المخرج عدي عدوان
08-25-2008, 04:27 PM
"يوسي" شاب في مقتبل العمر يبلغ حوالي الخامسة والعشرين عاما , طويل القامة ومفتول العضلات, منذ بلوغه العشرين عاما كان يشغله الاهتمام بالجسد وإبراز العضلات . كان دائمًا يزعم أن كل هذا فقط لنفسه ولصحته الشخصية, لكن الحقيقة أن كل ما فعله على مرّ خمس سنوات, وكل المجهود الذي بذله طوال هذه السنوات كان له هدف واحد فقط : أن يجذب الفتيات إليه .. أجل فقط لهذا الهدف لا لغيره.
إضافة إلى ذلك فإن "يوسي" ليس اسمه الحقيقي .. اسمه يوسف لكنه لا يريد أن ينادونه بهذا الاسم لأن يوسف اسم عربي جدا في نظره.
كان دائمًا يرتدي ملابس ضيقة, ملتصقة جدًا بجسده فقط ليظهر وسامته وعضلاته القوية. دائما كنت تجده محاطا بلفيف من الفتيات الجميلات في هذا النادي الليلي أو ذاك. كان "يوسي" يتباهى جدا بنفسه وبما يملكه, مع أنه لم يعرف شيئًا سوى الجمال الخارجي وإبراز العضلات.
وهذا هو الموضوع الوحيد الذي شغل فكره والذي كان باستطاعته أن يتحدث عنه, لم يكن يعرف أنه في الحياة اليومية توجد أمور أخرى أكثر أهمية.
إذا صادفته في الطريق أو لمحته من بعيد, الشيء الوحيد الذي سيخطر ببالكُ وسيستحوذ على تفكيرك هو: "الله أيُّ رجلٌ قوي هذا " ولكن إذا حاولت الدخول معه في نقاش عادي وفيه شيء من الجدية لكنت ستغير رأيك فيه مباشرة. إذا هذا هو "يوسي"... !!!
كنت دائمًا أسأله : لماذا أنت بحاجة إلى كل هذا ؟ وماذا ستجني من وراء عملك هذا؟ لكني لم أحصل يومًا على إجابة جدية تُطفئ لهيب فضولي في المعرفة.
والحقيقة أنه في البداية لم أكن أهتم لكل ما يفعله "يوسي", لكن مع الوقت بدأت اعترض على كل ما فعله,
لا تعتقدوا أن هذه غيرة مني أو ما شابه .. ولماذا أغار منه ..؟! فأنا دائما كنت ضد المخدرات وكل ما يتعلق بها.
بدأ "يوسي" بتعاطي المنشطات والمخدرات من جميع الأنواع والنكهات. حقا لم يكن هذا من منطلق الغيرة... لماذا أغار منه ؟
لم أقابله منذ فترة بعيدة وفي أحيانٍ كثيرة كنت أتجاهله عن قصد, ذات يوم وعندما كنت مستلقٍ على الكنبة الصفراء الوحيدة التي أملكها في شقتي البائسة, وإذا بجرس الباب يدق ويوقظني من حلم في غاية الروعة,
اتجهت نحو الباب وأنا أكيل بعض الشتائم وألعن في داخلي ذلك الشخص الذي منعني من إتمام حلمي الجميل ومن التمتع بالاستلقاء على كنبتي الصفراء الوحيدة في شقتي البائسة.
فتحت الباب وإذا بي أرى "يوسي" أمامي يرتدي ملابس تختلف عن ملابسه السابقة الضيقة, الداكنة اللون التي كان يرتديها لإظهار عضلاته , لكنها ملابس مختلفة فيها بعض الأناقة .
سألته عن بدلته السوداء الأنيقة, لكن مرة أخرى لم أجد ردا جديا, للحظة اعتقدت بأن هذا الرجل الواقف أمامي هو عميل سري للموساد أو لأي شبكة تجسس أخرى, للحظة خلته نبيل أوروبي أو صاحب لقب إنجليزي.
بالرغم من كل هذا التغيير الخارجي لمظهره وطريقة لبسه إلا أنه بقي "يوسي" الذي أعرفه, لا يملك جوهر داخلي, بقي تافه كما هو بأفكاره وآفاقه الضيقة!
دخل "يوسي" الشقة , تمدد على الكنبة الصفراء الوحيدة التي لا أملك غيرها . ووجدت نفسي أقف أمامه بعد أن استولى بجسده الممدد على غالبية الكنبة.
رفع "يوسي" نظره إلي وأخبرني عن رغبته في مغادرة البلاد, يريد أن يسافر إلى مكان آخر كي يتقدم ويثبت نفسه, وادعى أنه سئم من الحياة المزيفة التي يعيشها منذ زمن... وكل هذا الوقت كنت واقفًا أرتدي عباءة الصمت.
الشيء الوحيد الذي شغل فكري وأثار فضولي حينها هو أنه كيف سيتدبر أمره في بلاد الغربة وهو الذي لا يعرف أي لغة أجنبية؟ بالرغم من أنه أخذ يتباهى أمامي بمعرفته للغة الأجنبية. أحقا يتكلم لغات ؟ سألت نفسي .. لا يُعقل ..!
لكني أعلم أن "يوسي" هو "يوسي", أنا لا أعلم متى أصدقه ومتى لا إلا أني متأكد أنه لا ينفع لشيء.
ترك "يوسي" شقتي بعد نصف ساعة من وقوفي المتواصل, بعد أن فاجأني بخبر سفره. بعد خروجه
قفزت على الكنبة الصفراء الوحيدة
"وأخيرًا الكنبة لي وحدي قفزت عليها كاللبؤة التي تدافع عن صغيرها" . صراحةً لم أفكر "بيوسي" كثيرًا في ذلك اليوم.
وهكذا مضت لها الأيام, اليوم تلو الأخر حتى وصلتني الرسالة الأولى من "يوسي" والتي يصف لي فيها حياته الجديدة, ومكان إقامته لكنه لم ينسى أن يخبرني عن مدى صعوبة العيش هناك وعن شوقه الشديد لبلاده..
لا أعلم أي شعور انتابني عند قراءة هذه الرسالة .. هل شعرت بالغيرة ؟ في الحقيقة لا أعلم إن كنت قد شعرت بالغيرة أم أني تجاهلته ... لأنه في ذلك الوقت كنت في مرحلة الانتقال لشقتي الجديدة الواسعة. وكنت قد اقتنيت لي أيضًا كنبة صفراء تشبه تلك التي كنت أملكها. وقد وجدت أيضًا عملاً جديدًا ومربحا, وبصراحة كنت مشغولا بأفكاري واهتماماتي الخاصة وبعيدا عن التفكير في "يوسي" ..
مضت الأيام وجاء الشتاء وانقضى, ومن بعده الربيع ومن ثم تبعه الصيف ولم يصلني أي خبر عن "يوسي" , لم أتلقى منه أية رسالة أو بطاقة ..
أحيانا كنت أفكر فيه, أفكر في "يوسي" مع الفتيات الجميلات في تلك النوادي الليلية , وأنا كنت هناك أجلس في إحدى الزوايا المظلمة منطوي على نفسي.
اعتقد أن جميعهم قد نسوا "يوسي" .. أو لا أدري .. من الممكن أن يكون قسم منهم ما زال على علاقة معه ويفكرون فيه مثلي ..
كان البرد قارصا جدا في الشتاء, كنت متكورا على كنبتي الصفراء أمام التلفاز أل 34 انش الذي أملكه أشاهد فيلم
"كوما ندوا" للممثل "آرنولد شوورزينغر" ,كنت أحدق في عضلات هذا الرجل واستغرب لقدرته على حمل شجرة كاملة بيد واحدة على كتفه .. عندها تذكرت "يوسي" , أول سؤال خطر بذهني من بين عدة أسئلة داهمتني في تلك اللحظة:هل يستطيع "يوسي" أن يقوم بذلك ؟ هل
سيأتي يوم وأرى فيه "يوسي" يستخدم موهبته في التمثيل , هذا إذا كان حقا يملك مثل تلك الموهبة, ليصبح نجما سينمائيا محبوبا ؟
أنا لن أحسده إذا أصبح نجما مشهورا, ولماذا أغار منه ؟ بل أني سأخبر الجميع بأنه صديقي.. ليس لكل منا أصدقاء من الممثلين المشهورين... ربما سيكون لي صديق كهذا ! يا الاهي ولفيف الفتيات حولي في المقهى يستمعون الى أحاديثي عن صديقي يوسي وعن الصداقة بيننا,وربما سأحضى بتلك أو بأخرى.
طرقة صغيرة على الباب جعلتني أقفز من مكاني, ومرة أخره شتمت ذلك الذي أخرجني من دفء الغطاء الصوفي الذي تكورت تحته. فتحت الباب ووجدت أمامي رجل هزيل , وجهه أصفر ,عيناه صغيرتان غائرتان. في البداية لم أعرفه, وسألت هذا الشخص الواقف أمامي عما يريده.
-أنت لم تعرفني ؟ رفع هذا الرجل نظره إلي وسألني, لكني تعرفت على صوته من أول كلمة نطق بها.
- "يوسي" ؟ أهذا أنت ؟ سألته بمفاجأة مصطنعة.
- نعم هذا أنا. أجابني وفي صوته رنة حزن.
وقفت أمامه لبضعة لحظات لا أحرك ساكنًا, في تلك اللحظة شعرت أن أحدهم سكب عليّ مياه باردة في "عز الشتاء" .. جمدت كالصخرة في مكاني...
"يا إلهي كم تغير هذا الإنسان" همست لنفسي. ماذا عن الممثل ...مفتول العضلات ... ؟ ماذا سأقول للجميع ..؟ إن صديقي لن يكون ممثلا بعد الآن ! وماذا عن الفتيات في المقهى؟؟؟
- أدخل .. أدخل "يوسي". قلت له.
دخل "يوسي" وجلس على الكنبة الصفراء الجديدة , وجلست أنا بجواره.
مثير ما فكرت فيه في تلك اللحظة, نحن الاثنان نجلس على نفس الكنبة.
- ماذا جرى لك ..؟ سألته بفضول وعيناي تقدحان النار ويداي ترتجف من خيبة أملي في يوسي وبألعلم بأنه قد أفسد حلمي والفتيات الحسنوات في المقهى.
فبدأ يحدثني عما جرى له ,عن قلة النقود ,عن حظه السيئ , وكيف أنه لم يوفق في أي عمل لأنه لا يعرف لغات .. والأهم من ذلك أنه توقف عن تعاطي المخدرات, وعن التمارين التي لم يعد يثق فيها وهذا ما جعل جسمه يذبل كذبول الزهور في فصل الخريف..
هذه هي المرة الأولى التي أشعر فيها بالأسى وبالشفقة على ذلك الشخص "يوسي", وشعرت أنه ليس "يوسي" الذي أعرفه منذ زمن, هذا شخص آخر .. غريب.
عرضت عليه أن ينام عندي لبضع ليال..أردت أن أساعده, وبما أنه يوجد لدي كنبة أخرى.. !
قبل منامه وهو ملتقي على الكنبة يحدق في سقف الغرفة سألته ما لم يكن يتوقعه وفي فمي رسمة الخبث والابتسامة الصفراوية.
- كيف تريد بأن اناديك؟ يوسي أم يوسف؟
حدق بي يوسي طويلا ثم قال دون مبالاة : لا مانع عندي بأن تناديني يوسف...تصبح على خير.
نام يوسف على الكنبة الصفراء القديمة في شقتي, وقفت أمام المرآة ونظرت إلى انعكاس صورتي فيها, حدقت في رأسي الأصلع, في جسمي الهزيل, في الانحناءة الصغيرة في ظهري ... وشعرت برضا تام, ألقيت نظرة متفحصة على "يوسي" "يوسف" النائم هناك, وابتسمت, ربما هي المرة الأولى التي لم أشعر فيها بالغيرة من ذلك الكائن على كنبتي الصفراء المجودة في شقتي.
إضافة إلى ذلك فإن "يوسي" ليس اسمه الحقيقي .. اسمه يوسف لكنه لا يريد أن ينادونه بهذا الاسم لأن يوسف اسم عربي جدا في نظره.
كان دائمًا يرتدي ملابس ضيقة, ملتصقة جدًا بجسده فقط ليظهر وسامته وعضلاته القوية. دائما كنت تجده محاطا بلفيف من الفتيات الجميلات في هذا النادي الليلي أو ذاك. كان "يوسي" يتباهى جدا بنفسه وبما يملكه, مع أنه لم يعرف شيئًا سوى الجمال الخارجي وإبراز العضلات.
وهذا هو الموضوع الوحيد الذي شغل فكره والذي كان باستطاعته أن يتحدث عنه, لم يكن يعرف أنه في الحياة اليومية توجد أمور أخرى أكثر أهمية.
إذا صادفته في الطريق أو لمحته من بعيد, الشيء الوحيد الذي سيخطر ببالكُ وسيستحوذ على تفكيرك هو: "الله أيُّ رجلٌ قوي هذا " ولكن إذا حاولت الدخول معه في نقاش عادي وفيه شيء من الجدية لكنت ستغير رأيك فيه مباشرة. إذا هذا هو "يوسي"... !!!
كنت دائمًا أسأله : لماذا أنت بحاجة إلى كل هذا ؟ وماذا ستجني من وراء عملك هذا؟ لكني لم أحصل يومًا على إجابة جدية تُطفئ لهيب فضولي في المعرفة.
والحقيقة أنه في البداية لم أكن أهتم لكل ما يفعله "يوسي", لكن مع الوقت بدأت اعترض على كل ما فعله,
لا تعتقدوا أن هذه غيرة مني أو ما شابه .. ولماذا أغار منه ..؟! فأنا دائما كنت ضد المخدرات وكل ما يتعلق بها.
بدأ "يوسي" بتعاطي المنشطات والمخدرات من جميع الأنواع والنكهات. حقا لم يكن هذا من منطلق الغيرة... لماذا أغار منه ؟
لم أقابله منذ فترة بعيدة وفي أحيانٍ كثيرة كنت أتجاهله عن قصد, ذات يوم وعندما كنت مستلقٍ على الكنبة الصفراء الوحيدة التي أملكها في شقتي البائسة, وإذا بجرس الباب يدق ويوقظني من حلم في غاية الروعة,
اتجهت نحو الباب وأنا أكيل بعض الشتائم وألعن في داخلي ذلك الشخص الذي منعني من إتمام حلمي الجميل ومن التمتع بالاستلقاء على كنبتي الصفراء الوحيدة في شقتي البائسة.
فتحت الباب وإذا بي أرى "يوسي" أمامي يرتدي ملابس تختلف عن ملابسه السابقة الضيقة, الداكنة اللون التي كان يرتديها لإظهار عضلاته , لكنها ملابس مختلفة فيها بعض الأناقة .
سألته عن بدلته السوداء الأنيقة, لكن مرة أخرى لم أجد ردا جديا, للحظة اعتقدت بأن هذا الرجل الواقف أمامي هو عميل سري للموساد أو لأي شبكة تجسس أخرى, للحظة خلته نبيل أوروبي أو صاحب لقب إنجليزي.
بالرغم من كل هذا التغيير الخارجي لمظهره وطريقة لبسه إلا أنه بقي "يوسي" الذي أعرفه, لا يملك جوهر داخلي, بقي تافه كما هو بأفكاره وآفاقه الضيقة!
دخل "يوسي" الشقة , تمدد على الكنبة الصفراء الوحيدة التي لا أملك غيرها . ووجدت نفسي أقف أمامه بعد أن استولى بجسده الممدد على غالبية الكنبة.
رفع "يوسي" نظره إلي وأخبرني عن رغبته في مغادرة البلاد, يريد أن يسافر إلى مكان آخر كي يتقدم ويثبت نفسه, وادعى أنه سئم من الحياة المزيفة التي يعيشها منذ زمن... وكل هذا الوقت كنت واقفًا أرتدي عباءة الصمت.
الشيء الوحيد الذي شغل فكري وأثار فضولي حينها هو أنه كيف سيتدبر أمره في بلاد الغربة وهو الذي لا يعرف أي لغة أجنبية؟ بالرغم من أنه أخذ يتباهى أمامي بمعرفته للغة الأجنبية. أحقا يتكلم لغات ؟ سألت نفسي .. لا يُعقل ..!
لكني أعلم أن "يوسي" هو "يوسي", أنا لا أعلم متى أصدقه ومتى لا إلا أني متأكد أنه لا ينفع لشيء.
ترك "يوسي" شقتي بعد نصف ساعة من وقوفي المتواصل, بعد أن فاجأني بخبر سفره. بعد خروجه
قفزت على الكنبة الصفراء الوحيدة
"وأخيرًا الكنبة لي وحدي قفزت عليها كاللبؤة التي تدافع عن صغيرها" . صراحةً لم أفكر "بيوسي" كثيرًا في ذلك اليوم.
وهكذا مضت لها الأيام, اليوم تلو الأخر حتى وصلتني الرسالة الأولى من "يوسي" والتي يصف لي فيها حياته الجديدة, ومكان إقامته لكنه لم ينسى أن يخبرني عن مدى صعوبة العيش هناك وعن شوقه الشديد لبلاده..
لا أعلم أي شعور انتابني عند قراءة هذه الرسالة .. هل شعرت بالغيرة ؟ في الحقيقة لا أعلم إن كنت قد شعرت بالغيرة أم أني تجاهلته ... لأنه في ذلك الوقت كنت في مرحلة الانتقال لشقتي الجديدة الواسعة. وكنت قد اقتنيت لي أيضًا كنبة صفراء تشبه تلك التي كنت أملكها. وقد وجدت أيضًا عملاً جديدًا ومربحا, وبصراحة كنت مشغولا بأفكاري واهتماماتي الخاصة وبعيدا عن التفكير في "يوسي" ..
مضت الأيام وجاء الشتاء وانقضى, ومن بعده الربيع ومن ثم تبعه الصيف ولم يصلني أي خبر عن "يوسي" , لم أتلقى منه أية رسالة أو بطاقة ..
أحيانا كنت أفكر فيه, أفكر في "يوسي" مع الفتيات الجميلات في تلك النوادي الليلية , وأنا كنت هناك أجلس في إحدى الزوايا المظلمة منطوي على نفسي.
اعتقد أن جميعهم قد نسوا "يوسي" .. أو لا أدري .. من الممكن أن يكون قسم منهم ما زال على علاقة معه ويفكرون فيه مثلي ..
كان البرد قارصا جدا في الشتاء, كنت متكورا على كنبتي الصفراء أمام التلفاز أل 34 انش الذي أملكه أشاهد فيلم
"كوما ندوا" للممثل "آرنولد شوورزينغر" ,كنت أحدق في عضلات هذا الرجل واستغرب لقدرته على حمل شجرة كاملة بيد واحدة على كتفه .. عندها تذكرت "يوسي" , أول سؤال خطر بذهني من بين عدة أسئلة داهمتني في تلك اللحظة:هل يستطيع "يوسي" أن يقوم بذلك ؟ هل
سيأتي يوم وأرى فيه "يوسي" يستخدم موهبته في التمثيل , هذا إذا كان حقا يملك مثل تلك الموهبة, ليصبح نجما سينمائيا محبوبا ؟
أنا لن أحسده إذا أصبح نجما مشهورا, ولماذا أغار منه ؟ بل أني سأخبر الجميع بأنه صديقي.. ليس لكل منا أصدقاء من الممثلين المشهورين... ربما سيكون لي صديق كهذا ! يا الاهي ولفيف الفتيات حولي في المقهى يستمعون الى أحاديثي عن صديقي يوسي وعن الصداقة بيننا,وربما سأحضى بتلك أو بأخرى.
طرقة صغيرة على الباب جعلتني أقفز من مكاني, ومرة أخره شتمت ذلك الذي أخرجني من دفء الغطاء الصوفي الذي تكورت تحته. فتحت الباب ووجدت أمامي رجل هزيل , وجهه أصفر ,عيناه صغيرتان غائرتان. في البداية لم أعرفه, وسألت هذا الشخص الواقف أمامي عما يريده.
-أنت لم تعرفني ؟ رفع هذا الرجل نظره إلي وسألني, لكني تعرفت على صوته من أول كلمة نطق بها.
- "يوسي" ؟ أهذا أنت ؟ سألته بمفاجأة مصطنعة.
- نعم هذا أنا. أجابني وفي صوته رنة حزن.
وقفت أمامه لبضعة لحظات لا أحرك ساكنًا, في تلك اللحظة شعرت أن أحدهم سكب عليّ مياه باردة في "عز الشتاء" .. جمدت كالصخرة في مكاني...
"يا إلهي كم تغير هذا الإنسان" همست لنفسي. ماذا عن الممثل ...مفتول العضلات ... ؟ ماذا سأقول للجميع ..؟ إن صديقي لن يكون ممثلا بعد الآن ! وماذا عن الفتيات في المقهى؟؟؟
- أدخل .. أدخل "يوسي". قلت له.
دخل "يوسي" وجلس على الكنبة الصفراء الجديدة , وجلست أنا بجواره.
مثير ما فكرت فيه في تلك اللحظة, نحن الاثنان نجلس على نفس الكنبة.
- ماذا جرى لك ..؟ سألته بفضول وعيناي تقدحان النار ويداي ترتجف من خيبة أملي في يوسي وبألعلم بأنه قد أفسد حلمي والفتيات الحسنوات في المقهى.
فبدأ يحدثني عما جرى له ,عن قلة النقود ,عن حظه السيئ , وكيف أنه لم يوفق في أي عمل لأنه لا يعرف لغات .. والأهم من ذلك أنه توقف عن تعاطي المخدرات, وعن التمارين التي لم يعد يثق فيها وهذا ما جعل جسمه يذبل كذبول الزهور في فصل الخريف..
هذه هي المرة الأولى التي أشعر فيها بالأسى وبالشفقة على ذلك الشخص "يوسي", وشعرت أنه ليس "يوسي" الذي أعرفه منذ زمن, هذا شخص آخر .. غريب.
عرضت عليه أن ينام عندي لبضع ليال..أردت أن أساعده, وبما أنه يوجد لدي كنبة أخرى.. !
قبل منامه وهو ملتقي على الكنبة يحدق في سقف الغرفة سألته ما لم يكن يتوقعه وفي فمي رسمة الخبث والابتسامة الصفراوية.
- كيف تريد بأن اناديك؟ يوسي أم يوسف؟
حدق بي يوسي طويلا ثم قال دون مبالاة : لا مانع عندي بأن تناديني يوسف...تصبح على خير.
نام يوسف على الكنبة الصفراء القديمة في شقتي, وقفت أمام المرآة ونظرت إلى انعكاس صورتي فيها, حدقت في رأسي الأصلع, في جسمي الهزيل, في الانحناءة الصغيرة في ظهري ... وشعرت برضا تام, ألقيت نظرة متفحصة على "يوسي" "يوسف" النائم هناك, وابتسمت, ربما هي المرة الأولى التي لم أشعر فيها بالغيرة من ذلك الكائن على كنبتي الصفراء المجودة في شقتي.