د. مروة الحيان
07-07-2008, 12:56 AM
قلة قليلة من مفكري عرب الحداثة، خصوصاً في الستينات والسبعينات من القرن الفائت، حاولت الانخراط في موضوع التفلسف في الثقافة العربية وانتاج الأطروحات فيه، ومن بين هذه القلة يبرز اسم الباحث أو المفكر المتفلسف د. ناصيف نصار، والرجل لمن لا يعرفه هو من مواليد العام 1940 في قرية لبنانية تدعى «نابيه»، كانت أنتجت أيضا مفكراً وأديباً مرموقاً جدا اسمه رئيف خوري.
أكمل ناصيف نصار تعليمه الجامعي في باريس في العام 1967 محصلاً شهادة الدكتوراه عن أطروحته: «الفكر الواقعي عند ابن خلدون»، وله قبلها أطروحة جامعية أخرى تدور على منهج مقاربة الوجود في الفلسفة الوجودية، وخصوصاً عند غبربيل مارسيل.
في العام 1970 أصدر د. ناصيف نصار كتاباً يدور على نقد المجتمع الطائفي في لبنان بعنوان «نحو مجتمع جديد»، وفي العام 1975 أصدر كتاباً يعالج مشكلة التفلسف في الثقافة العربية الراهنة تحت عنوان: «طريق الاستقلال الفلسفي»، إلا أن هذا الكتاب وبحسب ما يقول مؤلفه - لم ينشر إلا في أواخر العام 1977 بسبب الحرب الأهلية التي دمرت لبنان وأصبحت تعرف بـ «حرب السنتين».
ومن مؤلفات د. ناصيف المهمة أيضا كتاب «باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل» _2003 يعرض فيه نظرته الفلسفية الى الحرية.
ومجمل القول ان د. ناصيف نصار صاحب دعوة الى التفلسف تبرز أكثر ما تبرز في كتابه «طريق الاستقلال الفلسفي» فهو من خلاله، وكما يصرح، حاول دراسة الكتابات الفلسفية الخالصة الموجودة في الفكر العربي الحديث والمعاصر، وان يستخلص عبرة محددة من تلك الدراسة، فركز على أنموذجين في مجمل تلك الكتابات الفلسفية الخالصة: كتابات يوسف كرم، الأرسطوطالي التوماوي، وكتابات زكي نجيب محمود، الوضعي المنطقي.
ومن جهة ثانية حاول ان يخطو خطوة أخرى بعدما تبين له ان التفكير الفلسفي في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة موجود في الفكر العقائدي بكيفية لا تسمح للباحث عن السبيل لإنشاء فكر فلسفي جديد بالتغاضي عنها وتجاهلها، فكانت المرحلة الاولى من تلك الخطوة الجديدة التمييز الذي وضعه بين الأيديولوجيا والفلسفة، انطلاقا من تعريف محصور للإيديولوجيا، والمرحلة الثانية كانت تحليلا للمضمون الفلسفي الذي يقوم عليه فكر انطون سعادة وفكر زكي الأرسوزي من حيث هما انموذجان للتفكير القومي المؤسس على قاعدة فلسفية واضحة متماسكة، أما المرحلة الثالثة، فكانت وضع المنهج الواجب اتباعه لتكوين فكر فلسفي عربي جديد، وهو ما سمّاه جدلية الاستقلال الفلسفي.
كتاب «طريق الاستقلال الفلسفي» يطرح مشكلة التفلسف في الثقافة العربية الراهنة انطلاقاً من النزوع الفلسفي الذي عبّرت عنه هذه الثقافة على المستوى الفلسفي الخالص، وعلى المستوى الايديولوجي، ويردف مؤلفه: واني لمن البديهي لم أقم بدراسة شاملة كاملة لكل التعبيرات الفلسفية الخالصة والايديولوجية الحاصلة في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، اذ ان هدفي كان في الدرجة الأولى شق الطريق أمام حركة الفكر الفلسفي الإبداعي، وبعد، اذا كانت الثقافة العربية الحية قد عبّرت عن نزوعها الفلسفي على المستوى الإيديولوجي، وعلى الأخص المستوى الإيديولوجي القومي، أكثر مما عبرت عنه على المستوى الفلسفي الخالص، واذا كان بحثي قد اعترف بهذا الواقع وأعلنه وخاض فيه، فذلك لا يعني ان كتابي هو في الفكر القومي اكثر مما هو في الفكر الفلسفي، الوصف الصحيح من هذه الجهة هو القول بأنه كتاب في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، وعلى الأخص في الفكر الفلسفي الموجود في كتابات بعض العقائديين القوميين البارزين، لكن ينبغي الا يطمس هذا الوصف المحور الاساسي في الكتاب، وهو قضية الاستقلال الفلسفي والطريقة الموصلة الى تحقيقه.
وعن سؤال له عن المطالب بإبداع فلسفة عربية مستقلة، وفيما اذا كانت هذه دعوة ضمنية بضرورة قومنة الفلسفة، مع ان ما من علم كالفلسفة يطمح الى الشمول والعالمية، أجاب د. ناصيف نصار: كيف أمكن لهيغل ان يكون فيلسوفا وألمانياً في آن معاً؟..لست أوافق على ما ينسب إليّ من اعتبار ضمني في مطالبتي بابداع فلسفة عربية مستقلة، فأنا لا أقول بالمبدأ المسمى «قومنة الفلسفة»، اذ إن هذا المبدأ ليس في النهاية سوى مبدأ إيديولوجي يغني النظر الى الفكر الفلسفي من الوجهة القومية، وانما اطرح مشكلة الفلسفة في علاقتها مع الثقافة، الفلسفة قطاع من قطاعات الثقافة، يتمتع بمنطق خاص وبدينامية خاصة، كما انه يتمتع بعلاقات عديدة شديدة التعقيد مع مجمل البنية الثقافية ومع الكل الاجتماعي التاريخي الذي يكتنف تلك البنية ويحددها كبنية متميزة في اطار الثقافة العالمية، والثقافة لا تتحدد حصراً كثقافة متميزة بالمحور القومي، وعليه، لا يعني الربط بين الفلسفة والبنية الثقافية المتميزة، الأخذ بالضرورة بمبدأ قومنة الفلسفة.
ومن جهة ثانية، ينبغي الاعتراف بأنه لا يوجد معيار واحد لتمييز التراثات الفلسفية بعضها عن بعض في اطار التاريخ العالمي للفلسفة، لكن مع ذلك يمكن القول بان اللغة هي بصورة عامة معيار كبير الاهمية، ان لم نقل إنها معيار حاسم وبخاصة في بعض الحالات، يمكن تمييز التراثات الفلسفية من الوجهة الدينية، أو من الوجهة القومية، أو من الوجهة الحضارية، أو من غير ذلك من الوجهات.. فنقول على هذه القواعد: الفلسفة الاسلامية، الفلسفة الفرنسية، الفلسفة الغربية الحديثة، أو غير ذلك من التسميات.
والفلسفة من وجهة نظر د. ناصيف نصار ليست منعزلة عن الناس، والفلاسفة ليسوا سكان قلعة نائية عن أرض البشر، انما الفلسفة ميدان من ميادين الفكر البشري، والفلاسفة أشخاص يعملون في هذا الميدان ،كما العلماء في ميادينهم، وهم بطبيعة الحال فئات ومراتب.. والفلسفة جزء لا يتجزأ من الثقافة كنتاج للفكر العقلي، وهي على تفاعل مع قطاعات الثقافة وسائر قطاعات الحياة الاجتماعية، وكل تصور يضع مسافة فاصلة بينها وبين الثقافة، من جهة، وبين مشكلات الناس، السياسية وغير السياسية، من جهة ثانية، انما يهدف إلى الغاء فاعليتها وفائدتها لمصلحة قوى معينة مسيطرة على المجتمع.
ود. ناصيف نصار ليس وحده المهموم باستحداث فلسفة عربية معاصرة، وانما هناك كوكبة أسماء لا بأس بها من مثل د. محمد اركون ومحمد عابد الجابري وعبد الرحمن مرحبا وحسن حنفي وعثمان أمين ومحمد عبدالعزيز الحبابي، وعبدالله العروي وطه عبدالرحمن صاحب كتاب «الحق العربي في الاختلاف الفلسفي»، وهذا الأخير مشغول فعلاً بفكرة تأسيس فلسفة عربية مستقلة بمنهجها عن تيارات الفلسفة الغربية.
واذا كان المتفلسفون العرب يتجنبون ان يطلقوا على أنفسهم لقب فلاسفة، واذا كان بعضهم يهرب من مجرد «حشره» في نسق أو مناخ الكتابة الفلسفية، إلا ان البعض الآخر يدعو الى كشح هذه الغلالة المضببة على العيون، وعلى رأسهم د.طه عبدالرحمن نفسه الذي يعلل أسباب الموانع التي منعت العربي من التفلسف، فيرى ان اولها قائم في التصورات السائدة حول الفلسفة، منها تصور ان الفلسفة كونية ولا يمكن ان تقوم على أساس خصوصية معينة، وان الفلسفة منهجها العقل الخالص، ومنها أيضاً التقديس التي باتت الفلسفة موضوعاً له لدى الفلاسفة بصفة عامة.. وفي رأيي ان الفلسفة ليست نتاج العقل الخالص، بل هي نتاج الادراكات الانسانية المختلفة سواء أكانت عقلية أم خيالية أم حسية.
ويستطرد قائلاً في فضاء الفلسفة العربية إن مراده هنا مثلاً هو الاشتغال على مفاهيم لها أسباب في مجالنا التداولي، ولكن ليست لها أسباب في مجالات تداولية اخرى غير العربية.. من هذه المفاهيم مثلاً مفهوم الانتفاضة، مفهوم التبعية، مفهوم التطبيع.. مفهوم الظلم وغيرها كثير.. وهذه كلها مفاهيم يحتاج المتفلسف العربي الى ان يخلق حولها خطاباً استدلالياً فلسفياً يميزه عن الخطابات الأخرى التي يجدها.. لماذا؟ لأن هذه مفاهيم موجودة وولدت داخلها، فالعربي الى حد الان لا يجرؤ على ان يخلق هذا الخطاب الاستدلالي الفلسفي حول مفاهيم لم يقدمها غيره من فلاسفة الغرب مثلاً ، فيتفلسف حولها بحيث يمكن ان تكون مثلاً للعربي فلسفة خاصة.
وكان عبدالرحمن بدوي المتفلسف الوجودي المصري الكبير الذي رحل قبل سنوات، الاجرأ في الكلام على صيغة وجود فلسفة عربية حديثة، لكنها متمثلة فيه أكثر من غيره، كما قال لأحد الاعلاميين اللبنانيين مردفا: «اسئلتي عميقة ومتجددة في الكون والأشياء والظواهر، والابعاد، وكل من يقرأ كتبي، ويحيط بتجربتي الفكرية الطويلة، يلمس ذلك ويقدره حق التقدير»،
لكن في المقابل ثمة من ينفي جملة وتفصيلاً وجود فلسفة عربية حديثة، وفي الطليعة منهم د. جورج طرابيشي الذي يرى انه على الرغم من «توماوية» يوسف كرم و«وجودية» عبدالرحمن بدوي، و«جوانية» عثمان أمين، و«شخصانية» عزيز الحبابي و«ماركسية» سمير أمين، و«فيورباخية» حسن حنفي و«هوسرليته» في آن معاً.. فلا وجود لفلسفة عربية معاصرة. ويعلل ذلك بأسباب ترتبط أولوياتها بعضها ببعض، فالسبب الأول هو ان الفلسفة المعاصرة في ازمة على الصعيد العالمي بسبب تطور العلم، والسبب الثاني يعود الى ان سقف المتفلسف العربي محدد بمثال الغرب، فكل ما يمكن ان يفكر فيه الملتحقون بركب الحداثة الغربية هو مفكَّر فيه مسبقاً..
أما السبب الثالث في رأي طرابيشي فيعود الى ان الفلسفة لا تزدهر الا في تربة العقل واستقلاليته.. والعقل العربي المعاصر والحديث هو عقل تبعي.. والعقل التبعي لا ينتج الا مستنسخات غيره.
تهاني سنديان
كاتبة لبنانية
أكمل ناصيف نصار تعليمه الجامعي في باريس في العام 1967 محصلاً شهادة الدكتوراه عن أطروحته: «الفكر الواقعي عند ابن خلدون»، وله قبلها أطروحة جامعية أخرى تدور على منهج مقاربة الوجود في الفلسفة الوجودية، وخصوصاً عند غبربيل مارسيل.
في العام 1970 أصدر د. ناصيف نصار كتاباً يدور على نقد المجتمع الطائفي في لبنان بعنوان «نحو مجتمع جديد»، وفي العام 1975 أصدر كتاباً يعالج مشكلة التفلسف في الثقافة العربية الراهنة تحت عنوان: «طريق الاستقلال الفلسفي»، إلا أن هذا الكتاب وبحسب ما يقول مؤلفه - لم ينشر إلا في أواخر العام 1977 بسبب الحرب الأهلية التي دمرت لبنان وأصبحت تعرف بـ «حرب السنتين».
ومن مؤلفات د. ناصيف المهمة أيضا كتاب «باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل» _2003 يعرض فيه نظرته الفلسفية الى الحرية.
ومجمل القول ان د. ناصيف نصار صاحب دعوة الى التفلسف تبرز أكثر ما تبرز في كتابه «طريق الاستقلال الفلسفي» فهو من خلاله، وكما يصرح، حاول دراسة الكتابات الفلسفية الخالصة الموجودة في الفكر العربي الحديث والمعاصر، وان يستخلص عبرة محددة من تلك الدراسة، فركز على أنموذجين في مجمل تلك الكتابات الفلسفية الخالصة: كتابات يوسف كرم، الأرسطوطالي التوماوي، وكتابات زكي نجيب محمود، الوضعي المنطقي.
ومن جهة ثانية حاول ان يخطو خطوة أخرى بعدما تبين له ان التفكير الفلسفي في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة موجود في الفكر العقائدي بكيفية لا تسمح للباحث عن السبيل لإنشاء فكر فلسفي جديد بالتغاضي عنها وتجاهلها، فكانت المرحلة الاولى من تلك الخطوة الجديدة التمييز الذي وضعه بين الأيديولوجيا والفلسفة، انطلاقا من تعريف محصور للإيديولوجيا، والمرحلة الثانية كانت تحليلا للمضمون الفلسفي الذي يقوم عليه فكر انطون سعادة وفكر زكي الأرسوزي من حيث هما انموذجان للتفكير القومي المؤسس على قاعدة فلسفية واضحة متماسكة، أما المرحلة الثالثة، فكانت وضع المنهج الواجب اتباعه لتكوين فكر فلسفي عربي جديد، وهو ما سمّاه جدلية الاستقلال الفلسفي.
كتاب «طريق الاستقلال الفلسفي» يطرح مشكلة التفلسف في الثقافة العربية الراهنة انطلاقاً من النزوع الفلسفي الذي عبّرت عنه هذه الثقافة على المستوى الفلسفي الخالص، وعلى المستوى الايديولوجي، ويردف مؤلفه: واني لمن البديهي لم أقم بدراسة شاملة كاملة لكل التعبيرات الفلسفية الخالصة والايديولوجية الحاصلة في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، اذ ان هدفي كان في الدرجة الأولى شق الطريق أمام حركة الفكر الفلسفي الإبداعي، وبعد، اذا كانت الثقافة العربية الحية قد عبّرت عن نزوعها الفلسفي على المستوى الإيديولوجي، وعلى الأخص المستوى الإيديولوجي القومي، أكثر مما عبرت عنه على المستوى الفلسفي الخالص، واذا كان بحثي قد اعترف بهذا الواقع وأعلنه وخاض فيه، فذلك لا يعني ان كتابي هو في الفكر القومي اكثر مما هو في الفكر الفلسفي، الوصف الصحيح من هذه الجهة هو القول بأنه كتاب في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، وعلى الأخص في الفكر الفلسفي الموجود في كتابات بعض العقائديين القوميين البارزين، لكن ينبغي الا يطمس هذا الوصف المحور الاساسي في الكتاب، وهو قضية الاستقلال الفلسفي والطريقة الموصلة الى تحقيقه.
وعن سؤال له عن المطالب بإبداع فلسفة عربية مستقلة، وفيما اذا كانت هذه دعوة ضمنية بضرورة قومنة الفلسفة، مع ان ما من علم كالفلسفة يطمح الى الشمول والعالمية، أجاب د. ناصيف نصار: كيف أمكن لهيغل ان يكون فيلسوفا وألمانياً في آن معاً؟..لست أوافق على ما ينسب إليّ من اعتبار ضمني في مطالبتي بابداع فلسفة عربية مستقلة، فأنا لا أقول بالمبدأ المسمى «قومنة الفلسفة»، اذ إن هذا المبدأ ليس في النهاية سوى مبدأ إيديولوجي يغني النظر الى الفكر الفلسفي من الوجهة القومية، وانما اطرح مشكلة الفلسفة في علاقتها مع الثقافة، الفلسفة قطاع من قطاعات الثقافة، يتمتع بمنطق خاص وبدينامية خاصة، كما انه يتمتع بعلاقات عديدة شديدة التعقيد مع مجمل البنية الثقافية ومع الكل الاجتماعي التاريخي الذي يكتنف تلك البنية ويحددها كبنية متميزة في اطار الثقافة العالمية، والثقافة لا تتحدد حصراً كثقافة متميزة بالمحور القومي، وعليه، لا يعني الربط بين الفلسفة والبنية الثقافية المتميزة، الأخذ بالضرورة بمبدأ قومنة الفلسفة.
ومن جهة ثانية، ينبغي الاعتراف بأنه لا يوجد معيار واحد لتمييز التراثات الفلسفية بعضها عن بعض في اطار التاريخ العالمي للفلسفة، لكن مع ذلك يمكن القول بان اللغة هي بصورة عامة معيار كبير الاهمية، ان لم نقل إنها معيار حاسم وبخاصة في بعض الحالات، يمكن تمييز التراثات الفلسفية من الوجهة الدينية، أو من الوجهة القومية، أو من الوجهة الحضارية، أو من غير ذلك من الوجهات.. فنقول على هذه القواعد: الفلسفة الاسلامية، الفلسفة الفرنسية، الفلسفة الغربية الحديثة، أو غير ذلك من التسميات.
والفلسفة من وجهة نظر د. ناصيف نصار ليست منعزلة عن الناس، والفلاسفة ليسوا سكان قلعة نائية عن أرض البشر، انما الفلسفة ميدان من ميادين الفكر البشري، والفلاسفة أشخاص يعملون في هذا الميدان ،كما العلماء في ميادينهم، وهم بطبيعة الحال فئات ومراتب.. والفلسفة جزء لا يتجزأ من الثقافة كنتاج للفكر العقلي، وهي على تفاعل مع قطاعات الثقافة وسائر قطاعات الحياة الاجتماعية، وكل تصور يضع مسافة فاصلة بينها وبين الثقافة، من جهة، وبين مشكلات الناس، السياسية وغير السياسية، من جهة ثانية، انما يهدف إلى الغاء فاعليتها وفائدتها لمصلحة قوى معينة مسيطرة على المجتمع.
ود. ناصيف نصار ليس وحده المهموم باستحداث فلسفة عربية معاصرة، وانما هناك كوكبة أسماء لا بأس بها من مثل د. محمد اركون ومحمد عابد الجابري وعبد الرحمن مرحبا وحسن حنفي وعثمان أمين ومحمد عبدالعزيز الحبابي، وعبدالله العروي وطه عبدالرحمن صاحب كتاب «الحق العربي في الاختلاف الفلسفي»، وهذا الأخير مشغول فعلاً بفكرة تأسيس فلسفة عربية مستقلة بمنهجها عن تيارات الفلسفة الغربية.
واذا كان المتفلسفون العرب يتجنبون ان يطلقوا على أنفسهم لقب فلاسفة، واذا كان بعضهم يهرب من مجرد «حشره» في نسق أو مناخ الكتابة الفلسفية، إلا ان البعض الآخر يدعو الى كشح هذه الغلالة المضببة على العيون، وعلى رأسهم د.طه عبدالرحمن نفسه الذي يعلل أسباب الموانع التي منعت العربي من التفلسف، فيرى ان اولها قائم في التصورات السائدة حول الفلسفة، منها تصور ان الفلسفة كونية ولا يمكن ان تقوم على أساس خصوصية معينة، وان الفلسفة منهجها العقل الخالص، ومنها أيضاً التقديس التي باتت الفلسفة موضوعاً له لدى الفلاسفة بصفة عامة.. وفي رأيي ان الفلسفة ليست نتاج العقل الخالص، بل هي نتاج الادراكات الانسانية المختلفة سواء أكانت عقلية أم خيالية أم حسية.
ويستطرد قائلاً في فضاء الفلسفة العربية إن مراده هنا مثلاً هو الاشتغال على مفاهيم لها أسباب في مجالنا التداولي، ولكن ليست لها أسباب في مجالات تداولية اخرى غير العربية.. من هذه المفاهيم مثلاً مفهوم الانتفاضة، مفهوم التبعية، مفهوم التطبيع.. مفهوم الظلم وغيرها كثير.. وهذه كلها مفاهيم يحتاج المتفلسف العربي الى ان يخلق حولها خطاباً استدلالياً فلسفياً يميزه عن الخطابات الأخرى التي يجدها.. لماذا؟ لأن هذه مفاهيم موجودة وولدت داخلها، فالعربي الى حد الان لا يجرؤ على ان يخلق هذا الخطاب الاستدلالي الفلسفي حول مفاهيم لم يقدمها غيره من فلاسفة الغرب مثلاً ، فيتفلسف حولها بحيث يمكن ان تكون مثلاً للعربي فلسفة خاصة.
وكان عبدالرحمن بدوي المتفلسف الوجودي المصري الكبير الذي رحل قبل سنوات، الاجرأ في الكلام على صيغة وجود فلسفة عربية حديثة، لكنها متمثلة فيه أكثر من غيره، كما قال لأحد الاعلاميين اللبنانيين مردفا: «اسئلتي عميقة ومتجددة في الكون والأشياء والظواهر، والابعاد، وكل من يقرأ كتبي، ويحيط بتجربتي الفكرية الطويلة، يلمس ذلك ويقدره حق التقدير»،
لكن في المقابل ثمة من ينفي جملة وتفصيلاً وجود فلسفة عربية حديثة، وفي الطليعة منهم د. جورج طرابيشي الذي يرى انه على الرغم من «توماوية» يوسف كرم و«وجودية» عبدالرحمن بدوي، و«جوانية» عثمان أمين، و«شخصانية» عزيز الحبابي و«ماركسية» سمير أمين، و«فيورباخية» حسن حنفي و«هوسرليته» في آن معاً.. فلا وجود لفلسفة عربية معاصرة. ويعلل ذلك بأسباب ترتبط أولوياتها بعضها ببعض، فالسبب الأول هو ان الفلسفة المعاصرة في ازمة على الصعيد العالمي بسبب تطور العلم، والسبب الثاني يعود الى ان سقف المتفلسف العربي محدد بمثال الغرب، فكل ما يمكن ان يفكر فيه الملتحقون بركب الحداثة الغربية هو مفكَّر فيه مسبقاً..
أما السبب الثالث في رأي طرابيشي فيعود الى ان الفلسفة لا تزدهر الا في تربة العقل واستقلاليته.. والعقل العربي المعاصر والحديث هو عقل تبعي.. والعقل التبعي لا ينتج الا مستنسخات غيره.
تهاني سنديان
كاتبة لبنانية