحثًا عن بريقٍ / ينقذُني مِنَ الغرقْ ../ في فيض الحبر التائهِ / بين ثنايا الورقْ ../ ماتتْ .. ولم تجدْ إلاّ ../ ظلامًا / ونورًا شاحبًا / يلفظُ آخر رمقْ !!
نسافر مع شاعرتنا تمتعنا بأغنياتها ، فتشنف آذاننا وترقص معها أفئدتنا طربًا وأملاً ، طربًا لما في هذه القصائد من ومضات مشرقة تأسر القلوب في أفكارها وصورها ولغتها ، وأملاً لأنها تفجّر في داخلنا مكامن الجراح التي ما تلبث أن تلتئم حتى تستفيق من جديد ، فنحلم بغدٍ آخرَ وفجر آخر يشرق من خلف الغيوم وهي بذلك تقول :
بحبر المقل .. / رسمتُ كلماتي / وزيَّنتُ حروفها بالأملْ .. / فتاه العمرُ منّي بانتظار الصّدى ، وما زال قلبي / يغنّي ..!! / رغم أنّ صوتي قد جافاني ورحلْ ...
وبهذا العرض السّريع نكون قد استعرضنا بعض الومضات المتوهّجة في قصائد الديوان محلّقين مع شاعرتنا في أجواء علويّة استمتعنا فيها بسيمفونيّة معبّرة جدًا نتوق إلى مثلها من الشّاعرة ، غير أنه لا يفوتني أن أذكر شيئا عما خرجت به من انطباعاتٍ ، خاصة إذا ما نظرنا إلى قصائد الديوان من منظور فنّي ، وهذه الانطباعات تتعلق بنهج شاعرتنا الشّعري ولغتها وخيالها ..
النهج الشعري :
هذه المجموعة الشّعرية هي الأولى للشّاعرة ، وقد وقعت في سبعين صفحة من الحجم المتوسط ، واشتملت على سبع وأربعين مقطوعة وومضة شعريّة ليخرج الديوان لوحة متكاملة وصورة واحدة لأجزاء كثيرة ، ومن خلال اطّلاعي على هذه المجموعة ، أحسست أن الشّاعرة بدأت في نهج جديد للقصيدة ، فهي متحررة من النمط التقليدي للقصيدة العربية ،ولها لون خاص يميّزها عن غيرها ، وقد شمل هذا التجديد معظم قصائدها ...
لغتها الشعرية :
ونعني باللّغة الشّعرية ما تعارف عليه النقاد من استخدام الشّاعر لمكوّنات القصيدة اللفظيّة ذات التداعيات والدلالات الإيحائيّة ، وهو ما اتفقوا عليه بالمدلولات الانفعاليّة للكلمة ، وعليه ، فقد تميّزت لغة شاعرتنا بالشفافيّة والوضوح ، فهي بعيدة عن لغة التعتيم والتعقيد ، تلك اللّغة التي تلفّها الضبابيّة القائمة والرمزيّة المبهمة ، فلغتها ناصعة واضحة لا غموض فيها ، وتعبّر عن مضامينها بأسلوب هو أقرب إلى التصريح منه إلى التلميح ، حتى ولو كانت بومضات وكلمات قليلة ، هذا يعني أن الشّاعرة ذات منهج تعبيري سلس ، وقاموسها الشّعري لا يحتاج إلى كدّ ذهني وبحث في مجاهل اللغة ، وأنا أحيي شاعرتنا على الرؤى الواضحة والألفاظ المعبّرة بذاتها ، وقد لمّحت الشاعرة عن ذلك بقولها :
فلنحلمْ / حلمًا آخر / ونكتبُ شعرًا لا يتحطّمْ / شعرًا أعظمْ من حلمٍ ساذجْ /... يخترقُ ظلام الكلمة / إلى قصيدة / انتظرته وحيدة تتألمْ ، انتظرته دهورًا ولم تسأمْ ...
خيالها الشعري :
الخيال الشّعري هو قوة سحريّة وتركيبيّة تعمل مع الإرادة الواعية ، فهو مصحوب دائما بالوعي ، وفي داخله يتم التوحّد بين الفنان وبين المعطيات الخارجية ، وعن طريق تجميع هذه المستوعبات والمشاعر يعمل الخيال على خلق بناء خيالي متكامل ، ومن المنطلق السابق نجد شاعرتنا تنتقي العبارات العاطفيّة الراقيّة بالصور الشّعريّة الهامسة ، أستمع إليها تقول :
غزتْ كلماتكَ عينيّ / فسرقتْ كلّ دموعي ../واحتل صمتكَ عقلي / فأشعل ثورة بين ضلوعي ...
وفي نهاية المطاف ، بعد هذا الاستعراض القصير أنهي بهذه الكلمات التي تختصر فيها شاعرتنا الصور والقصائد الرّقيقة ، العميقة المعنى الجميلة الفحوى ، شكلاً ومضمونًا ..
كم توافدتْ / إلى عينيّ صورٌ لا أبتغيها!! /يلفُّ الحزنُ كلّ ما فيها ../ ويمقت الرائي طول البقاء / في ظل معانيها ../ صورٌ لا تنتمي إلى وطنٍ / يبثّ السّكينة في نواحيها / ولا تنتمي إلى الألوان وسحر تماهيها ../ صورٌ ستبقى رفيقة دربي / ورفيقة حزني / كلما حاولتُ أن أبعدها / تثورُ ذاكرتي وتُدنيها ...
لقد أسعدتني الشّاعرة بما جادت به قريحتها ، وحلّقت بي في خيالاتها العلويّة ، حيث أفكارها ولوحاتها المعبّرة المعطاءة ، ولا يسعني إلاّ أن أتمنى لها ديمومة الإبداع ، وآمل منها المزيد من العطاء المتجدد ، وإلى الأمام في الصعود من قمّةٍ إلى أخرى ..