المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حدثني الكاهن الذي عرّفه بقلم الرفيق سعيد تقي الدين


سمير فياض
07-02-2008, 04:18 AM
حدثني الكاهن الذي عرّفه بقلم الرفيق سعيد تقي الدين

خطاب لم يلق . أعد ووزع مناشير في ليل 8 تموز . استجوبني الأمن العام بشأنه في اليوم التالي . ودخل السجن بسببه عشرات الشبان . ولكنه بعد ذلك ، صار يلقى علناً وينشر في الصحف .
تلقاني صبيان الحي بصراخ الهزء حين ترجلت ، وراح أحدهم يتباهى مذيعاً ان التاكسي اسمها فورد ، وأعلن ترب له أنه لونها رمادي ، فيما ضج جمهورهم بإخباري ، قبل أن أسألهم ، أن الكاهن ليس هناك . بل إن أحدهم تسلق السلم وفتح باب العلية من غير أن يطرقه ثم أطل من نافذتها ضاحكاً" :أرأيت ؟ إنه غير موجود" .
ذلك لأن شياطين الحي الصغار صاروا يعرفون عمن اسأل وأصبح يروقهم أني لا أجد من أفتش عنه . ولعلهم لمحوا من تذمري ومن خيبتي ما استثار فيهم السادية ، فجاء جذلهم على نسبة ما تجلى عليّ من زعل وضياع أمل .
فلقد كانت تلك المرة الرابعة التي قصدت فيها إلى رجل الدين لأستطلعه السر الرهيب .
وفي المرة الخامسة توجهت إليه ليلاً وعلى موعد ، فكان هناك . وحالاً أمحت من ذهني صورة رسمها خيالي ، فلم أجد نفسي أمام شيخ متداع أبيض اللحية ، ولم اسمع صوتاً متهدجاً ، ولا صرعتني مظاهر الوقار وكلمات أبوة ، وجلسنا تحز مسامعي توافه الأحاديث التي تعود الناس مبادلتها فور اجتماعهم . وطالت النزهة الكلامية على شاطئ الموضوع ، وبرح بي القعود على عتبة باب جئت لأفتحه ، فوثبت إلى الهدف مقاطعاً المحدثين قائلاً :
حدثني يا محترم عن ليل 8 تموز 1949 .
وغاظني من رجل الدين أنه لم بتلبس حالاً بمظاهر التهيب ، بل بدأ الكلام ، بشيء من غير الاكتراث . ولكن صوته ولهجته وخشوعه وانفعاله بل وبطاءه ، كلها تماوجت مع وقائع ما كان يرويه ، فكأنه عبقري يعزف من موسيقاه
قطعة رائعة على البيانو . فدغدغت أنامله أصابع العاج أولاً بعفوية لا تبالي ، وتوالت الألحان تتأرجح وتتسامى متجانسة متضاربة متوافقة حتى
بلغت ذروة موسيقى من غير هذه الدنيا . فإذا نحن في العلية نكاد لا نسمع ما يقول ، ولا نرى البيانو ولا اللاعب ولا نعي الألحان . بل شعرنا أن جدران الغرفة انفتحت وارتفعت أرضاً بمن فيها ، فإذا نحن و "سعاده" في السجن ، في الكنيسة ، في المقبرة ، في حفرة من الأرض ، في مسمع الدنيا ، بين المغتربين ، في القصور ، في المحكمة العسكرية ، في المفوضيات ، في غصة القلوب ، في عبسة المغاور ، في لوعة المعاقل ، في رصانة التهذيب ، في هدوء البطولة ، في عزة الصراع ، بين يدي الكبر ، أمام الجلادين ، في طمأنينة المؤمن ، في كهف الغدر ، حراب تطارد المجرمين ، أعلام تصفق للجيوش ، زوبعة تمحق ، وصرخة تعكس موكب التاريخ .
وتناول رجل الدين ورقة من مطاوي جلبابه الأسود الفضفاض منتزعة من دفتر مدرسي ، وهم بقراءتها ، فاعترضته وقلت : اسمعني حديثك لا تقرئني أوراقك ، ولو كانت مذكرات .
فراح يتكلم :
حين فتحت الباب على صوت القرع الشديد في منتصف ذلك الليل ، وجدت نفسي أمام ضباط من الجيش يطلبون إلي أن أرتدي ملابسي وأحمل صليبي وعدة الكهنوت بسرعة . قلت : ما الخبر ؟ أجابوا : سنعدم أنطون سعاده هذه الليلة . ونريد أن تعرّفه وتقوم بمراسم الدين قبل إعدامه . قلت : إن أمراً كهذا لا يسعني أن أفعله ، آتوني بإذن من سيادة المطران ، هكذا ينص قانونناً الكنائسي . قالوا : ليس لدينا من وقت ، إفعل هذا على مسؤوليتنا نحن . فاعتذرت من جديد . وراحوا يلحون عليّ مرددين أن خرق النظام الكنائسي هو أقل ضرراً من أن يرسل مسيحي إلى الموت غير متمم واجباته الدينية .
وأخيراً أذعنت بكثير من التردد والحيرة ، وركبت سيارتهم في طرقات تعج برجال الأمن من جنود وبوليس ودرك وأسلحة مشرعة ، وأطللنا على سجن الرمل ، فإذا هو منار من الداخل والخارج ، ونزلنا حيث كان ضباط آخرون بانتظارنا .
وأقبل عليّ مدير السجن يعرفني إلى نفسه ، وأخبرني أن هذا هو الإعدام الثالث عشر الذي مر به ، وأن الأمر بسيط فأجبته : "لقد مضى عليً ثلاث عشرة سنة في الثوب الكهنوتي، وهذا أول إعدام سأشهده" وكان الطبي الذي اشترك معنا في الحديث مثلي ، لم يشهد إعداماً في ما مضى .
وزاد مدير السجن فقال : إن هذا المحكوم الخائن انطون هو رجل خائن ، وكافر ملحد يبشر بالكفر والإلحاد ، إنه لن يأبه لك يا أبانا هذا الخائن الملحد الكافر .
ودخلنا حيث كان الزعيم ، في حبس من الغلو نعته أنه غرفة ، فوجدناه مفترشاً بساطاً من قذارة ورقع ، وكان هذا الفراش أقصر من قامته ، فجعل من جاكيته وصلة بين الفراش والحائط كي لا ترتطم به قدماه .
وكان نائماً نوماً طبيعياً ، ورأسه على ذراعه اليسرى التي جعل منها بديلاً عن مخدة لم تكن هناك .
وأيقظناه فنهض حالاً ، وبادرنا السلام ، وخصني بقوله : "أهلاً وسهلاً يا محترم" فأبلغناه أنه لم يصدر عنه عفو وأن الإعدام سينفذ به حالاً .
فشكرنا باسماً رزيناً ، واستأذن بلبس جاكيته التي كانت مطوية تحت قدميه ، فأذنوا له ، فشكرهم من جديد ، ولبسها .
وخلوت به ، وسألته إن كان يود أن يقوم بواجباته الدينية ، فأجاب : لم لا ؟ وطلبت إليه أن يعترف ، فأجاب : ليس لي من خطيئة أرجو العفو من أجلها ، أنا لم أسرق ، لم أدجل ، لم أشهد بالزور ، لم أقتل ، لم أخدع ، لم أسبب تعاسة لأحد .
وبعد أن فرغت من المراسيم الدينية ، تركنا الغرفة فكبلوا يديه ، وخرجنا إلى مكتب السجن .
هناك طلب أن يرى زوجته وبناته، فقيل له ذلك غير ممكن، وقدموا له ترويقة فاعتذر شاكراً ، ولكنه قبل فنجان القهوة متناولاً إياه بيمناه وأسنده بيسراه ، وكانت تسمع للقيد رنات كلما ارتطم بالفنجان .
وكان الزعيم يبتسم صامتاً هادئاً مجيلاً عينيه من وجه إلى وجه وكأنه يودعنا مهدئاً من روعنا . هنا انفجرت أنا بالبكاء ، وبكي معي بعض الضباط ، بل أن أحدهم أجهش وانتحب .
وبعد أن شرب القهوة ، عاد يصر على لقاء زوجته وبناته ، فسمع الجواب السابق .
وسئل لمن يريد أن يترك الاربعماية ليرة ليرة التي وجدت معه ، فأجاب أنها وقطعة أرض في ضهور الشوير هي كل ما يملك ، وهو يوصي بها لزوجته وبناته بالتساوي .
وطلب مقابلة الصحافيين ، فأخبروه أن ذلك مستحيل ، فسألهم ورقة وقلماً ، فرفضوا ، فقال : إن لي كلمة أريد أن أدونها للتاريخ . فصرخ به أحد الضباط منذراً : "حذار أن تتهجم على أحد ، لئلا نمس كرامتك" فابتسم الزعيم من جديد وقال : أنت لا تقدر أن تمس كرامتي ، ما أعطي لأحد أن يهين سواه ، قد يهين المرء نفسه ، وأردف يكرر : "لي كلمة أريد أن أدونها للتاريخ ، وأن يسجلها التاريخ" .

فسكتنا جميعاً ، في صمت يلمس سكونه ويسمع دويه. أصارحك أنني كنت في دوار من الخبل ، ومن المؤكد أنني لا أعي كل ما سمعت ، ولكن الراهن أني سمعته ، سمعته يقول : "أنا لا يهمني كيف أموت ، بل من أجل ماذا أموت . لا أعد السنين التي عشتها ، بل العمال التي نفذتها . هذه الليلة سيعدمونني ، أما أبناء عقيدتي فسينتصرون وسيجيء انتصارهم انتقاماً لموتي ، كلنا نموت ، ولكن قليلين منا يظفرون بشرف الموت من أجل عقيدة . يا خجل هذه الليلة من التاريخ ، من أحفادنا ، من مغتربينا ، ومن الأجانب ، يبدو أن الاستقلال الذي سقيناه بدمائنا يوم غرسناه ، يستسقي عروقنا من جديد" .

ومشينا إلى حيث انتظرنا السيارات ، والزعيم ماش بخطى هادئة قوية يبتسم ، إنه لم ينفعل ، كأن الإعدام شيء نفذ به مرات عديدة من قبل . إنه لم ينفجر حنقاً أو تشفياً . أنه لم يتبجح شأن من يستر الخوف.
في تلك اللحظة وددت لو خبأته بجبتي ، لو تمكنت من إخفائه في قلبي أو بين وريقات إنجيلي . إن عظامي لترتجف كلما ذكرته .
وحين خرجت إلى الباحة رأيت إلى يميني تابوتاً من خشب . من خشب الشوح لم يخف الليل بياضه. وتطلع الزعيم إلى نعشه فلم تتغير ملامحه ولا ابتسامته .
وقبل أن يرقى الجيب ، طلب للمرة الثالثة والأخيرة أن يرى زوجته وأولاده . وللمرة الثالثة والأخيرة ، سمع الجواب نفسه . فتبينت ملامحه ، وفي تلك اللمحة العابرة فقط من عمر ذلك الليل لمحت وميض العاطفة خلال زوبعة الرجولة .
وسارت الجيب بالزعيم يحف به الضباط وخلفه تابوته ، وقافلة سيارات وشاحنات من ورائه وأمامه ملأى بالجنود المسلحة . ولعل مساً من البله اعتراني ، فبدا لي أن تنفيذ الإعدام سيؤجل ، أو أن عفواً سيصدر . سيطر عليّ هذا الوهم فخدرني ، حتى انحرفنا عن الطريق العامة إلى درب ضيقة بين كثبان . ووقفنا في فجوة بين الرمال كأنها فوهة العدم . وقفز من بينهم ، مكبلاً ، إلى عمود الموت المنتظر ، فاقتربوا منه ليعصبوا عينيه ، فسألهم أن يبقوه طليق النظر ، فقيل له : القانون .
أجاب إنني أحترم القانون .
وأركعوه وشدوا وثاقه إلى العمود . وكأن الحصى آلمته تحت ركبته فسألهم إن كان من الممكن إزالة الحصى ، فأزالوها ، فقال لهم : " شكراً " ، " شكراً " ، رددها مرتين ، وقطع ثالثتها الرصاص .
فإذا بالزعيم وقد تدلى رأسه وتطايرت رئته ، وتناثرت ذراعه اليسرى ، فلم يعد يصل الكف بالكتف إلا جلدة تتهدل .
وكوموا الجثة في التابوت ، وتسارعت القافلة نحو المقبرة ، وهناك كادوا يدفنونها من غير صلاة لو لم يتعال صياحي . أخيراً قالوا لي : "صل ، إنما أسرع ، أسرع ، صل من قريب" .
ودخلنا الكنيسة ، ووضعنا التابوت على المذبح ، ورحت اصلي ، والدم يتقطر من شقوق الخشب ، ويتساقط على أرض الكنيسة نقاطاً نقاطاً ، ليتجمع
ويتجمع ثم يسيل تحت المذبح .
وخرجنا من المعبد ، ووقفت أمام بابه أواجه الفجر الذي أطل وأناجي الله ، وأسمع رنين الرفوش ترتطم بالحصى وتهيل التراب ، وترتطم بالحصى وتهيل التراب" .
بذا حدثني الكاهن الذي عرّفه .
أقول لك أن تراب الدنيا لم يطمر تلك الحفرة .
أقول لك أن رنين الرفوش في ذلك الفجر سيبقى النفير الداوي ليقظة هذه الأمة . أقول لك أن منارة الحياة قد ارتفعت على فوهة العدم .

سمير فياض
07-02-2008, 04:27 AM
من هوا انطون سعادة ؟



- ولد سعاده في الأول من آذار عام 1904 في بلدة الشوير - جبل لبنان. والده الدكتور خليل سعاده (طبيب، وصحافي معروف، كاتب ومترجم، وله قاموس شهير إنكليزي - عربي) والدته السيدة نايفة نصير خنيصر من مواليد الشوير، هاجرت أسرتها في أواخر القرن التاسع الى الولايات المتحدة. توفيت عام 1913 في القاهرة اثناء وجود العائلة هناك.

- تلقى علومه الأولى في مدرسة "الفرير" في القاهرة، وبعد وفاة والدته عاد الى الوطن ليعيش في كنف جدته حيث سافر والده للعمل في الأرجنتين، وأكمل علومه في مدرسة برمانا، وفيها سجل أبكر مواقفه القومية ضد الاستعمار حيث قام بإنزال العلم التركي عن سارية المدرسة ومزقه. عام 1919 هاجر مع اخوته الى خاله في الولايات المتحدة الأميركية، وهناك عمل عدة اشهر في محطة للقطارات ريثما ينتقل الى البرازيل حيث المقر الجديد لعمل والده.

- في البرازيل اقبل سعاده على نهل العلوم بمواظبة واهتمام بالغين، متتلمذاً على يد أبيه، وانكب على دراسة اللغات بجهد شخصي (البرتغالية الألمانية والروسية). ثم اتجهت قراءاته إلى الفلسفة والتاريخ والإجتماع والسياسة. وما لبث أن شارك والده في إصدار جريدة الجريدة، ثم في مجلة "المجلة" وقد اقتصر دوره في البدء على الطباعة إضافة لبعض الأعمال الإدارية والمالية.

- ظهرت كتاباته الأولى عندما كان في الثامنة عشرة. ونشر خلال عامي 1922 - 1923 عدة مقالات طالب فيها بإنهاء الاحتلال الفرنسي واستقلال سوريا، وكان أول من استشرف مشروع الحـركة الصهيونية وخطره على سوريا الطبيعية رابطاً بين وعد بلفور بـ "وطن قومي لليهود في فلسطين" وبين اتفاقية سايكس – بيكو التي قسمت سوريا الطبيعية إلى خمس كيانات، وكان من جرائها سلخ 180 ألف كلم مربع من أراضيها وإخضاعها للاحتلال التركي، إضافة إلى إخضاع الأهواز للاحتلال الإيراني.

- حاول عام 1925 تأليف حزب لتوحيد أبناء الجالية السورية في البرازيل باسم "الشبيبة الفدائية السورية"، لكنه لم يلاق نجاحاً. وأعاد المحاولة عام 1927 فأسس "حزب السوريين الأحرار"، الذي توقف نشاطه بعد ثلاث سنوات.

وإثر توقف مجلة المجلة عن الصدور (1928) انصرف انطون سعاده إلى التعليم في بعض المعاهد السورية في سان باولو، كما شارك في بعض اللجان التربوية التي أقامتها الحكومة البرازيلية للإشراف على تطوير المناهج التعليمية، وفي هذه الفترة كتب رواية "فاجعة حب" التي نشرت فيما بعد في بيروت، وفي صيف 1931 أصدر روايته الثانية "سيدة صيدنايا".

تأسيس الحزب

- في تموز 1930 عاد الى الوطن، وبعد إقامة قصيرة في ضهور الشوير سافر الى دمشق لدراسة إمكانية العمل السياسي فيها، كونها العاصمة التاريخية لسورية ومركز المعارضة السياسية للانتداب الفرنسي، فمارس التعليم لتأمين رزقه، وكتب سلسلة من المقالات في الصحف الدمشقية "اليوم، القبس، ألف باء"، لكنه سرعان ما عاد الى بيروت (1931) وبدأ بإعطاء دروس من خارج الملاك في اللغة الألمانية في الجامعة الأميركية. وقد أتاح له التدريس ساحة واسعة للحوار الفكري مع الطلبة والوسط الثقافي، إضافة الى منابر فكرية أتاحتها له عدة جمعيات ثقافية في بيروت، منها : العروة الوثقى - جمعية الاجتهاد الروحي للشبيبة - "النادي الفلسطيني". وقد حفلت هذه المحاضرات ببواكير فكره القومي الاجتماعي في مرحلة ما قبل إعلان الحزب، وهو ما تمخض عنه فيما بعد العقيدة القومية الاجتماعية، المنهج الفكري للحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه في 16 تشرين الثاني 1932 ، وكان حزباً سرياً بسبب الظروف الصعبة الناجمة عن الانتداب الفرنسي على لبنان والشام.

- عام 1933 أعـاد انطون سعاده إصدار "مجلة المجلة" في بيروت لتساهم في توضيح أسس النهضة السورية القومية الاجتماعية، وعلى صفحاتها ظهرت في الوطن، ولأول مرة، دراسات تحليلية لموضوع "الأمة" استناداً إلى علم الاجتماع الحديث، وبرؤية مستقلة عن نظريات الغرب التي فلسفت الأمة من منظور عرقي،.. وسياسي أحياناً أخرى.

- حزيران عام 1935، وبعد أن أصبح انتشار الحزب ملموساً في الأوساط الشبابية والثقافية، أقام سعاده الاجتماع العام الأول رغم سرية الحزب، وفي هذا الاجتماع ألقى خطاباً مكتوباً هـو من أهم الوثائق الفكرية في العقيدة السورية القومية الاجتماعية، ودليل عمل حركة النهضة القومية الاجتماعية التي يهدف إليها الحزب، لكن سلطات الانتداب سرعان ما اكتشفت أمر الحزب نتيجة معلومة نقلها رئيس الجامعة الأميركية بايار دودج إلى السلطة الفرنسية، فاعتقلت في 16 تشرين الثاني 1935 سعاده وعدداً من الأعضاء بتهمة تشكيل جمعية سرية والإخلال بالأمن العام والإضرار بأمن الدولة وتغيير شكل الحكم.

- وكان هذا الاعتقال الامتحان الأول لمتانة الحزب بعد التأسيس. وظهرت خلال تجربة السجن، ومن ثم المحاكمات، ميزات شخصية سعاده، كمفكر وزعيم نهضة، حيث أعلن لمعتقليه مسؤوليته الكاملة عن تأسيس الحزب شفوياً وخطياً، فأصدرت سلطات الانتداب الفرنسي قراراً بسجنه ستة اشهر، أكمل خلالها كتابة مؤلفه العلمي "نشوء الأمم" الذي صدرت طبعته الأولى عام 938. وخرج من السجن في 12 أيار 1936.

- أثار انكشاف الحزب المزيد في الاوساط الشعبية، ونشطت حركة الانتماء الى صفوفه، مما دفع بالقوى الموالية للانتداب وبالفئات الطائفية والانعزالية والتقليدية إلى التكتل لمحاربته.

- اعتقلت سلطات الانتداب سعاده مرة ثانية في 30 حزيران 1936 (أي بعد أسابيع من الإفراج عنه) وظل في السجن الى 12 تشرين الثاني 1936 وخلال هذه الفترة أنجز سعاده كتابه شرح مبادئ الحزب وغايته.

- أعيد اعتقاله في 9 آذار 1937 وظل في السجن حتى 15 أيار 1936.

- 14 تشرين الأول 1937 اصدر جريدة النهضة التي استقطبت النخبة الثقافية الشابة، وكانت صفحاتها منبراً للحوار بين السوريين القوميين الاجتماعيين ومختلف الفئات الفكرية والثقافية والسياسية في لبنان وكيانات الأمة السورية، وكان سعاده يكتب بشكل يومي، ويتناول مسائل السياسة الخارجية والأمور الفكرية والردّ على القوى السياسية المناوئة، وقد حظيت ردوده القومية على البطريرك الماروني والأحزاب الانعزالية في لبنان والشام باهتمام كبير من مختلف الأوساط. وأضاءت باكراً على المخاطر الناجمة عن الخلط بين الديني والسياسي في لبنان. وعلى الطوائف التي تحول دون قيام المجتمع المدني وتقدم حركة النهضة القومية.


الاغتراب القسري

- في ربيع 1938، ونتيجة الانتشار الواسع للعقيدة القومية الاجتماعية في كيانات الأمة، بادرت سلطات الانتداب الى المزيد من التضييق على الحزب، وفي 11 حزيران غادر سعاده الوطن في جولة على فروع الحزب في المغتربات. وسافر براً من بيروت إلى الأردن ومنها إلى فلسطين، حيث اجتمع مع السوريين القوميين الاجتماعيين في عمان وفي حيفا. ثم إلى قبرص، والمانيا،.. ومنها سافر إلى البرازيل، حيث استقر في سان باولو مرتع صباه (كانون الأول 1938). وفور مغادرته بيروت قامت سلطات الانتداب بمداهمة مركز الحزب، وعطلت صحيفة النهضة، وحظرت على السوريين القوميين الاجتماعيين ممارسة العمل الحزبي، كما أصدرت مذكرة قضائية بمحاكمة سعاده.

- حاولت فرنسا عبر ديبلوماسييها الضغط على الحكومة البرازيلية لمنع سعاده من مزاولة العمل الحزبي في أوساط المغتربين السوريين، وفي 23 آذار من العام ذاته أقدمت قوات الأمن في البرازيل على اعتقال سعاده وعدداً من رفقائه، بتهمة "المس بسلامة العلاقات الانترناسيونية للدولة البرازيلية". ولكن أوساط الجالية السورية وبعض المثقفين البرازيليين سارعوا إلى الدفاع عن سعاده، فأرسل رئيس جمعية الصحافة في سان باولو رسالة استفسار إلى دائرة الأمن العام، خصوصاً أن الحكومة الفرنسية كانت قد طلبت عن طريق قنصلها في البرازيل بتسليم انطون سعاده ليمثل أمام محاكم سلطات الانتداب، لكن الحكومة البرازيلية رفضت ذلك، وبعد تحقيق قضائي دقيق أعلنت المحكمة البرازيلية براءته من التهم الموجهة اليه، وأفرجت عنه وعن رفقائه في 30 نيسان 1939.

- بعد خروجه من السجن بأسبوعين غادر سعاده الى الأرجنتين. ومكث فيها حتى أيار 1940. وهناك حاول تجديد جواز سفره، لكن السفارة الفرنسية في بيونس ايرس رفضت ذلك. وفي 20 آب من العام ذاته أصدرت سلطات الانتداب الفرنسي في لبنان حكماً غيابياً قضى بسجن سعاده عشرين عاماً، ونفيه من لبنان عشرين عاماً أخرى، فاصبح بحكم الأسير داخل الأرجنتين لا يستطيع مغادرتها، وظل في مغتربه القسري حتى عام 1947. وأصدر خلال هذه الفترة جريدة "الزوبعة" التي كانت منبرا متميزاً للصوت القومي، وعلى صفحاتها ظهرت أهم كتاباته السياسية والفكرية والأدبية. وكان قد تعرف على الرفيقة جوليت المير، وهي من عائلة طرابلسية مقيمة في الأرجنتين، فتزوجها عام 1941، وأنجب منها في المغترب كريمتاه صفية واليسار، أما راغدة فولدت بعيد عودة العائلة الى الوطن.

- بعد جلاء القوات الفرنسية عام 1946 حاول العودة الى لبنان لكن تحالف بشارة الخوري (رئيس الجمهورية) ورياض الصلح (رئيس الحكومة) كان يعرقل عودته بحجة الحكم القضائي الصادر بحقه منذ أيام الانتداب.



العودة إلى الوطن

- في أواخر 1946 قرر سعاده العودة نهائياً إلى لبنان، ضارباً عرض الحائط ممانعات حكومة رياض الصلح وعراقيلها. فأنهى أعماله التجارية، وكان قد تمكن من الحصول على جواز سفر مؤقت من السفارة الفرنسية في الأرجنتين يتيح له السفر إلى البرازيل، وهناك تمكن بمساعدة رفقائه من الحصول على جواز سفر لبناني، وغادر البرازيل جواً إلى القاهرة في 18 شباط 1947، وفيها التقى برئيس المجلس الأعلى في الحزب الأمين نعمة ثابت وأسد الأشقر، حيث تباحث معهما بأمر العودة إلى الوطن، والموقف السياسي المتوجب اتخاذه حيال هذه الخطوة، في هذا اللقاء تأكد لسعادة أن المجلس الأعلى في الحزب اتخذ قراراً بتكييف سياسته مع النزعة اللبنانية للعهد الذي ورث تركة الانتداب.

- في 2 آذار 1947 وصلت طائرة سعاده إلى بيروت وكان في استقباله حشد شعبي كبير من سائر كيانات الهلال الخصيب، وألقى في هذا الحشد التاريخي خطاباً نوعياً هز أركان الحكم آنذاك، حدد فيه موقفه من استقلال لبنان والاحتلال الصهيوني لفلسطين، معيداً الحزب إلى مبادئه القومية، وأمام هذا الوضوح الجريء، لم يكن مستغرباً اندفاع أعداء الحزب في حملة سريعة لاحتواء الموجة القومية العارمة التي هزت أركان الحكم، فأصدرت الحكومة اللبنانية في أعقاب الاستقبال الكبير مذكرة توقيف بحق أنطون سعاده ، وسيّرت حملات بوليسية لاعتقاله، لكنه لجأ إلى الجبل في منطقة المتن، وكانت الحكومة تخشى نتائج عـودة سعاده على الانتخابات النيابية المقررة في أيار 1947، فعرقلت نشاطات الحزب، وأصدرت قراراً بتعطيل جريدة "صدى النهضة" الناطقة باسمه، لكن سعاده استعاض عنها بجريدة "الشمس" التي عطلت بدورها،.. فتحول إلى مجلة "الكوكب" حتى آذار 1948 حيث أصدر جريدة "الجيل الجديد"، وكانت الحكومة قد ألغت مذكرة التوقيف في تشرين الأول 1947.


الثورة والاستشهاد

- فور عودة سعادة إلى الوطن خاض معركة إعادة الحزب إلى مساره القومي الاجتماعي في مواجهة بعض أعضاء إدارته العليا. وعندما لم تفلح المعالجات الهادئة لعملية الانحراف العقائدي أصدر مرسوماً بطـرد رموز الانحراف وعلى رأسهم نعمة ثابت ومأمون أياس ثم فايز الصايغ لاحقاً.

- بعد انتهاء مفاعيل مذكرة التوقيف، وحسم الخلافات الداخلية في الحزب، تفرغ سعاده للعمل العلني في مواجهة الأوضاع القومية المصيرية، وبصورة خاصة مسألة الاغتصاب اليهودي لفلسطين، ومع اقتراب ذكرى وعد بلفور (تشرين الثاني 1948) التي تزامنت مع اجتماع الأمم المتحدة للنظر في الصراع القائم بين أبناء شعبنا في فلسطين والمستوطنين اليهود - الذين كانوا يتوافدون مع أسلحتهم من كافة أنحاء أوروبا وأميركا - أعد سعاده لمهرجان شعبي كبير في بيروت تعبيراً عن الرفض القومي لمشروع تقسيم فلسطين، لكن الحكومة اللبنانية عطلت المهرجان، فأصدر سعاده بيانه الشهير حول المسألة الفلسطينية داعياً فيه إلى إطلاق حركـة مواجهة قومية شاملة وإلى تنظيم المقاومة الشعبية المسلحة، مستنهضاً طاقات الأمة لمواجهة الكارثة المقبلة، في 29 تشرين الثاني 1947 أعلنت الأمم المتحدة قرارها الشهير بتقسيم فلسطين، وعبثاً حاول الحزب الاشتراك الواسع في الأعمال العسكرية أثناء حرب 1948، خصوصاً أن الحكومة اللبنانية حالت دون ذلك بجميع الوسائل، لكن السوريين القوميين الاجتماعيين في فلسطين ولبنان والشام والأردن تمكنوا من المشاركة في جيش الإنقاذ، وقدموا عدداً من الشهداء. وإزاء النكبة بإعلان قيام "إسرائيل" دولة على أرض فلسطين، رأى سعاده أن الاعتماد على القوى السياسية المهيمنة على الأنظمة في الكيانات السورية أمر جدوى منه، وبدأ العمل بهدوء لتشكيل جهاز قيادي من أعضاء الحزب يتولى إطلاق حرب التحرير الشعبية، وأسس فرقة الزوبعة الحمراء بقيادة الرفيق مصطفى سليمان كنواة لحركة المقاومة القومية، وبموازاة هذه الخطوة ركز على إعادة بناء الحزب فكرياً وتنظيميا ، باذلاً المزيد من الجهد على إعداد الأجيال الجديدة، خصوصاً الطلبة الجامعيين، فأعاد نشاط "الندوة الثقافية" وفتح أبوابها أمام مختلف المثقفين، وقد نجح بمحاضراته في إطلاق حالة معنوية كبرى في لبنان والشام والأردن وفلسطين، تحول الحزب جراءها إلى قوة فكرية تنظيمية متفوقة فرضت حضورها القوي على الحياة السياسية في لبنان والشام والاردن، شكلت تياراً ضاغطاً على الأنظمة الكيانية المتخاذلة التي أحست بالحرج الشديد. وكان رد فعل الحكومة اللبنانية مباشراً، إذ أصدرت سلسلة قرارات منعت بموجبها الحزب من عقد الاجتماعات العلنية، وأدى تعسف حكومة رياض الصلح إلى حدوث عدة صدامات بين أعضاء الحزب والسلطة خلال احتفالات الأول من آذار 1949.

- في أواخر آذار 1949 قام حسني الزعيم بانقلاب عسكري في دمشق، وأعلن في حينه أن خطوته تلك جاءت رداً على نكبة فلسطين، في هذا الوقت كانت السلطة اللبنانية تنسق مع الأحزاب الطائفية والانعزالية الداعمة لها لإنزال ضربة قاصمة بالحزب. وكانت الخطة أن يفتعل حزب الكتائب اللبنانية صداماً مسلحاً مع السوريين القوميين الاجتماعيين يكون مبرراً لزج سعاده وأعضاء حزبه في السجن. وحسب الخطة ذاتها، قامت عناصر من الكتائب اللبنانية بمهاجمة مطبعة جريدة "الجيل الجديد" في الجميزة وأحرقتها، وكان ذلك فاتحة إعلان الحرب على الحزب، إذ بادرت سلطات الأمن إلى مداهمة مراكز الحزب وبيوت محازبيه، واعتقلت أعضائه في لبنان، لكن الحكومة لم تنجح في اعتقال سعاده الذي تمكن من مغادرة بيروت، وبعد أيام وصل إلى دمشق بعد أن جاءته ضمانات من حسني الزعيم بمنحه اللجوء السياسي. وهناك بادر إلى التحضير لعمل منظم يحمي الحزب من الاندثار أمام شراسة السلطة في لبنان، فأعلن الثورة القومية الاجتماعية الأولى على النظام. ولم يكن سعاده يعرف وقتها أنه استدرج إلى فخ في دمشق، ولكن، لم تمض أسابيع حتى سارع حسني الزعيم بالتنسيق مع السفارة الأميركية في دمشق، وإثر لقائه مع موشيه شاريت "وزير خارجية الكيان الصهيوني" إلى اعتقال أنطون سعاده في 6 تموز 1949. وسلمه إلى الأمن العام اللبناني في السابع من تموز، وكان الاتفاق بين حسني الزعيم ورياض الصلح أن تتم تصفية سعاده في الطريق إلى بيروت، لكن الضابط فريد شهاب أبى تنفيذ الأوامر المعطاة لـه. وسلم سعاده إلى نور الدين الرفاعي قائلاً: "إني أسلمك انطون سعاده حياً ولا أريد أن يحمل أحدنا ثأر القوميين". لكن سعاده أعدم فجر الثامن من تموز بعد محاكمة صورية جرت بسرية تامة، ولم يعط محامي الدفاع الوقت لإعداد مرافعته، واعتبرت وصمة في تاريخ القضاء اللبناني، فقد شكل إعدامه أشهر ملف اغتيال لزعيم سياسي ومفكر قومي تآلبت على نهجه الثوري القوى التقليدية المتحالفة مع أميركا وإسرائيل، والأنظمة المتضررة من دعوته العنيدة لتوحيد كيانات سوريا الطبيعية وإقامة جبهة عربية واحدة على غرار الوحدة الأوروبية التي نشهد اليوم ارتفاع مداميكها.

استشهد سعاده فجر الثامن من تموز 1949، قائلاً لجلاديه : أنا أموت أما حزبي فباقٍ. وكان استشهاده أفصح درس تعلمته الأجيال الناهضة في الفداء القومي.

من مؤلفاته:

- نشوء الأمم - بيروت، مطبعة الاتحاد، 1938، طبعة 2، دمشق، 1959.

- الصراع الفكري في الأدب السوري- بيروت، 1947.

- شروح في العقيدة- بيروت، 1948.

- فاجعة حب وعيد سيدة صيدنايا - بيروت، 1948.

- المحاضرات العشر- دمشق، 1950.