الشاعر علم الدين بدرية
07-27-2008, 03:39 PM
بين النقد والإبداع في الشعر الحديث
علم الدين بدرية
جميل أن نكتب وأن ننتقد أيضًا ، وأن نتساءل .. هل نحن في حالة جمود ؟! أم في حالة نهضة ، وما هو الدليل عليها ، وما هو سبب الجمود إذا وجد ؟! ومن حقّنا أن نسأل عن واقع الحركة الأدبية ، وهذا ملحّ وضروري ، يفتح بابًا للحوار والمناقشة البنّاءة ، لكننا يجب أن نكون واقعيين بحوارنا ، ملتزمين بموضوعيتنا ، لا نكيل التهم جزافًا ولا المديح بالقنطار ، فموضوع السيولة الأدبيّة يجعل من الصعب رصد ومتابعة النقّاد لهذا الحشد الضخم ، وهذا الكمّ الهائل من النتاج الأدبي الذي ليس كله سيئًا وليس كله عظيمًا بالطبع ، وعلينا أن نتأنى بالحكم حتى لا نصدر فتوى لجيل ثقافي كامل متهمين إياه بالتقليد في التفكير والممارسة إلى حدّ الإفراط وتخم المعدة مما أدى إلى إسهال منقطع النظير في الشعر الحديث ..
من يرفع راية الإبداع فليبدع ، ومن يشهر حسام النقد فلينتقد حتى لا يكون انفصام بين الكلمة والفعل وإطلاق الأصوات الفارغة من المعنى ومن قابلية ترجمتها إلى أعمال ، فهنالك أصوات رائدة أصيلة في الشعر الحديث ، وهي النور في ظلام حياتنا الثقافيّة المعاصرة ، تحمل العبء عن النقد السطحيّ الثرثار ، ارتفعت يوم كان السقوط العربي بالثورة والاحتجاج على الواقع ، مطالبة بالكرامة والحريّة والعدل .
الشعراء يتّخذون من اللغة وتطورها هدفًا ومحورًا ثقافيًّا ، ومن العمل الإبداعي متعة روحيّة وحاجة إنسانيّة جماليّة تتواصل وتتعامل فيها العناصر الفنيّة ، الأدبيّة والثقافيّة تكمل بعضها عبر تاريخ الفن والإنسان . الشعر هو عطاء والعطاء هو نشاط إنساني ، والنشاط الإيجابي بحدّ ذاته فن والفن عمل يصل ذروته في أرفع الصور عندما يكتمل في شكلٍ محدّدٍ من أشكال الثقافة والوعي الاجتماعي وتحقيق الذات .
ليس لنا أن ندّعي بأننا جيل قائم على صناعة التقليد ، فالحداثة في النّص الشعري هي نتاج جماعي لجيل ثقافي ، بدأت في الثلاثينات من القرن العشرين وشارك فيها فريق كامل من الشعراء والمبدعين ، كلّ واحد بأسلوبه المتميّز ، ولغته وكنوز كلماته وموسيقاه ووقع أنامله .. نفس الألوان ونفس اللوح ، لكن لكلّ واحد لوحته الخاصة ورسمته المميّزة .
إنّي أرى في دراسة كلّ نصّ على حدة هي الطريق الأوفق ، بحيث تُتيح لنا محاولة اكتشاف علاقات البناء النفسي والتشكيلي للنّص ، أو إخضاعه لمناهج في التفسير المعتمد على مداخل تاريخيّة سياسيّة ، أو فلسفيّة نفسيّة ، أو إيديولوجيّة ، والكشف عن الجماليّات البلاغيّة واللغويّة والدلاليّة ، وعلاقة التناغم بين المفردات وحروفها ، وبين عناصر التكوين العروضيّة والموسيقيّة والتركيبة الثقافيّة للشّاعر في تمكّنه اللغوي والمعلوماتي واستخدامه للرموز العامة والخاصة ، وعلى الناقد أن يتحلى بالموضوعيّة والجرأة الأدبيّة ، وهذا يعني أن الناقد يجب أن يعتمد قدرًا وافرًا من الحريّة والتجريد في الرأي ، وأن يكون موضوعيًّا وليس تجاريًّا ، فلا يعمّم في اتّهامه الحركة الأدبيّة عامة ، والشّعريّة خاصة ، بل عليه أن يكون واضحًا وحادًا كالسّيف فبالإمكان دراسة أي عمل أدبي وإخضاع إيجابيّاته وسلبيّاته لمناهج جديدة في التفسير والتحليل .
إنّ قوة التشكيل أو ملكة التكوين الشعري تختلف من شاعر إلى آخر ، وقد تتعد مواقف الشعراء ، وتتفاوت بين شاعر وآخر حسب وجهة نظره الفلسفيّة والفكريّة ، الادعاء حول الإسهال الشعري ليس من اللياقة بشيء ، والتعميم هنا غير جائز ، ولا يخلو الأمر من قصائد ترقى إلى المستوى الفكري والفلسفي ، لغويًّا وتشكيليًّا بحيث تصبح شعرًا جيدًا ، والأصح للناقد أن يعتمد عملاً معيّنًا لشاعر معيّن بحيث تكون معاييره هي شروط الشعر وإمكانياته الفنيّة والجماليّة ، فعبء الكلمة ثقيل ، وعبء البوح بها أثقل ، فالأديب يكون بالفطرة أو لا يكون ، وإن لم تكن لديه الموهبة فلن تجعل منه آلاف الكتب أديبًا كاتبًا كان أو شاعرا .
وأنهي القول بأن النتاج الشعري والأدبي عامة يضم كل المستويات ويتّسع لكافة التقييمات ، فهناك إبداعات عظيمة بالفعل ، وأخرى تكرر ما سبق ، فللنّقاد دورهم وللأدباء الدور الآخر ، والعمل الإبداعي هو الأسبق ويمكن إيجاز هذا الدور بالقول .. لا يمكن أن تتواجد حركة نقديّة رفيعة لحركة أدبيّة متدنيّة ، وإذا نجحت الحركة الأدبيّة نجحت الحركة النقديّة والعكس صحيح .
علم الدين بدرية
جميل أن نكتب وأن ننتقد أيضًا ، وأن نتساءل .. هل نحن في حالة جمود ؟! أم في حالة نهضة ، وما هو الدليل عليها ، وما هو سبب الجمود إذا وجد ؟! ومن حقّنا أن نسأل عن واقع الحركة الأدبية ، وهذا ملحّ وضروري ، يفتح بابًا للحوار والمناقشة البنّاءة ، لكننا يجب أن نكون واقعيين بحوارنا ، ملتزمين بموضوعيتنا ، لا نكيل التهم جزافًا ولا المديح بالقنطار ، فموضوع السيولة الأدبيّة يجعل من الصعب رصد ومتابعة النقّاد لهذا الحشد الضخم ، وهذا الكمّ الهائل من النتاج الأدبي الذي ليس كله سيئًا وليس كله عظيمًا بالطبع ، وعلينا أن نتأنى بالحكم حتى لا نصدر فتوى لجيل ثقافي كامل متهمين إياه بالتقليد في التفكير والممارسة إلى حدّ الإفراط وتخم المعدة مما أدى إلى إسهال منقطع النظير في الشعر الحديث ..
من يرفع راية الإبداع فليبدع ، ومن يشهر حسام النقد فلينتقد حتى لا يكون انفصام بين الكلمة والفعل وإطلاق الأصوات الفارغة من المعنى ومن قابلية ترجمتها إلى أعمال ، فهنالك أصوات رائدة أصيلة في الشعر الحديث ، وهي النور في ظلام حياتنا الثقافيّة المعاصرة ، تحمل العبء عن النقد السطحيّ الثرثار ، ارتفعت يوم كان السقوط العربي بالثورة والاحتجاج على الواقع ، مطالبة بالكرامة والحريّة والعدل .
الشعراء يتّخذون من اللغة وتطورها هدفًا ومحورًا ثقافيًّا ، ومن العمل الإبداعي متعة روحيّة وحاجة إنسانيّة جماليّة تتواصل وتتعامل فيها العناصر الفنيّة ، الأدبيّة والثقافيّة تكمل بعضها عبر تاريخ الفن والإنسان . الشعر هو عطاء والعطاء هو نشاط إنساني ، والنشاط الإيجابي بحدّ ذاته فن والفن عمل يصل ذروته في أرفع الصور عندما يكتمل في شكلٍ محدّدٍ من أشكال الثقافة والوعي الاجتماعي وتحقيق الذات .
ليس لنا أن ندّعي بأننا جيل قائم على صناعة التقليد ، فالحداثة في النّص الشعري هي نتاج جماعي لجيل ثقافي ، بدأت في الثلاثينات من القرن العشرين وشارك فيها فريق كامل من الشعراء والمبدعين ، كلّ واحد بأسلوبه المتميّز ، ولغته وكنوز كلماته وموسيقاه ووقع أنامله .. نفس الألوان ونفس اللوح ، لكن لكلّ واحد لوحته الخاصة ورسمته المميّزة .
إنّي أرى في دراسة كلّ نصّ على حدة هي الطريق الأوفق ، بحيث تُتيح لنا محاولة اكتشاف علاقات البناء النفسي والتشكيلي للنّص ، أو إخضاعه لمناهج في التفسير المعتمد على مداخل تاريخيّة سياسيّة ، أو فلسفيّة نفسيّة ، أو إيديولوجيّة ، والكشف عن الجماليّات البلاغيّة واللغويّة والدلاليّة ، وعلاقة التناغم بين المفردات وحروفها ، وبين عناصر التكوين العروضيّة والموسيقيّة والتركيبة الثقافيّة للشّاعر في تمكّنه اللغوي والمعلوماتي واستخدامه للرموز العامة والخاصة ، وعلى الناقد أن يتحلى بالموضوعيّة والجرأة الأدبيّة ، وهذا يعني أن الناقد يجب أن يعتمد قدرًا وافرًا من الحريّة والتجريد في الرأي ، وأن يكون موضوعيًّا وليس تجاريًّا ، فلا يعمّم في اتّهامه الحركة الأدبيّة عامة ، والشّعريّة خاصة ، بل عليه أن يكون واضحًا وحادًا كالسّيف فبالإمكان دراسة أي عمل أدبي وإخضاع إيجابيّاته وسلبيّاته لمناهج جديدة في التفسير والتحليل .
إنّ قوة التشكيل أو ملكة التكوين الشعري تختلف من شاعر إلى آخر ، وقد تتعد مواقف الشعراء ، وتتفاوت بين شاعر وآخر حسب وجهة نظره الفلسفيّة والفكريّة ، الادعاء حول الإسهال الشعري ليس من اللياقة بشيء ، والتعميم هنا غير جائز ، ولا يخلو الأمر من قصائد ترقى إلى المستوى الفكري والفلسفي ، لغويًّا وتشكيليًّا بحيث تصبح شعرًا جيدًا ، والأصح للناقد أن يعتمد عملاً معيّنًا لشاعر معيّن بحيث تكون معاييره هي شروط الشعر وإمكانياته الفنيّة والجماليّة ، فعبء الكلمة ثقيل ، وعبء البوح بها أثقل ، فالأديب يكون بالفطرة أو لا يكون ، وإن لم تكن لديه الموهبة فلن تجعل منه آلاف الكتب أديبًا كاتبًا كان أو شاعرا .
وأنهي القول بأن النتاج الشعري والأدبي عامة يضم كل المستويات ويتّسع لكافة التقييمات ، فهناك إبداعات عظيمة بالفعل ، وأخرى تكرر ما سبق ، فللنّقاد دورهم وللأدباء الدور الآخر ، والعمل الإبداعي هو الأسبق ويمكن إيجاز هذا الدور بالقول .. لا يمكن أن تتواجد حركة نقديّة رفيعة لحركة أدبيّة متدنيّة ، وإذا نجحت الحركة الأدبيّة نجحت الحركة النقديّة والعكس صحيح .