بواسطة مشرفي المنتدى
06-20-2007, 06:25 PM
قراءة في ديوان العشق والادراك -للشاعر : معين حاطوم
بقلم : راوية بربارة
ويلٌ لمن لم يحترف الحبَّ والحزنَ والغربةَ والأمل ..كيف يكتُب؟ وطوبى لِمَنْ احترفهُم وترجمهم حرفًا وكلمات..
ويلٌ لي إذا اقترفتُ غيرَ الصِّدقِ، لذلك اخترتُ ألاّ أتحدّث بشكلٍ عام، فالعمومية تُفقد خاصيّة الشاعر معين صِدقها..
لو كان ديوان العشقِ والإدراك يُشبه ديوانَ نزار قباني أو سميح القاسم أو محمود درويش لما كُنتُ قرأتُهُ.. لكنتُ قرأتُ نزار وسميح ومحمود، قرأتُ الأصل. ومعين لم يقلّد أحدًا في كتاباته .. إنَّما أهدانا كلماتٍ وصورًا "بِكر" في ديوانه "ديوان العشقِ والإدراك"....
إنَّ العشقَ هوَ حالةُ غيابٍ روحي، تَغيبُ الروحُ في المحبوب، وتتوق إليه .. بينما الإدراكُ حالةٌ من الوعي المعرفي..
وعنوان الديوان .. "ديوان العشق والإدراك" يُعبِّرُ عن حالةٍ بينيّة، بين تناقضات تكتنفُ الروح والجَسَد .. إنّهُ اوكسيمورون العشق والإدراك ..
كلمة ديوان .. ثُنائيةُ الدلالةِ فهي أولاً :
- ديوانٌ – بمعنى مَجْمَعٌ للأشعار.
- ديوانٌ – بمعنى مجلس ومن هنا ننطلق إلى الصورة الشاملةِ.
فالديوانُ مكوَّنٌ من ستَةِ مجالسَ ..
أهي مجالسُ استحضارِ الأرواحِ؟ أم هي مجالسُ الدّعوَةِ الفلسفية تُعقَد، خُطَّت بحبرِ الروحِ، وعُقدتْ في مساكنِ الجَسَدِ؟
سوف أدخلُ إلى الديوان عن طريق المجلس الرابع: "سلطنةٌ على أوتار الوجد"
العنوانُ فيه دندنةٌ، يدندنُ على أوتار الألمِ، على أوتار الشّوقِ، على أوتارِ الحزنِ .. يدندنُ وقْعُهُ في آذان السامعينَ فنطربُ على نشوةٍ تُثيرُ الشّجن.
"الرّوحُ تَسْكُنُ الأرْضَ
قالَتْ...
لا مَوْتَ ... لا انْتهاءَ لأحَدٍ!
إنَّهُ تِرْحالٌ بَيْنَ الأبَدِ والأَبَدِ
نِصْفُكَِ هُنَا يَتَعَذَبُ
وَنِصْفُكَ هُناكَ يَتَجدَّدُ
فلا .. تَتَهرَبْ
دَعْ ألَمَكَ يَتَهذَّبْ
لا تَتَردَّدْ..
الرّوحُ تَسْكُنُني وَتسْكُنُكَ كَيْ نَتَوحَّدْ
قالت:
وَنَثَرَ القَلْبُ أحزانَهُ المُتَهدِّلَة
عَلَى أوتارِ الوَجدِ النَّاريِّ
فَنَزَفَ مِنْهُ الدَّمْعُ نَغَمًا
وَراحَ يَنْسابُ رَقراقًا يَتَودَّدْ!
ذَهَلَتْ ... جَفَلَتْ...!
وَرَحَلَتْ !!
- للسهَرِ قَمَرٌ
- للقمرِ عاشِقٌ
قُلْتُ : أنتِ قَمَرُ سَهَري وَعِشقي
كُلَّما لامَسَتْ يداكِ حُلُمي
أشْحَذُ أوْتارَ وَجْدي
أهيمُ في بَيْداءَ منْ نَغَمٍ سِحْريٍّ
عَلَى وجهي وَقلبي أهيْمُ
في غاباتِ الدُّنيا الوعْريَّةِ
تَدميني الأشواكُ
ولا تَشفيني وُرودُها الزَّكيَّةِ
أهيمُ يا صغيرتي القَرَويَّةِ
على بِساطِ – شِعْرٍ يَطيْرُ
في قِبابِ الأخيلَةِ الأثيريَّةِ
إلى مَصْيَفِ عِطرِكِ الأخَّاذِ
في كُلِّ الفصولِ السَّنويَّة
لِجَسدي روحٌ
أنتَ روحي،
قالَتْ : لِروحي جَسَدٌ
أنتَ الجَّسَدُ
أنْصَهِرُ فيكَ وفِيَّ تتَوحَّدُ
أُشيِّدُكَ هَيكَلاً على رَوابي الشّوقِ
وفيك أتَعبَّدُ!
وكُلَّما تلاشيْتَ في خاطِري
أراكَ فيَّ تَتَجدَّدَ
أنتَ أيُّها الرَّجُلُ المُتَسفِّعُ!
في خمائلِ روحي
المُسْتَلْقي بَينَ بَساتينِ الحَنانِ
تَغارُ مِنْكَ الورودُ
وَتَهْمِسُ عَجَبًا
كيفَ هذا العِشْقُ لا يَذوي أبَدًا
كيفَ هذا العاشِقُ لا يَمْضي أبَدًا
................"
والقصيدةُ تدندنُ لحنَ العشقِ الأبديِ بين الروحِ والجسدِ وترتقي بشموليتها لتتحدثَ عن انتقالِ الأرواحِ في الأجسادِ، وعن ثُنائية الإنسان، الذي يتركّبُ من المادةِ والروح، من الجسد والروحِ .. أمّا الجسدُ فترابيٌّ كثيفٌ يتحللُ لعناصرِه وأما الروحُ، فلطيفةٌ تنتقلُ في الأجسادِ ..
"الروح تسكنُ الأرض
قالت
لا موتَ..لا انتهاء لأحد
إنّه ترحال بين الأبد والأبد"
الروحُ تشملُ الطبيعةَ كلّها، والأرضُ مرجعُ الخصوبةِ الكونيّةِ ، وهذه الروحُ تسكن الأرض، تُخصبها بالبشرِ، لا تموتُ ولا تنتهي إنَّما ترحلُ بين الأبدِ والأبد.
القصيدةُ تعتمدُ على الجدليّةِ الثنائيةِ (بين) الروح والجسد / بين الهُنا وهناك/ بين الأنا والآخر/ ثنائيّة الواقع والحلم.
إذ يقول معين
"نصفُك هنا يتعذّب
ونصفك هناك يتجدّد"
وبين الـ (هنا) والـ (هناك) ، يكون الموتُ والتجدُّد . نصفُك الجسديُّ هنا يتعذَّبُ، فتنطلقُ روحُكَ لتَبْعَثَ الحياةَ في المتجدّد هناك... وما بين الجسدِ والروحِ يأتي الشاعرُ يؤكدُ الإيجاب عن طريق النفي.
فلا – لا تتهرّب
لا تتردَّد
ويعود للموتيف "فالروح تسكنُ الأرضَ" خصوبةً للبشريّة وبقاءً للأبدِ .. وهذا التقمُصُ والتناسخُ وانتقالُ الأرواحِ في الأجسادِ هدفُهُ أن نتوحَّدَ فننفي غربةَ الزمانِ وننفي غربةَ المكان ونشعرُ بالتوحُّد، بعدم الغرابة، لكن هذا الشعورَ يقودنا إلى ثُنائية المشاعر ..
"فينثر القلبُ إحزانَه المتهدّلة"
وقد تهدَّلت الأحزانُ من شدّةِ الازديادِ والخواءِ يزداد الحزن ويتهدّل ...
"الحزن يعزف على الأوتار فيشتعل
وينزف الدمعُ نَغَما"
وكأنه لحن الخلود
وهذه الروحُ تَذْهَلُ وتجفِلُ وترحلُ من جسدٍ إلى جسدٍ، من مكانٍ إلى مكان، من زمانٍ إلى زمان ..
وعلاقة الجدليّة تتحوّل إلى علاقةِ عشقٍ .. فتتحوَّلُ الروحُ إلى معشوقةٍ، وكلّما لامستْ هذه الروحُ شِغافَ القلبِ، يشحذُ العاشقُ أوتارَ الوجدِ، يصقلها، ويهيمُ في بيداءَ مسحورةٍ، بين ما هو الآن وبين من كان عليه سابقًا.
والهَيامُ من أعلى درجاتِ العشقِ، لكنّه هيامٌ في غاباتٍ وَعْرِيّةٍ شوكيّةٍ لا تُشفيهِ فيها الورودُ الزكيَّةُ.
فيتحوَّلَ الشعرُ بساطًا (كبساط الريح)، هنا نجدُ "التناص" التراثي الذي وظّفَهُ بصورةٍ مبتكرة، فأطلقَ أحاسيسه على بساط الشِّعر إلى مِصيف الروح الأبدي الإزهار.
وتأتي ثُنائيّةُ الحوارِ "الديالوج" بين الروحِ والجسدِ ... فينصهرُ أحدُهما في الآخرِ بإرادَتِهِ، ويعتمد الشاعر على التجربةِ الحَدْسِيَّّةِ غيرِ المرئيةِ وغيرِ الملموسَةِ، تِلكَ التجرِبَةُ التي تُلامِسُ شِغافَ الروحِ فَتتقمصُكَ أرواحٌ، وتتهدَّلُ أحزانَك لأنك في اللاوعيِ تشعُرُ نفسكَ شَخصًا آخر ، تلك التجربةُ التي تتجاوزُ حدودَ المنطقِ العقلي، فيرقى إلى توحُّدٍ وانصهارٍ ويُصبحُ الهيكلُ البشريُّ، هيكلَ صلاةٍ وتعبُّد ..
"أشيِّدُكَ على روابي الشوقِ
وفيكَ أتعبدُّ"
هذه التوريةُ الجميلةُ هنا، فالمعنى القريب هيكلُ الصلاةِ والمعنى البعيدُ الهيكلُ البشري وهو المقصود، إذ يتحوَّلُ جسدُ الإنسان، إلى معبَدٍ، وتتجلّّى المشاهدةُ كَتِلْكَ التي يَتَمَتَّعُ بها الصوفيُ الحَقُّ، فَيُشاهِدَ وجْهَ الحبيب، هذا المشاهَدَةُ تَحْدُثُ من شِدَّةِ الشوقِ فيتحوّلُ الجسدُ إلى مَعبَدٍ والروحُ إلى مَعبودٍ لِتَتِمَّ الإحالةُ في الرؤيا وَيَتِمّ الاتحادِ بالحبيب، فيلتقي الجسدُ بالحبيب الروحي .. يتلاشى .. ويتجدَّدُ ....
وهذا العشقُ بين الأنا الحاضر والأنا المستَحضَر ...
بين الهنا والهناك ...
بين الروح والجسد....
عشقٌ تغارُ منه الورود وتتساءلُ هامسةً كيفَ هذا العشقُ لا يذوي أبدًا ..
فهو يصلُ الأرضَ يُخصبها وتُخصِبْهُ فيبقى العاشقُ إلى الأبد ..
يبقى الإنسان حيًَّا بروحه حتَّى لو مات منه الجسد .
وإيجازًا دعوني أحدثكُم عن ثُنائيّة معين : الإنسان والشاعر.. عن الجدليّةِ في ثُنائيّةِ قصائدِه بينَ العشقِ والإدراك، بين الحضور والغياب .. بينَ عُمق المعاني التي تأخذك إلى أعماقٍ فلسفيَّةٍ صوفيّةٍ روحيَّةٍ وبين انسياب صورٍ شعريّةٍ تتمنَّعُ كمعزوفةٍ تُغريك بالرقصِ على وقعها وإذا ما طربتَ عزفَت ألحانًا جديدة النبضِّ
بقلم : راوية بربارة
ويلٌ لمن لم يحترف الحبَّ والحزنَ والغربةَ والأمل ..كيف يكتُب؟ وطوبى لِمَنْ احترفهُم وترجمهم حرفًا وكلمات..
ويلٌ لي إذا اقترفتُ غيرَ الصِّدقِ، لذلك اخترتُ ألاّ أتحدّث بشكلٍ عام، فالعمومية تُفقد خاصيّة الشاعر معين صِدقها..
لو كان ديوان العشقِ والإدراك يُشبه ديوانَ نزار قباني أو سميح القاسم أو محمود درويش لما كُنتُ قرأتُهُ.. لكنتُ قرأتُ نزار وسميح ومحمود، قرأتُ الأصل. ومعين لم يقلّد أحدًا في كتاباته .. إنَّما أهدانا كلماتٍ وصورًا "بِكر" في ديوانه "ديوان العشقِ والإدراك"....
إنَّ العشقَ هوَ حالةُ غيابٍ روحي، تَغيبُ الروحُ في المحبوب، وتتوق إليه .. بينما الإدراكُ حالةٌ من الوعي المعرفي..
وعنوان الديوان .. "ديوان العشق والإدراك" يُعبِّرُ عن حالةٍ بينيّة، بين تناقضات تكتنفُ الروح والجَسَد .. إنّهُ اوكسيمورون العشق والإدراك ..
كلمة ديوان .. ثُنائيةُ الدلالةِ فهي أولاً :
- ديوانٌ – بمعنى مَجْمَعٌ للأشعار.
- ديوانٌ – بمعنى مجلس ومن هنا ننطلق إلى الصورة الشاملةِ.
فالديوانُ مكوَّنٌ من ستَةِ مجالسَ ..
أهي مجالسُ استحضارِ الأرواحِ؟ أم هي مجالسُ الدّعوَةِ الفلسفية تُعقَد، خُطَّت بحبرِ الروحِ، وعُقدتْ في مساكنِ الجَسَدِ؟
سوف أدخلُ إلى الديوان عن طريق المجلس الرابع: "سلطنةٌ على أوتار الوجد"
العنوانُ فيه دندنةٌ، يدندنُ على أوتار الألمِ، على أوتار الشّوقِ، على أوتارِ الحزنِ .. يدندنُ وقْعُهُ في آذان السامعينَ فنطربُ على نشوةٍ تُثيرُ الشّجن.
"الرّوحُ تَسْكُنُ الأرْضَ
قالَتْ...
لا مَوْتَ ... لا انْتهاءَ لأحَدٍ!
إنَّهُ تِرْحالٌ بَيْنَ الأبَدِ والأَبَدِ
نِصْفُكَِ هُنَا يَتَعَذَبُ
وَنِصْفُكَ هُناكَ يَتَجدَّدُ
فلا .. تَتَهرَبْ
دَعْ ألَمَكَ يَتَهذَّبْ
لا تَتَردَّدْ..
الرّوحُ تَسْكُنُني وَتسْكُنُكَ كَيْ نَتَوحَّدْ
قالت:
وَنَثَرَ القَلْبُ أحزانَهُ المُتَهدِّلَة
عَلَى أوتارِ الوَجدِ النَّاريِّ
فَنَزَفَ مِنْهُ الدَّمْعُ نَغَمًا
وَراحَ يَنْسابُ رَقراقًا يَتَودَّدْ!
ذَهَلَتْ ... جَفَلَتْ...!
وَرَحَلَتْ !!
- للسهَرِ قَمَرٌ
- للقمرِ عاشِقٌ
قُلْتُ : أنتِ قَمَرُ سَهَري وَعِشقي
كُلَّما لامَسَتْ يداكِ حُلُمي
أشْحَذُ أوْتارَ وَجْدي
أهيمُ في بَيْداءَ منْ نَغَمٍ سِحْريٍّ
عَلَى وجهي وَقلبي أهيْمُ
في غاباتِ الدُّنيا الوعْريَّةِ
تَدميني الأشواكُ
ولا تَشفيني وُرودُها الزَّكيَّةِ
أهيمُ يا صغيرتي القَرَويَّةِ
على بِساطِ – شِعْرٍ يَطيْرُ
في قِبابِ الأخيلَةِ الأثيريَّةِ
إلى مَصْيَفِ عِطرِكِ الأخَّاذِ
في كُلِّ الفصولِ السَّنويَّة
لِجَسدي روحٌ
أنتَ روحي،
قالَتْ : لِروحي جَسَدٌ
أنتَ الجَّسَدُ
أنْصَهِرُ فيكَ وفِيَّ تتَوحَّدُ
أُشيِّدُكَ هَيكَلاً على رَوابي الشّوقِ
وفيك أتَعبَّدُ!
وكُلَّما تلاشيْتَ في خاطِري
أراكَ فيَّ تَتَجدَّدَ
أنتَ أيُّها الرَّجُلُ المُتَسفِّعُ!
في خمائلِ روحي
المُسْتَلْقي بَينَ بَساتينِ الحَنانِ
تَغارُ مِنْكَ الورودُ
وَتَهْمِسُ عَجَبًا
كيفَ هذا العِشْقُ لا يَذوي أبَدًا
كيفَ هذا العاشِقُ لا يَمْضي أبَدًا
................"
والقصيدةُ تدندنُ لحنَ العشقِ الأبديِ بين الروحِ والجسدِ وترتقي بشموليتها لتتحدثَ عن انتقالِ الأرواحِ في الأجسادِ، وعن ثُنائية الإنسان، الذي يتركّبُ من المادةِ والروح، من الجسد والروحِ .. أمّا الجسدُ فترابيٌّ كثيفٌ يتحللُ لعناصرِه وأما الروحُ، فلطيفةٌ تنتقلُ في الأجسادِ ..
"الروح تسكنُ الأرض
قالت
لا موتَ..لا انتهاء لأحد
إنّه ترحال بين الأبد والأبد"
الروحُ تشملُ الطبيعةَ كلّها، والأرضُ مرجعُ الخصوبةِ الكونيّةِ ، وهذه الروحُ تسكن الأرض، تُخصبها بالبشرِ، لا تموتُ ولا تنتهي إنَّما ترحلُ بين الأبدِ والأبد.
القصيدةُ تعتمدُ على الجدليّةِ الثنائيةِ (بين) الروح والجسد / بين الهُنا وهناك/ بين الأنا والآخر/ ثنائيّة الواقع والحلم.
إذ يقول معين
"نصفُك هنا يتعذّب
ونصفك هناك يتجدّد"
وبين الـ (هنا) والـ (هناك) ، يكون الموتُ والتجدُّد . نصفُك الجسديُّ هنا يتعذَّبُ، فتنطلقُ روحُكَ لتَبْعَثَ الحياةَ في المتجدّد هناك... وما بين الجسدِ والروحِ يأتي الشاعرُ يؤكدُ الإيجاب عن طريق النفي.
فلا – لا تتهرّب
لا تتردَّد
ويعود للموتيف "فالروح تسكنُ الأرضَ" خصوبةً للبشريّة وبقاءً للأبدِ .. وهذا التقمُصُ والتناسخُ وانتقالُ الأرواحِ في الأجسادِ هدفُهُ أن نتوحَّدَ فننفي غربةَ الزمانِ وننفي غربةَ المكان ونشعرُ بالتوحُّد، بعدم الغرابة، لكن هذا الشعورَ يقودنا إلى ثُنائية المشاعر ..
"فينثر القلبُ إحزانَه المتهدّلة"
وقد تهدَّلت الأحزانُ من شدّةِ الازديادِ والخواءِ يزداد الحزن ويتهدّل ...
"الحزن يعزف على الأوتار فيشتعل
وينزف الدمعُ نَغَما"
وكأنه لحن الخلود
وهذه الروحُ تَذْهَلُ وتجفِلُ وترحلُ من جسدٍ إلى جسدٍ، من مكانٍ إلى مكان، من زمانٍ إلى زمان ..
وعلاقة الجدليّة تتحوّل إلى علاقةِ عشقٍ .. فتتحوَّلُ الروحُ إلى معشوقةٍ، وكلّما لامستْ هذه الروحُ شِغافَ القلبِ، يشحذُ العاشقُ أوتارَ الوجدِ، يصقلها، ويهيمُ في بيداءَ مسحورةٍ، بين ما هو الآن وبين من كان عليه سابقًا.
والهَيامُ من أعلى درجاتِ العشقِ، لكنّه هيامٌ في غاباتٍ وَعْرِيّةٍ شوكيّةٍ لا تُشفيهِ فيها الورودُ الزكيَّةُ.
فيتحوَّلَ الشعرُ بساطًا (كبساط الريح)، هنا نجدُ "التناص" التراثي الذي وظّفَهُ بصورةٍ مبتكرة، فأطلقَ أحاسيسه على بساط الشِّعر إلى مِصيف الروح الأبدي الإزهار.
وتأتي ثُنائيّةُ الحوارِ "الديالوج" بين الروحِ والجسدِ ... فينصهرُ أحدُهما في الآخرِ بإرادَتِهِ، ويعتمد الشاعر على التجربةِ الحَدْسِيَّّةِ غيرِ المرئيةِ وغيرِ الملموسَةِ، تِلكَ التجرِبَةُ التي تُلامِسُ شِغافَ الروحِ فَتتقمصُكَ أرواحٌ، وتتهدَّلُ أحزانَك لأنك في اللاوعيِ تشعُرُ نفسكَ شَخصًا آخر ، تلك التجربةُ التي تتجاوزُ حدودَ المنطقِ العقلي، فيرقى إلى توحُّدٍ وانصهارٍ ويُصبحُ الهيكلُ البشريُّ، هيكلَ صلاةٍ وتعبُّد ..
"أشيِّدُكَ على روابي الشوقِ
وفيكَ أتعبدُّ"
هذه التوريةُ الجميلةُ هنا، فالمعنى القريب هيكلُ الصلاةِ والمعنى البعيدُ الهيكلُ البشري وهو المقصود، إذ يتحوَّلُ جسدُ الإنسان، إلى معبَدٍ، وتتجلّّى المشاهدةُ كَتِلْكَ التي يَتَمَتَّعُ بها الصوفيُ الحَقُّ، فَيُشاهِدَ وجْهَ الحبيب، هذا المشاهَدَةُ تَحْدُثُ من شِدَّةِ الشوقِ فيتحوّلُ الجسدُ إلى مَعبَدٍ والروحُ إلى مَعبودٍ لِتَتِمَّ الإحالةُ في الرؤيا وَيَتِمّ الاتحادِ بالحبيب، فيلتقي الجسدُ بالحبيب الروحي .. يتلاشى .. ويتجدَّدُ ....
وهذا العشقُ بين الأنا الحاضر والأنا المستَحضَر ...
بين الهنا والهناك ...
بين الروح والجسد....
عشقٌ تغارُ منه الورود وتتساءلُ هامسةً كيفَ هذا العشقُ لا يذوي أبدًا ..
فهو يصلُ الأرضَ يُخصبها وتُخصِبْهُ فيبقى العاشقُ إلى الأبد ..
يبقى الإنسان حيًَّا بروحه حتَّى لو مات منه الجسد .
وإيجازًا دعوني أحدثكُم عن ثُنائيّة معين : الإنسان والشاعر.. عن الجدليّةِ في ثُنائيّةِ قصائدِه بينَ العشقِ والإدراك، بين الحضور والغياب .. بينَ عُمق المعاني التي تأخذك إلى أعماقٍ فلسفيَّةٍ صوفيّةٍ روحيَّةٍ وبين انسياب صورٍ شعريّةٍ تتمنَّعُ كمعزوفةٍ تُغريك بالرقصِ على وقعها وإذا ما طربتَ عزفَت ألحانًا جديدة النبضِّ