المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظـــرة في السّلام المفقود !!!


منير فرو
07-03-2008, 04:11 AM
نظـــرة في السّلام المفقود !!!



منير فرّو
نعيش اليوم في زمان تبحث فيه البشرية عن السلام فلا تجده فيقولون : "سلام سلام ولكن لا سلام "، لقد أصبح تحقيق السلام معضلة لا يمكن حلّها، لأن السلام الذي تنشده الدول هو سلام مصالح، سلام أقوال لا سلام أفعال، سلام فيه يظهرون بعكس ما يضمرون، سلام يبنى على الحيلة والمكر والدهاء والخديعة، لا على الضمير والمحبة وحسن نوايا، فيتظاهرون بالسلام وقلوبهم شتى، فهم يريدون السلام حسب أهوائهم وما تقتضيه رغباتهم المادية، ذات الأطماع والمكاسب والمنفعة الذاتية، لا الإنسانية الروحية، التي تدعو إلى تقديس الإنسان وتحترم حقوقه الشرعية وكرامته في حق وجوده كغيره على وجه البسيطة، لذلك قال الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة : "السلم لا يولد في المؤتمرات الدولية ، بل في قلوب الناس وأفكارهم "، لقد امتلئ عالمنا مؤتمرات تدعو إلى السلام ولكن جميعها باءت بالفشل لأنها لم تنشد السلام إلا لأغراض مادية تخدم جماعة دون جماعة، وفي الحقيقة السلام هو لأبناء السلام لأنه لغة تفهمها القلوب الخيّرة، والعقول السليمة، كما قال يسوع عليه السلام في الإنجيل الطاهر: " طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون "، فالسلام لمن امتلئ قلبه خوفا ووجلا ومحبة من الإيمان بخالقه، فيعمل كل ما يرضي خالقه فلا يعادي ولا يعتدي وإنما يسعى دائمالإصلاح ذات البين، فيدحض الشر ويقوي الخير ولغة التواصل بين الناس، قال تعالى في القران المجيد : " والله يدعو إلى دار السلام " أي إلى الاستقرار والاطمئنان بتوحيده، ولا يصح التوحيد إلا بترك كل ما لا يريده الخالق من عمل السوء، فمن أحب خالقه أحب جميع الناس، لأن القلب الذي يحب لا يكره، بل يطمئن بالإيمان ويرى كل ما هو شرا خيرا، لأن عمل الشر هو فعل الشيطان، وهو يدعو إلى عدم الأمن والاستقرار، لقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان ، إنه لكم عدو مبين "، وهذا ما عبّر عنه المثل الهندي : "القلب المتمتع بالسلام يرى عرسا في كل القرى"،لقد أصبح حب الإنسان للسيطرة والتوسع في الأطماع وكسب الثروات مع استغلال الدين والعقيدة تغطية لمشاريعه أكبر خطرا، فالسلام أصبح مفقودا، كافتقاد العين إلى نور الشمس، والأذن إلى السمع، والأنف إلى الشم، واللسان إلى الذوق، والصدف إلى الجوهر، والروح إلى الجسد، والأشجار إلى الأثمار، والنار إلى الأوكسجين والكون إلى الحياة، فالبشرية أصبحت على وشك الاشتعال والتلاحم، وتقف على شفا جرف الهاوية والجحيم، بسبب النوايا السيئة المجردة من الإنسانية وحب الخير والمعاملة الحسنة، فالبشرية قادمة على فتنة لم تشهدها من قبل، مليئة بالتناحر والتنازع والعداء والمواجهة، ولكن هناك من يدعمها ويزيدها لهيبا ظنا منه بأنها تخدم مصالحه ويحصل على ضالته، ولكن هيهات فهذه الفتنة ستكون نارا تحرق الجميع بلهيبها، وحربا تطحن الكل برحاها، وهنا لا بدّ أن أقص حكاية الشيخ العجوز، الواسع المعرفة، الثاقب البصر، البعيد النظر، صاحب الرأي السديد، والفكر الرشيد والحكمة العجيبة، النابعة من تجارب الحياة وصعوبة امتحاناتها، فيقول : " قيل في الأزمنة الغابرة، أتى قائد من الغرب بجميع قادته، وحكامه، وجيوشه، قصد احتلال الشرق وإذلال شعبه وحكامه، وما أن دخل البلاد، حتى أرغم قادتها ، وحكامها على الاستسلام له، معركة بعد معركة،ودماء لا تنضب وتشريد وهتك للمحارم لا يوصف، عاش المنتصر سحابة نصف قرن من الزمن، وهو بين القلق والمستريح، والمتأهب والمختال بين الفينة والفينة لإسكات من يثور وردع من يجور، إلى أن تاقت نفسه إلى نعمة السلام، فأراد أن يحققها ويظفر بها ، فهم ما بوسعه للبحث عنها حتى ضاقت الأرض به وضاق صدره بالأرض،فاستشار بعض العلماء والحكماء فقيل له : " في البلاد الأسيوية الشرقية واحة تدعى "واحة السلام"،فمن دخلها وشرب من مائها وأكل من خيراتها عرف السلام والسعادة والصحة والعافية طيلة حياته، ولكن هذه الواحة محاطة بسور منيع فيه باب واحد ضيق لا يقوى على اقتحامه الا (الغالبون)، ولا تجدي في معالجته شفاعة ولا وساطة فهو لا يفتح إذا ما لمسته يد الغالب فقط " ، لبث هذا القائد المنتصر هنيهة يتبادل أخبار تلك الواحة ، وكيف الوصول إليها مع قادته ، ثم قصدها بعدما شد الرحيل ، أثناء طريقه ، كان يتعجب لظاهرة غريبة رافقتهم منذ دخول ذلك البلقع الرهيب ،أينما تلفت وكيفما اتجه كان يبصر على مسافة منهم جيوشه وجيوش أعدائه مشتبكة في قتال مميت، على حد ما كان يراها في ساحات الوغى ، لكن أصواتها المزعجة ما كانت تسمع إلا أثناء السير في الليل ، أحد الفرسان من المرافقين للقائد كان أوسع خيالا علل له ذلك بقوله : " إن يكن للعين سراب فللأذن سراب أيضا" ، راق للقائد تعليل الفارس ثم هموا للسير وإذا برجل يدنو منهم وفي يده عصا يتكئ عليها، ويرتدي قميصا محوكا من شعر ماعز، وينتعل خفا من الجلد غير المدبوغ ، رافعا صوته نحو السماء بالتسبيح والأدعية والحمد لخالقه والشكر على نعمته،فما أصبح على خطوات منهم ، حتى بادرهم بالسلام والتحية ، فأجابه ذلك الذي علل سراب العين والأذن قائلا : " من أين لك السلام حتى تطرحه على غيرك ، ألعلك دخلت "واحة السلام"؟ قال : " لا، بل أنا قاصد إليها " . أجابه القائد : " إذا فليعد سلامك إليك . فكيف من يعطي السلام بلسانه وقلبه لا يعرف السلام ؟ " . هزّ الرجل رأسه وأجاب : " حقا تقول يا أخي ،فالسلام لأبناء السلام والسلام لغة تفهمها القلوب الخيّرة والعقول السليمة" .امتعض القائد من هذا الجواب ، ثم قال : " كيف تدعوني أخاك وأنت صعلوك، وأنا قاهر القسم الأكبر من سكان الأرض فأي الأعداء قهرت حتى تستحق دخول "واحة السلام" ، أما تدري أنه لا يدخلها إلا الغالبون ؟" ،طأطأ الرجل رأسه ثانية ، ثم قال : "أجل أدري ..."ثم تنفس بهدوء وأكمل : " نعم جئت أطلبها،وأنا شخصيا قد قهرت كل أعدائي، وما جنيت على إنسان قط " . قال القائد : " إذا من هم أعداؤك، ونحن أرباب الأرض، وما لقيناك يوما في ساحات القتال ، ولا سمعنا باسمك، ولا عرفنا وجهك قبل اليوم، ألعلك من غير سكان هذه الأرض ؟ ". فأجاب الرجل على الفور : " بل أنا من أبنائها ، نظير ما أنتم من أبنائها. ولكنني أملك منها فوق ما تملكون، وغير ما تملكون، أما الأعداء الذين قهرتهم فستعرفون بطشهم عند باب "واحة السلام ". فهيا بنا إن كنتم للواحة قاصدين " .ظهرت علامات التعجب على وجه القائد المتغطرس، ثم أردف قائلا : " ما أغرب من مظهرك إلا كلامك. ألعلك تعرف الطريق؟". قال : " أجل أعرفها،فاتبعوني" . امتطى القائد مع فرسانه وساروا في اثر الرجل ،وهم من أمرهم ما بين الريبة واليقين .وما هي إلا ساعة واحدة أو أقل حتى بانت لهم "واحة السلام"، ناعمة الظل،ندية الجو،نادرة الطير،شجية الأصوات، وادعة القلب، قريرة العين والفؤاد، وما أن أدركوها حتى أبصروا من حولها سورا هائلا من الجماجم البشرية، وقد أطلت من محاجرها الأفاعي تعج وتتلوى وتتناهش وتنساب صعودا ونزولا، ومع الأفاعي عقارب سوداء تدور ذات اليمين وذات الشمال فتدخل في جمجمة لتخرج من الاخرى، وكأنها تبحث عن ضحية تصب عليها سمها وغضبها ،ومع العقارب ربوات من الديدان المختلفة الأشكال والألوان، يزحف بعضها فوق بعض، فيسمع لزحفها أزيز منكر يبعث في الأجساد قشعريرة باردة.شاهد الفرسان ذلك السور،فاكفهرت منهم الوجوه وانعقدت الألسن،ومما زاد في ذعرهم وارتباكهم أن الجيوش التي كانوا يشاهدونها من بعيد ويحسبونها سرابا ظهرت الان جيوش حقيقية من لحم ودم وإذ هي جيوشهم وجيوش أعدائهم وقد ضرب نطاقا حول السور وراحت تقتتل اقتتالا لا هوادة فيه .تلفت القائد الى فرسانه مذعورا ولشد ما أدهشهم أن يروا رفيقهم الشيخ جالسا على الأرض وليس على وجهه للخوف والارتباك أي دليل ، فكأنه ما كان يبصر ما يبصرون، ولا كان يسمع ما يسمعون، بل قرير العين،مثلج الصدر ، مؤنس الروح ، عندها دنوا منه وتوسلوا إليه أن يدلهم على الباب كي يدخلوا الواحة، ويريحوا أجفانهم وآذانهم مما في سورها من قبيح الأشكال والأصوات ، صمت الرجل ولم يجبهم بكلمة بل أومأ إليهم بيده كي يدوروا حول السور، دار القائد مع الفرسان حول السور فما ظفروا بباب وعندما عادوا من حيث انطلقوا وجدوا الرجل واقفا أمام باب منخفض ضيق، وفوق الباب عبارة تقول : " هذه واحة السلام لا يدخلها إلا الغالبون"، اندفع احد الفرسان المرافقين للقائد نحو الباب ولمسه بيده، فلم ينفتح ،ثم دفعه بكلتي يديه فلم ينفتح ثم ركله برجليه فلم ينفتح أيضا، عندها استشاط غضبا ورمى بكل جثته من كتفه على الباب فبقي مغلقا .ثم عمد الفارس الثاني نحو الباب أيضا وفعل كما فعل الأول ثم لحقه الفارس الثالث والرابع حتى المائة والباب لم يهتز ولا أزيح من مكانه قيد أنملة كل هذا والرجل الشيخ يراقب حركات الفرسان ولا يتفوه بكلمة .بعدما عيل صبر الفرسان وقائدهم وقفوا يتشاورون عن مخرج لمأزقهم ثم تفتق لأحدهم مخرج إن الغالب المقصود بالكلمات فوق الباب إنما هو غالب الأرض كلها ولربما هذا الشيخ الذي وجد أمامنا أحد الذين يتحدون قائدنا ، لان من خلال كلماته وأجوبته تدل على سخريته منا ومن قائدنا وانتصاراتنا. بعدما نفذت قوتهم وحيلهم جميعا التفت القائد من جديد نحو الرجل قائلا : " أيها الشيخ الصعلوك، أيها القزم، أيها الغريب الأطوار، خذلتنا وقهرتنا ولكن لا نعرف من أعانك علينا رغم أننا لم نصب بجرح، أو فقدنا شيئا من أعضاء جسدنا، نعترف لك بانتصارك ونسألك أن تساعدنا على فتح الباب"، أجاب الشيخ الصعلوك بهدوء ورزانة : " بلى"، ومشى نحو الباب وما أن لمسه بيده حتى انفتح وبانت "واحة السلام"، جنة ولا جنات الفردوس، أنهار من اللبن والعسل، ومياه تتدفق، وخضرة دائمة، وقصور حولها أشجار باسقة، والناس تسرح وتمرح بفرح وغبطة، ما أن دخل الشيخ الصعلوك الواحة حتى انغلق الباب وراءه وبقي سلطان الأرض مع فرسانه خارجا، فصاح بالصعلوك صيحة مرارة وانخذال وكسر خاطر : " ناشدتك بالله يا هذا أأغلب العديد من سكان الارض ولا أدخل واحة السلام وتدخلها وما غلبت أحدا قط ؟ " . .. أجابه الصعلوك من الداخل : " غلبت كل من في الأرض إلا جهلك فغلبك ، وقهرت أعداءك فقهرتك جماجمهم، وحالفت في الحرب أفاعي شهواتك وعقاربها وديدانها فتحالفت عليك في السلم وقهرتك ... دانت لك الأرض فعصتك نفسك الشريرة فكانت الغالبة وكنت أنت المغلوب وهذه واحة السلام كما قرأت فوق بابها ، لا يدخلها إلا الغالبون لأهوائهم ومن نصرهم الله " .

حسن محمد آل ناصر
01-02-2010, 12:01 AM
الأخ العزيز
منير فرو
سلاما أمتى سلام يا حمام!!
ان السلام ليست كلمة تكتب او حروف تنشر عل عتبات الأركان، ولكن هو فعل وفعل شديد الأهمية أيضا!!
لو جمعنا من الأصل لرتوى المكان ساحة للوئام والأنحطاط الملموس من بعض الغرباء !!
مهانة القدر تضحك أحيانا، فالقدر محسوب على الأمة واقع يمكن اللجوء إليه في الخجل والغذر، لماذا؟!!
رمزية المعنى هنا قوام لطيف جدا، وحركة معاكسة تمحو الكلمة(السلام)!!
ما هو السلام؟!!
في أمة عفى عليها حتى الكلام!!
نشدوا أحيانا بمقدمة هائلة المراص، ونضحك على أنفسنا، بورك السلام، ومن لنا غير السلام!!
نحنأمة تربينا وسقينا وجرعنا غصص ما يسمى بالسلام!!
أن الحقيقة هي لا سلام مع من لا يعترف بالسلام، فقول الحق تعتبر في زمني هذا المكبل بالسلام تصبح تافهة ومنزلقة في بعض الأحيان أو أغلب الأحيان!!
لا أقدر أن أجامل نفسي هنا فعلامة السلام ترقص مدبوحة ونحن نصفق لمن دبحها!!
ناهيك عن سلالة الحمائم المعلقة في بئر النسيان، فلا سلام ولا غصن زيتزن ولا حمام يرسل المحبة!!
دعنا من هذا وقل هل فينا من يبادر أخيه اليوم بالسلام؟!!
أو من يشد عضده بالكلمة فقط؟!!
لا والله قد عجزنا في محور الكلام فلا سلام !!
تحياتي واحترامي
حسن