المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زاوية الأديب نجيب محفوظ


صفاء ابو صالح
09-08-2008, 02:17 AM
http://www.jawlany.com/photos/s0709200804.jpg

مخطوط رواية لنجيب محفوظ يعرض للبيع إلكترونيا
العرب اونلاين-07\09\2008

رغم عشرات الكتب والدراسات الأكاديمية التى تناولت أعمال الروائى المصرى الحاصل على جائزة نوبل نجيب محفوظ وحياته فإن حرصه على إخفاء محاولاته الإبداعية الأولى لم يفلح تماما فى منع وصول مخطوطة رواية "مجهولة" له إلى موقع إلكترونى يعرضها حاليا للبيع.
لكن محمد سلماوى رئيس اتحاد كتاب مصر والأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب هدد باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمنع بيع الرواية التى حدد لها الموقع الالكترونى ثمنا مبدئيا قدره خمسة آلاف جنيه استرلينى "48 ألف جنيه مصري" ويقول إن محفوظ كتبها فى سن السادسة عشرة. واشار الموقع الى ان المزاد ينتهى يوم 31 ديسمبر كانون الاول.
ويعرض موقع إكسكلوسيف بيدينج دوت كوم على الإنترنت الرواية المكتوبة على صفحات كراسة مدرسية وتبدو بياناتها مكتوبة على الغلاف بخط اليد كالتالي.. مؤلفات محفوظ "1" أما عنوان الرواية فكتب بخط كبير "الأحدب أو هارماكيس" وتحته بخط أصغر تاريخ الكتابة 1927.
ويقول الكاتب المصرى المقيم فى بريطانيا منير مطاوع الذى لفت الانتباه إلى هذا الأمر إن الرواية المجهولة "عبارة عن مذكرة تشمل حياة هارماكيس" خادم إيزيس الإلهة المرموقة فى العقيدة المصرية القديمة.
ورجح مطاوع أن تكون الرواية "أول محاولات صاحب نوبل فى الإبداع الروائى وتعتمد على التاريخ والأساطير المصرية القديمة. والمخطوطة التى يزيد عمرها على 80 عاما تحتاج إلى دراسة فاحصة من النقاد والباحثين إذ قد يترتب عليها إعادة النظر فى تاريخ وإبداع محفوظ".
وحسب المعلومات التى يوفرها الموقع عن المخطوطة فهى مكتوبة على وجهى أوراق الكراسة بخط اليد بقلم رصاص وأجزاء منها مكتوبة بالقلم الكوبيا.
ويقول محفوظ فى مقدمتها التى تحتوى على بعض الأخطاء النحوية "ها هو هارماكيس يصور لكم بقلمه شكلا من أشكال مصر قديما ويعترف بجرائمه التى أدت به إلى أسفل مكان يمكن الوصول إليه ويذكر الأسباب التى أدت لإجرامه. ترجمت تلك المذكرة من الكتابة الهيلوغرافية "كذا" إلى العربية بواسطة عالم عظيم ونقلتها فى صفحات روائية لما وجدت فيها من العظات البينات".
وتضم الرواية سبعة فصول ويسجل فى الصفحة قبل الأخيرة كلمتى "انتهت الرواية" فى حين كتب فى الصفحة الأخيرة.. "تظهر قريبا رواية "فيرونيكا" أو هدية التمثيل. تأليف نجيب محفوظ" لكنه محا "أو هدية التمثيل" بشكل غير كامل.
ولم ينكر سلماوى -الذى أنابه محفوظ عنه فى تسلم جائزة نوبل عام 1988- أن تكون هذه الرواية لمحفوظ مرجحا أن تظهر أعمال أخرى مجهولة لمحفوظ الذى " كتب "فى شبابه" قصصا كثيرة جدا ولم يرض عن بعضها بما فى ذلك ما نشر بالمجلات .. عندى تخطيطات لروايات "لمحفوظ" وأول قصة كتبها ونشرت فى مجلة المدرسة. كانت مجرد إرهاصات."
لكنه قال لرويترز إنه سيتخذ "على الفور" الإجراءات القانونية لمنع هذا البيع الذى "يقع تحت طائلة القانون. هذه الرواية "يجب أن" تعامل معاملة اللوحة المسروقة" مشددا على أن الورثة وحدهم هم أصحاب الشأن فيما ينشر وما لا ينشر من آثار الكاتب لمدة 50 عاما وبعدها تصبح أعماله تراثا إنسانيا.
وتجاهل محفوظ "1911-2006" مقالاته التى كتبها فى الثلاثينات وكثيرا من قصصه القصيرة المنشورة وغير المنشورة مستغنيا عنها برصيد إبداعى يضم حوالى 50 رواية ومجموعة قصصية ومسرحية قصيرة.
ولا تخلو بعض أعمال محفوظ من غموض إذ لم يكن يكتب تاريخ الانتهاء من أعماله باستثناء رواية "الكرنك" نهاية عام 1971 . ولعله كان يهدف بإثبات تاريخ الكتابة إبراء الذمة ونفى تهمة الانضمام إلى كثيرين كانوا مؤيدين لعبد الناصر ثم انتقدوا سياساته فى عهد خلفه أنور السادات.
وهناك لبس وغموض يحيط بالمجموعة القصصية الأولى لمحفوظ "همس الجنون" لكن نقادا مصريين منهم الراحل على الراعى تمكنوا من إثبات أنها نشرت لأول مرة فى الأربعينات حيث تتناول بعض قصصها آثار الحرب العالمية الثانية ورغم هذا يصر ناشراه القديم "مكتبة مصر" والجديد "دار الشروق" على أنها نشرت عام 1938 والتاريخ الأخير هو المثبت على قائمة أعماله.
وفسر البعض سلوك محفوظ بعدم اقتناعه ببعض ما نشره فى بداياته ولذا نسب قصص "همس الجنون" حين صدرت فى كتاب إلى تاريخ مبكر بأثر رجعي.
وأتاحت دار الشروق كتاباته الأولى "النادرة" فى القصة والفلسفة وغيرها للقراءة فقط فى موقع إلكترونى خاص به قائلة إن نشرها لا يتنافى مع رغبة محفوظ القديمة فى عدم نشرها فى كتاب ورقى وفى الوقت نفسه لا يحرم الباحثين أن يطلعوا عليها ويدرسوها.
ويمكن اعتبار بعض قصصه المبكرة غير المنشورة مثل "عفو الملك أسر كاف" و "عودة سنوهي" إرهاصات لرواياته الثلاث "عبث الأقدار" 1939 و"رادوبيس" 1943 و"كفاح طيبة" 1944 التى تناولت جانبا من الحضارة المصرية القديمة.

صفاء ابو صالح
09-13-2009, 04:59 PM
اختفت كتب نجيب محفوظ ... لكنّ أبطاله في الشارع
http://www.jawlany.com/photos/092009/w1309200905.jpg
عمار علي حسن * - الحياة - 13\09\2009
لم يستعر إبراهيم فرغلي، المسكون بعالم نجيب محفوظ وأسلوبه وشخصياته، اسم الترجمة الأجنبية لرواية «أولاد حارتنا» فقط، ليوسم بها روايته الأخيرة «أبناء الجبلاوي»، بل اقتطف من محفوظ الكثير، وتمثّله في الكثير من مواضع هذه الرواية ذات السرد المكتنز، الذي يراوح بين إسهاب غير ممل، وإيجاز غير مخل.

وما يجعل الإغراق في الوصف، والتطويل في السرد مقبولاً نسبياً في هذه الرواية ليست الحبكة الجاذبة، بل اللغة المحتفية بشاعرية تلفت بذاتها، منذ الصفحة الأولى، وكذلك بالرؤية الفلسفية التي تتشح بها الرواية، والمفارقة المدهشة التي تنطوي عليها، وعالمها الذي يسير ذهاباً وإياباً بين الواقع والخيال، وبين الماضي والحاضر، وكذلك شخصياتها التي تنمو وتتراجع، تتقلب وتثبت، تسقط وتقف، لكنها تشكل في مجموعها لوحة إنسانية جديرة بالتأمل.

لا يريد فرغلي في روايته، التي صدرت حديثاً عن دار «العين» في القاهرة في نحو 470 صفحة، أن يهدي القارئ حكاية مركزية تدور حولها سلباً وإيجاباً، بيسر أو بطريقة وافية، بل يغلفها بحكايات متوازية تارة، ومتداخلة طوراً، يغرق فيها أحياناً فيكاد أن ينسى «خيط السرد الأساس» ثم يطفو فيعود إلى جوهر ما يريد، وفي بعض الأحيان يوظف تلك الحكايات المتوازية والمتداخلة لخدمة المقصد الرئيس، الذي لا يزيد عن التحري عن اختفاء كتب نجيب محفوظ من المكتبات العامة والخاصة، وهو التخيل الصادم الذي يبدأه المؤلف بقوله: «اختفت كتب نجيب محفوظ ربما إلى الأبد، مثلما اختفت قارة أنتركتيكا، واندثار الفراعنة، والغياب في الزمن والموت».

وفي غمرة الضجيج الإعلامي، والتحرك الرسمي والأهلي، المحلي والدولي، المصاحب لهذا الحدث المتخيل تبدأ شخصيات روايات محفوظ في الظهور ليلاً في شوارع القاهرة، فرادى أو مجتمعة، في تفاعل عجائبي، كأن يلتقي «عاشور الناجي» بطل «ملحمة الحرافيش» «أحمد عبدالجواد» بطل «الثلاثية - «بين القصرين»، «قصر الشوق» و «السكرية» - ثم يلتقي هذان، الشخصيات الحقيقية للرواية، «كبرياء» و «نجوى» و «كاتب». وهي مسألة أقرب إلى «الفانتازيا»، لكنها ترسم الملامح الرئيسة لعالم محفوظ في احتفاء ظاهر، وحدب لا يفتر، يصل إلى ذروته حين يتألم السارد لاختفاء تمثال محفوظ نفسه، وحين يجود المؤلف بشخصية «كاتب الكاشف» الذي يحاول أن يحل هذا اللغز، فيدخل إلى «القبو»، الذي لطالما اتخذه محفوظ مكاناً لبعض أساطيره، من أجل مقابلة الفتوات والحرافيش، ليجدهم مهمومين بالبحث عن خلاص أنفسهم وبلدهم، تحت رعاية «رادوبيس»، وهي الشخصية الفرعونية التي كتب عنها محفوظ رواية حملت اسمها، واستدعى فيها الأساطير المصرية القديمة ووظفها في الإسقاط السياسي على واقع مصر في أربعينات القرن العشرين.

تكاد شخصيات فرغلي أن تتماهى مع نظيرتها عند محفوظ، فـ «كبرياء»، يبدو المعادل المعاصر لـ «عاشور الناجي»، فهو جاء إلى الحياة بفعل خطيئة أمه مع أبيه، فتربى في ملجأ للأيتام، ووافق رجل آخر هو «رفيق فهمي» أن يكون أباً له في الأوراق الرسمية، وهو عجوز يسرد مذكراته لـ «كبرياء»، الذي يعمل خطاطاً، فيسجلها له على ورق البردى.

أما «نجوى»، فتبدو هي المعادل المتنوع لكل النساء اللعوبات في روايات محفوظ وقصصه، وهو ما يتبين من وصف الراوي لها بأنها: «تعيش في مرحلة وسطى بين الحب والكراهية، ثم في منطقة أخرى بين الحب والريبة، ثم في مرحلة ثالثة من المرض النفسي والجنون». وعلى ضفاف هذه الصفات أو بفعلها، تملأ نجوى صفحات الرواية شبقاً مستعراً، يتمادى أحياناً إلى درجة التعمية على «بؤرة» الرواية، المتمثلة في فكرة مركزية وخيط سردي متتابع، يبهت ويزدهي، بحسب إرادة نجوى وغيرها، ممن يقحمون أنفسهم أحياناً على مسار السرد.

وكي تكتمل عملية التحري عن اختفاء كتب محفوظ، يتخذ فرغلي، راوياً عليماً، يسرد كل شيء، في إحاطة جلية، ثم يتمرد عليه، فتتعدد الأصوات، معلنة عن ذاتها بصراحة. فالبطل (الراوي) الذي يحمل اسم «كبرياء» يتوارى في الظل ويحل محله قرينه الذي يعلن: «لم يكن في خطتي أن أقوم بهذا السرد على الإطلاق، ولم يكن لديّ أي أدنى رغبة، لكنني أصبحت مضطراً لذلك بعد اختفاء «كبرياء»... قراري هذا مشبوه باغتصاب سلطة ليست من حقي، هي هنا سلطة السرد...». ثم لا يلبث هذا القرين أن يسلم راية السرد إلى غيره، وفي صيغة بالغة الصراحة تقول فيها الساردة الجديدة: «لن أعتذر عما فعلت، فبصفتي قرينة نجوى، كان عليّ أن أتسلم ناصية السرد من قرينة كبرياء». لكن الرواة، من الإنس والجن معاً، يصنعون عالماً شبه ملحمي، ويصيرون أدوات طيعة نسبياً في يد المؤلف، يوظفها في مغامرته الروائية، التي تقوم على تجريب في الشكل والمضمون معاً، وانتقال لاهث بين واقع مراوغ يشكل خلفية للرواية، وأسطورة غير مكتملة تصاغ على مهل.

في مفتتح الرواية يخبرنا المؤلف أنها «مختلقة كاملة من الخيال، بكل ما يدور بها من وقائع، وكل ما فيها من شخصيات»، ولكن حين يشرع في السرد يغرق في تفاصيل واقعية، وتبدو شخصياته المتخيلة مجرد أنماط بشرية متكررة. بل إن الشخصيات الأسطورية، التي سبق أن نحتها محفوظ فجعلها فرغلي من لحم ودم وعظام وأشواق وأحوال، تئن تحت وطأة واقع حسي موزع على الرواية بتدبير، ولا يقصد به في معظم الأحوال إلا تمجيد اللذة وإعلاء سلطان الجسد. وربما هي محاولة لتوفير نوع من الجاذبية لقارئ يبحث عن كسر المحرمات المعهودة. فالرواية تبدأ بجملة «شقت الصرخة صمت الليل، فانتفضت»، وبعد قليل نعرف أن هذه الصرخة ليست عن ألم، بل «لغة شهوانية لروح ترفل في نشوتها». وتنتهي الرواية بـ «متوالية صراخ» للسبب ذاته. وبين البداية والنهاية، يستمرئ المؤلف الاستغراق في وصف أجساد الفتيات ولحظات الشبق، التي تبدو في بعض المواضع غير موظفة فنياً بقدر كاف، وتقترب في مواضع أخرى من طريقة السرد الكلاسيكي، الذي كان معنياً بسد الفراغات، وطمس مساحات التخيل، عبر الإسهاب في الوصف والتجسيد، وهي مسألة قد لا تبدو مناسبة لرواية «مختلقة».

يتعدى تأثر فرغلي بأستاذه نجيب محفوظ، مجرد طريقة السرد التقليدية التي تجاوزها أبو الرواية العربية المعاصرة نفسه، ليتجلى في التناص مع محفوظ، عبر الاقتباس المباشر من نصوصه تارة، والتفاعل الخلاق مع قاموسه اللغوي وإعادة تشكيل مفرداته الثرية المشحونة بالدلالة، تارة أخرى، من دون مواربة ولا تورية. وهي مسألة ظاهرة عياناً في بعض عناوين أقسام الرواية، التي أخذت أسماء «صدى النسيان» و «الشيطان يعظ» و «أبناء الجبلاوي» و «حكاية بلا بداية ولا نهاية».

لكن هذا لا يعني أن فرغلي يفتقر إلى الصوت الخاص، فهو في النهاية كاتب راسخ الموهبة، يؤمن بأن الرواية تنحت معرفة ما، أو تعرضها في قالب سردي. ولأن المعرفة ذات طابع تراكمي، فإن روايته تلك تراكم على منتج محفوظ نصاً وأسلوباً وعالماً، من دون انسحاق أمامه، أو تسليم كامل بشروطه وطريقته. فعلى الأقل، إن معمار «أبناء الجبلاوي» يتمرد أحياناً على التقليد، ليبدو في مواضع عدة مختلفاً وحداثياً، ولو أدى هذا إلى حالة من التشظي أو التفكك والتعقيد وفقدان اليقين.

* كاتب مصري.