المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرة في التربية والتعليم !!!


منير فرو
08-31-2008, 07:10 AM
نظرة في التربية والتعليم !!!

بقلم منير فرّو

إتفق الفلاسفة والعلماء على أن العقل من الأشياء الأساسية للمعرفة، وكل شيء يتنافى معه فهو باطل، وثبت أيضا أن غذاء العقل العلم، وأن تنمية القوى العقلية للإنسان لا تكون إلا في طلب العلم، لأن بالعلم ينشط العقل ويقوى على ممارسة الوظائف العقلية،والتربية تبدأ من الصغر وعليه تقع المسؤولية الكبرى في تربية الولد وتعليمه على الأهل الوالد والوالدة لكونهما السبب في وجوده إلى فسيح الدنيا وهما الأقربون والراعون له فإذا كانت تربيته سليمة كانت فرحتهم به أكبر وبالعكس إذا كانت تربيته معوجة كانت حياتهم ذات نغص وعدم راحة عدا الشيم والعيب ولكن هناك فرق بين مفهوم التربية والتعليم، وعدم التمييز بينهما يؤدي إلى تشويش شخصية الطفل، لأنه لا يجوز تزويد الطفل بكل أنواع الثقافات قبل تهذيب أخلاقه وتهيئه للتعليم، والتعليم يكون على مراحل وحسب ميول الطفل، فالتربية تقوم على تهذيب سجايا الطفل الخلقية، وتعليمه المبادئ الأساسية الثابتة لتصوب أعماله وتوحي سلوكه في علاقاته مع الناس، وأما التعليم فهو تغذية الطفل بالمدنية التي جمعها الإنسان في شتى الحقول، وبذلك يتوفر له عناصر النشاط الفكري ويعرف حالة التمدن الحديث، فحسب قول ابن خلدون:" الإنسان مغروزة فيه غرائز كثيرة، تتغيّر بتغيّر بيئة الإنسان وثقافته، لأنه يتأثر بالأحوال والظروف المحيطة به ، مما يجعل له شأنا في صياغة أفكاره وأخلاقه وعاداته سلبا أو إيجابا ، وكل ذلك متعلق بالأمور التي تؤثر في مجرى حياته، ولإخلاف البيئات ومقوماتها وعناصرها الثقافية والاجتماعية والبيئية أثر كبير في اختلاف أفراد النوع الإنساني وتمايز سماتهم العقلية والبدنية" ، وكيف لنا التكيّف ؟ ونحن نعيش في دولة جاء سكانها من كل أصقاع الأرض،يغلب عليهم العلمانية اللادينية والرأسمالية الجشعة الإحتكارية كل منهم له عاداته، تقاليده ،أفكاره ومعتقداته، وكل منها يريد أن يجعلها في الصدارة وتطبيقها على أرض الواقع، مما يتنافى وتقاليدنا الشرقية الأصيلة، التي نفتخر بها ونعتز بمقوماتها، لأنها مبنية على تربية قويمه مرجعها المعتقد الديني النوراني، الإيماني والإشراقي الذي يدعو إلى توحيد الخالق والابتعاد عن الرذائل المهلكة للأرواح والأجساد، لذلك الأهواء والغرائز المتناقضة داخل الإنسان هي التي تتحكم في نفسه، وتوجّه سلوكه، وتحدد سماته الخلقية والفكرية، فبالإرشاد الصحيح، والتربية الصالحة، والتعليم القويم، يسهل توجيه النفس إلى الوجه السليم، الذي فيه الإنسان يرتقي في درجات العلم بحسن الأخلاق ولين الطبع، لذلك جاء المدلول اللغوي لمفهوم التربية من ربى ولده، والصبي يربه، ورباه أي أحسن القيام عليه حتى أدرك، فالتربية تعني تعهّد الطفل بالرعاية والتغذية المادية والمعنوية حتى يكبر ويصبح شابا، تلقى عليه مسؤولية الحياة، وعلى هذا الأساس اهتم الفلاسفة والعلماء في مفهوم التربية ، واجتهدوا في البحث في مضامينها العلمية، فيقول الفيلسوف الإغريقي أفلاطون : " التربية هي إعطاء الجسم والروح كل ما يمكن من الجمال، وكل ما يمكن من الكمال " ، وهذا يعتمد على الناحية الكمية من التربية، وذلك بمزاولة جميع الأنشطة العقلية والبدنية المؤدية لكمال الفرد، ويقول المعلم أرسطو: " الغرض من التربية هو أن يستطيع الفرد عمل كل ما هو مفيد وضروري في الحرب والسلم ، وأن يقوم بما هو نبيل وخيّر من الأعمال ليصل الى حد السعادة " ، وهذا يهتم بالناحية المهنية من التربية لما فيه منفعة الفرد وسعادته في دنياه ، لذلك وجب علينا جميعا من أجل خلق مجتمعا صالحا ومثقفا أن نعتني بتربية أولادنا على طريقة الأخلاق السليمة، البعيدة عن الرذيلة، لأنه لا ثقافة بدون أخلاق، وأقرب مثل على ذلك ما ضربه الإمام الغزّالي : " ومعنى التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك ، ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته ويكمل ريعه "، لأن الصبي في نظر الإمام الغزّالي أمانة عند والديه، وقلبه جوهرة نفيسة، ساذجة وخالية من كل نقش وصورة ، وهوقابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال عليه، فإن عوّد الخير وعلّمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة ، فالأهل هم المسؤولون أولا وآخرا عن تربية أولادهم، كما قال الملك سليمان الحكيم-ع -: "ربّي إبنك صغيرا تفرح به كبيرا " ، ولكن يجب أن نتفادى في تعليم أبنائنا الإكراه على التعليم دون التحبب إليه بشتى الوسائل، لأن إكراه الولد على ما يناقض مزاياه النفسية والخلقية يؤدي إلى قتل شخصيته، ويهدر طاقته، ويدفعه إلى المشاغبة والنفور، وبذلك نصاب بقول المثل : " اجا تايكحلها عماها " ، لأن التعامل مع الولد كالتعامل مع النفس دون استعمال العنف والقهر في مقاومتها للسمو بها إلى مطاف الخلق النبيل، وها نحن قد اقتربنا من بداية سنة دراسية جديدة ، عسى أن نحصد ثمار التعليم، ونجني من أبنائنا قطوفا كرملية، تنفعهم وتنفعنا، وتنفع غيرنا، في شتى المجالات الإجتماعية الطبية، الإقتصادية، والفنية،فلتكن عقولنا أرضا خصبة للتربية والتعليم والأخلاق الحسنة .