المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سباط الرقيب عزيز


نبيه حلبي
08-20-2008, 08:56 PM
سباط الرقيب عزيز
بني غامق كان لون السباط ووجه الرقيب اسمر, أسود العينين عظمي الوجه يوحي لك ومن نظرتك الأولى له بأنه لم يبتسم أبدا في حياته, هكذا على الأقل تبدى لأهل مجدل شمس الذين حكمهم الدر كي الكبير الرقيب عزيز قبل هزيمة حزيران 67 . فقبل النكسة ولبضع سنوات قبلها , ولأن المجدل بلدة حدودية , فرزت الدولة ليحكم المجدل أكثر الرقباء صلفا وقسوة, وتبين بعد ذلك أنه أكثرهم طمعا وشراهة وفسادا.

وهذا ما أسرت لي به امرأة عمي سلمى وهي تحدثني عن معاناتها الشخصية وعمي في زمن الرقيب عزيز, زمن كان يمسح له سباطه عند الصباح الدر كي ليصبح أنظف بكثير من وجه ماسحه, وبعدها يمتطي حصانه برفقة بعض الدرك ومعه معاونه ومخبره وحيد ابن المجدل, ليقوم بجولته الروتينية في أزقة المجدل منكلا بفقرائها متملقا لوجهائها عابثا بالممتلكات البسيطة قبل الكرامات والأعراض ناكزا وراكلا بسباطه كل خارج عن القانون بنظره.

• * كان خنزير يا قباري* قالتها بانفعال أرملة المرحوم عمي وشرحت لي بعدها كيف كان يحوم حول البيوت الترابية باحثا عن اقل المخالفات ليطلق أحكامه الميدانية الفورية إما بالتغريم أو الفلقة أو أحسن غنائمه كانت ليرة ذهب عصملية لمن ارتكب الفحشاء وهرب تنكة "دامة" لسد رمق جوع أطفاله بالشتاء.

قالت وكان هذا الظلم الذي مر عليها كان البارحة وليس قبل أربعين عام *يا سندي كان مرة يشلحنا بساط ومرة صلخ ومرة لحاف, كنا بس نسمع صوتو نقوم نخبي غراضنا متل المجانين لحتى ما ياخذهم*
وقالت بان احد الأيام باغتها صباحا وقد أنهت لتوها شطف بضع درجات الدار بنصف سطل ماء جلبته على رأسها ماشية من عين الضيعة فنهرها قائلا : لماذا هذا التبذير بالماء يا سلمى؟ فأجفلت وربط الخوف لسانها فتدخل عمي معتذرا مستميحه عذرا بأنها (ما بتفهمش وغشيمة) فرفض الرقيب عزيز هذا الاعتذار وأصر على العقاب الشديد, فركضت زوجة عمي مستنجدة بوحيد الذي هو ابن خالها على كل حال ترجوه أن يتوسط لها لمنع العقاب أو تخفيفه على الأقل, فرمق بدوره وحيد الرقيب عزيز بلؤم وخباثة انه يريد الحديث معه على انفراد, وبعدما توشوشا برهة عاد وحيد لينقل لهما العقاب المخفف وهو أن يجلبا ديك مطبوخ للرقيب وسيصفح عنهما وإلا غضب الله والدولة والرقيب سينزل عليهما, فنظر عمي إلى وجه زوجته الذي ملأته الدمعات ليعرف حجم الصدمة عندها أيضا وهما البائسان الفقيران اللذان لا يملكان من الكائنات الحية سوى ثلاثة أطفال... فمن أين سيأتيان بالديك؟

*حاضر يا سيدي عالعشا بيكون الديك جاهز* قالها أبو هايل وطلب من زوجته بعد رحيل الرقيب عزيز ودركه

ومعاونه أن تذهب إلى جيرانه بيت أبو زيد لتستقرض ديك فذهبت واستجدت وعادت دامعة خائبة, فطلب منها ثانية أن تنزل لجيرانهم بيت أبو جبل لان عندهم دجاج فذهبت وعادت وبيدها الديك بعدما أكرموها وما كسروا بخاطرها.

وطبخ الديك ونجت فرشة عمي أبو هايل هذه المرة. وتعشى الرقيب ومعاونه وضحكا حتى أوشكت خاصرتهما على الانفجار على أم هايل كيف كانت تلوب خائفة ومرعوبة تترجى الرقيب أن يرحمها, ونام الرقيب عزيز بعدما أعيته التخمة وعلق له الدركي السباط جنب الباب لينام تحته وليتقلب في نومه منزعجا من صوت شخير الرقيب عزيز.

شدة الانفجار في الصباح أوقعت الرقيب عن سريره, فهرع فاتحا الباب ليرى ما يحدث وكانت انفجارات القذائف تتوالى حول المخفر والبلدة, فأمر جنوده بالانسحاب فورا وقفز على حصانه هاربا نحو الشرق لإدراكه أن إسرائيل تهاجم المجدل, فقطع سهلة الكروم بدقائق ليصل تله ظهر الحداد فتوقف وأمر الدرك بأخذ قسط من الراحة. ونزل عن ظهر حصانه فصاح بألم*أخ* وإذ به يضع قدمه في جب شوك .فانتبه بأنه حافي القدمين, فصاح بالدركي الذي ألقى بنفسه تحت صخرة وهو يلهث بشدة بسبب ركضه السريع المتواصل خلف خيل الرقيب عزيز...*أين السباط يا كلب* فرد الدركي بعدما استعاد بعض أنفاسه *يمكن نسيته معلق ورا الباب سيدي*

فأشاح الرقيب بوجهه غربا نحو المجدل وقد امتقع احمرارا من شدة الألم والتعب والخوف ليدرك انه بالفعل نسي سباطه الغالي على قلبه بالمخفر بسبب خوفه وارتباكه وليرى بان القصف توقف وليرى أيضا صدفة بيت عمي أبو هايل وقد اعتلى عمي سطحه ليتفقد الأضرار وبدا يحرك المدحلة لمدارات بعض الشقوق في السطح الطيني لبيته, فنظر إلى عمي بغضب وأكمل الهرب شرقا ليعلم بعد ذلك بان المجدل سقطت وأيضا مسعدة وبقعاثا وعين قنيا وليعلم بعد ذلك أيضا بان أبو هايل أولاده وأولاد إخوته سجنوا لمقاومتهم الاحتلال, وليعلم ويرى بعد سنين وهو في سن متأخرة عبر الأخبار وشاشات التلفاز أن المجدل تطورت وازدهرت وصارت أغنى حيث تملأها المرافق الاقتصادية وتعج شوارعها بالسيارات والصبايا الفاتنة الجميلة, فأصر على أن يدخل ابنه البكر طارق سلك الأمن ليصبح دركي برتبة معتبرة ليكون جاهزا في أي وقت لحكم المجدل بعد التحرير وليؤدب ويربي الجيل الجديد على طريقته المميزة, وليأكل تفاحة مجدل شمس الشهية كما لم يأكلها احد من قبل حتى أبيه الذي وعده بان يعيد له ولسباطه الهيبة والتقدير الذي يستحقانه...

صفاء ابو صالح
08-20-2008, 09:10 PM
صورت ههنا المشاهد بأجمل الصور الأدبيه
سلمت وسلمت أناملك
ودام مدادك بفيض بأجود الحبر والأدب

عبدالوهاب موسى
09-30-2008, 09:45 PM
حكى ماتع عن فترة لاأعادهاا الله
عندكم وعندنا عند العرب
دمت مهموما
ولى عودة
محبنتى فى الله لك