المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البخل ما بين مرض اجتماعي وسيرة ساخرة


منير فرو
06-29-2008, 12:23 PM
البخل ما بين مرض اجتماعي وسيرة ساخرة



إعداد منير فرّو

البخل كما في كل بلد في هذا العالم هو مرض اجتماعي وفي وسطنا العربي التي تعتبر الكرم من الشيم الأصيلة، يُنبذ البخيل ويُهجى حتى يصبح محط استهزاء وسخرية الآخرين. وهذا الاستهزاء لا يصيب الأفراد والعائلات فقط بل يتعداه إلى مدن بأكملها، فيُحكى أن سكان مدينة في لبنان، عندما يعزمون أحدا على الغداء يبادرونه "أتريد الغداء في منزلنا أم أن أكل السوق أفضل وأطيب"، بإشارة إلى قلة فتحهم البيوت للضيوف، حتى أصبح تعبير "عزيمة سوقية" نسبة إلى عزائم آهل هذه المدينة وكما يروى عن حكاية التاجر البخيل والتي أصبحت تنسب في كل منطقة إلى عائلة محددة مشهورة ببخلها حيث تقول الحكاية : " كان يحتضر وأولاده يحيطون به ، فبدأ بتعدادهم واحد تلو الآخر ، وعندما ينادي على أحدهم كان الأخير يجيب " نعم يا أبي أنا بجانبك "حتى انتهى من تعدادهم وتأكد من وجودهم جميعا بقربه فصرخ بهم قائلا : " إذا كنتم جميعا هنا ... فمن يستقبل الزبائن في المحل " ، ولم يقتصر الاستهزاء على النوادر الشعبية و" النكت" بل انه كان للموضوع نصيبه في الأدب العربي والعالمي، فمن شخصية “شيلوك” لشكسبير الكاتب الانكليزي، التي تصف التاجر والمرابي البخيل، إلى شخصية البخيل في مسرحية تحمل نفس الاسم للكاتب الفرنسي موليير، إلى كتاب "البخلاء" للجاحظ الذي يحتل مرتبة رفيعة بين روائع الأدب العربي. وكانت آراء لشخصيات معروفة هجت البخل والبخلاء، فينقل عن علي ابن أبي طالب قوله "عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغني الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء". كما ينقل عن الشاعر أبي النواس في وصف بخيل يدعى الفضل:

رأيتُ الفضلَ مُكْتَئباً يناغي الخُبْزَ والسَّمَكَا
فأسبل دمعه ُ لَمـــــــــــَّا رآني قادماً وبكى
فلمــــــــــّا أن حلفتُ لهُ بأنّي صائِمٌ ضَحَكَا
الزواج من بخيل:

يلعب البخل دورا هاما وأساسيا في بناء العلاقات وخاصة الحميمة منها مثل الزواج، فمجمل الأمهات لا يفضلن لبناتهن أزواجا بخلاء خوفا من أن يستفرد الزوج بابنتهم ويعرضها للتقشف من جراء بخله، فتقول إحدى السيدات وهي ام لابنة عمرها 25 سنة، "أفضل على ابنتي أن تبقى في المنزل ولا أزوجها لشخص بخيل، على الأقل في منزلنا تأكل حتى تشبع، ولكن عند زوجها من سيضمن ذلك" وتتابع " على كل حال البخيل لا يمكنه الإقدام على خطوة الزواج فهي خطوة مكلفة جدا". بالإشارة إلى الأموال والهدايا المطلوبة من العريس، مثل المهر المقدم والمؤخر، والخطبة وغيرها من المستلزمات الضرورية قبل البدء في تأمين البيت والملبس والمأكل. وتؤكد سيدة أخرى إن البخيل لا يدخل في بناء علاقة زوجية كونها ليست علاقة استثمارية إلا إذا كانت الفتاة غنية حيث يستطيع مضاعفة أمواله في هذه الحالة يتحمل مصاريف الزواج طمعا بتراكم المزيد منها وتدعم رأيها من خلال رواية نكتة معروفة " رجل بخيل تزوج من امرأة بخيلة ومازال ولدهم يأتي بالتقسيط".

أنواع البخلاء:

يصنف البخلاء أنواعا، هناك البخيل في عائلته وبيته ولكنه يعرف في المجتمع بكرمه، ، فمنهم من يتكارم في العلن لإخفاء بخلهم في المنزل وفي اغلب الأحيان يكون كرمهم الظاهر طعم من اجل الحصول على المزيد. وهناك البخيل في المجتمع ولكنه كريم في منزله وهذا يعرف في اغلب الأحيان بصفة ايجابية نسبيا أي بالمدبر الذي يعرف كيف يدير أمواله، ولكنه كغيره من البخلاء لا يستثنى من السخرية، فحسن الضيافة لا يزال المعيار الاجتماعي الأهم في بناء العلاقات الاجتماعية في البلاد العربية ومن هنا تأتي الانتقادات للسياح والضيوف الأجانب من أوروبيين وغيرهم حينما يتقاسمون الحساب في المطعم.
للبخيل صورة نمطية في مختلف الأقطار العربية وترتبط ارتباطا وثيقا بأخلاقيات المعاملة والمجاملة وأصول التعاطي بين الناس، فيعتبر بخيل وغير لائق من يأكل كل ما في صحنه، مع أن عادة ترك الطعام كفضلات في الصحون من الأمور غير المستحبة دينيا، ويعتبر بخيل كل من لا يستجيب للضيافة وتفسر عدم استجابته إلى خوفه من ردها أي اضطراره إلى تقديم الضيافة بدوره، إلى ما هنالك من معايير حتى وصل بالبعض إلى القول أن الأشخاص ذوي الوجوه الصفراء هم من البخلاء " وجهها اصفر من قلة الأكل" على حد تعبير إحدى العجائز في وصف جارتها الموصوفة ببخلها. ولكن تعود هذه العجوز لتستدرك ما قالته وتقول " ما حدا بيعرف ماذا يوجد في منازل الناس، خاصة أن الكرم أصبح للمبارزة وليس لفعل الخير" (كما نراه في أعراسنا )،لا تخلو بعض الأمثال من عذر البخلاء خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية، مثل "اليد قصيرة والعين بصيرة" و "قد بساطك مد رجليك" وغيرها من الأمثال التي من شانه ليس فقط عذر البخلاء بل أيضا إلى الرأفة بالفقراء والفصل بينهم وبين الأغنياء البخلاء. في حين يكاد أن يكون هناك تعميم بين الأغنياء والبخلاء، فيقول البعض " نحن نعمل ليل نهار ولا نستطيع تجميع الأموال ولا نصبح أغنياء، لأننا لسنا بخلاء نعمل ونصرف ما نجنيه من اجل إن نعيش مرتاحين". ويحاول آخرون من كثرة كرههم للبخل والبخلاء إسقاط كل مظاهر اللاعدالة الاجتماعية على البخل متناسين الأسباب الأخرى وعند تذكيرهم بأنه هناك أسباب غير البخل، بمثل "المال يجلب المال".

البخل في علم الاجتماع:

اختلفت النظريات النفسية والاجتماعية حول سلوك الأفراد البخلاء فهناك من يعيدها إلى الحرمان في الطفولة وهناك من يعيدها إلى سلوك يكتسب مع التربية ومن الأهمية التي تعطى للأملاك الفردية وخاصة النقدية منها. فتقول الأخصائية النفسية الاجتماعية رواد عرموني ، إن الأسباب متداخلة مع بعضها البعض ولكن "على الأهل أن ينموا حس الملكية عند الطفل كونها حق من ناحية وتعلمه على تحمل المسؤولية من ناحية أخرى، ولا يجوز إهمال حس المشاركة أو التمادي في تقديس التملك الفردي لان ذلك قد يكسب الطفل عادات التفرد وحب التملك دون مشاركة الآخرين" وهذا ما يوصف اجتماعيا بالبخل.
بدأت ظاهرة تصنيف الأشخاص بين بخيل وكريم بالاضمحلال في ظل تطور المجتمعات وزيادة الفردية وانشغال الناس بهموم الحياة اليومية، فلم تعد جلسات التصنيف ومراقبة الآخرين وإسقاط الصفات عليهم من الأولويات، خاصة أن المعايير الأخلاقية ليست ثابتة وهي متحركة من مجتمع إلى آخر، والمجتمعات العربية أخذت تتأثر بشكل واضح بالمجتمعات الغربية ولم يبقى من البخل والبخلاء سوى السيرة رواية النوادر الساخرة إليكم بعضها:
قيل: لماذا البخيل يحب التقاط صورته من وراء شباك الزجاج ؟ الجواب : لتوفير البرواز .
كيف يأكل البخيل الدجاجة؟ الجواب : يبدأ بأجنحتها لئلا تطير وآخر شيء يأكل الذنب لعلها تبيض .
لماذا براد البخيل شفاف ؟ الجواب : ليتأكد أن الضوء داخله مطفىء.
لماذا البخيل يضع في خزينته مرآة ؟الجواب : ليكون واثقا أنه هو بنفسه يفتحها .
قيل: أن بخيلا توفي والده فبكى في عين واحدة.
قيل : لماذا البخيل يضع أذنيه على الحائط ؟ الجواب : ليسمع نشرة الأخبار من عند جاره.