معين حاطوم
08-15-2008, 08:10 PM
كأن يكون
في انتظار ابراهيم الخليل
تداعيات
السلام عليكم ،
تعرَّفوا إلي من فضِلكم !
أنا أحدُهم ... !
واحدٌ من هذا العالم ..!
لا يعرفني أحدٌ من الناس !
وأنا لا أعرف أحداً منهم ...
واحدٌ من مليارات البشر الذين نعرف عن وجودهم من المعلومات المتيسرة لنا طريق الصدفة .
المشكلة الأساسية في طلبي إليكم بأن تتعرفوا إلى ، هو ، أنني لا أعرف السبب الحقيقي لهذا الطلب ... !
إنه مجرد طلب لا قيمة له البتة ... ولا غاية لي منه سوى الفضول ، أو لربما التطفل ، أو التدخل بشؤون نباهتكم وانتباهكم ، الذي هو ملككُم الشخصي ! .
حقيقة ، لا أعرف لماذا اطلب منكم أن تتكرموا علي بأن تتعرفوا إلي ... خاصة وإنني أنا نفسي أستصعب التعرف على هذا الأنا المسمى نفسي ...
فليكن ..!
مهمٌ لي جداً بأن تعلموا ، بأنني غير جاد مائة بالمائة في توجهي هذا .... وأنني في الحقيقة ، لا اعرف فيما أذ كان ما أقوم به الآن هو اندفاع ، أو هوس ، أو نوع من الوقاحة التي تصيبنا أحياناً كفيروس الزكام .
كل ما أعرفه أن صديقتي الصغيرة قالت :
شمس الشرق ينقصها الضوء !!
قالت لي هذا الشيء حين لم يفرق الجندي ، هناك في مكان ما ، بين الطفل والأرنب ، فأطلق النار . . . !
وحُكم عليه حكماً قاسياً ، شهَّر بسمعته الطيبة كقناص مهني . . واعتذر من اعتذار باسمه قائلاً :
كل ما في الامر ، لم يرَ بسبب نقص الضوء في الشمس ... !
إن فقدان الضوء يسبب الكثير من التسربات المظلمة إلى نهجنا الحياتي ... سياسياً كان أم اقتصادياً أم غرامياً ..... وبتنا نستعمل المصابيح ذات المدى القصير.... القصير جداً، الذي سرعان ما يصيُب حاشدتها العطبُ فيفقر ضوؤها .... وتنفذ طاقتها ، فكيف بالله .. كيف سنرى الجرذان والقواضم والحشرات في الليل .... ونهارنا في الشرق حالك ؟
رغم كل هذا الأسى .. ،
فلقد انفجر صديقي ضاحكاً حين أخطأت الأباتشي الهدف المستهدف وأصابت بيتاً عامراً بالمواطنين وهتف :
- اللعنة .. اللعنة .... أخطأ ...ما أتيسه ... ! لو كنت مكانه لفجرت له صدره!.
الواضح ان المعايير الحديثة مصابة بالعقد المصرفية ... أجل .. أجل ، العقدة المصرفية ، وصلتُ إلى نقطة أرخميدس .. إلى البداية ... وأنا لا أفهم بالضبط كيف ستفهمون ما أقول .. ولكي تفهموا فانا مضطر أن اوضح لكم شيئاً ... عن القيمة لذاتها والقيمة التي لا ذات لها ..لا أعرف كيف .. ولكن بعض الصبر قد يمنحنا التعقل ، فما نفع المصرف الذي لا يجني الاموال الطائلة من الربى وفروق الأسعار وغلاء المعيشة .. ؟
عرفتُ ... الآن تذكرتُ شيئاً يساعدكم في فهم ما أقول :
المنفعة .. فلا قيمة لشيء إن لم تكن له منفعة ... !
في السنوات القادمة ستقام في العالم وحدات خاصة تبحث عن قليلي المنفعة لتخلصنا وتخلص العالم منهم .. ولكنني مطمئن بعض الشيء ... فلم يعدْ أمامي إلا ثلاثين أو أربعين عاماً لأحياها .. وهذا يعني بأنني نجوت من تصفيتي الجسدية على يد إحدى هذه الوحدات .... ! .
لأنني مشتت ولا أفهم كثيراً ما أقول .. فسأعاود الشرح... فالمسن لا نفع منه ..! انه لا يعمل ، لا يمارس الحياة ، لا يربح .. لا يُقيم البيوت ولا الجسور ولا كل ما يُقام ولا يفعلُ كلَّ ما يُفعل .. ولا ....
ما عليكم الا ان تتموا قائمة اللامنفعة التي سنُثقل بها كاهل العالم المتمدن حين نصبح مسنين .... !
ورغم هذا الاحتجاج غير الواضح تماماً فما زلتُ أملك بعض الأفكار غير الواضحة تماماً ... ولا بأس إن أشركتكم في هذا الهوس الذي يصيبني كل اسبوع تقريباً مرة واحدة ويستمر طوال الاسبوع تقريباً.
المشكلة هي انني لا أفهم كثيراً من الأمور الكثيرة التي تحدث بكثرة .... فمنذ عشرين عاماً قالت لي حبيبتي :
القلب الذي لا يحب يقتل صاحبه ......
ومنذ عشرين عاماً وأنا أحب ، ومنذ عشرين عاماً وقلبي يقتلني !
قال لي صعلوك ، لا يفهم كما يبدو ، بأنه صعلوك لا يفهم :
مشكلتك يا صاح أنك ترتدي ملابس زجاجية شفافة يرون عبرها عُرْيَك ، ولا غطاء لك سوى قبة السماء . انك تشبه مواطناً من إحدى الدول النامية والنائية التي تخجل الشمس من الذهاب إليها في النهار ... وضحك ... ضحك بصوت عال وقال لي :
- مشكلتك أيها العربي أنك لا ترى إلى البعيد .!
هذه حقيقة واضحة وصارخة .. فمنذ العهد الجديد وأنا أشكو من قصر النظر ... وكلما ذهبتُ إلى طبيب العيون ، يسوء حالي أكثر وأكثر ..... والمشكلة هي أنني لا أعترف جهراً بقصر النظر ... ولكي لا يكتشفوا عماي ... أبدأ برسم صورة خيالية للذي أمامي ...... مُدَّعياً بأن ما أراه هو الحقيقة ..
هذا شيء محزن جداً ...والأشياء المحزنة كثيرة جداً جداً ....
في أحد الأيام قرر قط شرس أن يقتحم أحد الأقفاص ليلتهم أحد عصفورين محجوزين فيه ... وهذه هي الحقيقة ، ولكنه ادَّعى بأنه سيفعل ذلك حباً بالحرية ، فصدَّقتْه الجرذانُ والفئران ، وتجمهروا يهتفون باسم القط الذي سيحررهم من الأقفاص والمصائد ... ! و ...
الحقيقة أنا لا أعرف النهاية ... فلم يبقَ أي فأر وأي عصفور وأي جرذ ليحدثني بالنهاية ...
إنه شيء محزن حين لا نعرف النهاية ، والأحزن من ذلك هو أننا .. نحن أبناء الضاد نعرف البدايات فقط ... أما النهايات فنتركها لغيرنا .
حسناً أراكم تتململون وتتثاءبون من هذا السرد غير المنطقي والممل . وكل ما ارجوه هو أن تمنحوني بعض الصبر فعلَّ الله يفتح علي بشيء مشوق ومفيد في هذه الايام العصيبة .
أجل ، تذكرت قصة كنت قد بدأتُ بتركيبها في خيالي .. وخلاصتها ، أن أحد الفلاحين كان يدخل كل يوم قن الدجاجات ليبحث عن بيضها فلا يجد شيئاً ... وكلما خرج ينظر إلى الديك السمين متسائلاً عن السبب .. فيجيب الديك :
- ماذا تتوقع من دجاجات خائرات ضعيفات لا يحتملن التفريخ . . ؟
وفي اليوم الثاني .. دخل ثانية ليتفحص ، وحين لم يجد بيضاً ، صرخ بإحدى الدجاجات :
- ما أقل نفعكن ... صدق ديككُن بقوله !
فانفجرت الدجاجة غيظاً وقالت له :
- كفى صراخاً وعتباً ، أما سمعت َ؟ :
لا تبيضن الدجاجات بعصر تأنثت به الديوك !
ما قالته الدجاجة محزن للغاية ... فحين تتأنث الديوك ـ ديوكنا ـ نصبح ـ نحن ـ عرضه للهجمات الجوية والصاروخية ... ونصبح هدفاً لكل من يبغي وجبة من الدجاج ، وطمعاً لكل من يحب الشكل البيضوي ...! ! ناهيك عن هؤلاء الذي يحبون الأفخاذ المشوية على مواقد البارود ...
هذه مصيبة كبيرة ألمت بجموع ديوكنا في الشرق .... ولا أحد يعرف كيف يمكن أن نشفيهم من هذا المرض العضال ... الذي ما أصاب احداً وأبقى ... أبقى على شعبه ... ! أو مجتمعه أو قومه أو ما تشاؤون من الأشياء التي ما زلتم تؤمنون ببقائها في حين إنها لم تبقَ !...!
آسف على أنني أدخلتكم في هذا الجو القُنّي ، ويبدو لي بأنني فعلتُ هذا لأن حرارتي ترتفع وضغط دمي يتسلق إلى ما بعد أوداجي ، فكأنني رجل قطبي وليس استوائي يعيش في أحر المناطق على الإطلاق .
الا تصدقون بأن بلادنا ، على ما بها من حدود وحكومات هي من أحر المناطق! فكل شيء بها يحر القلب ويقلي الروح .... صحيح أن الحكومات بدأت بتزويد مواطنيها بالمثلجات الباردة ..... ولكن هيهات ... فإنها تذوب في حال اخراجها من الثلاجات .... ونبقى نحن نتسفع تحت وهج السياسات الحارقة ...
هنا بدأت أوصل الخيوط ..... فشمسنا قليلة الضوء لأن هناك من استبدل هذا الضوء بسياسة سوداء .... ولهذا لم يرَ الجندي فيما اذ كان الهدف طفلاً أم أرنباً !!
مثل هذا الخلط ... وقلة التمييز بين ألاشياء موجود بوفرة في الألفية الثالثة...
قال لي أحدهم كان يمر بالقرب من مجالي الجوي :
- كيف تميز بين الغيمة الحاملة مطراً وبين الغيمة العاقر ؟
فقلت له : - بسيطة .... الغيمة التي تمطر فوق رأس غيري هي الغيمة العاقر .. والغيمة التي تمطر فوق رأسي وحقلي هي الغيمة الحامل ... فقال لي ضاحكاً أنا لا أسألك عن مبدأ سياسة مكيافيلي ، وإنما عن الغيم الذي يحمل الخير لبني البشر والحيوان والنبات !فصحكتُ .. ضحكت كثيراً .. وأردت أن أسأله : وكيف لي أن أعرف ... ؟ وفي بلادي لا توجد غيوم لا بيضاء ولا سوداء . الغيوم تلك التي تحمل الخير تعرج عن ديارنا وتذهب إلى أوروبا وأمريكا ، ولا قدرة لنا على التصدي لها واسقاطها لا بالدعاء ولا بالمناجيق .. وطبعاً لا نملك الصوايخ لإسقاطها ... إنها بكل سهولة تنساب إلى هناك ... ولأنها تخشى من المرقاب النجومي والصواريخ الموجهة بالليزر تسقط لوحدها .. تستسلم ، أجل تستسلم ... وتسقط .
لا علم لي لماذا أحدثكم عن هذه الهراءات . شعرت فقط بأنني كأس من الجعة تتطاير فقاعاتها في اسماعكم .. وكأن يداً جبارة قامت بخضها حتى أزبدت وتطايرت على غير هدى ...
يحدث مثل هذا الأمر كثيراً .. وخاصة عندما تجتاز المتغيرات حدود دماغك الصغير وحين تتفاجأ من التشيكلة الكبيرة جداً للعذاب الثقافي الذي تحياه ! ولكونك ذا دماغ صغير ... سرعان ما تشعر بأن مولّده الطبيعي يفقد رويداً رويداً القدرة على التصنيف والتمييز والإستيعاب والتحليل والاستنتاج ... فتْعلق ... تماماً ، كعجلات سيارة تغوص في الرمال وتعلق بدورأنها السريع بالذرات المتفككة التي لا تستطيع ان تشكل سنداً دافعاً لها لتخرج من مأزقها !!
ولأنك لا تريد أن تغضب من هذا الوضع الذي آليت إليه عنوة . . ولأنك لا تريد أن تضّيع إنسانيتك الفطرية المتمسكة بجذور روحك .. تدعو العذاب والوحدة إلى مضافتك الثقافية .. وتعرض عليهما بعض الإغراءات كي يتساهل معك في عرقلتك ومراوحتك في مكانك كعجلة تئن في فجوة رملية ...
نحن شعب .. برّجنا التاريخ وزيّناه .. وحين جلسنا خلف المقود لم تتطاير ذرة من غبار الطرق في العيون ، أما اليوم فنحن ... آسف نحن عجلة تدور وتدور ... لأن القدم التي تضغط على دواسة الوقود تريد للعجلات أن تذري الرمل في عيوننا وعيون تاريخنا .. !
وثانية أراني عن غير قصد أعود إلى الرؤية وإلى العيون ... فنحن لا نرى إلى الخلف ولا نرى إلى الأمام ... إننا نعاني من العقدة النعامية التي تدفن رأسها في الرمل .... ورغم أن الحكايات التي لم يحدثنا بها أحد من قبل ، إلا واحدة ، قد أختلفت في سبب دفن النعامة لرأسها ، فلا حرج إن حدثتكم عن تلك الحكايات ، وثانية أذكر ، التي لم يحدثها حتى الآن أحد ، فقسم يقول بأنها تدفن رأسها في الرمل لتبحث عن البترول ... وقسم آخر يدعي بأنها تدفن رأسها لتقي منقارها وسقف جمجمتها وقذلتها من حرارة شمس الصحراء الشرقية ... وقسم آخر يعتقد بأن النعامة تعاني من غباء فطري ، فهي تعتقد بأنها إذا " أخفت رأسها أختفت عن عينِّي الحيوان الذي يطاردها ليفترسها " .. وهناك من يعتقد بأن النعامة أذكى مما نعرف .. فهي تعرف بأن الحيوان الذي يطاردها سيفترسها إن آجلاً أو عاجلاً فتدفن رأسها في الرمل لتحميه وكأنها تقول : لا يغرنك كبر الجسد فأثمن ما أملك هو هذا الرأس الصغير .. ولن أدعك تفترسه .. !
أما أشقاؤنا المحتلون على مدى الدهور فيقولون بأن النعامة وخاصة الشرقية تدفن رأسها معلنة بذلك بأنها تدفن ما لا ينفع وتعرض ما ينفع .. وكأن أستها هو خير ما فيها !
طبعاً ، أيها المستمع النجيب ، تُميل الآن رأسك احتجاجاً وتلوي شفتيك اشمئزازاً من هذا الحديث الذي لم يخطر على بالك من قبل فلا بأس عليك ،فهو أيضاً لم يخطر على بالي .. والحقيقة لا أجد سبباً مقنعاً لإلقائه على مسامعك التي اعتادت أن تستمع إلى الأشياء الواضحة والنظيفة .. والتي تترفع عن المواقع الحساسة التي تعرضها النعامات .. ناهيك عن الروائح الكريهة التي قد تصدر من هناك .. فنروّج بهذا عن غير قصد لشركات العطور الشرقية والغربية ونرغب بها لتصد البخراء كما سماها جدودنا علماء العرب .
ما يقلق بالي في هذه اللحظة بالذات .. هو ذاك الإنسان الذي لا أعرف اسمه لأنني لم أشأ أن أتعرف إليه .. فلقد مزقتْني كلماتُه إرباً إرباً ... حطم كرامة إيماني ، وسذاجة حبي ، وبت أنظر من يومها إلى السماء خشية من أن تراني الدول العظمى .. خاصة وأنا اتنزه في غابات الكرمل ، حين تباغتني أمعائي بتقلصاتها .. فألجأ إلى جب ظليل .. وحين أقرفص لأقضي حاجتي لا أكف النظر إلى السماء قائلاً :
- احجبوا النظر أيها المختلسون .. عيب عليكم ... عملكم هذا مشين أيها المختلسون ..!
سار ذاك الرجل خلسة ... الرجل ذاك الذي لا أعرف أسمه لأنني لم أشأ أن أعرفه .. أقترب مني .. وانفجر ضاحكاً ... فأختلس هدأة روحي وهدوء نبضي .. فصرخت به ذعراً حتى انتفخت أوداجي واغرورقت عينايِّ واحمرت .. فقال لي وهو يميس برأسه كأستاذ الفلسفة حين شرحت له عن عدم فهمي لقانون النشوء والإرتقاء :
- أنا لست المشكلة التي تعاني منها .... مشكلتك يا أخ العرب هو أنك لا تملك مجسات حساسة ومتطوره تكشف لك عمن يسيرون خلسة نحوك .. فلو كنت تملك مثل هذه المجسات الطبيعية لأكتشفت قدومي ووفرت على نفسك هول المفاجأة والذهول !!
عليك أن تعرف يا أخ العرب بأن العالم حين أراد أن يضيء الظلمات ، اكتشف الكهرباء والمولدات والطوربينات وغير ذلك من الأقطاب المغنطيسية المولدة للتيار وأنتم ما زلتم تحاولون إضاءة الظلمة من نور الإيمان ... ، مشكلتكم عويصة ..... يا أخ العرب !
لقد فتك بصبري .... ودغدغ غضبي فقلت له :
- تباً لك يا عارف العرب ... فالله على كل شيء قدير !
فضحك وضحك حتى كاد يصاب بالفتاق وقال :
- أما قرأتم نيتشه ؟ اليوم يا صديقي يوجد إله جديد .. إله يقدس القوة والمتعة والمال ! فأنتم ما زلتم تقولون حتى هذه اللحظة : لا حول ولا قوة إلا بالله !! أما أبناء الإله الجديد فيقولون :
- لا حول إلا بالمال ....
ولا قوة إلا بالصاروخ ... ولا حاضر إلا بالمتعة ...
وأنطلق راحلاً ... قبل أن يستمع إلى دفاعي .
والحقيقة لو لم أكن جباناً بعض الشئ ..
ولو لم أكن ضعيف البنية متوسط الفراسة والذكاء لأجبته كما يجب وللكلمته بين الصدغين فأحشو له عينيه في المحجرين .. ،
ولكن .. كما يقول الألمان :
- لا تستطيع الفتاة أن تعطي أكثر مما تملك . !
أو كما يقول الإنجليز :
- لا يستطيع أحد أن يأخذ أكثر مما يوجد بعد أن أخذنا كل ما وُجِد !
أو كما يقول الأمريكان :
- لا يستطيع البترول أن يخلق العباقرة ... ولا السيارات ولا الطيارات ، ولو اعتمدنا على ذلك لحرمنا بهذا أصحاب النفوذ من استيراد المثلجات الإفرنسية والبلجيكية في حومة الحر الشرقية ... والى آخره من الأقوال التي لم يسمعها أحد من قبل !!
والآن وقد عرفتم حدود قدراتي وحجم مخاوفي .. فأكثر ما أخشاه من هذه الحالة التي ألمت بي هو أن أُغضب أحداً لا أقوى على مقاومته ، والحقيقة ،لا يهم من يكون هذا الأحد فجلهم إن لم يكن كلهم أخشاهم ولا أستطيع مقاومتهم ...
حقيقة أنا أخشى من كل شيء ، من كل هاب وداب ، من كل صامت وناطق ، من كل ساكن ومتحرك ، الا من رضى الله ... فأنا لا أخشاه .. واعتقد بأن على البشر الا يخشونه .. وذلك لأنه الشيء الوحيد النظيف الطاهر والصديق الوفي الذي يلجأ إليه بنو البشر كلما ألمت بهم محنة ، وكلما تحرك بهم إيمان ، ولأنه الغفور السميع المجيب .. فلماذا نخشاه ...؟
لقد أغضب قولي هذا أحد الشيوخ .. ودعاني بالعاق ، والحقيقة حتى الآن لا أفهم لماذا يجب علينا أن نخاف من هذا الوجود الطاهر المنزه ولا نخشى من أنفسنا ومن هم على شاكلتنا ؟
أتعرفون .. ؟ أقول ما أقول ، لأنه كما يبدو وصلت إلى أقاصي الغثيان .. لدرجة أنني أشعر بمعدتي تلتصق بالبلعوم .. وكل هذا الوضع الذي يقترب كثيراً إلى أزمة صحية ناتجة عن أزمة مفهومية ، يجعلني لا أفهم ما يجري .. ولماذا يجري ما يجري ...
كانت مياه الوادي تجري رقراقة منسابة كالرقطاء ... لا تترك وراءها أثراً .. حين باغتَ صفاءها بغلٌ جمح من صاحبه ، فداس على حجر هزاز فتراقص تحت سنبكه ، فهوى وقد التوت قدمه تحت بطنه وسقط رأسه على غصن مكسور فأخترق اسفل حنكه حتى خيشمه ، فأنفجر الدم يتسابح مع الماء الرقراق ، وناخ البغل على مسرب الوادي الصغير وهو يحدق مودعاً هذا العالم الغريب !
وسمعته يقول :
- تحرروا .. تحرروا حتى ولو لطختم جداول الماء بالدم ... وحكيت هذه القصة التي لا أعرف من حدثني إياها ، ولا أعرف أصلاً إن كان هناك من حدثني بها ، حدثتها لجدي ، فتبسم ، وككل الجدود الذين يتسارعون ليظهروا الحكمة ، الهيبة والفهم العميق سألني :
- وما تعلمت يا بني من هذه القصة ؟ ؟
فقلت له : - تعلمت يا جدي شيئاًَ واحداً مُهماً !
فاستطرد حاثاُ : - ما هو ؟
قلت : لا تكن بغلاً وخاصة إن تحررت !
وضحك جدي حتى تورد خداه ....
كثير من الناس تتورد خددهم ... فمنهم من حين يلامس الحب شغافهم ، ترونهم وقد أزهروا كأقحوان الربيع .. ومنهم من إذا لطم الغضب أرواحهم ، ترونهم قد انتفخوا كبوتقة زجاجية في النار .. ومنهم من خلقهم الله حمراً ، ولا أقصد الهنود الحمر ولا أقصد ما جرى لهم من عاديات الزمان ولا أحكم في ذلك على أحد بشيء .. ولا أتهم أعناقهم بأنها تحدث مشاحذ السيوف ولا أتهم صدورهم بأنها ناطحت قرون الرصاص ... وعموماً فأنا لا أعرف شيئاً عن هذا الموضوع ولا أعرف كيف انزلقت إلى هذا الأمر .. فلقد قصدت التحدث عن الحمر الذين خلقو حمراً .. وهم كثرٌ والحمد لله ... ترونهم في الدواوين يشنفون الآذان ، وحين تقع مسامعهم على شيء يستحق التمرير ترونهم يحمرون .. وحين يتحدثون أمامهم عن الفاسدين والفساد ترونهم يحمرون ... وحين يلمَّحون أمامهم بأنهم ليسوا المقصودين ، ترونهم يحمرون .. وحين تتحدث أمامهم عن العقوق والنفاق والأحتيال ترونهم يحمرون ...
فهم في كل وضع يحمرون ....
سقطت التفاحة الحمراء عن إمها المغروسة فوق تله صغيرة وسط الحقل . فتدحرجت التفاحة وهي تئن ألماً حتى استقرت تحت شجرة تفاح ، تفاحها أخضر .. فصاحت الخضراء : ما عساك تفعلين في أرضي أيتها الحمراء ؟
فأجابت التفاحة الحمراء وهي تئن :
- لقد سقطت من بين يدي أمي وتدحرجت إلى هنا ...
- أخرجي من هنا فنحن لا نحب الغرباء !
- أنا لست غريبة .. أنا تفاحة مثلك لكن لوني يختلف !
- أنت لست مثلي ولن تكوني ..
- بلى أنا مثلك وأملك نفس الفيتامينات ونفس العناصر ونفس التركيب .
- صهٍ .. أنت مثلي ؟ .. معاذ الله .. أنا تفاح من الفصيلة السامية ، وأنت تفاح من الفصيلة الدون ...
واحتدم النقاش وتطور إلى كلام بذيء . وفجأة توقف قدمان أمام شجرة التفاح وامتدت يد فالتقطت التفاحة الحمراء عن الأرض ووضعتها في سلة وامتدت ثانية وقطفت التفاحة الخضراء ووضعتها في نفس السلة .. فضحكت التفاحة الحمراء وقالت :
- هل تشبهينني الآن ؟ أما زلت ترين بي تفاحة دونية أيتها السامية ؟ تعلّمي من هذا الدرس شيئاً ، فأنا وأنت في نفس السلة وسنذهب إلى نفس البلعوم !! بعد أن نُطحن ونمزق أرباً إرباً ....
- تمزقت أجساد المحتفلين بالعرس ...
أجل تمزقت واحترقت وطارت أشلاء أشلاء ، بعد أن أصاب خيمتهم مجموعة من الصواريخ . . !
قال لي قائد الإحتلال والمسؤول عن العملية بأن الهدف الذي دمروه كان اجتماعاً للمقاومة .... لا أذكر بالضبط فيما إذا كان قد قال لي حقاً أم أنني سمعته صدفة .
وعرضتْ وكالاتُ التلفزة صوراً للعرس والراقصين .. ولم يقنع هذا أحداً بأن الناس يرقصون في الأعراس ، وبأن لكل عرس عريس ولكل عريس عروس .. لكن أصحاب الشأن يعتقدون بأن العرس هذا ، هو نوع جديد من المقاومة .. لا يفهمه الشرقيون ولا الصحافيون .. فبه فرح في زمن يُحذر الفرح فيه ... زمن الرعب وزمن المهانة .. فكيف يتجرأ أحد على الفرح ؟
هذه مقاومة .. ولقد أخمِدت نارها .
أخمدتُ نار الموقد .. بعد أن مللت من الجلوس محدقاً بجمراته وهي تئج ببطء وكأنها تهذي من مخدر فعال .. وخرجتُ .. وسرتُ وسرتُ رغم زئير الريح أو صفيره ، كما تشاؤون ، واعتقدت ــ ولربما أخطأت في هذا الإعتقاد ــ بأن علينا أن نغير انطباعاتنا عن الريح ... فلمجرد أن يصفر يدب الهلع والرهبة في قلوبنا ، وكأنه نذير شؤم أو ما شابه ذلك ... أما أنا فلقد رأيت به مغسلة طبيعية . حيث أنه يكنس الغبار عن ، ومن كل مكان ... ويخلق نوعاً من الحيص بيص الكوني ، وفقط من اجل أن يذكرنا بأن هناك من هو أقوى منا .. وأن هناك من يستطيع أن يزعزع حياتنا وبقاءنا ، ومن كل هذا يجب أن نفهم نعمة البقاء ونعمة السعادة ونعمة الإستقرار .. !
الريح تعبير طبيعي عن الغضب الطبيعي كي نتحاشى الغضب الإنساني المدمر ، وخاصة ذاك الذي يؤدي إلى الحروب والدمار وسفك الدماء .
كانت الريح تهب بإيقاع تصاعدي ... مصحوبة ببرودة ثلجية . الريح ... تلك الريح أو غيرها . تجعلك في موقف دفاعي .. إنها تُحيي لديك نزعة حب البقاء ... فتبدأ تحترم وجودك الدافيء . إن تم وكان لك وجود كهذا ، أو تتوق إلى مثل هدا الوجود .
لا أريدكم أن تعتقدوا بأنني مرشد جوي أو ما شابه ، فكل هذا الهرج ينبجس من دخيلتي دون قيد أو شرط ، لربما لأنه حدث خلل في الحواجز والأسوار الرقابية في عقلي ، لا أدري ، ولكنني على يقين بأن هذه الحالة هي نوع من الرحلة الفضائية ، أو نوع من الاستجمام النفسي والراحة من الأثقال والقيود التي تتراكم في نفوسنا حتى يعلو وزنها على وزننا ، فنبدأ ندلل أنفسنا كما ندلل أعشاب الحقل ... أو لعلني أشعر ببعض الحرج فأحاول تبرير حالتي هذه بالبراهين والحجج الوهمية . لا فرق عندي ولا يهمني الأمر ولا آبه البته لما ما قد يقوله العقلاء في مثل هذا التقطير النازل من غيوم وضباب القلب .
والأهم إنني أصبحت ريشة ! !
لا تضحكوا من ذلك .. فقد يحدث لكم مثل هذا النزوح الإرادي عن مقود المراقبة . . . فتشرع مخاوفكم بالجلاء عن مخابئها . . ويبدأ وزنكم بالهبوط .. حتى تصبحوا مثلي ريشة .. ريشة تتراقص وتتلوى وتتمايل لائبة مع الريح .. متداخلة في مساراتها .. خارجة من اندفاعاتها ...لا هم لها تحمله ولا غم تشيله فوق ضميرها .
تصبح كنيْزك يقترب كثيرا نحو طهارة الحرية ... مندفعاً تاركاً لهبه ، متخلصاً من غضبه هاوياً إلى سحيق المعرفة ... !
والآن أغلقوا هذه المخطوطة .. فلا رجاء منها ولا رجاء مني .. كل ما في الأمر أنني أشغلكم باشياء لا تعنيكم ولا تعني أحداً ... ناهيك على أنها ليست وليدة التخطيط والتفكير بل إنها مجرد مسيرة وعرية تمر في مسارب ، شقّتْها أقدام الصدفة والتلقائية .
مسيرة شائكة لا يمكن من خلالها الوصول إلي !..
اندفعت الكلمات من بين شفتيها حارة ملتهبة ... وهي ترمقني بعينيها الخضراء ! قائلة :
- كيف يمكن أن أصل اليكَ ... كيف ... ؟ أنت كشبح يتراءى فقط ولكنك لا تُرى ، فكأنك غير موجود حقاً .
فضحِكتُ وضحكت حتى أشفقتًُ على حزن عينيها وإندفاعها التلقائي المشوب بعاصفة حسية .. وقلت :
- أنا في لامكان في لا مكان ... فكيف حقاً ستصلين إلى ، بل كيف سأصل أنا نفسي إلى نفسي !! وغادرت .. لربما غاضبة ... لربما حزينة .. لا أعرف ، لكنها لم تذرف دمعة واحدة على فقداني كما تمنيت ... !
ذهبتْ بكل سهولة ... غير آسفة على إنسان موجود في أقاصي أقاصي الذهول الجافل من هذا الواقع الصنمي المكبل بمحدوديته وروتينه قصير المدى !
وقُصر المدى هو طامتنا الكبرى .. فكل ما نملك هو قصير المدى .. لأننا في طبيعتنا أولاد اللحظة ، أولاد الآن ... لماذا ؟ لا أعرف .. لربما التضاريس الشرقية تمنحنا هذا الإمتياز العكسي .. لربما الحرارة الشرقية تُسخن دخائلنا فيفيض منا الشعور ويتقلص العقل .. لا أعرف .. فأنا لا أعرف مثلاً لماذا نستصعب فهم الحقيقة ... ولماذا لا نملك حس المغامرة .. ولماذا نخشى من الحرية والديموقراطية والتعددية ، ولماذا نعشق التقديس ونعشق الخضوع ونعشق المجانبة بدل المواجهة ..
طبعاً هناك من يسأل ما هي المجانبة هذه وأقول لكم بأنها وليدة الآن .. إنه استحداث مفهومي للجبن واللاإكتراث بمجريات الأمور ، إنها أن نضع الدنيا على هامش العناية ونجعل الزمن يعبث بإرادتنا كريح لا تشتهيها السفن .
قال لي وقد احمرت عيناه .. وسال الحزن من على جبينه إلى خديه وشفتيه :
غادرتْ فانطفأ قلبي .. ومنذها لا أرى شيئاً بوضوح .. كل شيء مشوش .. كل شيء ضبابي ... كل شيء لا شيء .. لا شيء .
اللاشيئية ... مفهوم لم يكتب عنه أحد ، والسبب بسيط للغاية .. فلقد أولده رحم الصدفة قبل قليل ...
اللاشيئية .. هي الرصيد العبثي لعبثية الوجود .. هي التسلل عبر الخيبات والإحباط إلى غائية الحياة والوصول إلى نهايتها الحتمية قبل أن تصلنا نهايتها أو قبل أن نصل نهايتها .. إنها حالة ... حالة يائسة من الإيمان ، بعدم الجدوى المطلق لعملية الوجود واستمرار وجوده . لم يقل لي هذا أحد .. لهذا لا أعرف حتماً فيما إذ كنت صادقاً أم لا .. !
ميازين الصدق في هذا العصر علاها الصدأ ، ولم تعد قادرة على البريق .. لقد تحولت إلى نوع من المزاج الفردي ... وهذا جيد في الأكل والشرب .. فأحدهم يحكم بأن الكنافة لذيذة إن أغرقها القطر .. وآخر يدعي بأنها تسبب " الدنق " والإنقباض البلعومي . هذا جيد . أما أن يصبح وميزانُه مزاجٌ فردي ، على ما في هذا المزاج من أسباب سياسية وعنصرية وعقائدية ، فهذا شيء مخيف للغاية .. مرعب .. ، فلقد قام حاكم بالحكم على مواطن بمبلغ خيالي لأنه مرض ولم يستطع الحضور إلى المحكمة بنفسه ، ضارباً عرض الحائط كل محاولات التأجيل التي سعى إليها . ولقد أتى في حيثيات قراره بأنه فعل ما فعل ورفض التأجيل لأن طلب التأجيل الموثّق بوثيقة طبية لا يمكن أن يكون صحيحاً .. لأن هذا المواطن يتبع إلى نوع لا تسري عليه القوانين الطبيعية الإنسانية . إنه حاجة / آلة لا يمكن أن تمرض كما يمرض الإنسان !
- الإنسان أشر ما خلقه الله !!
قالت الزرافة وهي تهم بجريها المتراقص لائذة بالفرار من صيادي الفراء الذين لمحتهم يصوبون نحو قطيع من الفيلة ويطلقون ويمثلون بجثثها .
- ما أشرهم وما أقسى قلوبهم يقتعلون لها الأنياب ويبقرون لها البطون !! ويسلخون لها الجلود ... ما أشرهم !
أوغاد ... أوغاد ... !
واستمرت الزرافة تجري مذعورة .. ، ففزعت الحيوانات ولحقت بها هي الأخرى خائفة من خوفها ، مجاريةً هربها دون أن تعلم السبب !!
ثم أبطأت الزرافة قائلة لنفسها :
- ولماذا أنا خائفة ، ما أغباني .. نسيت أن لا أنياب لي ليقتلعها هؤلاء الأشرار !
ومن ثم ذهلت من جديد وانطلقت تجري والحيوانات من حولها تتكاثر بأعدادها وصريخ خوفها ، وعادت تقول لنفسها :
- لكنني أملك جلداً جميلاً وقد يسلخوني ويصنعون مني المحافظ والمعاطف !! يا للهول !!
وزادت من سرعة جريها حتى كادت أن تقطع أنفاسها .. وفجأة هدَّأتْ من جريها وروعها وقالت : قد أَصبح محفظة جميلة أو معطفاً جميلاً ..
وسرعان ما عادت تجري خائفة وهي تقول :
- يا للهول ! سيضعني الإنسان في جيبه ويرتديني على جسمه .. لن أرضى بأن أكون جزءاً من شره .. فلأجري ولأركض فقد أتخلص من هؤلاء الأشرار .
لن يصدق أحد .. ما زالت هذه الزرافة والحيوانات التي رافقتها في هربها حتى هذه اللحظة تركض مذعورة ... ولم تجد فكرة واحدة أكيدة تطمئن قلبها بأن الإنسان سيرتفع في أحد الأيام بإنسانيته ويتوقف عن كونه السفاح التاريخي الأول .. والسفاح الحضاري الأول ، وأن بني البشر ما هم سوى حيوانات مذعورة تهرب خائفة من بطش السفاحين والعنصريين الفاسدين وأبناء الشيطان على الأرض !
الأرض كروية أم مسطحة يا بني ؟
سألني جدي حين كنت صغيراً .
فأجبته : - قرأت في إحدى الموسوعات بأنها كروية . ولكن لا تصدق ذلك يا جدي ... لأنها لو كانت كذلك ، بعد أن تعلمت تاريخ الشعوب المليء بالقتل وسفك الدماء .. والسرقات والإحتلالات وحجز حرية البشر واستغلال الشعب القوي للشعب الضعيف لركلها ربنا العلي القدير كما في لعبة كرة القدم ، وأدخلها داخل مرمى جهنم ...! هذا أولاً ، وثانياً ، يا جدي ، لو كانت كروية لتزحلقت وسقطت الحلوى من جيوبك مباشرة إلى فمي الجاف منذ أتيت لضيافتك . وهذا إثبات كاف لتسطيح الأرض الأكيد !
فضحك جدي بملء شدقيه ومد يده إلى جيبه وأخرج قطعتين من السكاكر ورمى إلي بالأولى قائلاً :
- هذه مقابل التفسير الأول .
ورمى بالثانية قائلاً : وهذه من أجل التفسير الثاني .
والآن أغرب عن وجهي !
فغربتُ وما زلتُ .... مغرباً عن وجه جدي وعن وجهي .. !
لن تفهموا مثل هذا الأمر أبداً ، وهو كيف يمكن أن يُغرب أحد عن وجهه .. تخيلوا واحداً يترك نفسه ويغرب عنها تاركاً إياها في مكان ما .. لوحدها لقيظةً دون مأوى ودون غذاء وشراب .. فماذا سيحل بهذه النفس – أو هذا الهو المغادر عن نفسه - ؟ تخيلوا أننا هنا في هذا الحي الإستوائي مغربون جميعاً عن نفوسنا ... يلتقي الواحد منا بنفسه أحياناً ، فيلقي التحية ويمضي .. إلى أين لا هو يعرف ولا أحد يعرف !!
هذا ما يحدث لعنقود العنب .. ! تخيلوا حين ينفصل عن أمه وجذوره يذهب ليصبح نبيذاً فيذهب بالعقل وبالفطنة .. ويصبح مع شاربه غائباً .. أجل ، يصبح غائباً عن وعيه .. غائباً عن مكانه .. غائباً عن جذوره حتى ولو كانت منغرسة أمام عينيه أو منتصبه في مسامي روحه .
فلا تسألوا عنا رجاء ! فنحن غائبون ..في رحلة انقطاع عن ذواتنا وعن منابتنا وعن جذورنا وأصولنا ... نحن نقبع في مكان ما على عقرب الزمن .. وهو يدور بنا فيسبب لنا الدوخان والغثيان والقيء فتخرج منا الصفراء .. كمن أصابهم خلل في أكبادهم أو كمن استأصلوا لهم مراراتهم ! فيسبب لهم كل شيء يلتهمونه الألم والحرقة ، وتمنع عنهم جميع المآكل والمشاهي .. أجل المشاهي .. فإن كنتم لم تعرفوا معنى هذه الكلمة في العربية .. فهذا لأنها من اختراعاتي حين لا أجد كلمة أعبر بها عن مقاصدي .. فالمشاهي هي كل المآكل المشهية اللذيذة ... فنبدأ نعد الممنوعات من المشاهي ونجد قائمة طويلة :
الإستقامة الإجتماعية هي مجرد مادة قلوية تخترق المقليات من الخضراوات وتحل في المعدة فتحدث عطباً في الأحماض المعوية !! ممنوع استعمال المادة القلوية !
الأمان الديني : حلويات ومحليات تزيد من الكلوكوز في المعدة فيمتصه الدم ويسبب ارتفاع في نسبة السكر ، الأمر الذي قد يحدث مضاعفات خطيرة !
الأمان السياسي : دهنيات غير مشبعة ، موجودة في اللحوم الطازجة والمجمدة .. مُغرٍّ قتارُها وهي على مواقد الشواء – اسف – وهي على الشاوية – فنندفع لإلتهامها بشغف ونية حسنة .. فنصاب بالدهنيات الدموية التي قد تسبب الانسدادات في الشرايين ، وخاصة التاجية .. الأمر الذي يؤدي إلى سكتة قلبية أو إلى جلطة دماغية مميتة !
الديموقراطية المتساوية : اشعاع نووي .. يحوّل كيفيات الخلايا إلى كيفيات سرطانية .. وهي من أخطرها وأكثرها منعاً على الإطلاق . الشيء الوحيد المقبول والمرغوب فيه هو رجيم مبني من الكيوي وقليل من الحمص والفول وبعض المعلبات .. هذا إذا أردت أن تكون سليماً ومعافى عوْلمياً ..... وإلا ستكون من دعاة الشد بالحبل إلى الوراء أو الشد بالحبل حول عنق الديموقراطية والعولمة المبرمجة والمبرجة بصور العاريات والمبتسمات والمغريات والحرية ، الحرة . . في هذا القيظ الشرقي الحارق !
في هذا القيظ الشرقي الحارق ... كان الباز يسير محاولاًالتخفي عن العيون وهو عار من ريشه .. يحاول بين الفينة والأخرى الرفرفة بجانحيه العاريتين .. ، ولكن دون جدوى .. فلا ريش يحمله في الفضاء ، ولا ريش يقيه من برد وحر الصحراء .. ولجأ إلى شجرة صبر عربية مسنة يستظل بظلها قائلاً :
- تباً للأمراء والملوك والسيادات جميعاً ... أما عرفوا بأن الريش لا يخترق الحديد ؟
أرسلني سيدي لأفجر من الهواء بارجات ودبابات المحتل فأطلقت عليهم ريشة تلو الريشة حتى لم يبق عليَّ ما يقيني وما يحملني ، تباً لهم ماذا فعلوا كل تلك السنين أما عرفوا اختراع شيء يطير مكاني وشيئاً يخترق الحديد .. تباً للأمراء والملوك والسيادات ... ثم قهقه ضاحكاً وقال :
- لا بأس مقدر عليَّ أن أكون مهاناً وبائساً !
قال علي ، الطفل العراقي .... وهو يحشو مسدسه البلاستيكي بحبات التمر ، سأطلق واحدة على جناح الطائرة المحتلة .. وسأطلق خمساً على الدكتاتور الذي ضربنا وسجننا وقتلنا .. إنه ابننا العاق الذي استعمر نفسه واحتل بيته وافترس قلبه واحضر الغرباء لإنهاء الوليمة ..... آه لو كان البلح يقتل ..
ثم غار على جذع شجرة دبَّ فيه السوس وبدأ يطلق بلحاته القاتلة وهو يُهيِّج ويزغرد مستبسلاً .
أرأيتم بالله عليكم أجمل من هذا الطفل ؟
ضحك الطفل في إحدى متنزهات حيفا . كان شعره الأشقر يتطاير مع هبات النسيم ، وفجاة اقترب منه حسن ، طفل أسمر من نابلس ... لعبا وضحكا وجريا يغردان كعصفورين في عرس ربيع أخضر .
لم يعرفا الكلام ... ولكنهما فهما أنه من حقهما اللعب والركض .. فَهِما أن من حقهما الأمان والسعادة والعيش الكريم . !
ورغم عدم فهمها الواحد على الآخر .. يُقال ، أنهما اتفقا على بناء مدرسة عالمية يثقفون بها السياسين ورؤساء الدول العظمى والصغرى .. فعلَّهم .. علَّهم .. يتعرفو إلى الحق بالركض واللعب والسعادة والأمان والحرية .
أرأيتم أيها النجباء ، أرأيتم ... لقد فتح علىَّ الله بشيء جميل . شيء يطربُ العقلَ ويرقصُ القلب .... ولقد تذكرت ما قالته لي صديقتي ، حين كانت لي صديقة ، تقول أشياء جميلة :
كل من لا يُحب الأطفال لا يحبه الله ....
لأنه مسخ يغازل الشيطان !!
- غازل مسخ في أحد الأيام سيده الشيطان فقال : أيها الفاتن .... يا جمراً يوقد نار الفتنة في صفاء القلوب .... يا محتلاً طيبة القلب وحسن النية ... يا قاتلاً كلَ أملِ وكل مستقبل جميل .. تعال إلى حبيب القلب ، تعال أطعمك ما لذ وطاب من الهمبورغر والكباب والولائم الملوكية والمآكل الشعبية ، وكل ما يمكن أن يؤكل ولا يؤكل من الموارد الطبيعية والموارد الصناعية ... كالمعلبات السمكية والمعلبات الحبوبية والمعلبات الإنسانية .. التي لا تنفتح الا أمام قوتك العظمى .....
فضحك الشيطان وقال له غاضباً :
- تنحَ أيها الحمار ....... تنح . .. فحين أرغب بذلك لا أسألك بل أفرض عليك ، أغرب عن وجهي أيها المهزلة التاريخية ... فأنت من عبيد التاريخ وأنا من أسيادها وصانعها ... وما أفعله أفعله شئت أم أبيت !!
وشاء رجل ، ألم به اليأس حين أعتمت مذاهبه . شاء أن يقوم بعمل تأبى الرجال القيام به ... قرر أن يقدم على الإنتحار ، فأخذ حقيبة ظهرية ، ووضع بها حبلاً متيناً ، وذهب راجلاً إلى البرية ... وحين أوغل سيراً في الغاب استقر تحت شجرة عالية ، ثم أخرج الحبل والقاه من اسفل على غصن ثخين ، وحين تدلى جدل أنشوطة ، ثم بدأ يلم أحجاراً وبنى مسطبة يقف عليها ، ليرمي بنفسه من فوقها فتشد الأنشوطة على عنقة حتى تشنقه .
صعد على المسطبة ووضع الحبل حول عنقة وقبل أن يقفز بلحظة ظهر فجأة قاطع طريق يصوب نحوه مسدساً صارخاً به :
- أعطني الحقيبة التي على ظهرك وإلا قتلتك !
فضحك الشاب وقال له :
- انتظر عشر دقائق حتى انتحر وبعدها خذ ما تشاء لأنني لا أقبل البتة بأن يؤخذ مني شيءٌ رغماً عني !
فقال الحرامي :
- أجننت .. وأنا لا أقبل البتة بأن أسرق الأموات .... شرفي يمنعني من القيام بمثل هذا العمل المشين !
ثم اقترب منه معتلياً المصطبة ، واضعاً فوهة المسدس على جيبنه ، فثار غضب الشاب ، فنحى رأسه جانباً بسرعة ، وأخذ المسدس من اللص ، ثم قلع الإنشوطة من حول عنقه والبسها على عنق الحرامي ودفع به فتعلق من عنقة بالهواء وهو يهتز ويحاول الصراخ بصوت مخشوشن خالطه الفزع .. ولكن هيهات ، فلقد حُكم عليه بالموت ! ثم نزل الشاب عن مصطبة موته قائلاً : ولماذا عليَّ أن أموت وأنا أنسان خيرّ .. فلْيَمُتْ الأشرار ..
فليمت الأشرار ..
وعاد الشاب إلى بيته ، وقد تغير فيه شيء جوهري ، فلقد بدأ يُحب الحياة بعد أن تعلم درساً ثميناً . وهو أن الحياة دون نضال لن تكون كريمة ، فاضلة وتستحق أن تُعاش ....
وهكذا أيها السادة الكرام ...
قالت حمامة عبرت من ماضي التاريخ السحيق إلى حاضر الدنيا :
يبقى ماء الجدول رقراقاً سلسبيلاً إن لم نلطخه ... !
ويبقى الجو صافياً نظيفاً
إن لم نلوّثه
وتبقى الغابات خضراء
إن لم نحرقها ونسممها !
وتبقى البحار محفوظة لنا بكنوزها إن لم نوسخها ...
وتبقى البيئة جميلة وصحيّة
إن لم نزرع بها الأمراض والأحقاد .
وتبقى كرامة الإنسان مرفوعة
إن لم ندسها !
أفهمتم أيها السادة الكرام .....
هذا ما اردته منذ البداية ولكن ذاكرتي لم تسعفني .... لقد أحسست بهذا وعانيته .. ولكنني لم أستطع أن أعيه لأقوله .... والآن وقد قلته ..فهل من يعترض على هذا القول ؟
- أنا أعترض !
قال خنزير وقد انتصب على أقدامه من بؤرة النقيع والبراز هازاً بذيله بعصبية ماسكاً شاربيه الصغيرين اللذين توسطا شفته العليا بيد ... ، باسطاً يده الثانية في الهواء :
أنا أعترض عليك ... فكيف يمكن لنا أن ندير شؤوننا بدون رؤوس تتطاير وجثث تحرق ... وأجناس تباد ... وقوى تُقلص ... كيف يمكن لهذا العالم أن يكون آمناً للجنس الخنزيري " أمثالي " .. أنا خنزير عظيم .. ويجب أن أغرس في عقول إخوتي عقدة العظمة .. فأنا متعالٍ .. خيرّني الخالق بأن أقنع شعبي بأنهم تاج للأمم ومنارة لها ، لأنها أحياء تعاني من الدونية واللامنفعة .. واللاإنسانية .. ويجب علينا تقليصها وإبادتها !
- وأنا أيضاً أعترض !
قال ضبع يتلوى مقهقهاً في مشيته :
- يجب إبادة الأسود والنمور .. فهي تأكل من الفريسة لحمها وتترك لنا عظمها ..
وقال الثعلب هازاً بذيله فرحاً : أحسنتم في تفكيركم ... النمور والفهود والأسود مشكلتنا الكبرى ، علينا أن نحتال للإيقاع بها ومن ثم نبيذها .... ثم نظر الثعلب إلى الضبع وقال له هامساً :
- قل لي ، من أقوى أنت أم الخنزير ؟
فقال الضبع : أنا أقوى !!
فقال الثعلب : - لا أصدق ، إثبت لي ذلك فأنا جائع !
وما كاد ينهي حتى وثب الضبع على الخنزير وغرس أنيابه في عنقه فقتله ، ... وبدأ يفترسه ... وكلما اقترب الثعلب طرده ، وهكذا أيها السادة الكرام .. لأن دونية الأخلاق تسيطر على حيواني النفوس ، فلقد جر الثعلب أسداً فافترس الضبع فغضب النمر من الثعلب لأنه فضل الأسد عليه فافترسه ، وهكذا دواليك .... حتى حصلنا على ما حصلنا عليه :
تاريخ من الأنياب ....
وتاريخ من الذيول !
والآن هل بدأتم تتعرفون إلى ...؟
أنا أتحدث عن الحيوانات من شدة حبي للإنسان ... وهذا لا يعني البته بأنني لا أحب الحيوان ... ولكن كما يبدو .. ولأنني بطل في الخلط والهرج ، فلقد فاتني أن أخبركم بأنني أحب الإنسان الحقيقي والحيوان الحقيقي ... وأكره النتيج ... كالبغل مثلاً ...
ولأحدثكم هذه القصة كي تُحرموا مثلي ، حيث أَنه لم يحدثني بها أحد من قبل .
تقول القصة ، وليساعدني الله على سرد يُرطب يبوسة القلوب ، أنه في حاضر الزمان ، وكذلك في ماضيه ، تزحلق إنسان جبار ، صدفة ، عن سفح ملتهب في جهنم .. ، فسقط إلى الأرض . ومنذها وهو ساقط ... ليس لأنه لم يُربَّ من قبل والديه ، ولسس لأنه عانى الأمرين في طفولته ، وليس لأن الاستعمار سلب له أرضه وعرضه ، وليس لأن اللصوص سرقوا له خزنة أبيه وورثة جده ، بل لأنه ساقط طبيعياً ! ولا يُجرى عليه حكم الإصلاح أبداً .. !
كان يقود سيارته مرة نحو مكان ما ، وفي الطريق لوّح له أحدهُم يحمل عكازاً لِكسْرٍ ضرب ساقه فجبره بالجبص من أسفل القدم حتى أواسط الفخذ ، لوح له ليأخذه في طريقه ، فأبطأ السير وتوقف على بعد عشرة أمتار منه ، فأقترب مكسور الساق من السيارة يجر رجله جراً ، وبكثير من العناء ، وعندما أصبح على بعد مترين منه ، قال الساقط لنفسه : لن آخذه معي فأنا أكره هؤلاء الذين يكسرون أرجلهم .. ثم داس دواسة الوقود فأنطلقت السيارة مسرعة .
وفي أحد الأيام شاهد رجلاً يضرب الآخر ضرباً مبرحاً حتى كاد يغمى عليه فأستلقى على الأرض يئن دون حراك في حين ولى الآخر هارباً ، فقال الساقط لنفسه : أين سأجد شخصاً أضربه بكل سهولة ودون أن يقاوم مثل هذا الطريح الذي لا حول له ولا قوة ! ؟
ثم اقترب منه وانهال عليه ضرباً دون رحمة وهو يتلذذ بصراخه الأليم .
ويحكى عنه إنه رأى أرضاً أعجبه موقعها . وأعجبه كرم البرتقال والتفاح فيها ، فسال لعابه عليها ... وبكل بساطة .. وبكل بساطة .. وبكل قوة احتلها وافترس كرمها .
و ... القصص كثيرة حول هذا الساقط .. وأههمها أنه من كثرة الجشع .. ولأن الشيطان يسكن قلبه .. أراد أن يفترس الشيطان ،... فبدأ يفترس نفسه رويداً رويداً حتى يصل إلى القلب المسكون .. وحتى هذا اليوم ما زال الشيطان يسكن قلبه ، وحتى هذا اليوم ما زال يفترس نفسه ويفترس الآخرين .
الآخرون هم الجحيم .... !
قالها فيلسوف فرنسي ... رفض جائزة نوبل وعاش دون زواج مع امرأة فيلسوفة تُدعى سيمون دي بيفوار .. ولقد ت
تبنوا ولداً ، وهذا السلوك لن يفهمه شرقنا ، فلماذا يرفض أحدهم أن يقوم بما يسمح له الناموس به ، ليقوم به بالحرام !
طبعاً كان جان بول سارتر سينفجر ضاحكاً من هذا القول الساذج ... ويقول لنا بأن المجتمعات البشرية هي التي خلقت هذه العقود وهذه النواميس .. ولقد خلقتها بدافع ظروف تاريخية ، تطويرية وإجتماعية دينية .... وإنها في نهاية الأمر تهدف إلى جعل الإنسان يلتزم بما لايعرف حدوثه مستقبلاً ... متنازلاً عن حرية الإختيار المطلقة ... مُستعبداً لبضعة نصوص أكل عليها الدهر وشرب !
وقد نفهم هذا القول من باب الأدب والتفهم .. ولكن لماذا رفض ولداً من لدنه ، من جهة ، ومن جهة تبنى ولداً آخر على ما في التبني من عمل نبيل وجميل خاصة إذا ضمنه مغزى خارج نية التبني ؟
هذه من جملة الامور التي لا افهمها ... ولم اقصد ايها النبلاء ان أتحدث عن حياة سارتر الشخصية ، والحقيقة فهي لا تهمني البتة .. وأيضاً ، فأنا حقيقة لا أعرف إن كان صادقاً أم غير ذلك ... ولعلنا نظلم لأننا لا نعرف فيما إذا كانت خليلته قادرة على الزواج أم عكس ذلك ، وأيضاً لا نستطيع البت في رجوليته واستطاعته القيام بواجبه الرجولي (ليس الزوجي ) أم أنه مع هذا عاقرٌ لا نفع منه كما يقال .
لا أعرف ولا أريد أن أعرف !
كل ما يقلقني هو قوله بأن الآخرين هم الجحيم ... !
لقد تسرب هذا القول إلى العقل البشري فزاد طينُه بلة .... ولم يدرك أحدٌ ، أن المعنى الأول والأخير لهذا القول هو أن كل واحد منا هو الآخر نسبة للأخر ! وهذا يعني أن كل واحد منا هو الجحيم !
أقول لكم هذا وقد ألمت صحوة في رأسي .. فكأنني استفقت من حلمٍ طويل ... لأذكركم بخوفكم من الآخر الذي قد يكون هو أيضاً خائفاً منكم ... إنه نوع من الجبن الفطري ... فحين يلتقي جبانان في ظلمة المساء يخافان من بعضيهما فيهرب الواحد من الآخر ... إنه جبن ... وهو جبن سخيف لا مستوى فيه ... فقد أفهم أن يهرب المرء من أسد أو نمر أو تمساح ... ولكنك لن ترى بين الكائنات الحيوانية حيوانين يهربان فزعاً الواحد من الآخر ... إنه كفلم مضجر للغاية ، حيث أنه يفتقر إلى البطل الذي يخشاه الآخر في حين أنه هو لا يخشى أحداً .. هذه هي الصياغة الحقيقية لقانون الشجاعة والجبن .. أما ما يحدث بين بني البشر فأنه الجبن المتأصل الذي لا دواء له الا ... الحقيقة لا أعرف الدواء ... ولكنني أعتقد أن الإنفتاح وعدم الشك وإبعاد نية السوء والإيمان الحقيقي بالعيش الكريم وبالحقوق الإنسانية للإنسان في كل مكان ، والإيمان بأن الأرض ملك لله وليست ملكاً أبدياً لأحد ، وإنه يحق لكل إنسان أن يكون من يشاء وكيفما يشاء ... وأن يعبد من يشاء وينتمي لمن يشاء على الا يتعارض هذا مع كون من يشاء أن يشاء ما يكون ، ساعتئذ سيكتشف الإنسان سخف العقليات المتحجرة المتقوقعة داخل أطر فكرية متعنتة لا تقبل الا ما يلائمها ويتطابق معها ، ساعتئذ سنبدأ نميز أن من يحب المساء لا يكره الفجر وإن من يحب القهوة لا يكره بالضرورة الشاي . فتعالوا نحب القهوة دون أن نكره الشاي !! تعالوا نستفيد من اختلافنا عن بعض دون أن نكره هذا الإختلاف !
قال اللون الأزرق يوماً للون الاحمر :
- ما احمرك
فقال الأحمر للأزرق : ما ازرقك !
فقال الليلك :
واسفاه ، نصفي الأول يهين نصفي الثاني !
لقد وثب هذا الحديث ، الذي ولد هذه اللحظة من بين تلافيف دماغي . وكما يبدو ، فلقد أوصل عقلي الواجد الخيوط . الواحد بطرف الآخر ... واتضح لي بأن في قرارة كل واحد من شيء من الاخر المختلف ... وكل ما علينا أن نفعله هو الإقرار والتمتع ببعض الطيبة البريئة العاقلة . ساعتئذ سنتخطى مراحل الهذيان ... وسنشعر بالهدوء .
أجل الهدوء ..... ولا شيء غيره !
أقبل المساء بهدوء ساحر اخترق ضوضاء النهار واستقر على أريكة الغروب الضوئية ، يستلقي كمن يتسفع على مهجة الكون الحميمة ،وأطرق إلى الأرض يسجيها بهيبة كونية ..
كان الشرق قد ألم به النعاس ، فذهب في سبات لا يسمع له صوت غير شخير الجمال والأبل التي ترفض أن تغمض عيونها في هذا الليل العابر ! منتظرة إبراهيم الخليلي .... أبو الأنبياء ، لتشكو له عن ألم الليلك الذي يقتل نصفه الأول نصفه الثاني ونصفه الثاني يقتل نصفه الأول .... لتشكو له عن عقوق الأولاد .... لتشكو له عن الجفا الذي ألم بأرواحنا ... والعطش الذي لحق بآبارنا ، وعن حياتنا السرابية التي لا يتقطر منها سوى الدم والدمع .....
قال الفنجان لشاربه وهو يذرف الدمع وقد جرحت شفته وتقطر منها الدم :
- لا تشرب كل ما فيَّ وتبقيني فازعاً .. فأصبح مأوى للجراثيم والفيروسات !!
فضحك الشارب بجشع وقال : وليكن ... وما همني أي النفايات ستستقر في جوفك !؟ وما همني ما تعاني منه من ألم وما تنوح به من بكاء ...؟ قبضت عليك .. وامتصصت ما فيك ... وكان لذيذاً !!
- اتق الله أيها الشارب ... اتق الله ... فالذي كان قبلك شرب مني نصفي .... وأنت تريد أن تجهز عما تبقى في الفنجان المسكين؟
- ورمي به جانباً وهو يقهقة ضاحكاً ... فأصاب كلباً ذئباً كان يرقد بين الأعشاب .. فأنقض عليه ..
والآن أيها السادة الكرام . كان يجب أن يلتهم هذا الكلب الذئبى هذا الجشع الذي لا دين له ولا يقين . . فاعتصر ما في الفنجان وهَشَمَه في شفته ورمى به دون أن يآبه لضمير أو تعقل ... ولكن ، وإنسانية مني لن أدع الكلب يمزقه ويلتهمه ، بل سأجعله يركض فزعاً وخوفاً من أنيابه الغاضبة ....
هذا ما حدث .. وما زال هذا الشارب الذي اعتدى على الفنجان يركض خوفاً وفزعاً من أنياب الكلاب ..!
غرس الكلب نظرته في وجوده .... فتألمَ صاحب الوجود من هذا الطمع الذي أبرق في عيني الكلب الأبيض المخيف ... وفرقع له بإصبعية تودداً .. بل رمى له بقطعة من الجبن .. فعوى زئيراً وهو ليس بأسد .. فرمى له بقطعة لحم يُسكت له الجوع ، اعتقاداً منه بأنه جائع فزاد من غضبه وحنقه وهكذا دواليك .. كلما اعطاه شيئاً طلب المزيد .... والمشكلة ان صاحب هذا الوجود لم يتعلم في دروس الطبيعة إن الكلب لن يتروض طالما تخشاه .. وإن أردت أن تتحاشى شره فما عليك الا ان تقابله بشجاعة وعنفوان ...
قال لي صديق من أبناء الشعب اليهودي :
- نحن اليهود عرب لكننا لا نتحدث العربية !
- كيف ذلك ؟
قال : لأننا من نفس البوتقة ..، نحمل جينياً نفس الطباع ... وتأكد أنه حين يتم السلام ، سيطفو الشبه على الوجوه .. وسيدرك المستقبل بأن حربنا ما هي الا لكي لا نتذكر كم نحن أقرباء وكم نشبه بعضنا البعض .
فضحكت .. ضحكت كثيراً ... ولكنني لم أقل له عن السبب ، والسبب هو أنني لا أفهم شيئاً في العلم الجيني .. ولا أفهم شيئاً من نظرية النشوء والإرتقاء .. ناهيك على أنني لا أرغب بأن أفهم أو أصدق بأنني سلالة للغوريلات والقردة .... أنا أفهم فقط بالموجود .. والموجود كما يقال .. يجتاز قدرتي على الإحتمال ...
الموجود هو قتل الأطفال والأبرياء ...
الموجود هو الخوف والخوض في حرب لا نهاية لها ..
الموجود هو أن كلا الطرفين خاسران !
هذا هو الموجود ... أما المنشود فهو أن نتوقف جميعاً عن الخسارة الفادحة .... نتوقف عن سفك الدماء وأن نتوقف عن الإعتقاد السخيف بأن الأرض أثمن من الإنسان وأثمن من إرادة وحب البقاء ...
- أنا لا أحبكم ...
لقد ضيعتم وقتلتم السبب الذي من اجله أحببتكم .. !
وانتصب إبراهيم الخليلي على حافة الأفق قائلاً بصوته الجبار ...
- لكم يحزنني طيشكم
لكم يحزنني كرهكم لبعضكم ..
لكم يمقتني عبثكم بالحياة وقد منحكم الله إياها لتسعدوا ...
سحقاً للشيطان ...
سحقاً له .. متى سيرحل عن وطن أبنائي !
وغاب يلتحف بعباءة حزنه كدرويش يبحث عن مأوى يلجأ إليه في ليله العاصف !
في هذه الحالة التي أنا عليها ، وبعدما سلف من وثبات ، لفها الغموض الواضح أصبحت أيها الرفقاء درويشاً ! ولا عيب في ذلك ، لا عيب البتة أن يبيت المرء على ما هو عليه ويصبح دون تخطيط سابق درويشاً .
والدروشة هي حالة لا بأس بها لمن تطهر من أدران الأرض ومخاوف السماء . فهي حالةُ ما بعد العقل . أو لعلها ، حالة القبول المطلق لكل ما يحدث والرفض المطلق له . إنها نوع من الركود المتأجج كجمرة موقد استوفت لهيبها واستقرت على جمرها ، أجل .. أجل وجدتها ، فالدروشة هي الوقوف على الحد الفاصل بين جهنم من الأسى وجنة من الاإكتراث .
هذا ما أنا عليه الآن . فهل بدأتم تتعقلون طلبي الأول بأن تتعرفوا إلي ...؟
صحيح بأن التعرف إليَّ أمر شاق ، كمن يود الغور عميقاً ليعرف ، بأن السبب الوحيد لإكثار البدوي في الصحراء من إرتداء الملابس والعباءات رغم حرارة الشمس ، هي لكونه لا يملك الكثير من الملابس ، أو لأنه يلبس كل ما يملك ، ولكن المشكلة كما يبدو لي ، وبعد إطلاعي على الفكر الغربي الذي حيرته هذه الظاهرة المحيرة .. هي أنه يعتقد _ الفكر الغربي _ بأن كثرة الملابس وصوفيتها البعيرية ، خاصة إن كانت فضفاضة من الأسفل ، تصبح آلة تبريد ، حيث أن حرارة الجسم تسبب للهواء الحبيس تحت الثياب بالتمدد ... فيخرج ليحل مكانه هواء أبرد ، وهنا كما ترون يستغل البدوي بفطرته " النظرية النسبية " ، تلك التي نادى بها البرت آينشتاين ذو الدماغ الإسطوري .
لقد سُقت لكم كل هذا ، دون أن يكون المسوق هو المقصود ، وإنما ، بداوتنا الصحراوية .
قال لي أحدهم ، أيضاً لا أذكر اسمه :
- البداوة هي نوع من الشراسة الفطرية . إنها عناد ، إنها تحد لأقسى ما يمكن أن يكون : العطش ، النار والريح . ثلاثة لا يقهرون . فلماذا خانتكم بداوتكم وبدأتم تنهارون من هبات النسيم وزخات المطر ؟
سحقاً له لقد سخر مني . لقد أوغر صدري غضباً ! وخاصة لأنه انصرف قبل أن أشرح له بأن رئاتنا توقفت عن العمل منذ عهد بعيد ، ولهذا فنحن لا نحتاج إلى الهواء ولا إلى الريح ، وإن الصمغ الذي نصفف به شعرنا ... ونعقد به لماتنا يتأثر تأثراً بالغاً من هطول الأمطار ، غزُرْت أم خفّت . ما العمل ، إنه غبي وغبي وغبي وغير مطلع على مجريات الأمور ..
إنه بغل !.
قال البغل للحمار :
- ما أحمرك !
ففكر الحمار قليلاً وقال له :
- ما أغباك ....
فضحك البغل وقال له :
- أرأيت بأنك أغبى مني ؟
فقال الحمار : وكيف ذلك ؟
فقال البغل : - وفق السياق ، كان عليك أن تقول لي : ما أبغلك
وليس ما أغباك ....
فضحك الحمار وقال : قبل أن أجيبك فكرت بما يمكن للبغل أن يفكر ، فغيرت تفكيري وفكرت بما يجب للعاقل أن يفكر . المهم هو أنك بغليُّ الفكر . . وأمثاك ينجرون وراء السياق .. فيهضمون ما اجتره الآخرون ... عليك أن ترتفع قليلاً عن بغليتك أيها الحمار !! .
وهكذا أيها النجباء ، نصح حمار بغلاً بأن يتوقف عن " حمرنته " ويرتقي بفكره ويتجاوز السياقات والمتعارف عليه كي يتطور ويفكر بشيء يجدي . ولكن ، تبقى الحقيقة المرة وهي أن الحمار .... حتى الحمار ملَّ من أن يظل حماراً ! ، علماً بأن أحداً لم يمس له شعيره ودون أن يسلب له أحد مخلاته ..... وإلا والله .. ولو حدث لأصبح أسداً !
تهادى الأسد في مشيته الرجولية ... وزأر زأرة واحدة ثم شنف أذنيه مستمعاً إلى عودة الصدى .... فهز رأسه اعجاباً حين عاد الصدى متهادياً بين الوديان والتلال ... فقال مبتسماً :
- حسناً .. حسناً ... ما زال صوتي قوياً ، ما زلت الملك . ما زلت السيد الذي تهابه الأرانب والغزلان .. تهابه الحيوانات والأحياء. ... ثم شعر بالجوع يقضم له أمعاءه ... منادياً اللبوات كي تصطاد له ما لذ من الغزلان والأرانب ..... وجلس ينتظر ، فلم تقبل عليه أى منها . فزأر ثانية وثالثة ورابعة ... ولكن دون جدوى .... ومر من جانبه أبن أوى ، فوجد الأسد وقد ضعف وهزل من شدة الجوع .... فقال له :
- ما الذي حدث يا سيدي الملك ؟
فقال الأسد : أكاد أموت جوعاً .... واللبوات لا تلبي زئيري فتأتي لتصطاد لي فريسة !
فقال أبن أوى : لقد أنتهى عصر الإتكالية يا سيدي ، عليك أن تكون عصامياً فتذهب لتصطاد بنفسك ...... !
فقال الأسد غاضباً : لا أعرف الصيد ....أنا الملك .......
فقال ابن أوى : لا تعرف الصيد لا تعرف الحياة .. لست الملك .... لقد تغيرت الدنيا يا سيدي عليك التوقف عن الاعتماد على الغير . يجب عليك الا تكون ملكاً بالزئير والتخويف والبطش بإناثك .. وإنما عليك أن تصبح ملكاً بأفعالك وإنتاجك وجدواك لنفسك ولغيرك ....
فزأر الأسد غضباً ووثب على ابن أوى .. ولكن الجوع الذي أخذ منه كل مأخذ حال دون الوصول إلى ابن أوى الذي فر سريعاً وهو يقول ضاحكاً :
- واملكاه ..... عجزت عمن مثلي فكيف ستقدر عمن مثلك !!
تغيرت الدنيا .. تغيرت !
داس الجندي على عنق الدكتاتور الذي التحى حين حُرم من نعمة الشفرات والحلاقين ، وكانت رائحته كبخراء الخنازير ، قُبض عليه مختبئاً في أعماق الأرض . منزوياً خوفاً . تغيرت الدنيا فلم يعد عنده جند تطلق النار من أجله .... ولم يعد يملك القصور والملاجيء التي تحميه من الغارات ، لقد أخضعته القوة العظمى .... وشتتت شمله .
لقدنسي هذا الجبار طوال حُكْمِهِ ، أن من يحسن إلى شعبه وجيرانه يجد عندهم حطباً لمواقده في الشتاء ... ولم يعرف آبداً الحكمة في القول :
إجعل قلبك أيكاً للحب والرحمةً
فلا أحدَ لا يقدر عليه أحد !
وهنا تكمن المعضلة .. وهنا يكمن حلها . فلو أدرك من لم يدرك أن ما يدركه يضر بالإدراك ، لأدرك ، أن ما لم يدركه ، يجب عليه إدراكه ليحمي الإدراك ... ومن أين تأتي لنا الصيرورة بمثل هذا الملاك ... ؟ فكلنا والحمد لله رب العالمين عالمون بكل الخفايا والظواهر ... ، نحن كسفر تجد على صفحاته كل الخفايا ... وكل الجواهر وكل الحكم وكل ما لم تدركه الحضاره وما لم يخلفه التاريخ .... أجل نحن سفر فيه كل شيء .. فلتأخذوا نصائحكم الهزيلة ... فهي لا تفيد الا الشعوب ، ضعيفة الإيمان ، الشعوب التي لا فراسة لها ولا إدراك ... ولا روح ...
- أبي .. أبي .. هل للقطط والفئران أرواح ؟
- لا يا بني .. إنها آلة حية وظيفتها أن تخدم الطبيعة .. ووظيفة الطبيعة أن تخدم الإنسان !
- أنت تمزح يا أبي ... فلماذا يجب على الطبيعة والالآت الحية أن تخدم الإنسان ؟ أنا لا أعتقد بأنك مصيب في ادعائك هذا !
- لماذا أيها الشقي تعترض على كل ما أقول ... ؟
- لأنك يا أبي كمن يقول ، بأن الحديد هو مادة لزجة ... وهذا لا يمكن أن يكون من باب الإستحالة !!
- وكيف بواسطة باب أو أبواب الاستحالة يصبح ما قلته خطأ ؟
- الخطأ يكمن في غائية الخدمة .. فهي تلزم من لا يستطيع خدمة نفسه .... فتخيل ، كيف يمكن لأحد لا يفلح بخدمة نفسه أن يخدم اللآخرين؟
فنبر الأب قائلاً :
- صهٍ يا ولد .. لا تبلبل عقلي وفكري ، ولا تقلب الدنيا رأساً على عقب !
- لعلني يا أبي أقلبها إلى حيث يجب أن تكون .. بعدما قلبتموها أنتم رأساً على عقب ... لأن الحقيقة تقول أن الذي يخدم هو الذي يدرك معنى الخدمة ، والذي يعرف معنى الخدمة هو الإنسان .. وهذا معناه أن الإنسان هو الذي يجب عليه خدمة الحيوان والنبات والطبيعة بكاملها ، نحن يا أبي خدم ولسنا أسياداً ! .
- أغرب عن وجهي يا ولد .. أغرب فأنت لا تأتي والله الا بما يحير العقل ويقلب الدماغ !
واغرب الولد عن عيني أبيه .. وما زال حتى اليوم .. !
هذه عادة نتوارثها عن الأجيال ... ونحن لا نقوم بذلك من منطلق العقوق ... ولا انكاراً للبر بالوالدين .. إنها فقط نزعة شرقية طبيعية تتمطى بنا وتتثاءب نعاساً من الروتين والمحدودية ... هذا كل ما في الأمر .. أما ما تبقى من أمور فهي على ما يرام ... نحن نحب ما نحن عليه ... نهيم شغفاً بطبيعتنا المسالمة وبقناعاتنا التراثية لأن القناعة كنز لا يفنى . وليُضرب بطرس وكل ما يملك من الآت طبيعية تسير على أربع عرض الحائط
أربعة يا أيها السائل ، إن حافظت عليها سعدت :
الأولى : إن جعت كل !
الثاني : إن عطشت اشرب
الثالث : إن نعست نم
الرابعة : إن الحت عليك الحاجة وتقلصت أمعاؤك فليكن المرحاض وجهتك .
وكل هذا مشروط بأن تأكل من أرضك وتشرب من آبارك وتنام في بيتك وتقضي حاجتك حتى ولو في أحراج الوطن ، أجل ، إياك أن تسرق الأكل والأرض ، الشرب والبئر ، البيت والفراش وإياك أن تدخل مراحيض الغير ...
فهذا يشكل خطراً على السلامة العامة وعلى السلامة الخاصة ،خاصة وإن كانت السلامة الخاصة ..من خصوصيات السلامة العامة .... أجل ، لعمرك فأنا لا أسخر منك ولا أسخر من أحد ... لأنه في أحد الأيام دخل أحد لا أعرفه ، كالعادة ، إلى مرحاض الغيرفوجد أفعى وقد التفت على القرفاص .. ( والقرفاص هو القعادة التي يقرفصون عليها لقضاء الحاجة – وهي من إختراع الحاجة الآن ) فخاف جداً وجداً وجداً وفعلها في ملابسه الجديدة .. ولم يكن في بيته ليستر على نفسه فيدخل إلى الحمام ليستحم .. ولم يكن في أرضه ليختبيء تحت شجرة ظليله .. ولم يكن في وطنه حتى يحن عليه ناسه .. فقبض عليه متلبساً بوسخه ، الأمر الذي سبب له الإحراج والخجل .. و ... من شدة فزعه ومن شدة رائحته أُغمي عليه .. فهربت الأفعى من سقطته ومن رائحته الفتاكة وهي تقول :
ينقصني حقاً أن الدغ هذه الكومه الكريهة النتنة ! ينقصني حقاً ... كي يشاع عني أنني أروم زرائب الخنازير واسبح في نقيعهم .. أو كي يقال : استعملت طهر سمها في أورام الدنس . وانسلت تنساب خارجة وهي تغطي برأس ذيلها خيشمها مبقية مجسها – لسانها – في بلعومها كي لا يلحق به الأذى من هذا الأذى الملقى على الأرض .
أرأيتم ؟ كل هذا يحدث أمام عيونكم ، ولكنكم لا تميزون ذلك .. لعله من كثرة أشغالكم ، ولعله من كثرة النعاس والتعب ، فنحن هنا تعبون دائماً ، تسقط رؤوسنا على صدورنا من قلة النوم والسهر .. أو لنقل السهاد .. لأنها كلمة فيها لطف العاشق وحيرة الولهان ... لربما ، نحن لا نرى ما أشرت إليه سالفاً ، لأننا نتمسك بعذرية الأخلاق وعذرية التعامل مع الأشياء .. وهذا صحيح إلى حد ما .. فنحن نكره الإباحية ونذمها ولا نقبل بها ، كل شيء يجب أن يكون طاهراً من التعقيد ، طاهراً من التجديد .. طاهراً من إمكانية أن يكون شيئاً آخر يمكن أن يكون مفيداً وفعالاً في هذه الفترة التاريخية الوامضة .. بكل ما يومض ويلتهب وينفجر ويُصدر الأصوات المفزعة ...
حدثت جدتي قائلة :
شاءت مرة جمرة في الموقد الا تُرمّد ، أي الا تُطفأ .. فاحتار المستدفئون من هذه الظاهرة ، خاصة وإن الصيف أصبح على الأبواب ... وكبوا عليها الماء من الدلاء فلم تطفأ ... واستنفر المستدفئون من تبقى من رجال ونساء الحي .. وقاموا بشن هجوم إطفائي لم يسبق له مثيل ... وبقيت الجمرة محمرة هانئة تفترش رماد الموقد وكأن لا شيء يدغدغ إبطيها كما يقال . واستجار المستدفئون بالأمم المتقدمة والأمم والمتأخرة ، ولكنهم خرجوا بخفي حنين .. وأصبحت هذه الجمرة عقدة من عقدنا التراثية ... وعقدة من عقدنا التقليدية والدينية والإجتماعية ، والأهم أصبحت أعقد عقدنا السياسية ...
قالت جدتي وهي تبتسم : المشكلة في هذه الجمرة التي اقلقت وجودنا ، هي أنها ستطفأ وحدها ، فقط ، حين يأتي أحد عاقل ينظر إليها عن كثب .. لأنها في حقيقة الأمر ، ما هي سوى حجر أحمر لا شرر فيه ... وما الشرر الذي نراه سوى شرر نابع من مخاوفنا من كل ما هو غريب .. فيستعبدنا جهلناوتخذلنا معرفتنا .
قالت جدتي : يا بني لا يُطفئ الجمرة إلا رمادها ..ثم أردفت قائلة : شريطة أن يكون جمرة !! ويجب أن تعرف بأن رمادنا ما هو الا جمراتنا التي انطفأت !
إنطفأت الأضواء في المدينة ... ودوت صفارات الإنذار ، فاخترق صفيرها الحاد الأعصاب والقلوب وشتت العقول ... فبدا وكأن كل شيء بتقلص وكل شيء يتربض وكل شيء يقرفص ... فلا أحد سيعرف أين سيحط الصاروخ ، ومن سيصيب ... ولا أحد يملك نظراً معافى كي يرى تلك الشبحيات التي تحلق بعيداً تلتقط صوراً لفراخنا ودجاجاتنا وديوكنا الذين يدافعون عنا بصياحهم الذي توقف استعماله كمعلن عن قدوم الفجر منذ زمن بعيد .
المشكلة الأساسية التي تطيح برؤوسنا وتقصم هاماتنا ... إننا ضحايا التفوق ، وضحايا قصر النظر ... وضحايا العزائم العلمية المثبطة .. نحن نكره المواد الصلبة ونكره الزجاج والاسلاك والموجات المبثوثة ... نحن روحانيون في طبائعنا ، فلا استعداد لدينا أن نغامر ونضحي من أجل أن نخترع إبرة نخيط بها الملابس ... أو رصاصة نذيبها فوق رؤوس مرضانا لنطرد الشياطين والأرواح الخبيثة .. نحن كأسود الغاب نبحث عن إناث لتخدمنا ، تدلك وتغسل لنا أقدمنا في المساء ، بعد أن تحضر لنا الأرجيلة وأكواب القهوة والشاي !
نحن أصلاً نكره الدائرة لأنها تتدحرج وتتحرك ... نحن عذريون حضارياً ولن ننال أية ريشة من أي جناح حتى ولو ملأنا السماء بمصايد الغراء .
هذه هي الحقيقة ... وهي مؤلمة .. أجل هذه هي الحقيقة ، وهي أنهم متفوقون علينا ... ولأن الحقيقة هي " طوربيدو " يدفعك إلى الحرية والنقاء ... فيجب علينا أن لا نحمّل ضمائرنا المزيد من الشعارات العقيمة الممجوجة السوقية محلياً وعالمياً يجب علينا أن نتهيكل من جديد .. يجب علينا أن نتعلم منهم ، يجب أن نتطور وساعتئذ فقط ستتحول الهيمنه إقتصادياً وحربياً إلى مشاركة حقوقية ..... علينا أن نتهيكل من جديد لعلنا نخلق عربياً جديداً يرى إلى البعيد .. يسلك بشكل مغاير ... يغامر .. ولا يخاف من الجديد .
لا أريد بعد الآن أن أكره من تفوق علي .. إنما أريد أن أتعلمه وأتعلم منه وأشاركه تفوقه ، بل أريد أن أصادقه ، فصديق متفوق تأتي منه الجدوى ... ولا يأتي من الجدوى سوى اليسر والسعادة ....فهل ترونني جُننت ؟
لماذا أنت وأنتِ وأنتم تحدقون بي بمثل هذا الإشمئزاز !
رحماكم ...
فلقد أصابنا العفن في أحشائنا ....
رحماكم ..
لقد صدأت أعصابنا ومهاراتنا ....
رحماكم .....
لم تعد أعشابنا تجدي .. لم تعد تشفي أمراض العصر ... ينقصنا الإشعاع ... وتنقصنا الأمصال والأبر والأقراص ومراقب نرى بها جمال الخلية .
ونحن نملك القدرة ... !
قال النسر لواليده الذي ذهب يدرج مرفرفاً بجناحيه الصغيرتين :
- هيا ، رفرف بجانحيك أكثر وطر في السماء
فقال النسر الصغير : لا أستطيع الطيران لا أستطيع !
فنبر به الأب قائلاً :
عليك أن تؤمن بأنك تستطيع الطيران فإن جربت نجحت لأنك تملك القدرة ...
ولهذا أيها السادة الكرام .. الفضاء اليوم مليء بالنسور والطيور المحلقة ..... والسبب في ذلك هي إرادة التحليق إن وجد الإمكان ! ونحن نملك الإمكان ....
فهيا نحلق ... في السماء الرحيب ... نحمل معنا ما يعز علينا .. ونضيف عليه ما يتكشف لنا من جديد .
أعتذر أيها السادة .... اعتذر ... فلم أعرف بأنني سأوغل كثيراً في خطبة الشرق هذه .. إنها نوع من الهلوسة الشرقية التي نصاب بها عن قصد وعن غير قصد . إنها هلوسة أو كما سبق وقلت نوع من الدروشة الحالمة . وإن ما قلته ، قلته دون البت في صحته أو عدم صحته ... لربما أصابني ما أصاب ذاك المدعي الذي قرأ الكتاب من آخره ... ففي نهاية الكتاب يموت البطل .. وهكذا ، فأول ما قرأ في الكتاب – ذاك الجاهل – أن البطل مات .. وحين تقدم متراجعاً إلى نصف الكتاب وإلى بدايته تفاجأ بأن البطل ما زال حياً يرزق .. فرمى بالكتاب جانباً متهماً المؤلف بالجنون متسائلاً كيف يمكن للأموات ان تنهض وتمارس الحياة بطولها وعرضها وقد أُعلن قبلاً عن موتها ؟ هذا ما اعتقده ذاك القاريء المقلوبي ! فإن كنتم ترون بي هذا الجاهل الذي قرأ الكتاب من الآخر إلى الأول .... فأختلطت عليه الأمور .. غضوا النظر عن هذا الشذوذ الهاذي رأفة منكم وكرماً ، وألا أصابنا ما أصاب أقوامنا في خلافهم الذي لا حل له . فإن كنتم لا تعرفون القصة ، فساحدثكم بها :
بدأ خلافنا حين أدعى أحد أمام جاره بأن أذكى ما يمكن أن يدخل البلعوم من مأكل هو لحم الجمل المشوي ..... فما كان من جاره الا أن اعترض عليه قائلاً ، بل لحم العبور البري ...
فأجابهم الأول : لا بل لحم الجمل
فأجابه الجار : بل لحم العبور .
فما كان من الأول الا ومسك هراوة وهوى بها على رأس جاره فشرخها وانبجس الدم يلطخ له الوجه .
تجمهر بعض الناس حولهم ، فسأل أحدهم عن سبب النزاع ، فقال له أن المجروح أدعى بأن لحم العبور هو من أذكى المآكل ... ، فاعترض عليه الجاني قائلاً أن لحم الجمل أذكى وضربه عقاباً وانتقاماً ..... فصرخ السائل : يا ويلاه ... كيف تتجرأ يا هذا وتدعي بأن لحم الجمل أذكى المآكل . خسئت ... القوزة المتبلة هي من أذكى المآكل ، ثم مسك بهراوة وهوى بها على رأسه .. فجرحت كرامة الذي يحب الكنافة ، فضرب محب القوزة ... ووثب أخر يحب التبولة ... فضرب الضارب وهكذا دواليك ، الحرب تدور رحاها .. والجماجم تُحطم ، ولا أحد يستطيع فض النزاع العربي ، ، ولا أحد يفهم شدته وحساسيته .. حتى أن الأمم المتحدة ارسلت وسيطاً ، وشمال حلف الأطلسي والأمريكان الذين يهمهم الاستقرار في المنطقة ، تدخلوا بقواهم الجوية والبحرية والصاروخية .. وما زالت الهراوات تحطم الرؤس والكنافة تلقى في الطرقات ... وأفخاذ الجمال والعبران والقوزات والتبولة ... !
ولو نظر العارف ملياً إلى أسباب هذا الخلاف الذي لا ينتهي لتنفس الصعداء ... فهو خلاف يكاد يكون غريزياً .. خلافاً ذوقياً إن صح التعبير .. أما الخلافات تلك .. ذات المستوى النظامي والسلطوي والإقتصادي فهي مستقره ولا خلاف فيها ، المشكلة هي أن لا أحد يستطيع أن يقنع محب الكنافة بأن اصابع زينب والهريسة قد تكون لذيذة .. ولا يستطيع أحد أن يقنع محب لحم الجمال بالا يكره محب لحمة العبران ... هذه دوامة كل من يدخل محيطها يغرق .. ولن ينقذ هذا الشرق من الغرق الا إذا تم واجتهد أصحاب الشأن وجففوا البحار التي تخلق بها الدوامات القاتلة . وهكذا نربح صحارى جديدة مليئة بهياكل البحريات من الأحياء والنبات ... فنتعرف حينها على الفقريات واللافقريات ونفتح المعاهد العليا نعلم بها ما قد يحدثه الجمل ولحمه ، والعبور وصوفه من تغييرات جيولوجية واقليمية .... ولو تجرأت أكثر لقلت ، إن سبب تقلص طبقة الأوزون ناتج عن غاز خاص يتحرر من فضلاتنا ، وخاصة تلك التي تأتي من بطون الأسياد والمعرشين على شرقنا كأشجار العنب الظليلة .
استلقى اعرابي على ظهره تحت شجرة عنب وارفة الظلال ، والأسى يتقطر من جبهته العريضه ... محدقاً في دواليها وحصرمها المتدلي فوق رأسه .
ثم خاطب قطوف الحصرم متألماً :
- شهوتي تتأجج في دخيلتي .... وإني مشتاق أن تنضجي فاستحلب منك خمرك !
شهوة تخنق صبري على الإنتظار ... هيا اكبري وانضجي .. هيا
فلا وقت لدي ولن امنحك وقتاً ليتأهل خيرك .. فأنا مدمن الآن ... الآن ، الآن !
ونهض ماداً يده قاطفاً قطوف الحصرم وبدأ يلتهمها الواحد تلو الآخر حتى شعر بأن لسانه يلتصق في سقف حلقه ، وأسنانه تلمع ألماً وكأنها تتصدع تحت مطرقة لئيمة .. لقد أصابه الضرس فتخثر ريقه وكاد أن يختنق .
أرأيتم أيها النجباء ما حل بهذا المسكين .. قلبي يحترق عليه من ظلم العنب ... فلقد تباطأ في النمو خصيصاً ، ففقد صديقنا صبره فالتهمه حصر ما فضرس .. سحقاً للعنب كم يكرهنا !
سحقاً له كم يكرهنا ...
قالت المجنزرة لراكبها المدفع :
لكم يكرهنا الأطفال .. لكم ، تعترض أجسادهم قذائفنا فنخطيء الهدف ... وبدل أن تُهدم البيوت القديمة العابئة الخطرة على أصحابها تذهب القذيفة سدى !
كم يكرهنا الأطفال ...
وكم نحبهم نحن !
فقال المدفع : لم أسمع قط عن أطفال في مثل هذه الغرابة ... دائماً يجدون حتفهم ... إنهم يبحثون عن حتفهم طوال الوقت ... يجلسون في البيوت حين تسقط القذيفة .. ويتواجدون في الشوارع حين تزغرد الرشاشات .. ما أغربهم يبحثون عن حتفهم بنفسهم . وهذا هو الشيء الذي يجعلهم يختلفون عن أطفالنا .. فأطفالنا يُقتلون وهم يختبئون من الموت .. تأتي قنبلة بشرية وتفجر نفسها بينهم .. ما أغباهم .. ما أغباهم هؤلاء المتفجرون .. يعتقدون بأنهم نوع جديد من القذائف والمتفجرات
وكان يصغي إلى هذا الحديث طير دوري يقف على مقربة من المجنزرة فقال :
يقتلني غباء الإنسان ... ما أغباهم ... يتفننون بالكلام .... والأمهات هن اللواتي يبكين ، والأطفال هم الذين يُقتلون ... ما أغباهم ... ما زالوا لا يعرفون بأننا جميعاً أبناء الله ... وأن الأحياء خير وأقدس ما خلق ... لا أفهم هذا الإنسان الأحمق ، ألم يكتشف بعد بأن أكثر الأمور بدائية هي الحرب ؟
ما أحمق الإنسان ....
ما كاد ينهي الكلام حتى شاهد رصاصة تتجه نحوه فأنتحى جانباً ورفرف هارباً !
هرب عليِّ وإلى جانبه صديقه داني ، يركضان بكل ما أوتيا من قوة وهما يصرخان هلعاً ، وفجأة سقط عليٌ على الأرض فجره داني حتى سقط هو الآخر ، فنهض عليُ وجر داني ودواليك حتى إختفيا عن الأنظار .
لا احد يعرف من شهود العيان ممن خاف الصديقان .. وما الذي اخافهما ... والى اين هربا ....
القصة غريبة ..... غريبة جداً .... فالغربيون لا يستطيعون فهم هذا التعقيد المفاجيء ... ومراقبهم لم تلاحظ ولم ترَ وتكتشف رغم دقتها هذا الشيء الذي اخافهما .. الامم المتحدة ترى ان كون الاثنين سويا ينتج مادة الأدريانيل في المخ فيصاب المرء بهوس الخوف أو عقدة الإرتياب ... ولعل هذا ما جعلهما يتخيلان وحشاً يطاردهما فهربا ينقذان بعضيهما البعض حتى غابا عن الأنظار !
الشرطة الدولية لم تفلح هي الأخرى بحل هذا اللغز ... رغم أنها استنجدت بكل الشرلوكات هولمز والأرسينات لوبين والكوجاكات ... وجميع أقلام ومكاتب الاستخبارات .
المهم أن جميع العارفين بالسياسات المحلية والدولية أقروا إن ظاهرة علي وداني هي ظاهرة خطيرة في الأصل والأفضل لهما أن يبقيا خائفين وهاربين إلى الأبد .
وهب الطالب على قدميه سائلاً :
- استاذ لماذا يكذب الشبان على الصبايا والصبايا على الشبان بقولهم : - أحبك إلى الأبد ؟
فقال الأستاذ : ولمَ تعتقد بأنهم يكذبون ؟
- لقد سمعت فتاة تقول لجاري : أحبك إلى الأبد ... وسأبقى معك الى الابد ، وبعد خمسة أيام خطبت إلى شاب آخر في الحي !
فقال الأستاذ : - لعلك لم تسمع جيداً فقد تكون قالت له : أحبك وسأبقى معك إلى الأحد !! وهذا ما حصل حقاً !
فقال الطالب النجيب : يا استاذ هذا ما يحدث في الإتفاقات السياسية وليس الغرامية ... !
فقال الأستاذ : أيها التلميذ لا يهم أين يحدث الأمر ... المهم إن في كلتا الحالتين يكذبون ! وذلك لأن الحب ليس مجرد تصريح يقوم به أحد الطرفين ، كذا السلام ... الحب والسلام ممارسة وإرادة حية تنبع من الجانبين .... المشكلة هي إن إرادة الحب والإحساس به وإرادة السلام والقيام به كعنقود العنب .. إن أُكل حصرماً ضرست الأسنان ... وإن أُكل ناضجاً كان حلو المذاق طيب النبيذ !.
- وكيف يمكن لمثل هذا الأمر أن يتم يا أستاذ ؟
- من يريد يا استاذي للعنب أن ينضج عليه أن يملك أولاً نية وهدفاً ... نية أن يُسّمد الأرض ويحرثها ويرويها حتى يصل إلى الهدف ، وهو العنب الناضج ... عليك أن ترعى الحقل والكرم كي يطعماك ... فإن تركتهما وأهملتهما أكلتهما الأعشاب والطفيليات !
أفهمت يا بني !؟
فقال الطالب وهو يهز برأسه :
- فهمت .. فهمت !
المعضلة أيها لأصدقاء النبهاء ، أننا جميعنا طلاب لا أساتذة لنا ليعلمونا كيف نُسِّمد الأرض حتى تنضج الثمرة التي يقتات منها بنو البشر ، وكيف نرعى الحقل فنبعد الطفيليات الضارة عن سيقان وجذوع الأشجار ، لقد شاهدت مرة حقلاً من الزيتون دُهنت جذوعه بالكلس الأبيض ... وكانت الأشجار حاملة حتى تقصفت أغصانها ، وحقلاً آخر رأيت الأعشاب قد غطت ترابه وتعالت فيه ، ولم يكن زيتونه بحامل إلا القليل وأدركت بذكائي البسيط ، أن الرعاية التي نالتها تلك الأشجار ، جعلتها تثمر بوفرة ، وتلك التي أُهملت قل نصيبها .
فما أقل نصيبنا ...
قال المسن لصديقه المسن :
- لقد ظل أبو يوسف يحدثنا قصته العجيبة عن المخلوق العجيب الذي وجده في إحدى مغائر الكرمل ، الموغلة في غاباته ... وعندما أشرف على النهاية انتصب كالملدوغ وذهب من مجلسنا .. ولم يعد أبداً لينهي القصة ...
ما أقل حظنا ...
لم نعرف ما الذي حل بالمخلوق الغريب العجيب الذي اعتاد مساعدة الناس الذين يتعرضون إلى المآزق والأخطار في الغاب ، الحقيقة ، إنه حين وصف لنا ظهوره ووصف لنا بشاعة وجهه وحجمه المخيف اعتقدنا بأنه سيفترسه ويلوكه ويعجنه في فمه كعجين الخبازين .... ولكنه ، وبدل ذلك أخرجه من الحفرة التي سقط فيها وأسعفه .
الخقيقة يا صديقي ، وبعد أن مررنا كل تلك السنين ، بدأنا نعرف بأن الجمال هو جمال السلوك وجمال العقل والضمير ... وما المظاهر سوى بريق لا ذهب فيه الا إذا استوت الأخلاق والسلوك الحسن ... حقاً ماذا يخسر الإنسان إن أحسن سلوكه ؟
وما كاد الرجل ينهي كلامه حتى دخل عليهم المخلوق العجيب الغريب ووقف أمامهم ... فأنتصبا على أقدامهم هلعاً وتراجعاً إلى الخلف وهما يرفعان أيديهما كمن يحاول الدفاع عن نفسه من هجوم مرتقب .
وجلجل صوت المخلوق الغريب ضاحكاً وقال :
- مما تخافان ... أنا السلوك الحسن .... أَنا الذي تحدثتم عنه الآن ...... فلمَ الخوف ؟
فأجاب المسن : لقد اعتدنا أن نجفل ونشكك بالسلوك الحسن قبل دخولك ... إنها عادة لا نستطيع التخلص منها ، فكلما قام أحدهم بعمل حسن نشوه له وجهه حتى يبدو بشعاً ... نحن نعاني من سوء النية وجفاف الضمير ...... نحن هكذا .. كما ترانا .. إنه مرض وراثي .. شيء من الإنزيمات الميتة في المعدة ، أو قل ، نوع من الخلايا الشريرة التي تلتهم صفاء العاطفة وصفاء الفكر ..... نحن هكذا ..... هكذا خلقنا ربُنا .... طفرة طبيعية خارجة عن قوانين الحلم والنية الحسنة ....
وأرتعد المخلوق العجيب الغريب ..... وتراجع وهو يهتز خوفاً صارخاً بصوته العملاق :
- ما أبشعكم ... ما أبشعكم .. فلأهرب قبل أن تلتهماني ! وهرب المخلوق من حظيرة الإنسان البشع وما زال يركض هلعاً كلما نظر إلى الخلف !
والآن أيها الأصدقاء ... وبعد أن عرضت عليكم ما لم أكن أعرفه عن نفسي ... سأبدأ بمطاردة هذا المخلوق البشع .. كي أهديء من روعه ... كي أثبت له بأننا لسنا جميعاً على هذا القدر من البشاعة وسوء النية .. تعالوا اركضوا معي ..
فقد نقبض عليه
لنحميه من مخاوفه .....
تعالوا نركض خلفه حتى نعرق .....
حتى وإن لم نمسك به ، فالعرق يُخرج السموم المتراكمة في أوردتنا وأخلاقنا ....
حقاً أيها النجباء ، لماذا لا تركضون خلف هذا المخلوق وخلفي ... ؟
اركضوا من فضلكم !!
اركضوا خلفي وتمتموا
ما أوسع العالم
حين يحل السلام
ويسود الحب !
في انتظار ابراهيم الخليل
تداعيات
السلام عليكم ،
تعرَّفوا إلي من فضِلكم !
أنا أحدُهم ... !
واحدٌ من هذا العالم ..!
لا يعرفني أحدٌ من الناس !
وأنا لا أعرف أحداً منهم ...
واحدٌ من مليارات البشر الذين نعرف عن وجودهم من المعلومات المتيسرة لنا طريق الصدفة .
المشكلة الأساسية في طلبي إليكم بأن تتعرفوا إلى ، هو ، أنني لا أعرف السبب الحقيقي لهذا الطلب ... !
إنه مجرد طلب لا قيمة له البتة ... ولا غاية لي منه سوى الفضول ، أو لربما التطفل ، أو التدخل بشؤون نباهتكم وانتباهكم ، الذي هو ملككُم الشخصي ! .
حقيقة ، لا أعرف لماذا اطلب منكم أن تتكرموا علي بأن تتعرفوا إلي ... خاصة وإنني أنا نفسي أستصعب التعرف على هذا الأنا المسمى نفسي ...
فليكن ..!
مهمٌ لي جداً بأن تعلموا ، بأنني غير جاد مائة بالمائة في توجهي هذا .... وأنني في الحقيقة ، لا اعرف فيما أذ كان ما أقوم به الآن هو اندفاع ، أو هوس ، أو نوع من الوقاحة التي تصيبنا أحياناً كفيروس الزكام .
كل ما أعرفه أن صديقتي الصغيرة قالت :
شمس الشرق ينقصها الضوء !!
قالت لي هذا الشيء حين لم يفرق الجندي ، هناك في مكان ما ، بين الطفل والأرنب ، فأطلق النار . . . !
وحُكم عليه حكماً قاسياً ، شهَّر بسمعته الطيبة كقناص مهني . . واعتذر من اعتذار باسمه قائلاً :
كل ما في الامر ، لم يرَ بسبب نقص الضوء في الشمس ... !
إن فقدان الضوء يسبب الكثير من التسربات المظلمة إلى نهجنا الحياتي ... سياسياً كان أم اقتصادياً أم غرامياً ..... وبتنا نستعمل المصابيح ذات المدى القصير.... القصير جداً، الذي سرعان ما يصيُب حاشدتها العطبُ فيفقر ضوؤها .... وتنفذ طاقتها ، فكيف بالله .. كيف سنرى الجرذان والقواضم والحشرات في الليل .... ونهارنا في الشرق حالك ؟
رغم كل هذا الأسى .. ،
فلقد انفجر صديقي ضاحكاً حين أخطأت الأباتشي الهدف المستهدف وأصابت بيتاً عامراً بالمواطنين وهتف :
- اللعنة .. اللعنة .... أخطأ ...ما أتيسه ... ! لو كنت مكانه لفجرت له صدره!.
الواضح ان المعايير الحديثة مصابة بالعقد المصرفية ... أجل .. أجل ، العقدة المصرفية ، وصلتُ إلى نقطة أرخميدس .. إلى البداية ... وأنا لا أفهم بالضبط كيف ستفهمون ما أقول .. ولكي تفهموا فانا مضطر أن اوضح لكم شيئاً ... عن القيمة لذاتها والقيمة التي لا ذات لها ..لا أعرف كيف .. ولكن بعض الصبر قد يمنحنا التعقل ، فما نفع المصرف الذي لا يجني الاموال الطائلة من الربى وفروق الأسعار وغلاء المعيشة .. ؟
عرفتُ ... الآن تذكرتُ شيئاً يساعدكم في فهم ما أقول :
المنفعة .. فلا قيمة لشيء إن لم تكن له منفعة ... !
في السنوات القادمة ستقام في العالم وحدات خاصة تبحث عن قليلي المنفعة لتخلصنا وتخلص العالم منهم .. ولكنني مطمئن بعض الشيء ... فلم يعدْ أمامي إلا ثلاثين أو أربعين عاماً لأحياها .. وهذا يعني بأنني نجوت من تصفيتي الجسدية على يد إحدى هذه الوحدات .... ! .
لأنني مشتت ولا أفهم كثيراً ما أقول .. فسأعاود الشرح... فالمسن لا نفع منه ..! انه لا يعمل ، لا يمارس الحياة ، لا يربح .. لا يُقيم البيوت ولا الجسور ولا كل ما يُقام ولا يفعلُ كلَّ ما يُفعل .. ولا ....
ما عليكم الا ان تتموا قائمة اللامنفعة التي سنُثقل بها كاهل العالم المتمدن حين نصبح مسنين .... !
ورغم هذا الاحتجاج غير الواضح تماماً فما زلتُ أملك بعض الأفكار غير الواضحة تماماً ... ولا بأس إن أشركتكم في هذا الهوس الذي يصيبني كل اسبوع تقريباً مرة واحدة ويستمر طوال الاسبوع تقريباً.
المشكلة هي انني لا أفهم كثيراً من الأمور الكثيرة التي تحدث بكثرة .... فمنذ عشرين عاماً قالت لي حبيبتي :
القلب الذي لا يحب يقتل صاحبه ......
ومنذ عشرين عاماً وأنا أحب ، ومنذ عشرين عاماً وقلبي يقتلني !
قال لي صعلوك ، لا يفهم كما يبدو ، بأنه صعلوك لا يفهم :
مشكلتك يا صاح أنك ترتدي ملابس زجاجية شفافة يرون عبرها عُرْيَك ، ولا غطاء لك سوى قبة السماء . انك تشبه مواطناً من إحدى الدول النامية والنائية التي تخجل الشمس من الذهاب إليها في النهار ... وضحك ... ضحك بصوت عال وقال لي :
- مشكلتك أيها العربي أنك لا ترى إلى البعيد .!
هذه حقيقة واضحة وصارخة .. فمنذ العهد الجديد وأنا أشكو من قصر النظر ... وكلما ذهبتُ إلى طبيب العيون ، يسوء حالي أكثر وأكثر ..... والمشكلة هي أنني لا أعترف جهراً بقصر النظر ... ولكي لا يكتشفوا عماي ... أبدأ برسم صورة خيالية للذي أمامي ...... مُدَّعياً بأن ما أراه هو الحقيقة ..
هذا شيء محزن جداً ...والأشياء المحزنة كثيرة جداً جداً ....
في أحد الأيام قرر قط شرس أن يقتحم أحد الأقفاص ليلتهم أحد عصفورين محجوزين فيه ... وهذه هي الحقيقة ، ولكنه ادَّعى بأنه سيفعل ذلك حباً بالحرية ، فصدَّقتْه الجرذانُ والفئران ، وتجمهروا يهتفون باسم القط الذي سيحررهم من الأقفاص والمصائد ... ! و ...
الحقيقة أنا لا أعرف النهاية ... فلم يبقَ أي فأر وأي عصفور وأي جرذ ليحدثني بالنهاية ...
إنه شيء محزن حين لا نعرف النهاية ، والأحزن من ذلك هو أننا .. نحن أبناء الضاد نعرف البدايات فقط ... أما النهايات فنتركها لغيرنا .
حسناً أراكم تتململون وتتثاءبون من هذا السرد غير المنطقي والممل . وكل ما ارجوه هو أن تمنحوني بعض الصبر فعلَّ الله يفتح علي بشيء مشوق ومفيد في هذه الايام العصيبة .
أجل ، تذكرت قصة كنت قد بدأتُ بتركيبها في خيالي .. وخلاصتها ، أن أحد الفلاحين كان يدخل كل يوم قن الدجاجات ليبحث عن بيضها فلا يجد شيئاً ... وكلما خرج ينظر إلى الديك السمين متسائلاً عن السبب .. فيجيب الديك :
- ماذا تتوقع من دجاجات خائرات ضعيفات لا يحتملن التفريخ . . ؟
وفي اليوم الثاني .. دخل ثانية ليتفحص ، وحين لم يجد بيضاً ، صرخ بإحدى الدجاجات :
- ما أقل نفعكن ... صدق ديككُن بقوله !
فانفجرت الدجاجة غيظاً وقالت له :
- كفى صراخاً وعتباً ، أما سمعت َ؟ :
لا تبيضن الدجاجات بعصر تأنثت به الديوك !
ما قالته الدجاجة محزن للغاية ... فحين تتأنث الديوك ـ ديوكنا ـ نصبح ـ نحن ـ عرضه للهجمات الجوية والصاروخية ... ونصبح هدفاً لكل من يبغي وجبة من الدجاج ، وطمعاً لكل من يحب الشكل البيضوي ...! ! ناهيك عن هؤلاء الذي يحبون الأفخاذ المشوية على مواقد البارود ...
هذه مصيبة كبيرة ألمت بجموع ديوكنا في الشرق .... ولا أحد يعرف كيف يمكن أن نشفيهم من هذا المرض العضال ... الذي ما أصاب احداً وأبقى ... أبقى على شعبه ... ! أو مجتمعه أو قومه أو ما تشاؤون من الأشياء التي ما زلتم تؤمنون ببقائها في حين إنها لم تبقَ !...!
آسف على أنني أدخلتكم في هذا الجو القُنّي ، ويبدو لي بأنني فعلتُ هذا لأن حرارتي ترتفع وضغط دمي يتسلق إلى ما بعد أوداجي ، فكأنني رجل قطبي وليس استوائي يعيش في أحر المناطق على الإطلاق .
الا تصدقون بأن بلادنا ، على ما بها من حدود وحكومات هي من أحر المناطق! فكل شيء بها يحر القلب ويقلي الروح .... صحيح أن الحكومات بدأت بتزويد مواطنيها بالمثلجات الباردة ..... ولكن هيهات ... فإنها تذوب في حال اخراجها من الثلاجات .... ونبقى نحن نتسفع تحت وهج السياسات الحارقة ...
هنا بدأت أوصل الخيوط ..... فشمسنا قليلة الضوء لأن هناك من استبدل هذا الضوء بسياسة سوداء .... ولهذا لم يرَ الجندي فيما اذ كان الهدف طفلاً أم أرنباً !!
مثل هذا الخلط ... وقلة التمييز بين ألاشياء موجود بوفرة في الألفية الثالثة...
قال لي أحدهم كان يمر بالقرب من مجالي الجوي :
- كيف تميز بين الغيمة الحاملة مطراً وبين الغيمة العاقر ؟
فقلت له : - بسيطة .... الغيمة التي تمطر فوق رأس غيري هي الغيمة العاقر .. والغيمة التي تمطر فوق رأسي وحقلي هي الغيمة الحامل ... فقال لي ضاحكاً أنا لا أسألك عن مبدأ سياسة مكيافيلي ، وإنما عن الغيم الذي يحمل الخير لبني البشر والحيوان والنبات !فصحكتُ .. ضحكت كثيراً .. وأردت أن أسأله : وكيف لي أن أعرف ... ؟ وفي بلادي لا توجد غيوم لا بيضاء ولا سوداء . الغيوم تلك التي تحمل الخير تعرج عن ديارنا وتذهب إلى أوروبا وأمريكا ، ولا قدرة لنا على التصدي لها واسقاطها لا بالدعاء ولا بالمناجيق .. وطبعاً لا نملك الصوايخ لإسقاطها ... إنها بكل سهولة تنساب إلى هناك ... ولأنها تخشى من المرقاب النجومي والصواريخ الموجهة بالليزر تسقط لوحدها .. تستسلم ، أجل تستسلم ... وتسقط .
لا علم لي لماذا أحدثكم عن هذه الهراءات . شعرت فقط بأنني كأس من الجعة تتطاير فقاعاتها في اسماعكم .. وكأن يداً جبارة قامت بخضها حتى أزبدت وتطايرت على غير هدى ...
يحدث مثل هذا الأمر كثيراً .. وخاصة عندما تجتاز المتغيرات حدود دماغك الصغير وحين تتفاجأ من التشيكلة الكبيرة جداً للعذاب الثقافي الذي تحياه ! ولكونك ذا دماغ صغير ... سرعان ما تشعر بأن مولّده الطبيعي يفقد رويداً رويداً القدرة على التصنيف والتمييز والإستيعاب والتحليل والاستنتاج ... فتْعلق ... تماماً ، كعجلات سيارة تغوص في الرمال وتعلق بدورأنها السريع بالذرات المتفككة التي لا تستطيع ان تشكل سنداً دافعاً لها لتخرج من مأزقها !!
ولأنك لا تريد أن تغضب من هذا الوضع الذي آليت إليه عنوة . . ولأنك لا تريد أن تضّيع إنسانيتك الفطرية المتمسكة بجذور روحك .. تدعو العذاب والوحدة إلى مضافتك الثقافية .. وتعرض عليهما بعض الإغراءات كي يتساهل معك في عرقلتك ومراوحتك في مكانك كعجلة تئن في فجوة رملية ...
نحن شعب .. برّجنا التاريخ وزيّناه .. وحين جلسنا خلف المقود لم تتطاير ذرة من غبار الطرق في العيون ، أما اليوم فنحن ... آسف نحن عجلة تدور وتدور ... لأن القدم التي تضغط على دواسة الوقود تريد للعجلات أن تذري الرمل في عيوننا وعيون تاريخنا .. !
وثانية أراني عن غير قصد أعود إلى الرؤية وإلى العيون ... فنحن لا نرى إلى الخلف ولا نرى إلى الأمام ... إننا نعاني من العقدة النعامية التي تدفن رأسها في الرمل .... ورغم أن الحكايات التي لم يحدثنا بها أحد من قبل ، إلا واحدة ، قد أختلفت في سبب دفن النعامة لرأسها ، فلا حرج إن حدثتكم عن تلك الحكايات ، وثانية أذكر ، التي لم يحدثها حتى الآن أحد ، فقسم يقول بأنها تدفن رأسها في الرمل لتبحث عن البترول ... وقسم آخر يدعي بأنها تدفن رأسها لتقي منقارها وسقف جمجمتها وقذلتها من حرارة شمس الصحراء الشرقية ... وقسم آخر يعتقد بأن النعامة تعاني من غباء فطري ، فهي تعتقد بأنها إذا " أخفت رأسها أختفت عن عينِّي الحيوان الذي يطاردها ليفترسها " .. وهناك من يعتقد بأن النعامة أذكى مما نعرف .. فهي تعرف بأن الحيوان الذي يطاردها سيفترسها إن آجلاً أو عاجلاً فتدفن رأسها في الرمل لتحميه وكأنها تقول : لا يغرنك كبر الجسد فأثمن ما أملك هو هذا الرأس الصغير .. ولن أدعك تفترسه .. !
أما أشقاؤنا المحتلون على مدى الدهور فيقولون بأن النعامة وخاصة الشرقية تدفن رأسها معلنة بذلك بأنها تدفن ما لا ينفع وتعرض ما ينفع .. وكأن أستها هو خير ما فيها !
طبعاً ، أيها المستمع النجيب ، تُميل الآن رأسك احتجاجاً وتلوي شفتيك اشمئزازاً من هذا الحديث الذي لم يخطر على بالك من قبل فلا بأس عليك ،فهو أيضاً لم يخطر على بالي .. والحقيقة لا أجد سبباً مقنعاً لإلقائه على مسامعك التي اعتادت أن تستمع إلى الأشياء الواضحة والنظيفة .. والتي تترفع عن المواقع الحساسة التي تعرضها النعامات .. ناهيك عن الروائح الكريهة التي قد تصدر من هناك .. فنروّج بهذا عن غير قصد لشركات العطور الشرقية والغربية ونرغب بها لتصد البخراء كما سماها جدودنا علماء العرب .
ما يقلق بالي في هذه اللحظة بالذات .. هو ذاك الإنسان الذي لا أعرف اسمه لأنني لم أشأ أن أتعرف إليه .. فلقد مزقتْني كلماتُه إرباً إرباً ... حطم كرامة إيماني ، وسذاجة حبي ، وبت أنظر من يومها إلى السماء خشية من أن تراني الدول العظمى .. خاصة وأنا اتنزه في غابات الكرمل ، حين تباغتني أمعائي بتقلصاتها .. فألجأ إلى جب ظليل .. وحين أقرفص لأقضي حاجتي لا أكف النظر إلى السماء قائلاً :
- احجبوا النظر أيها المختلسون .. عيب عليكم ... عملكم هذا مشين أيها المختلسون ..!
سار ذاك الرجل خلسة ... الرجل ذاك الذي لا أعرف أسمه لأنني لم أشأ أن أعرفه .. أقترب مني .. وانفجر ضاحكاً ... فأختلس هدأة روحي وهدوء نبضي .. فصرخت به ذعراً حتى انتفخت أوداجي واغرورقت عينايِّ واحمرت .. فقال لي وهو يميس برأسه كأستاذ الفلسفة حين شرحت له عن عدم فهمي لقانون النشوء والإرتقاء :
- أنا لست المشكلة التي تعاني منها .... مشكلتك يا أخ العرب هو أنك لا تملك مجسات حساسة ومتطوره تكشف لك عمن يسيرون خلسة نحوك .. فلو كنت تملك مثل هذه المجسات الطبيعية لأكتشفت قدومي ووفرت على نفسك هول المفاجأة والذهول !!
عليك أن تعرف يا أخ العرب بأن العالم حين أراد أن يضيء الظلمات ، اكتشف الكهرباء والمولدات والطوربينات وغير ذلك من الأقطاب المغنطيسية المولدة للتيار وأنتم ما زلتم تحاولون إضاءة الظلمة من نور الإيمان ... ، مشكلتكم عويصة ..... يا أخ العرب !
لقد فتك بصبري .... ودغدغ غضبي فقلت له :
- تباً لك يا عارف العرب ... فالله على كل شيء قدير !
فضحك وضحك حتى كاد يصاب بالفتاق وقال :
- أما قرأتم نيتشه ؟ اليوم يا صديقي يوجد إله جديد .. إله يقدس القوة والمتعة والمال ! فأنتم ما زلتم تقولون حتى هذه اللحظة : لا حول ولا قوة إلا بالله !! أما أبناء الإله الجديد فيقولون :
- لا حول إلا بالمال ....
ولا قوة إلا بالصاروخ ... ولا حاضر إلا بالمتعة ...
وأنطلق راحلاً ... قبل أن يستمع إلى دفاعي .
والحقيقة لو لم أكن جباناً بعض الشئ ..
ولو لم أكن ضعيف البنية متوسط الفراسة والذكاء لأجبته كما يجب وللكلمته بين الصدغين فأحشو له عينيه في المحجرين .. ،
ولكن .. كما يقول الألمان :
- لا تستطيع الفتاة أن تعطي أكثر مما تملك . !
أو كما يقول الإنجليز :
- لا يستطيع أحد أن يأخذ أكثر مما يوجد بعد أن أخذنا كل ما وُجِد !
أو كما يقول الأمريكان :
- لا يستطيع البترول أن يخلق العباقرة ... ولا السيارات ولا الطيارات ، ولو اعتمدنا على ذلك لحرمنا بهذا أصحاب النفوذ من استيراد المثلجات الإفرنسية والبلجيكية في حومة الحر الشرقية ... والى آخره من الأقوال التي لم يسمعها أحد من قبل !!
والآن وقد عرفتم حدود قدراتي وحجم مخاوفي .. فأكثر ما أخشاه من هذه الحالة التي ألمت بي هو أن أُغضب أحداً لا أقوى على مقاومته ، والحقيقة ،لا يهم من يكون هذا الأحد فجلهم إن لم يكن كلهم أخشاهم ولا أستطيع مقاومتهم ...
حقيقة أنا أخشى من كل شيء ، من كل هاب وداب ، من كل صامت وناطق ، من كل ساكن ومتحرك ، الا من رضى الله ... فأنا لا أخشاه .. واعتقد بأن على البشر الا يخشونه .. وذلك لأنه الشيء الوحيد النظيف الطاهر والصديق الوفي الذي يلجأ إليه بنو البشر كلما ألمت بهم محنة ، وكلما تحرك بهم إيمان ، ولأنه الغفور السميع المجيب .. فلماذا نخشاه ...؟
لقد أغضب قولي هذا أحد الشيوخ .. ودعاني بالعاق ، والحقيقة حتى الآن لا أفهم لماذا يجب علينا أن نخاف من هذا الوجود الطاهر المنزه ولا نخشى من أنفسنا ومن هم على شاكلتنا ؟
أتعرفون .. ؟ أقول ما أقول ، لأنه كما يبدو وصلت إلى أقاصي الغثيان .. لدرجة أنني أشعر بمعدتي تلتصق بالبلعوم .. وكل هذا الوضع الذي يقترب كثيراً إلى أزمة صحية ناتجة عن أزمة مفهومية ، يجعلني لا أفهم ما يجري .. ولماذا يجري ما يجري ...
كانت مياه الوادي تجري رقراقة منسابة كالرقطاء ... لا تترك وراءها أثراً .. حين باغتَ صفاءها بغلٌ جمح من صاحبه ، فداس على حجر هزاز فتراقص تحت سنبكه ، فهوى وقد التوت قدمه تحت بطنه وسقط رأسه على غصن مكسور فأخترق اسفل حنكه حتى خيشمه ، فأنفجر الدم يتسابح مع الماء الرقراق ، وناخ البغل على مسرب الوادي الصغير وهو يحدق مودعاً هذا العالم الغريب !
وسمعته يقول :
- تحرروا .. تحرروا حتى ولو لطختم جداول الماء بالدم ... وحكيت هذه القصة التي لا أعرف من حدثني إياها ، ولا أعرف أصلاً إن كان هناك من حدثني بها ، حدثتها لجدي ، فتبسم ، وككل الجدود الذين يتسارعون ليظهروا الحكمة ، الهيبة والفهم العميق سألني :
- وما تعلمت يا بني من هذه القصة ؟ ؟
فقلت له : - تعلمت يا جدي شيئاًَ واحداً مُهماً !
فاستطرد حاثاُ : - ما هو ؟
قلت : لا تكن بغلاً وخاصة إن تحررت !
وضحك جدي حتى تورد خداه ....
كثير من الناس تتورد خددهم ... فمنهم من حين يلامس الحب شغافهم ، ترونهم وقد أزهروا كأقحوان الربيع .. ومنهم من إذا لطم الغضب أرواحهم ، ترونهم قد انتفخوا كبوتقة زجاجية في النار .. ومنهم من خلقهم الله حمراً ، ولا أقصد الهنود الحمر ولا أقصد ما جرى لهم من عاديات الزمان ولا أحكم في ذلك على أحد بشيء .. ولا أتهم أعناقهم بأنها تحدث مشاحذ السيوف ولا أتهم صدورهم بأنها ناطحت قرون الرصاص ... وعموماً فأنا لا أعرف شيئاً عن هذا الموضوع ولا أعرف كيف انزلقت إلى هذا الأمر .. فلقد قصدت التحدث عن الحمر الذين خلقو حمراً .. وهم كثرٌ والحمد لله ... ترونهم في الدواوين يشنفون الآذان ، وحين تقع مسامعهم على شيء يستحق التمرير ترونهم يحمرون .. وحين يتحدثون أمامهم عن الفاسدين والفساد ترونهم يحمرون ... وحين يلمَّحون أمامهم بأنهم ليسوا المقصودين ، ترونهم يحمرون .. وحين تتحدث أمامهم عن العقوق والنفاق والأحتيال ترونهم يحمرون ...
فهم في كل وضع يحمرون ....
سقطت التفاحة الحمراء عن إمها المغروسة فوق تله صغيرة وسط الحقل . فتدحرجت التفاحة وهي تئن ألماً حتى استقرت تحت شجرة تفاح ، تفاحها أخضر .. فصاحت الخضراء : ما عساك تفعلين في أرضي أيتها الحمراء ؟
فأجابت التفاحة الحمراء وهي تئن :
- لقد سقطت من بين يدي أمي وتدحرجت إلى هنا ...
- أخرجي من هنا فنحن لا نحب الغرباء !
- أنا لست غريبة .. أنا تفاحة مثلك لكن لوني يختلف !
- أنت لست مثلي ولن تكوني ..
- بلى أنا مثلك وأملك نفس الفيتامينات ونفس العناصر ونفس التركيب .
- صهٍ .. أنت مثلي ؟ .. معاذ الله .. أنا تفاح من الفصيلة السامية ، وأنت تفاح من الفصيلة الدون ...
واحتدم النقاش وتطور إلى كلام بذيء . وفجأة توقف قدمان أمام شجرة التفاح وامتدت يد فالتقطت التفاحة الحمراء عن الأرض ووضعتها في سلة وامتدت ثانية وقطفت التفاحة الخضراء ووضعتها في نفس السلة .. فضحكت التفاحة الحمراء وقالت :
- هل تشبهينني الآن ؟ أما زلت ترين بي تفاحة دونية أيتها السامية ؟ تعلّمي من هذا الدرس شيئاً ، فأنا وأنت في نفس السلة وسنذهب إلى نفس البلعوم !! بعد أن نُطحن ونمزق أرباً إرباً ....
- تمزقت أجساد المحتفلين بالعرس ...
أجل تمزقت واحترقت وطارت أشلاء أشلاء ، بعد أن أصاب خيمتهم مجموعة من الصواريخ . . !
قال لي قائد الإحتلال والمسؤول عن العملية بأن الهدف الذي دمروه كان اجتماعاً للمقاومة .... لا أذكر بالضبط فيما إذا كان قد قال لي حقاً أم أنني سمعته صدفة .
وعرضتْ وكالاتُ التلفزة صوراً للعرس والراقصين .. ولم يقنع هذا أحداً بأن الناس يرقصون في الأعراس ، وبأن لكل عرس عريس ولكل عريس عروس .. لكن أصحاب الشأن يعتقدون بأن العرس هذا ، هو نوع جديد من المقاومة .. لا يفهمه الشرقيون ولا الصحافيون .. فبه فرح في زمن يُحذر الفرح فيه ... زمن الرعب وزمن المهانة .. فكيف يتجرأ أحد على الفرح ؟
هذه مقاومة .. ولقد أخمِدت نارها .
أخمدتُ نار الموقد .. بعد أن مللت من الجلوس محدقاً بجمراته وهي تئج ببطء وكأنها تهذي من مخدر فعال .. وخرجتُ .. وسرتُ وسرتُ رغم زئير الريح أو صفيره ، كما تشاؤون ، واعتقدت ــ ولربما أخطأت في هذا الإعتقاد ــ بأن علينا أن نغير انطباعاتنا عن الريح ... فلمجرد أن يصفر يدب الهلع والرهبة في قلوبنا ، وكأنه نذير شؤم أو ما شابه ذلك ... أما أنا فلقد رأيت به مغسلة طبيعية . حيث أنه يكنس الغبار عن ، ومن كل مكان ... ويخلق نوعاً من الحيص بيص الكوني ، وفقط من اجل أن يذكرنا بأن هناك من هو أقوى منا .. وأن هناك من يستطيع أن يزعزع حياتنا وبقاءنا ، ومن كل هذا يجب أن نفهم نعمة البقاء ونعمة السعادة ونعمة الإستقرار .. !
الريح تعبير طبيعي عن الغضب الطبيعي كي نتحاشى الغضب الإنساني المدمر ، وخاصة ذاك الذي يؤدي إلى الحروب والدمار وسفك الدماء .
كانت الريح تهب بإيقاع تصاعدي ... مصحوبة ببرودة ثلجية . الريح ... تلك الريح أو غيرها . تجعلك في موقف دفاعي .. إنها تُحيي لديك نزعة حب البقاء ... فتبدأ تحترم وجودك الدافيء . إن تم وكان لك وجود كهذا ، أو تتوق إلى مثل هدا الوجود .
لا أريدكم أن تعتقدوا بأنني مرشد جوي أو ما شابه ، فكل هذا الهرج ينبجس من دخيلتي دون قيد أو شرط ، لربما لأنه حدث خلل في الحواجز والأسوار الرقابية في عقلي ، لا أدري ، ولكنني على يقين بأن هذه الحالة هي نوع من الرحلة الفضائية ، أو نوع من الاستجمام النفسي والراحة من الأثقال والقيود التي تتراكم في نفوسنا حتى يعلو وزنها على وزننا ، فنبدأ ندلل أنفسنا كما ندلل أعشاب الحقل ... أو لعلني أشعر ببعض الحرج فأحاول تبرير حالتي هذه بالبراهين والحجج الوهمية . لا فرق عندي ولا يهمني الأمر ولا آبه البته لما ما قد يقوله العقلاء في مثل هذا التقطير النازل من غيوم وضباب القلب .
والأهم إنني أصبحت ريشة ! !
لا تضحكوا من ذلك .. فقد يحدث لكم مثل هذا النزوح الإرادي عن مقود المراقبة . . . فتشرع مخاوفكم بالجلاء عن مخابئها . . ويبدأ وزنكم بالهبوط .. حتى تصبحوا مثلي ريشة .. ريشة تتراقص وتتلوى وتتمايل لائبة مع الريح .. متداخلة في مساراتها .. خارجة من اندفاعاتها ...لا هم لها تحمله ولا غم تشيله فوق ضميرها .
تصبح كنيْزك يقترب كثيرا نحو طهارة الحرية ... مندفعاً تاركاً لهبه ، متخلصاً من غضبه هاوياً إلى سحيق المعرفة ... !
والآن أغلقوا هذه المخطوطة .. فلا رجاء منها ولا رجاء مني .. كل ما في الأمر أنني أشغلكم باشياء لا تعنيكم ولا تعني أحداً ... ناهيك على أنها ليست وليدة التخطيط والتفكير بل إنها مجرد مسيرة وعرية تمر في مسارب ، شقّتْها أقدام الصدفة والتلقائية .
مسيرة شائكة لا يمكن من خلالها الوصول إلي !..
اندفعت الكلمات من بين شفتيها حارة ملتهبة ... وهي ترمقني بعينيها الخضراء ! قائلة :
- كيف يمكن أن أصل اليكَ ... كيف ... ؟ أنت كشبح يتراءى فقط ولكنك لا تُرى ، فكأنك غير موجود حقاً .
فضحِكتُ وضحكت حتى أشفقتًُ على حزن عينيها وإندفاعها التلقائي المشوب بعاصفة حسية .. وقلت :
- أنا في لامكان في لا مكان ... فكيف حقاً ستصلين إلى ، بل كيف سأصل أنا نفسي إلى نفسي !! وغادرت .. لربما غاضبة ... لربما حزينة .. لا أعرف ، لكنها لم تذرف دمعة واحدة على فقداني كما تمنيت ... !
ذهبتْ بكل سهولة ... غير آسفة على إنسان موجود في أقاصي أقاصي الذهول الجافل من هذا الواقع الصنمي المكبل بمحدوديته وروتينه قصير المدى !
وقُصر المدى هو طامتنا الكبرى .. فكل ما نملك هو قصير المدى .. لأننا في طبيعتنا أولاد اللحظة ، أولاد الآن ... لماذا ؟ لا أعرف .. لربما التضاريس الشرقية تمنحنا هذا الإمتياز العكسي .. لربما الحرارة الشرقية تُسخن دخائلنا فيفيض منا الشعور ويتقلص العقل .. لا أعرف .. فأنا لا أعرف مثلاً لماذا نستصعب فهم الحقيقة ... ولماذا لا نملك حس المغامرة .. ولماذا نخشى من الحرية والديموقراطية والتعددية ، ولماذا نعشق التقديس ونعشق الخضوع ونعشق المجانبة بدل المواجهة ..
طبعاً هناك من يسأل ما هي المجانبة هذه وأقول لكم بأنها وليدة الآن .. إنه استحداث مفهومي للجبن واللاإكتراث بمجريات الأمور ، إنها أن نضع الدنيا على هامش العناية ونجعل الزمن يعبث بإرادتنا كريح لا تشتهيها السفن .
قال لي وقد احمرت عيناه .. وسال الحزن من على جبينه إلى خديه وشفتيه :
غادرتْ فانطفأ قلبي .. ومنذها لا أرى شيئاً بوضوح .. كل شيء مشوش .. كل شيء ضبابي ... كل شيء لا شيء .. لا شيء .
اللاشيئية ... مفهوم لم يكتب عنه أحد ، والسبب بسيط للغاية .. فلقد أولده رحم الصدفة قبل قليل ...
اللاشيئية .. هي الرصيد العبثي لعبثية الوجود .. هي التسلل عبر الخيبات والإحباط إلى غائية الحياة والوصول إلى نهايتها الحتمية قبل أن تصلنا نهايتها أو قبل أن نصل نهايتها .. إنها حالة ... حالة يائسة من الإيمان ، بعدم الجدوى المطلق لعملية الوجود واستمرار وجوده . لم يقل لي هذا أحد .. لهذا لا أعرف حتماً فيما إذ كنت صادقاً أم لا .. !
ميازين الصدق في هذا العصر علاها الصدأ ، ولم تعد قادرة على البريق .. لقد تحولت إلى نوع من المزاج الفردي ... وهذا جيد في الأكل والشرب .. فأحدهم يحكم بأن الكنافة لذيذة إن أغرقها القطر .. وآخر يدعي بأنها تسبب " الدنق " والإنقباض البلعومي . هذا جيد . أما أن يصبح وميزانُه مزاجٌ فردي ، على ما في هذا المزاج من أسباب سياسية وعنصرية وعقائدية ، فهذا شيء مخيف للغاية .. مرعب .. ، فلقد قام حاكم بالحكم على مواطن بمبلغ خيالي لأنه مرض ولم يستطع الحضور إلى المحكمة بنفسه ، ضارباً عرض الحائط كل محاولات التأجيل التي سعى إليها . ولقد أتى في حيثيات قراره بأنه فعل ما فعل ورفض التأجيل لأن طلب التأجيل الموثّق بوثيقة طبية لا يمكن أن يكون صحيحاً .. لأن هذا المواطن يتبع إلى نوع لا تسري عليه القوانين الطبيعية الإنسانية . إنه حاجة / آلة لا يمكن أن تمرض كما يمرض الإنسان !
- الإنسان أشر ما خلقه الله !!
قالت الزرافة وهي تهم بجريها المتراقص لائذة بالفرار من صيادي الفراء الذين لمحتهم يصوبون نحو قطيع من الفيلة ويطلقون ويمثلون بجثثها .
- ما أشرهم وما أقسى قلوبهم يقتعلون لها الأنياب ويبقرون لها البطون !! ويسلخون لها الجلود ... ما أشرهم !
أوغاد ... أوغاد ... !
واستمرت الزرافة تجري مذعورة .. ، ففزعت الحيوانات ولحقت بها هي الأخرى خائفة من خوفها ، مجاريةً هربها دون أن تعلم السبب !!
ثم أبطأت الزرافة قائلة لنفسها :
- ولماذا أنا خائفة ، ما أغباني .. نسيت أن لا أنياب لي ليقتلعها هؤلاء الأشرار !
ومن ثم ذهلت من جديد وانطلقت تجري والحيوانات من حولها تتكاثر بأعدادها وصريخ خوفها ، وعادت تقول لنفسها :
- لكنني أملك جلداً جميلاً وقد يسلخوني ويصنعون مني المحافظ والمعاطف !! يا للهول !!
وزادت من سرعة جريها حتى كادت أن تقطع أنفاسها .. وفجأة هدَّأتْ من جريها وروعها وقالت : قد أَصبح محفظة جميلة أو معطفاً جميلاً ..
وسرعان ما عادت تجري خائفة وهي تقول :
- يا للهول ! سيضعني الإنسان في جيبه ويرتديني على جسمه .. لن أرضى بأن أكون جزءاً من شره .. فلأجري ولأركض فقد أتخلص من هؤلاء الأشرار .
لن يصدق أحد .. ما زالت هذه الزرافة والحيوانات التي رافقتها في هربها حتى هذه اللحظة تركض مذعورة ... ولم تجد فكرة واحدة أكيدة تطمئن قلبها بأن الإنسان سيرتفع في أحد الأيام بإنسانيته ويتوقف عن كونه السفاح التاريخي الأول .. والسفاح الحضاري الأول ، وأن بني البشر ما هم سوى حيوانات مذعورة تهرب خائفة من بطش السفاحين والعنصريين الفاسدين وأبناء الشيطان على الأرض !
الأرض كروية أم مسطحة يا بني ؟
سألني جدي حين كنت صغيراً .
فأجبته : - قرأت في إحدى الموسوعات بأنها كروية . ولكن لا تصدق ذلك يا جدي ... لأنها لو كانت كذلك ، بعد أن تعلمت تاريخ الشعوب المليء بالقتل وسفك الدماء .. والسرقات والإحتلالات وحجز حرية البشر واستغلال الشعب القوي للشعب الضعيف لركلها ربنا العلي القدير كما في لعبة كرة القدم ، وأدخلها داخل مرمى جهنم ...! هذا أولاً ، وثانياً ، يا جدي ، لو كانت كروية لتزحلقت وسقطت الحلوى من جيوبك مباشرة إلى فمي الجاف منذ أتيت لضيافتك . وهذا إثبات كاف لتسطيح الأرض الأكيد !
فضحك جدي بملء شدقيه ومد يده إلى جيبه وأخرج قطعتين من السكاكر ورمى إلي بالأولى قائلاً :
- هذه مقابل التفسير الأول .
ورمى بالثانية قائلاً : وهذه من أجل التفسير الثاني .
والآن أغرب عن وجهي !
فغربتُ وما زلتُ .... مغرباً عن وجه جدي وعن وجهي .. !
لن تفهموا مثل هذا الأمر أبداً ، وهو كيف يمكن أن يُغرب أحد عن وجهه .. تخيلوا واحداً يترك نفسه ويغرب عنها تاركاً إياها في مكان ما .. لوحدها لقيظةً دون مأوى ودون غذاء وشراب .. فماذا سيحل بهذه النفس – أو هذا الهو المغادر عن نفسه - ؟ تخيلوا أننا هنا في هذا الحي الإستوائي مغربون جميعاً عن نفوسنا ... يلتقي الواحد منا بنفسه أحياناً ، فيلقي التحية ويمضي .. إلى أين لا هو يعرف ولا أحد يعرف !!
هذا ما يحدث لعنقود العنب .. ! تخيلوا حين ينفصل عن أمه وجذوره يذهب ليصبح نبيذاً فيذهب بالعقل وبالفطنة .. ويصبح مع شاربه غائباً .. أجل ، يصبح غائباً عن وعيه .. غائباً عن مكانه .. غائباً عن جذوره حتى ولو كانت منغرسة أمام عينيه أو منتصبه في مسامي روحه .
فلا تسألوا عنا رجاء ! فنحن غائبون ..في رحلة انقطاع عن ذواتنا وعن منابتنا وعن جذورنا وأصولنا ... نحن نقبع في مكان ما على عقرب الزمن .. وهو يدور بنا فيسبب لنا الدوخان والغثيان والقيء فتخرج منا الصفراء .. كمن أصابهم خلل في أكبادهم أو كمن استأصلوا لهم مراراتهم ! فيسبب لهم كل شيء يلتهمونه الألم والحرقة ، وتمنع عنهم جميع المآكل والمشاهي .. أجل المشاهي .. فإن كنتم لم تعرفوا معنى هذه الكلمة في العربية .. فهذا لأنها من اختراعاتي حين لا أجد كلمة أعبر بها عن مقاصدي .. فالمشاهي هي كل المآكل المشهية اللذيذة ... فنبدأ نعد الممنوعات من المشاهي ونجد قائمة طويلة :
الإستقامة الإجتماعية هي مجرد مادة قلوية تخترق المقليات من الخضراوات وتحل في المعدة فتحدث عطباً في الأحماض المعوية !! ممنوع استعمال المادة القلوية !
الأمان الديني : حلويات ومحليات تزيد من الكلوكوز في المعدة فيمتصه الدم ويسبب ارتفاع في نسبة السكر ، الأمر الذي قد يحدث مضاعفات خطيرة !
الأمان السياسي : دهنيات غير مشبعة ، موجودة في اللحوم الطازجة والمجمدة .. مُغرٍّ قتارُها وهي على مواقد الشواء – اسف – وهي على الشاوية – فنندفع لإلتهامها بشغف ونية حسنة .. فنصاب بالدهنيات الدموية التي قد تسبب الانسدادات في الشرايين ، وخاصة التاجية .. الأمر الذي يؤدي إلى سكتة قلبية أو إلى جلطة دماغية مميتة !
الديموقراطية المتساوية : اشعاع نووي .. يحوّل كيفيات الخلايا إلى كيفيات سرطانية .. وهي من أخطرها وأكثرها منعاً على الإطلاق . الشيء الوحيد المقبول والمرغوب فيه هو رجيم مبني من الكيوي وقليل من الحمص والفول وبعض المعلبات .. هذا إذا أردت أن تكون سليماً ومعافى عوْلمياً ..... وإلا ستكون من دعاة الشد بالحبل إلى الوراء أو الشد بالحبل حول عنق الديموقراطية والعولمة المبرمجة والمبرجة بصور العاريات والمبتسمات والمغريات والحرية ، الحرة . . في هذا القيظ الشرقي الحارق !
في هذا القيظ الشرقي الحارق ... كان الباز يسير محاولاًالتخفي عن العيون وهو عار من ريشه .. يحاول بين الفينة والأخرى الرفرفة بجانحيه العاريتين .. ، ولكن دون جدوى .. فلا ريش يحمله في الفضاء ، ولا ريش يقيه من برد وحر الصحراء .. ولجأ إلى شجرة صبر عربية مسنة يستظل بظلها قائلاً :
- تباً للأمراء والملوك والسيادات جميعاً ... أما عرفوا بأن الريش لا يخترق الحديد ؟
أرسلني سيدي لأفجر من الهواء بارجات ودبابات المحتل فأطلقت عليهم ريشة تلو الريشة حتى لم يبق عليَّ ما يقيني وما يحملني ، تباً لهم ماذا فعلوا كل تلك السنين أما عرفوا اختراع شيء يطير مكاني وشيئاً يخترق الحديد .. تباً للأمراء والملوك والسيادات ... ثم قهقه ضاحكاً وقال :
- لا بأس مقدر عليَّ أن أكون مهاناً وبائساً !
قال علي ، الطفل العراقي .... وهو يحشو مسدسه البلاستيكي بحبات التمر ، سأطلق واحدة على جناح الطائرة المحتلة .. وسأطلق خمساً على الدكتاتور الذي ضربنا وسجننا وقتلنا .. إنه ابننا العاق الذي استعمر نفسه واحتل بيته وافترس قلبه واحضر الغرباء لإنهاء الوليمة ..... آه لو كان البلح يقتل ..
ثم غار على جذع شجرة دبَّ فيه السوس وبدأ يطلق بلحاته القاتلة وهو يُهيِّج ويزغرد مستبسلاً .
أرأيتم بالله عليكم أجمل من هذا الطفل ؟
ضحك الطفل في إحدى متنزهات حيفا . كان شعره الأشقر يتطاير مع هبات النسيم ، وفجاة اقترب منه حسن ، طفل أسمر من نابلس ... لعبا وضحكا وجريا يغردان كعصفورين في عرس ربيع أخضر .
لم يعرفا الكلام ... ولكنهما فهما أنه من حقهما اللعب والركض .. فَهِما أن من حقهما الأمان والسعادة والعيش الكريم . !
ورغم عدم فهمها الواحد على الآخر .. يُقال ، أنهما اتفقا على بناء مدرسة عالمية يثقفون بها السياسين ورؤساء الدول العظمى والصغرى .. فعلَّهم .. علَّهم .. يتعرفو إلى الحق بالركض واللعب والسعادة والأمان والحرية .
أرأيتم أيها النجباء ، أرأيتم ... لقد فتح علىَّ الله بشيء جميل . شيء يطربُ العقلَ ويرقصُ القلب .... ولقد تذكرت ما قالته لي صديقتي ، حين كانت لي صديقة ، تقول أشياء جميلة :
كل من لا يُحب الأطفال لا يحبه الله ....
لأنه مسخ يغازل الشيطان !!
- غازل مسخ في أحد الأيام سيده الشيطان فقال : أيها الفاتن .... يا جمراً يوقد نار الفتنة في صفاء القلوب .... يا محتلاً طيبة القلب وحسن النية ... يا قاتلاً كلَ أملِ وكل مستقبل جميل .. تعال إلى حبيب القلب ، تعال أطعمك ما لذ وطاب من الهمبورغر والكباب والولائم الملوكية والمآكل الشعبية ، وكل ما يمكن أن يؤكل ولا يؤكل من الموارد الطبيعية والموارد الصناعية ... كالمعلبات السمكية والمعلبات الحبوبية والمعلبات الإنسانية .. التي لا تنفتح الا أمام قوتك العظمى .....
فضحك الشيطان وقال له غاضباً :
- تنحَ أيها الحمار ....... تنح . .. فحين أرغب بذلك لا أسألك بل أفرض عليك ، أغرب عن وجهي أيها المهزلة التاريخية ... فأنت من عبيد التاريخ وأنا من أسيادها وصانعها ... وما أفعله أفعله شئت أم أبيت !!
وشاء رجل ، ألم به اليأس حين أعتمت مذاهبه . شاء أن يقوم بعمل تأبى الرجال القيام به ... قرر أن يقدم على الإنتحار ، فأخذ حقيبة ظهرية ، ووضع بها حبلاً متيناً ، وذهب راجلاً إلى البرية ... وحين أوغل سيراً في الغاب استقر تحت شجرة عالية ، ثم أخرج الحبل والقاه من اسفل على غصن ثخين ، وحين تدلى جدل أنشوطة ، ثم بدأ يلم أحجاراً وبنى مسطبة يقف عليها ، ليرمي بنفسه من فوقها فتشد الأنشوطة على عنقة حتى تشنقه .
صعد على المسطبة ووضع الحبل حول عنقة وقبل أن يقفز بلحظة ظهر فجأة قاطع طريق يصوب نحوه مسدساً صارخاً به :
- أعطني الحقيبة التي على ظهرك وإلا قتلتك !
فضحك الشاب وقال له :
- انتظر عشر دقائق حتى انتحر وبعدها خذ ما تشاء لأنني لا أقبل البتة بأن يؤخذ مني شيءٌ رغماً عني !
فقال الحرامي :
- أجننت .. وأنا لا أقبل البتة بأن أسرق الأموات .... شرفي يمنعني من القيام بمثل هذا العمل المشين !
ثم اقترب منه معتلياً المصطبة ، واضعاً فوهة المسدس على جيبنه ، فثار غضب الشاب ، فنحى رأسه جانباً بسرعة ، وأخذ المسدس من اللص ، ثم قلع الإنشوطة من حول عنقه والبسها على عنق الحرامي ودفع به فتعلق من عنقة بالهواء وهو يهتز ويحاول الصراخ بصوت مخشوشن خالطه الفزع .. ولكن هيهات ، فلقد حُكم عليه بالموت ! ثم نزل الشاب عن مصطبة موته قائلاً : ولماذا عليَّ أن أموت وأنا أنسان خيرّ .. فلْيَمُتْ الأشرار ..
فليمت الأشرار ..
وعاد الشاب إلى بيته ، وقد تغير فيه شيء جوهري ، فلقد بدأ يُحب الحياة بعد أن تعلم درساً ثميناً . وهو أن الحياة دون نضال لن تكون كريمة ، فاضلة وتستحق أن تُعاش ....
وهكذا أيها السادة الكرام ...
قالت حمامة عبرت من ماضي التاريخ السحيق إلى حاضر الدنيا :
يبقى ماء الجدول رقراقاً سلسبيلاً إن لم نلطخه ... !
ويبقى الجو صافياً نظيفاً
إن لم نلوّثه
وتبقى الغابات خضراء
إن لم نحرقها ونسممها !
وتبقى البحار محفوظة لنا بكنوزها إن لم نوسخها ...
وتبقى البيئة جميلة وصحيّة
إن لم نزرع بها الأمراض والأحقاد .
وتبقى كرامة الإنسان مرفوعة
إن لم ندسها !
أفهمتم أيها السادة الكرام .....
هذا ما اردته منذ البداية ولكن ذاكرتي لم تسعفني .... لقد أحسست بهذا وعانيته .. ولكنني لم أستطع أن أعيه لأقوله .... والآن وقد قلته ..فهل من يعترض على هذا القول ؟
- أنا أعترض !
قال خنزير وقد انتصب على أقدامه من بؤرة النقيع والبراز هازاً بذيله بعصبية ماسكاً شاربيه الصغيرين اللذين توسطا شفته العليا بيد ... ، باسطاً يده الثانية في الهواء :
أنا أعترض عليك ... فكيف يمكن لنا أن ندير شؤوننا بدون رؤوس تتطاير وجثث تحرق ... وأجناس تباد ... وقوى تُقلص ... كيف يمكن لهذا العالم أن يكون آمناً للجنس الخنزيري " أمثالي " .. أنا خنزير عظيم .. ويجب أن أغرس في عقول إخوتي عقدة العظمة .. فأنا متعالٍ .. خيرّني الخالق بأن أقنع شعبي بأنهم تاج للأمم ومنارة لها ، لأنها أحياء تعاني من الدونية واللامنفعة .. واللاإنسانية .. ويجب علينا تقليصها وإبادتها !
- وأنا أيضاً أعترض !
قال ضبع يتلوى مقهقهاً في مشيته :
- يجب إبادة الأسود والنمور .. فهي تأكل من الفريسة لحمها وتترك لنا عظمها ..
وقال الثعلب هازاً بذيله فرحاً : أحسنتم في تفكيركم ... النمور والفهود والأسود مشكلتنا الكبرى ، علينا أن نحتال للإيقاع بها ومن ثم نبيذها .... ثم نظر الثعلب إلى الضبع وقال له هامساً :
- قل لي ، من أقوى أنت أم الخنزير ؟
فقال الضبع : أنا أقوى !!
فقال الثعلب : - لا أصدق ، إثبت لي ذلك فأنا جائع !
وما كاد ينهي حتى وثب الضبع على الخنزير وغرس أنيابه في عنقه فقتله ، ... وبدأ يفترسه ... وكلما اقترب الثعلب طرده ، وهكذا أيها السادة الكرام .. لأن دونية الأخلاق تسيطر على حيواني النفوس ، فلقد جر الثعلب أسداً فافترس الضبع فغضب النمر من الثعلب لأنه فضل الأسد عليه فافترسه ، وهكذا دواليك .... حتى حصلنا على ما حصلنا عليه :
تاريخ من الأنياب ....
وتاريخ من الذيول !
والآن هل بدأتم تتعرفون إلى ...؟
أنا أتحدث عن الحيوانات من شدة حبي للإنسان ... وهذا لا يعني البته بأنني لا أحب الحيوان ... ولكن كما يبدو .. ولأنني بطل في الخلط والهرج ، فلقد فاتني أن أخبركم بأنني أحب الإنسان الحقيقي والحيوان الحقيقي ... وأكره النتيج ... كالبغل مثلاً ...
ولأحدثكم هذه القصة كي تُحرموا مثلي ، حيث أَنه لم يحدثني بها أحد من قبل .
تقول القصة ، وليساعدني الله على سرد يُرطب يبوسة القلوب ، أنه في حاضر الزمان ، وكذلك في ماضيه ، تزحلق إنسان جبار ، صدفة ، عن سفح ملتهب في جهنم .. ، فسقط إلى الأرض . ومنذها وهو ساقط ... ليس لأنه لم يُربَّ من قبل والديه ، ولسس لأنه عانى الأمرين في طفولته ، وليس لأن الاستعمار سلب له أرضه وعرضه ، وليس لأن اللصوص سرقوا له خزنة أبيه وورثة جده ، بل لأنه ساقط طبيعياً ! ولا يُجرى عليه حكم الإصلاح أبداً .. !
كان يقود سيارته مرة نحو مكان ما ، وفي الطريق لوّح له أحدهُم يحمل عكازاً لِكسْرٍ ضرب ساقه فجبره بالجبص من أسفل القدم حتى أواسط الفخذ ، لوح له ليأخذه في طريقه ، فأبطأ السير وتوقف على بعد عشرة أمتار منه ، فأقترب مكسور الساق من السيارة يجر رجله جراً ، وبكثير من العناء ، وعندما أصبح على بعد مترين منه ، قال الساقط لنفسه : لن آخذه معي فأنا أكره هؤلاء الذين يكسرون أرجلهم .. ثم داس دواسة الوقود فأنطلقت السيارة مسرعة .
وفي أحد الأيام شاهد رجلاً يضرب الآخر ضرباً مبرحاً حتى كاد يغمى عليه فأستلقى على الأرض يئن دون حراك في حين ولى الآخر هارباً ، فقال الساقط لنفسه : أين سأجد شخصاً أضربه بكل سهولة ودون أن يقاوم مثل هذا الطريح الذي لا حول له ولا قوة ! ؟
ثم اقترب منه وانهال عليه ضرباً دون رحمة وهو يتلذذ بصراخه الأليم .
ويحكى عنه إنه رأى أرضاً أعجبه موقعها . وأعجبه كرم البرتقال والتفاح فيها ، فسال لعابه عليها ... وبكل بساطة .. وبكل بساطة .. وبكل قوة احتلها وافترس كرمها .
و ... القصص كثيرة حول هذا الساقط .. وأههمها أنه من كثرة الجشع .. ولأن الشيطان يسكن قلبه .. أراد أن يفترس الشيطان ،... فبدأ يفترس نفسه رويداً رويداً حتى يصل إلى القلب المسكون .. وحتى هذا اليوم ما زال الشيطان يسكن قلبه ، وحتى هذا اليوم ما زال يفترس نفسه ويفترس الآخرين .
الآخرون هم الجحيم .... !
قالها فيلسوف فرنسي ... رفض جائزة نوبل وعاش دون زواج مع امرأة فيلسوفة تُدعى سيمون دي بيفوار .. ولقد ت
تبنوا ولداً ، وهذا السلوك لن يفهمه شرقنا ، فلماذا يرفض أحدهم أن يقوم بما يسمح له الناموس به ، ليقوم به بالحرام !
طبعاً كان جان بول سارتر سينفجر ضاحكاً من هذا القول الساذج ... ويقول لنا بأن المجتمعات البشرية هي التي خلقت هذه العقود وهذه النواميس .. ولقد خلقتها بدافع ظروف تاريخية ، تطويرية وإجتماعية دينية .... وإنها في نهاية الأمر تهدف إلى جعل الإنسان يلتزم بما لايعرف حدوثه مستقبلاً ... متنازلاً عن حرية الإختيار المطلقة ... مُستعبداً لبضعة نصوص أكل عليها الدهر وشرب !
وقد نفهم هذا القول من باب الأدب والتفهم .. ولكن لماذا رفض ولداً من لدنه ، من جهة ، ومن جهة تبنى ولداً آخر على ما في التبني من عمل نبيل وجميل خاصة إذا ضمنه مغزى خارج نية التبني ؟
هذه من جملة الامور التي لا افهمها ... ولم اقصد ايها النبلاء ان أتحدث عن حياة سارتر الشخصية ، والحقيقة فهي لا تهمني البتة .. وأيضاً ، فأنا حقيقة لا أعرف إن كان صادقاً أم غير ذلك ... ولعلنا نظلم لأننا لا نعرف فيما إذا كانت خليلته قادرة على الزواج أم عكس ذلك ، وأيضاً لا نستطيع البت في رجوليته واستطاعته القيام بواجبه الرجولي (ليس الزوجي ) أم أنه مع هذا عاقرٌ لا نفع منه كما يقال .
لا أعرف ولا أريد أن أعرف !
كل ما يقلقني هو قوله بأن الآخرين هم الجحيم ... !
لقد تسرب هذا القول إلى العقل البشري فزاد طينُه بلة .... ولم يدرك أحدٌ ، أن المعنى الأول والأخير لهذا القول هو أن كل واحد منا هو الآخر نسبة للأخر ! وهذا يعني أن كل واحد منا هو الجحيم !
أقول لكم هذا وقد ألمت صحوة في رأسي .. فكأنني استفقت من حلمٍ طويل ... لأذكركم بخوفكم من الآخر الذي قد يكون هو أيضاً خائفاً منكم ... إنه نوع من الجبن الفطري ... فحين يلتقي جبانان في ظلمة المساء يخافان من بعضيهما فيهرب الواحد من الآخر ... إنه جبن ... وهو جبن سخيف لا مستوى فيه ... فقد أفهم أن يهرب المرء من أسد أو نمر أو تمساح ... ولكنك لن ترى بين الكائنات الحيوانية حيوانين يهربان فزعاً الواحد من الآخر ... إنه كفلم مضجر للغاية ، حيث أنه يفتقر إلى البطل الذي يخشاه الآخر في حين أنه هو لا يخشى أحداً .. هذه هي الصياغة الحقيقية لقانون الشجاعة والجبن .. أما ما يحدث بين بني البشر فأنه الجبن المتأصل الذي لا دواء له الا ... الحقيقة لا أعرف الدواء ... ولكنني أعتقد أن الإنفتاح وعدم الشك وإبعاد نية السوء والإيمان الحقيقي بالعيش الكريم وبالحقوق الإنسانية للإنسان في كل مكان ، والإيمان بأن الأرض ملك لله وليست ملكاً أبدياً لأحد ، وإنه يحق لكل إنسان أن يكون من يشاء وكيفما يشاء ... وأن يعبد من يشاء وينتمي لمن يشاء على الا يتعارض هذا مع كون من يشاء أن يشاء ما يكون ، ساعتئذ سيكتشف الإنسان سخف العقليات المتحجرة المتقوقعة داخل أطر فكرية متعنتة لا تقبل الا ما يلائمها ويتطابق معها ، ساعتئذ سنبدأ نميز أن من يحب المساء لا يكره الفجر وإن من يحب القهوة لا يكره بالضرورة الشاي . فتعالوا نحب القهوة دون أن نكره الشاي !! تعالوا نستفيد من اختلافنا عن بعض دون أن نكره هذا الإختلاف !
قال اللون الأزرق يوماً للون الاحمر :
- ما احمرك
فقال الأحمر للأزرق : ما ازرقك !
فقال الليلك :
واسفاه ، نصفي الأول يهين نصفي الثاني !
لقد وثب هذا الحديث ، الذي ولد هذه اللحظة من بين تلافيف دماغي . وكما يبدو ، فلقد أوصل عقلي الواجد الخيوط . الواحد بطرف الآخر ... واتضح لي بأن في قرارة كل واحد من شيء من الاخر المختلف ... وكل ما علينا أن نفعله هو الإقرار والتمتع ببعض الطيبة البريئة العاقلة . ساعتئذ سنتخطى مراحل الهذيان ... وسنشعر بالهدوء .
أجل الهدوء ..... ولا شيء غيره !
أقبل المساء بهدوء ساحر اخترق ضوضاء النهار واستقر على أريكة الغروب الضوئية ، يستلقي كمن يتسفع على مهجة الكون الحميمة ،وأطرق إلى الأرض يسجيها بهيبة كونية ..
كان الشرق قد ألم به النعاس ، فذهب في سبات لا يسمع له صوت غير شخير الجمال والأبل التي ترفض أن تغمض عيونها في هذا الليل العابر ! منتظرة إبراهيم الخليلي .... أبو الأنبياء ، لتشكو له عن ألم الليلك الذي يقتل نصفه الأول نصفه الثاني ونصفه الثاني يقتل نصفه الأول .... لتشكو له عن عقوق الأولاد .... لتشكو له عن الجفا الذي ألم بأرواحنا ... والعطش الذي لحق بآبارنا ، وعن حياتنا السرابية التي لا يتقطر منها سوى الدم والدمع .....
قال الفنجان لشاربه وهو يذرف الدمع وقد جرحت شفته وتقطر منها الدم :
- لا تشرب كل ما فيَّ وتبقيني فازعاً .. فأصبح مأوى للجراثيم والفيروسات !!
فضحك الشارب بجشع وقال : وليكن ... وما همني أي النفايات ستستقر في جوفك !؟ وما همني ما تعاني منه من ألم وما تنوح به من بكاء ...؟ قبضت عليك .. وامتصصت ما فيك ... وكان لذيذاً !!
- اتق الله أيها الشارب ... اتق الله ... فالذي كان قبلك شرب مني نصفي .... وأنت تريد أن تجهز عما تبقى في الفنجان المسكين؟
- ورمي به جانباً وهو يقهقة ضاحكاً ... فأصاب كلباً ذئباً كان يرقد بين الأعشاب .. فأنقض عليه ..
والآن أيها السادة الكرام . كان يجب أن يلتهم هذا الكلب الذئبى هذا الجشع الذي لا دين له ولا يقين . . فاعتصر ما في الفنجان وهَشَمَه في شفته ورمى به دون أن يآبه لضمير أو تعقل ... ولكن ، وإنسانية مني لن أدع الكلب يمزقه ويلتهمه ، بل سأجعله يركض فزعاً وخوفاً من أنيابه الغاضبة ....
هذا ما حدث .. وما زال هذا الشارب الذي اعتدى على الفنجان يركض خوفاً وفزعاً من أنياب الكلاب ..!
غرس الكلب نظرته في وجوده .... فتألمَ صاحب الوجود من هذا الطمع الذي أبرق في عيني الكلب الأبيض المخيف ... وفرقع له بإصبعية تودداً .. بل رمى له بقطعة من الجبن .. فعوى زئيراً وهو ليس بأسد .. فرمى له بقطعة لحم يُسكت له الجوع ، اعتقاداً منه بأنه جائع فزاد من غضبه وحنقه وهكذا دواليك .. كلما اعطاه شيئاً طلب المزيد .... والمشكلة ان صاحب هذا الوجود لم يتعلم في دروس الطبيعة إن الكلب لن يتروض طالما تخشاه .. وإن أردت أن تتحاشى شره فما عليك الا ان تقابله بشجاعة وعنفوان ...
قال لي صديق من أبناء الشعب اليهودي :
- نحن اليهود عرب لكننا لا نتحدث العربية !
- كيف ذلك ؟
قال : لأننا من نفس البوتقة ..، نحمل جينياً نفس الطباع ... وتأكد أنه حين يتم السلام ، سيطفو الشبه على الوجوه .. وسيدرك المستقبل بأن حربنا ما هي الا لكي لا نتذكر كم نحن أقرباء وكم نشبه بعضنا البعض .
فضحكت .. ضحكت كثيراً ... ولكنني لم أقل له عن السبب ، والسبب هو أنني لا أفهم شيئاً في العلم الجيني .. ولا أفهم شيئاً من نظرية النشوء والإرتقاء .. ناهيك على أنني لا أرغب بأن أفهم أو أصدق بأنني سلالة للغوريلات والقردة .... أنا أفهم فقط بالموجود .. والموجود كما يقال .. يجتاز قدرتي على الإحتمال ...
الموجود هو قتل الأطفال والأبرياء ...
الموجود هو الخوف والخوض في حرب لا نهاية لها ..
الموجود هو أن كلا الطرفين خاسران !
هذا هو الموجود ... أما المنشود فهو أن نتوقف جميعاً عن الخسارة الفادحة .... نتوقف عن سفك الدماء وأن نتوقف عن الإعتقاد السخيف بأن الأرض أثمن من الإنسان وأثمن من إرادة وحب البقاء ...
- أنا لا أحبكم ...
لقد ضيعتم وقتلتم السبب الذي من اجله أحببتكم .. !
وانتصب إبراهيم الخليلي على حافة الأفق قائلاً بصوته الجبار ...
- لكم يحزنني طيشكم
لكم يحزنني كرهكم لبعضكم ..
لكم يمقتني عبثكم بالحياة وقد منحكم الله إياها لتسعدوا ...
سحقاً للشيطان ...
سحقاً له .. متى سيرحل عن وطن أبنائي !
وغاب يلتحف بعباءة حزنه كدرويش يبحث عن مأوى يلجأ إليه في ليله العاصف !
في هذه الحالة التي أنا عليها ، وبعدما سلف من وثبات ، لفها الغموض الواضح أصبحت أيها الرفقاء درويشاً ! ولا عيب في ذلك ، لا عيب البتة أن يبيت المرء على ما هو عليه ويصبح دون تخطيط سابق درويشاً .
والدروشة هي حالة لا بأس بها لمن تطهر من أدران الأرض ومخاوف السماء . فهي حالةُ ما بعد العقل . أو لعلها ، حالة القبول المطلق لكل ما يحدث والرفض المطلق له . إنها نوع من الركود المتأجج كجمرة موقد استوفت لهيبها واستقرت على جمرها ، أجل .. أجل وجدتها ، فالدروشة هي الوقوف على الحد الفاصل بين جهنم من الأسى وجنة من الاإكتراث .
هذا ما أنا عليه الآن . فهل بدأتم تتعقلون طلبي الأول بأن تتعرفوا إلي ...؟
صحيح بأن التعرف إليَّ أمر شاق ، كمن يود الغور عميقاً ليعرف ، بأن السبب الوحيد لإكثار البدوي في الصحراء من إرتداء الملابس والعباءات رغم حرارة الشمس ، هي لكونه لا يملك الكثير من الملابس ، أو لأنه يلبس كل ما يملك ، ولكن المشكلة كما يبدو لي ، وبعد إطلاعي على الفكر الغربي الذي حيرته هذه الظاهرة المحيرة .. هي أنه يعتقد _ الفكر الغربي _ بأن كثرة الملابس وصوفيتها البعيرية ، خاصة إن كانت فضفاضة من الأسفل ، تصبح آلة تبريد ، حيث أن حرارة الجسم تسبب للهواء الحبيس تحت الثياب بالتمدد ... فيخرج ليحل مكانه هواء أبرد ، وهنا كما ترون يستغل البدوي بفطرته " النظرية النسبية " ، تلك التي نادى بها البرت آينشتاين ذو الدماغ الإسطوري .
لقد سُقت لكم كل هذا ، دون أن يكون المسوق هو المقصود ، وإنما ، بداوتنا الصحراوية .
قال لي أحدهم ، أيضاً لا أذكر اسمه :
- البداوة هي نوع من الشراسة الفطرية . إنها عناد ، إنها تحد لأقسى ما يمكن أن يكون : العطش ، النار والريح . ثلاثة لا يقهرون . فلماذا خانتكم بداوتكم وبدأتم تنهارون من هبات النسيم وزخات المطر ؟
سحقاً له لقد سخر مني . لقد أوغر صدري غضباً ! وخاصة لأنه انصرف قبل أن أشرح له بأن رئاتنا توقفت عن العمل منذ عهد بعيد ، ولهذا فنحن لا نحتاج إلى الهواء ولا إلى الريح ، وإن الصمغ الذي نصفف به شعرنا ... ونعقد به لماتنا يتأثر تأثراً بالغاً من هطول الأمطار ، غزُرْت أم خفّت . ما العمل ، إنه غبي وغبي وغبي وغير مطلع على مجريات الأمور ..
إنه بغل !.
قال البغل للحمار :
- ما أحمرك !
ففكر الحمار قليلاً وقال له :
- ما أغباك ....
فضحك البغل وقال له :
- أرأيت بأنك أغبى مني ؟
فقال الحمار : وكيف ذلك ؟
فقال البغل : - وفق السياق ، كان عليك أن تقول لي : ما أبغلك
وليس ما أغباك ....
فضحك الحمار وقال : قبل أن أجيبك فكرت بما يمكن للبغل أن يفكر ، فغيرت تفكيري وفكرت بما يجب للعاقل أن يفكر . المهم هو أنك بغليُّ الفكر . . وأمثاك ينجرون وراء السياق .. فيهضمون ما اجتره الآخرون ... عليك أن ترتفع قليلاً عن بغليتك أيها الحمار !! .
وهكذا أيها النجباء ، نصح حمار بغلاً بأن يتوقف عن " حمرنته " ويرتقي بفكره ويتجاوز السياقات والمتعارف عليه كي يتطور ويفكر بشيء يجدي . ولكن ، تبقى الحقيقة المرة وهي أن الحمار .... حتى الحمار ملَّ من أن يظل حماراً ! ، علماً بأن أحداً لم يمس له شعيره ودون أن يسلب له أحد مخلاته ..... وإلا والله .. ولو حدث لأصبح أسداً !
تهادى الأسد في مشيته الرجولية ... وزأر زأرة واحدة ثم شنف أذنيه مستمعاً إلى عودة الصدى .... فهز رأسه اعجاباً حين عاد الصدى متهادياً بين الوديان والتلال ... فقال مبتسماً :
- حسناً .. حسناً ... ما زال صوتي قوياً ، ما زلت الملك . ما زلت السيد الذي تهابه الأرانب والغزلان .. تهابه الحيوانات والأحياء. ... ثم شعر بالجوع يقضم له أمعاءه ... منادياً اللبوات كي تصطاد له ما لذ من الغزلان والأرانب ..... وجلس ينتظر ، فلم تقبل عليه أى منها . فزأر ثانية وثالثة ورابعة ... ولكن دون جدوى .... ومر من جانبه أبن أوى ، فوجد الأسد وقد ضعف وهزل من شدة الجوع .... فقال له :
- ما الذي حدث يا سيدي الملك ؟
فقال الأسد : أكاد أموت جوعاً .... واللبوات لا تلبي زئيري فتأتي لتصطاد لي فريسة !
فقال أبن أوى : لقد أنتهى عصر الإتكالية يا سيدي ، عليك أن تكون عصامياً فتذهب لتصطاد بنفسك ...... !
فقال الأسد غاضباً : لا أعرف الصيد ....أنا الملك .......
فقال ابن أوى : لا تعرف الصيد لا تعرف الحياة .. لست الملك .... لقد تغيرت الدنيا يا سيدي عليك التوقف عن الاعتماد على الغير . يجب عليك الا تكون ملكاً بالزئير والتخويف والبطش بإناثك .. وإنما عليك أن تصبح ملكاً بأفعالك وإنتاجك وجدواك لنفسك ولغيرك ....
فزأر الأسد غضباً ووثب على ابن أوى .. ولكن الجوع الذي أخذ منه كل مأخذ حال دون الوصول إلى ابن أوى الذي فر سريعاً وهو يقول ضاحكاً :
- واملكاه ..... عجزت عمن مثلي فكيف ستقدر عمن مثلك !!
تغيرت الدنيا .. تغيرت !
داس الجندي على عنق الدكتاتور الذي التحى حين حُرم من نعمة الشفرات والحلاقين ، وكانت رائحته كبخراء الخنازير ، قُبض عليه مختبئاً في أعماق الأرض . منزوياً خوفاً . تغيرت الدنيا فلم يعد عنده جند تطلق النار من أجله .... ولم يعد يملك القصور والملاجيء التي تحميه من الغارات ، لقد أخضعته القوة العظمى .... وشتتت شمله .
لقدنسي هذا الجبار طوال حُكْمِهِ ، أن من يحسن إلى شعبه وجيرانه يجد عندهم حطباً لمواقده في الشتاء ... ولم يعرف آبداً الحكمة في القول :
إجعل قلبك أيكاً للحب والرحمةً
فلا أحدَ لا يقدر عليه أحد !
وهنا تكمن المعضلة .. وهنا يكمن حلها . فلو أدرك من لم يدرك أن ما يدركه يضر بالإدراك ، لأدرك ، أن ما لم يدركه ، يجب عليه إدراكه ليحمي الإدراك ... ومن أين تأتي لنا الصيرورة بمثل هذا الملاك ... ؟ فكلنا والحمد لله رب العالمين عالمون بكل الخفايا والظواهر ... ، نحن كسفر تجد على صفحاته كل الخفايا ... وكل الجواهر وكل الحكم وكل ما لم تدركه الحضاره وما لم يخلفه التاريخ .... أجل نحن سفر فيه كل شيء .. فلتأخذوا نصائحكم الهزيلة ... فهي لا تفيد الا الشعوب ، ضعيفة الإيمان ، الشعوب التي لا فراسة لها ولا إدراك ... ولا روح ...
- أبي .. أبي .. هل للقطط والفئران أرواح ؟
- لا يا بني .. إنها آلة حية وظيفتها أن تخدم الطبيعة .. ووظيفة الطبيعة أن تخدم الإنسان !
- أنت تمزح يا أبي ... فلماذا يجب على الطبيعة والالآت الحية أن تخدم الإنسان ؟ أنا لا أعتقد بأنك مصيب في ادعائك هذا !
- لماذا أيها الشقي تعترض على كل ما أقول ... ؟
- لأنك يا أبي كمن يقول ، بأن الحديد هو مادة لزجة ... وهذا لا يمكن أن يكون من باب الإستحالة !!
- وكيف بواسطة باب أو أبواب الاستحالة يصبح ما قلته خطأ ؟
- الخطأ يكمن في غائية الخدمة .. فهي تلزم من لا يستطيع خدمة نفسه .... فتخيل ، كيف يمكن لأحد لا يفلح بخدمة نفسه أن يخدم اللآخرين؟
فنبر الأب قائلاً :
- صهٍ يا ولد .. لا تبلبل عقلي وفكري ، ولا تقلب الدنيا رأساً على عقب !
- لعلني يا أبي أقلبها إلى حيث يجب أن تكون .. بعدما قلبتموها أنتم رأساً على عقب ... لأن الحقيقة تقول أن الذي يخدم هو الذي يدرك معنى الخدمة ، والذي يعرف معنى الخدمة هو الإنسان .. وهذا معناه أن الإنسان هو الذي يجب عليه خدمة الحيوان والنبات والطبيعة بكاملها ، نحن يا أبي خدم ولسنا أسياداً ! .
- أغرب عن وجهي يا ولد .. أغرب فأنت لا تأتي والله الا بما يحير العقل ويقلب الدماغ !
واغرب الولد عن عيني أبيه .. وما زال حتى اليوم .. !
هذه عادة نتوارثها عن الأجيال ... ونحن لا نقوم بذلك من منطلق العقوق ... ولا انكاراً للبر بالوالدين .. إنها فقط نزعة شرقية طبيعية تتمطى بنا وتتثاءب نعاساً من الروتين والمحدودية ... هذا كل ما في الأمر .. أما ما تبقى من أمور فهي على ما يرام ... نحن نحب ما نحن عليه ... نهيم شغفاً بطبيعتنا المسالمة وبقناعاتنا التراثية لأن القناعة كنز لا يفنى . وليُضرب بطرس وكل ما يملك من الآت طبيعية تسير على أربع عرض الحائط
أربعة يا أيها السائل ، إن حافظت عليها سعدت :
الأولى : إن جعت كل !
الثاني : إن عطشت اشرب
الثالث : إن نعست نم
الرابعة : إن الحت عليك الحاجة وتقلصت أمعاؤك فليكن المرحاض وجهتك .
وكل هذا مشروط بأن تأكل من أرضك وتشرب من آبارك وتنام في بيتك وتقضي حاجتك حتى ولو في أحراج الوطن ، أجل ، إياك أن تسرق الأكل والأرض ، الشرب والبئر ، البيت والفراش وإياك أن تدخل مراحيض الغير ...
فهذا يشكل خطراً على السلامة العامة وعلى السلامة الخاصة ،خاصة وإن كانت السلامة الخاصة ..من خصوصيات السلامة العامة .... أجل ، لعمرك فأنا لا أسخر منك ولا أسخر من أحد ... لأنه في أحد الأيام دخل أحد لا أعرفه ، كالعادة ، إلى مرحاض الغيرفوجد أفعى وقد التفت على القرفاص .. ( والقرفاص هو القعادة التي يقرفصون عليها لقضاء الحاجة – وهي من إختراع الحاجة الآن ) فخاف جداً وجداً وجداً وفعلها في ملابسه الجديدة .. ولم يكن في بيته ليستر على نفسه فيدخل إلى الحمام ليستحم .. ولم يكن في أرضه ليختبيء تحت شجرة ظليله .. ولم يكن في وطنه حتى يحن عليه ناسه .. فقبض عليه متلبساً بوسخه ، الأمر الذي سبب له الإحراج والخجل .. و ... من شدة فزعه ومن شدة رائحته أُغمي عليه .. فهربت الأفعى من سقطته ومن رائحته الفتاكة وهي تقول :
ينقصني حقاً أن الدغ هذه الكومه الكريهة النتنة ! ينقصني حقاً ... كي يشاع عني أنني أروم زرائب الخنازير واسبح في نقيعهم .. أو كي يقال : استعملت طهر سمها في أورام الدنس . وانسلت تنساب خارجة وهي تغطي برأس ذيلها خيشمها مبقية مجسها – لسانها – في بلعومها كي لا يلحق به الأذى من هذا الأذى الملقى على الأرض .
أرأيتم ؟ كل هذا يحدث أمام عيونكم ، ولكنكم لا تميزون ذلك .. لعله من كثرة أشغالكم ، ولعله من كثرة النعاس والتعب ، فنحن هنا تعبون دائماً ، تسقط رؤوسنا على صدورنا من قلة النوم والسهر .. أو لنقل السهاد .. لأنها كلمة فيها لطف العاشق وحيرة الولهان ... لربما ، نحن لا نرى ما أشرت إليه سالفاً ، لأننا نتمسك بعذرية الأخلاق وعذرية التعامل مع الأشياء .. وهذا صحيح إلى حد ما .. فنحن نكره الإباحية ونذمها ولا نقبل بها ، كل شيء يجب أن يكون طاهراً من التعقيد ، طاهراً من التجديد .. طاهراً من إمكانية أن يكون شيئاً آخر يمكن أن يكون مفيداً وفعالاً في هذه الفترة التاريخية الوامضة .. بكل ما يومض ويلتهب وينفجر ويُصدر الأصوات المفزعة ...
حدثت جدتي قائلة :
شاءت مرة جمرة في الموقد الا تُرمّد ، أي الا تُطفأ .. فاحتار المستدفئون من هذه الظاهرة ، خاصة وإن الصيف أصبح على الأبواب ... وكبوا عليها الماء من الدلاء فلم تطفأ ... واستنفر المستدفئون من تبقى من رجال ونساء الحي .. وقاموا بشن هجوم إطفائي لم يسبق له مثيل ... وبقيت الجمرة محمرة هانئة تفترش رماد الموقد وكأن لا شيء يدغدغ إبطيها كما يقال . واستجار المستدفئون بالأمم المتقدمة والأمم والمتأخرة ، ولكنهم خرجوا بخفي حنين .. وأصبحت هذه الجمرة عقدة من عقدنا التراثية ... وعقدة من عقدنا التقليدية والدينية والإجتماعية ، والأهم أصبحت أعقد عقدنا السياسية ...
قالت جدتي وهي تبتسم : المشكلة في هذه الجمرة التي اقلقت وجودنا ، هي أنها ستطفأ وحدها ، فقط ، حين يأتي أحد عاقل ينظر إليها عن كثب .. لأنها في حقيقة الأمر ، ما هي سوى حجر أحمر لا شرر فيه ... وما الشرر الذي نراه سوى شرر نابع من مخاوفنا من كل ما هو غريب .. فيستعبدنا جهلناوتخذلنا معرفتنا .
قالت جدتي : يا بني لا يُطفئ الجمرة إلا رمادها ..ثم أردفت قائلة : شريطة أن يكون جمرة !! ويجب أن تعرف بأن رمادنا ما هو الا جمراتنا التي انطفأت !
إنطفأت الأضواء في المدينة ... ودوت صفارات الإنذار ، فاخترق صفيرها الحاد الأعصاب والقلوب وشتت العقول ... فبدا وكأن كل شيء بتقلص وكل شيء يتربض وكل شيء يقرفص ... فلا أحد سيعرف أين سيحط الصاروخ ، ومن سيصيب ... ولا أحد يملك نظراً معافى كي يرى تلك الشبحيات التي تحلق بعيداً تلتقط صوراً لفراخنا ودجاجاتنا وديوكنا الذين يدافعون عنا بصياحهم الذي توقف استعماله كمعلن عن قدوم الفجر منذ زمن بعيد .
المشكلة الأساسية التي تطيح برؤوسنا وتقصم هاماتنا ... إننا ضحايا التفوق ، وضحايا قصر النظر ... وضحايا العزائم العلمية المثبطة .. نحن نكره المواد الصلبة ونكره الزجاج والاسلاك والموجات المبثوثة ... نحن روحانيون في طبائعنا ، فلا استعداد لدينا أن نغامر ونضحي من أجل أن نخترع إبرة نخيط بها الملابس ... أو رصاصة نذيبها فوق رؤوس مرضانا لنطرد الشياطين والأرواح الخبيثة .. نحن كأسود الغاب نبحث عن إناث لتخدمنا ، تدلك وتغسل لنا أقدمنا في المساء ، بعد أن تحضر لنا الأرجيلة وأكواب القهوة والشاي !
نحن أصلاً نكره الدائرة لأنها تتدحرج وتتحرك ... نحن عذريون حضارياً ولن ننال أية ريشة من أي جناح حتى ولو ملأنا السماء بمصايد الغراء .
هذه هي الحقيقة ... وهي مؤلمة .. أجل هذه هي الحقيقة ، وهي أنهم متفوقون علينا ... ولأن الحقيقة هي " طوربيدو " يدفعك إلى الحرية والنقاء ... فيجب علينا أن لا نحمّل ضمائرنا المزيد من الشعارات العقيمة الممجوجة السوقية محلياً وعالمياً يجب علينا أن نتهيكل من جديد .. يجب علينا أن نتعلم منهم ، يجب أن نتطور وساعتئذ فقط ستتحول الهيمنه إقتصادياً وحربياً إلى مشاركة حقوقية ..... علينا أن نتهيكل من جديد لعلنا نخلق عربياً جديداً يرى إلى البعيد .. يسلك بشكل مغاير ... يغامر .. ولا يخاف من الجديد .
لا أريد بعد الآن أن أكره من تفوق علي .. إنما أريد أن أتعلمه وأتعلم منه وأشاركه تفوقه ، بل أريد أن أصادقه ، فصديق متفوق تأتي منه الجدوى ... ولا يأتي من الجدوى سوى اليسر والسعادة ....فهل ترونني جُننت ؟
لماذا أنت وأنتِ وأنتم تحدقون بي بمثل هذا الإشمئزاز !
رحماكم ...
فلقد أصابنا العفن في أحشائنا ....
رحماكم ..
لقد صدأت أعصابنا ومهاراتنا ....
رحماكم .....
لم تعد أعشابنا تجدي .. لم تعد تشفي أمراض العصر ... ينقصنا الإشعاع ... وتنقصنا الأمصال والأبر والأقراص ومراقب نرى بها جمال الخلية .
ونحن نملك القدرة ... !
قال النسر لواليده الذي ذهب يدرج مرفرفاً بجناحيه الصغيرتين :
- هيا ، رفرف بجانحيك أكثر وطر في السماء
فقال النسر الصغير : لا أستطيع الطيران لا أستطيع !
فنبر به الأب قائلاً :
عليك أن تؤمن بأنك تستطيع الطيران فإن جربت نجحت لأنك تملك القدرة ...
ولهذا أيها السادة الكرام .. الفضاء اليوم مليء بالنسور والطيور المحلقة ..... والسبب في ذلك هي إرادة التحليق إن وجد الإمكان ! ونحن نملك الإمكان ....
فهيا نحلق ... في السماء الرحيب ... نحمل معنا ما يعز علينا .. ونضيف عليه ما يتكشف لنا من جديد .
أعتذر أيها السادة .... اعتذر ... فلم أعرف بأنني سأوغل كثيراً في خطبة الشرق هذه .. إنها نوع من الهلوسة الشرقية التي نصاب بها عن قصد وعن غير قصد . إنها هلوسة أو كما سبق وقلت نوع من الدروشة الحالمة . وإن ما قلته ، قلته دون البت في صحته أو عدم صحته ... لربما أصابني ما أصاب ذاك المدعي الذي قرأ الكتاب من آخره ... ففي نهاية الكتاب يموت البطل .. وهكذا ، فأول ما قرأ في الكتاب – ذاك الجاهل – أن البطل مات .. وحين تقدم متراجعاً إلى نصف الكتاب وإلى بدايته تفاجأ بأن البطل ما زال حياً يرزق .. فرمى بالكتاب جانباً متهماً المؤلف بالجنون متسائلاً كيف يمكن للأموات ان تنهض وتمارس الحياة بطولها وعرضها وقد أُعلن قبلاً عن موتها ؟ هذا ما اعتقده ذاك القاريء المقلوبي ! فإن كنتم ترون بي هذا الجاهل الذي قرأ الكتاب من الآخر إلى الأول .... فأختلطت عليه الأمور .. غضوا النظر عن هذا الشذوذ الهاذي رأفة منكم وكرماً ، وألا أصابنا ما أصاب أقوامنا في خلافهم الذي لا حل له . فإن كنتم لا تعرفون القصة ، فساحدثكم بها :
بدأ خلافنا حين أدعى أحد أمام جاره بأن أذكى ما يمكن أن يدخل البلعوم من مأكل هو لحم الجمل المشوي ..... فما كان من جاره الا أن اعترض عليه قائلاً ، بل لحم العبور البري ...
فأجابهم الأول : لا بل لحم الجمل
فأجابه الجار : بل لحم العبور .
فما كان من الأول الا ومسك هراوة وهوى بها على رأس جاره فشرخها وانبجس الدم يلطخ له الوجه .
تجمهر بعض الناس حولهم ، فسأل أحدهم عن سبب النزاع ، فقال له أن المجروح أدعى بأن لحم العبور هو من أذكى المآكل ... ، فاعترض عليه الجاني قائلاً أن لحم الجمل أذكى وضربه عقاباً وانتقاماً ..... فصرخ السائل : يا ويلاه ... كيف تتجرأ يا هذا وتدعي بأن لحم الجمل أذكى المآكل . خسئت ... القوزة المتبلة هي من أذكى المآكل ، ثم مسك بهراوة وهوى بها على رأسه .. فجرحت كرامة الذي يحب الكنافة ، فضرب محب القوزة ... ووثب أخر يحب التبولة ... فضرب الضارب وهكذا دواليك ، الحرب تدور رحاها .. والجماجم تُحطم ، ولا أحد يستطيع فض النزاع العربي ، ، ولا أحد يفهم شدته وحساسيته .. حتى أن الأمم المتحدة ارسلت وسيطاً ، وشمال حلف الأطلسي والأمريكان الذين يهمهم الاستقرار في المنطقة ، تدخلوا بقواهم الجوية والبحرية والصاروخية .. وما زالت الهراوات تحطم الرؤس والكنافة تلقى في الطرقات ... وأفخاذ الجمال والعبران والقوزات والتبولة ... !
ولو نظر العارف ملياً إلى أسباب هذا الخلاف الذي لا ينتهي لتنفس الصعداء ... فهو خلاف يكاد يكون غريزياً .. خلافاً ذوقياً إن صح التعبير .. أما الخلافات تلك .. ذات المستوى النظامي والسلطوي والإقتصادي فهي مستقره ولا خلاف فيها ، المشكلة هي أن لا أحد يستطيع أن يقنع محب الكنافة بأن اصابع زينب والهريسة قد تكون لذيذة .. ولا يستطيع أحد أن يقنع محب لحم الجمال بالا يكره محب لحمة العبران ... هذه دوامة كل من يدخل محيطها يغرق .. ولن ينقذ هذا الشرق من الغرق الا إذا تم واجتهد أصحاب الشأن وجففوا البحار التي تخلق بها الدوامات القاتلة . وهكذا نربح صحارى جديدة مليئة بهياكل البحريات من الأحياء والنبات ... فنتعرف حينها على الفقريات واللافقريات ونفتح المعاهد العليا نعلم بها ما قد يحدثه الجمل ولحمه ، والعبور وصوفه من تغييرات جيولوجية واقليمية .... ولو تجرأت أكثر لقلت ، إن سبب تقلص طبقة الأوزون ناتج عن غاز خاص يتحرر من فضلاتنا ، وخاصة تلك التي تأتي من بطون الأسياد والمعرشين على شرقنا كأشجار العنب الظليلة .
استلقى اعرابي على ظهره تحت شجرة عنب وارفة الظلال ، والأسى يتقطر من جبهته العريضه ... محدقاً في دواليها وحصرمها المتدلي فوق رأسه .
ثم خاطب قطوف الحصرم متألماً :
- شهوتي تتأجج في دخيلتي .... وإني مشتاق أن تنضجي فاستحلب منك خمرك !
شهوة تخنق صبري على الإنتظار ... هيا اكبري وانضجي .. هيا
فلا وقت لدي ولن امنحك وقتاً ليتأهل خيرك .. فأنا مدمن الآن ... الآن ، الآن !
ونهض ماداً يده قاطفاً قطوف الحصرم وبدأ يلتهمها الواحد تلو الآخر حتى شعر بأن لسانه يلتصق في سقف حلقه ، وأسنانه تلمع ألماً وكأنها تتصدع تحت مطرقة لئيمة .. لقد أصابه الضرس فتخثر ريقه وكاد أن يختنق .
أرأيتم أيها النجباء ما حل بهذا المسكين .. قلبي يحترق عليه من ظلم العنب ... فلقد تباطأ في النمو خصيصاً ، ففقد صديقنا صبره فالتهمه حصر ما فضرس .. سحقاً للعنب كم يكرهنا !
سحقاً له كم يكرهنا ...
قالت المجنزرة لراكبها المدفع :
لكم يكرهنا الأطفال .. لكم ، تعترض أجسادهم قذائفنا فنخطيء الهدف ... وبدل أن تُهدم البيوت القديمة العابئة الخطرة على أصحابها تذهب القذيفة سدى !
كم يكرهنا الأطفال ...
وكم نحبهم نحن !
فقال المدفع : لم أسمع قط عن أطفال في مثل هذه الغرابة ... دائماً يجدون حتفهم ... إنهم يبحثون عن حتفهم طوال الوقت ... يجلسون في البيوت حين تسقط القذيفة .. ويتواجدون في الشوارع حين تزغرد الرشاشات .. ما أغربهم يبحثون عن حتفهم بنفسهم . وهذا هو الشيء الذي يجعلهم يختلفون عن أطفالنا .. فأطفالنا يُقتلون وهم يختبئون من الموت .. تأتي قنبلة بشرية وتفجر نفسها بينهم .. ما أغباهم .. ما أغباهم هؤلاء المتفجرون .. يعتقدون بأنهم نوع جديد من القذائف والمتفجرات
وكان يصغي إلى هذا الحديث طير دوري يقف على مقربة من المجنزرة فقال :
يقتلني غباء الإنسان ... ما أغباهم ... يتفننون بالكلام .... والأمهات هن اللواتي يبكين ، والأطفال هم الذين يُقتلون ... ما أغباهم ... ما زالوا لا يعرفون بأننا جميعاً أبناء الله ... وأن الأحياء خير وأقدس ما خلق ... لا أفهم هذا الإنسان الأحمق ، ألم يكتشف بعد بأن أكثر الأمور بدائية هي الحرب ؟
ما أحمق الإنسان ....
ما كاد ينهي الكلام حتى شاهد رصاصة تتجه نحوه فأنتحى جانباً ورفرف هارباً !
هرب عليِّ وإلى جانبه صديقه داني ، يركضان بكل ما أوتيا من قوة وهما يصرخان هلعاً ، وفجأة سقط عليٌ على الأرض فجره داني حتى سقط هو الآخر ، فنهض عليُ وجر داني ودواليك حتى إختفيا عن الأنظار .
لا احد يعرف من شهود العيان ممن خاف الصديقان .. وما الذي اخافهما ... والى اين هربا ....
القصة غريبة ..... غريبة جداً .... فالغربيون لا يستطيعون فهم هذا التعقيد المفاجيء ... ومراقبهم لم تلاحظ ولم ترَ وتكتشف رغم دقتها هذا الشيء الذي اخافهما .. الامم المتحدة ترى ان كون الاثنين سويا ينتج مادة الأدريانيل في المخ فيصاب المرء بهوس الخوف أو عقدة الإرتياب ... ولعل هذا ما جعلهما يتخيلان وحشاً يطاردهما فهربا ينقذان بعضيهما البعض حتى غابا عن الأنظار !
الشرطة الدولية لم تفلح هي الأخرى بحل هذا اللغز ... رغم أنها استنجدت بكل الشرلوكات هولمز والأرسينات لوبين والكوجاكات ... وجميع أقلام ومكاتب الاستخبارات .
المهم أن جميع العارفين بالسياسات المحلية والدولية أقروا إن ظاهرة علي وداني هي ظاهرة خطيرة في الأصل والأفضل لهما أن يبقيا خائفين وهاربين إلى الأبد .
وهب الطالب على قدميه سائلاً :
- استاذ لماذا يكذب الشبان على الصبايا والصبايا على الشبان بقولهم : - أحبك إلى الأبد ؟
فقال الأستاذ : ولمَ تعتقد بأنهم يكذبون ؟
- لقد سمعت فتاة تقول لجاري : أحبك إلى الأبد ... وسأبقى معك الى الابد ، وبعد خمسة أيام خطبت إلى شاب آخر في الحي !
فقال الأستاذ : - لعلك لم تسمع جيداً فقد تكون قالت له : أحبك وسأبقى معك إلى الأحد !! وهذا ما حصل حقاً !
فقال الطالب النجيب : يا استاذ هذا ما يحدث في الإتفاقات السياسية وليس الغرامية ... !
فقال الأستاذ : أيها التلميذ لا يهم أين يحدث الأمر ... المهم إن في كلتا الحالتين يكذبون ! وذلك لأن الحب ليس مجرد تصريح يقوم به أحد الطرفين ، كذا السلام ... الحب والسلام ممارسة وإرادة حية تنبع من الجانبين .... المشكلة هي إن إرادة الحب والإحساس به وإرادة السلام والقيام به كعنقود العنب .. إن أُكل حصرماً ضرست الأسنان ... وإن أُكل ناضجاً كان حلو المذاق طيب النبيذ !.
- وكيف يمكن لمثل هذا الأمر أن يتم يا أستاذ ؟
- من يريد يا استاذي للعنب أن ينضج عليه أن يملك أولاً نية وهدفاً ... نية أن يُسّمد الأرض ويحرثها ويرويها حتى يصل إلى الهدف ، وهو العنب الناضج ... عليك أن ترعى الحقل والكرم كي يطعماك ... فإن تركتهما وأهملتهما أكلتهما الأعشاب والطفيليات !
أفهمت يا بني !؟
فقال الطالب وهو يهز برأسه :
- فهمت .. فهمت !
المعضلة أيها لأصدقاء النبهاء ، أننا جميعنا طلاب لا أساتذة لنا ليعلمونا كيف نُسِّمد الأرض حتى تنضج الثمرة التي يقتات منها بنو البشر ، وكيف نرعى الحقل فنبعد الطفيليات الضارة عن سيقان وجذوع الأشجار ، لقد شاهدت مرة حقلاً من الزيتون دُهنت جذوعه بالكلس الأبيض ... وكانت الأشجار حاملة حتى تقصفت أغصانها ، وحقلاً آخر رأيت الأعشاب قد غطت ترابه وتعالت فيه ، ولم يكن زيتونه بحامل إلا القليل وأدركت بذكائي البسيط ، أن الرعاية التي نالتها تلك الأشجار ، جعلتها تثمر بوفرة ، وتلك التي أُهملت قل نصيبها .
فما أقل نصيبنا ...
قال المسن لصديقه المسن :
- لقد ظل أبو يوسف يحدثنا قصته العجيبة عن المخلوق العجيب الذي وجده في إحدى مغائر الكرمل ، الموغلة في غاباته ... وعندما أشرف على النهاية انتصب كالملدوغ وذهب من مجلسنا .. ولم يعد أبداً لينهي القصة ...
ما أقل حظنا ...
لم نعرف ما الذي حل بالمخلوق الغريب العجيب الذي اعتاد مساعدة الناس الذين يتعرضون إلى المآزق والأخطار في الغاب ، الحقيقة ، إنه حين وصف لنا ظهوره ووصف لنا بشاعة وجهه وحجمه المخيف اعتقدنا بأنه سيفترسه ويلوكه ويعجنه في فمه كعجين الخبازين .... ولكنه ، وبدل ذلك أخرجه من الحفرة التي سقط فيها وأسعفه .
الخقيقة يا صديقي ، وبعد أن مررنا كل تلك السنين ، بدأنا نعرف بأن الجمال هو جمال السلوك وجمال العقل والضمير ... وما المظاهر سوى بريق لا ذهب فيه الا إذا استوت الأخلاق والسلوك الحسن ... حقاً ماذا يخسر الإنسان إن أحسن سلوكه ؟
وما كاد الرجل ينهي كلامه حتى دخل عليهم المخلوق العجيب الغريب ووقف أمامهم ... فأنتصبا على أقدامهم هلعاً وتراجعاً إلى الخلف وهما يرفعان أيديهما كمن يحاول الدفاع عن نفسه من هجوم مرتقب .
وجلجل صوت المخلوق الغريب ضاحكاً وقال :
- مما تخافان ... أنا السلوك الحسن .... أَنا الذي تحدثتم عنه الآن ...... فلمَ الخوف ؟
فأجاب المسن : لقد اعتدنا أن نجفل ونشكك بالسلوك الحسن قبل دخولك ... إنها عادة لا نستطيع التخلص منها ، فكلما قام أحدهم بعمل حسن نشوه له وجهه حتى يبدو بشعاً ... نحن نعاني من سوء النية وجفاف الضمير ...... نحن هكذا .. كما ترانا .. إنه مرض وراثي .. شيء من الإنزيمات الميتة في المعدة ، أو قل ، نوع من الخلايا الشريرة التي تلتهم صفاء العاطفة وصفاء الفكر ..... نحن هكذا ..... هكذا خلقنا ربُنا .... طفرة طبيعية خارجة عن قوانين الحلم والنية الحسنة ....
وأرتعد المخلوق العجيب الغريب ..... وتراجع وهو يهتز خوفاً صارخاً بصوته العملاق :
- ما أبشعكم ... ما أبشعكم .. فلأهرب قبل أن تلتهماني ! وهرب المخلوق من حظيرة الإنسان البشع وما زال يركض هلعاً كلما نظر إلى الخلف !
والآن أيها الأصدقاء ... وبعد أن عرضت عليكم ما لم أكن أعرفه عن نفسي ... سأبدأ بمطاردة هذا المخلوق البشع .. كي أهديء من روعه ... كي أثبت له بأننا لسنا جميعاً على هذا القدر من البشاعة وسوء النية .. تعالوا اركضوا معي ..
فقد نقبض عليه
لنحميه من مخاوفه .....
تعالوا نركض خلفه حتى نعرق .....
حتى وإن لم نمسك به ، فالعرق يُخرج السموم المتراكمة في أوردتنا وأخلاقنا ....
حقاً أيها النجباء ، لماذا لا تركضون خلف هذا المخلوق وخلفي ... ؟
اركضوا من فضلكم !!
اركضوا خلفي وتمتموا
ما أوسع العالم
حين يحل السلام
ويسود الحب !