بواسطة مشرفي المنتدى
06-20-2007, 04:17 PM
سحر الشعر فلسفة.. وفلسفة الشعر سحر
بقلم: فهيم أبو ركن
(نص الكلمة التي ألقيت في حفل تكريم الشاعر الأديب معين حاطوم في لقاء "ورقستان" الأرضي الأول الذي أقيم في بيت حالم ورقستان الشاعر تركي عامر في حرفيش، والذي أطلق عليه لقب " جامع مجرمي الحبر")
" السلام عليكم. عدت إليكم ليس لأن أحدا منكم ينتظرني. وليس لأن أحدا منكم قد اشتاق إلي وتمنى أن أعود إليه. فأنا أحد لا يشتاق إليه أحد..! ولا يشعر بغيابه أحد..!
وكل ما أذكره من هذه الحالة الشاذة، هو أنني استيقظت مبكرا على غير عادة... فوجدت نفسي عائدا إليكم وفي نفسي شوق عظيم كي أعود..."
بهذه الكلمات يستهل معين حاطوم كتابه " فلسفة..وألم " وقد سماه – خطبة فلسفية - ونحن نعلم أن الخطابة احتلت مكانة مرموقة في العصور الماضية خاصة عندما انحطت مكانة الشعر بسبب الابتذال والسطحية والإسفاف " وكان لكل قبيلة خطيب. وأكثر ما كانت الخطابة في التحريض على القتال والتحكيم في الخصومات وإصلاح ذات البين، وفي المفاخرات والوصايا وغير ذلك" ( السيد أحمد الهاشمي. جواهر الأدب.بيروت: مؤسسة المعارف. د،ن.ج،2. ص، 17.). ولكن معينا استغل هذا النوع الأدبي وطوره بصورة حديثة، ليعبر ويمرر أفكاره بطريقته الخاصة المميزة، معتمدا من حيث المضمون على النظريات الفلسفية في بحثها عن ماهية الوجود الإنساني، معتمدا من حيث الأسلوب على المناجاة العقلية أو الحوار الذهني، حوار من طرف واحد، فالكاتب يحاور ويناقش القراء الذين لا يبدون رأيا، لا يقدمون اعتراضا ولا يرفعون التماسا! وحتى لا يطرحون سؤالا أو استفهاما..!
الخطيب " المؤلف " يفرض علينا القراءة دون أن يطلب موافقتنا، إنه يسلب هذه الموافقة بسلاسة الأسلوب، يقول ما يشاء كيفما يشاء. يتلاعب بأحاسيس القارئ فلا يستطيع إلا السير معه لعله يروي ظمأ المعرفة وحب الاستطلاع. بهذه الطريقة يجعله المؤلف جزءا حيويا من هذا النص. إن القارئ يسير مع المؤلف في رحلة ممتعة وشاقة..! ممتعة لأنها تشدك بأسلوب مميز، فيه كثير من خفة الظل والتشويق، وشاقة لأنها تحتاج إلى جهد فكري وتنقيب، فحص وتمحيص بين النظريات الفلسفية. إنها رحلة مدهشة " خبيثة " لأنه إذا لم يبحث القارئ جيدا في أعماقها، يبقى مع المتعة السطحية فقط دون أن يحظى بالجوهر وهو الهدف الحقيقي لهذا العمل. معين في كتاباته دائما يدهشنا بمفاجآت .. دائما نكتشف حقولا جديدة لم يصلها محراث أديب من قبل.
وأقول إن قراءة معين في هذا الكتاب لا تخلو من الصعوبة، والصعوبة في فهم النص تكمن في هذا المزيج المسكر بين الفلسفة والشعر، النثر والفن، وكثرة الأسئلة المطروحة..!
لقد اعترض بعض الفلاسفة على طريقة سقراط التي تعتمد أكثر على طرح الأسئلة ومحاولة تعريف الأشياء، وقالوا له إنه يسأل أكثر مما يجيب، ويترك عقول الرجال أكثر اضطرابا مما كانت عليه قبل المحاورة والنقاش، ومع ذلك فقد قدم سقراط للفلسفة جوابين هامين حول معنى الفضيلة وأفضل دولة. وحين نذكر سقراط نورد حكمته المشهورة: ( كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئا..!) أما معين فيقول: ( أكثر ما أعرفه عن نفسي هو عجزي الدائم عن الفهم..! ) بهذا القول أدخل معين عنصرا جديدا هاما على هذا المعنى وهو العجز، والعجز من الصفات الإنسانية، فهل يريد معين إنزال الفلسفة من مستواها الذهني التنظيري إلى المستوى المادي التجسيدي؟؟ سؤال من عشرات الأسئلة التي تطرح، والتي تحتاج إلى نقاش وبحث. هذه الأسئلة تفرض نفسها من خلال عبور المؤلف في محطات ومدارس فكرية، يستطلع الافتراضات ويستجوب اليقينات ويصل أحيانا إلى عدة أجوبة هامة حول علاقة السبب باللاسبب ، وحول هدف الوجود، والخلود، والروح الواحدة للكون، حتى يصل إلى نتيجة يتضح فيها بأن السلام ليس مجرد اتفاق إنساني وإنما هو قانون كوني.
عدت إليكم مع أنني كنت بينكم، بهذه الكلمات يخبرنا المؤلف أنه عاد إلينا رغم أنه لم يتركنا! ماذا نفهم من هذا " التعقيد " ؟ إن الكاتب يشير إلى عودة فكرية معنوية، إنه يشير إلى عودة الوعي، هذا الوعي الذي اتخذه ديكارت محورا لفلسفته، إذ قال بأسبقية الوعي وإن العقل يعرف نفسه بسرعة أكثر من مقدرته على معرفة أي شيء آخر. إنه يعرف العالم الخارجي فقط عن طريق اثر ذلك العالم على العقل بالإدراك الحسي، وبناء عليه يجب أن تبدأ كل فلسفة بعقل الفرد وذاته، وتبدأ نقاشها الأول في كلمات: ( أنا أفكر لذلك أنا موجود ) فهل أراد معين في "فلسفة وألم" أن يقول أنا أتألم إذن أنا موجود؟ سؤال للبحث! لقد عاد إلينا رغم أنه لم يتركنا كالذي يغيب عن الوعي فيبقى حيا جسدا بيننا غائبا وعيا عنا، وعندما يعود إلى وعيه أو يعود وعيه إليه نقول عاد إلينا. إنها كما قال المؤلف في نهاية الكتاب العودة الكبرى للجوهر الأول.
وأخيرا ثمة الكثير مما يقال حول الأسلوب المبتكر والمضمون الفكري، إنما هذه أفكار استهلالية، شبه مقدمة قصيرة لمشروع دراسة مستفيضة إذا أردنا أن نعطي الكاتب والكتاب حقهما من التحليل، والنقد والمناقشة.
بقلم: فهيم أبو ركن
(نص الكلمة التي ألقيت في حفل تكريم الشاعر الأديب معين حاطوم في لقاء "ورقستان" الأرضي الأول الذي أقيم في بيت حالم ورقستان الشاعر تركي عامر في حرفيش، والذي أطلق عليه لقب " جامع مجرمي الحبر")
" السلام عليكم. عدت إليكم ليس لأن أحدا منكم ينتظرني. وليس لأن أحدا منكم قد اشتاق إلي وتمنى أن أعود إليه. فأنا أحد لا يشتاق إليه أحد..! ولا يشعر بغيابه أحد..!
وكل ما أذكره من هذه الحالة الشاذة، هو أنني استيقظت مبكرا على غير عادة... فوجدت نفسي عائدا إليكم وفي نفسي شوق عظيم كي أعود..."
بهذه الكلمات يستهل معين حاطوم كتابه " فلسفة..وألم " وقد سماه – خطبة فلسفية - ونحن نعلم أن الخطابة احتلت مكانة مرموقة في العصور الماضية خاصة عندما انحطت مكانة الشعر بسبب الابتذال والسطحية والإسفاف " وكان لكل قبيلة خطيب. وأكثر ما كانت الخطابة في التحريض على القتال والتحكيم في الخصومات وإصلاح ذات البين، وفي المفاخرات والوصايا وغير ذلك" ( السيد أحمد الهاشمي. جواهر الأدب.بيروت: مؤسسة المعارف. د،ن.ج،2. ص، 17.). ولكن معينا استغل هذا النوع الأدبي وطوره بصورة حديثة، ليعبر ويمرر أفكاره بطريقته الخاصة المميزة، معتمدا من حيث المضمون على النظريات الفلسفية في بحثها عن ماهية الوجود الإنساني، معتمدا من حيث الأسلوب على المناجاة العقلية أو الحوار الذهني، حوار من طرف واحد، فالكاتب يحاور ويناقش القراء الذين لا يبدون رأيا، لا يقدمون اعتراضا ولا يرفعون التماسا! وحتى لا يطرحون سؤالا أو استفهاما..!
الخطيب " المؤلف " يفرض علينا القراءة دون أن يطلب موافقتنا، إنه يسلب هذه الموافقة بسلاسة الأسلوب، يقول ما يشاء كيفما يشاء. يتلاعب بأحاسيس القارئ فلا يستطيع إلا السير معه لعله يروي ظمأ المعرفة وحب الاستطلاع. بهذه الطريقة يجعله المؤلف جزءا حيويا من هذا النص. إن القارئ يسير مع المؤلف في رحلة ممتعة وشاقة..! ممتعة لأنها تشدك بأسلوب مميز، فيه كثير من خفة الظل والتشويق، وشاقة لأنها تحتاج إلى جهد فكري وتنقيب، فحص وتمحيص بين النظريات الفلسفية. إنها رحلة مدهشة " خبيثة " لأنه إذا لم يبحث القارئ جيدا في أعماقها، يبقى مع المتعة السطحية فقط دون أن يحظى بالجوهر وهو الهدف الحقيقي لهذا العمل. معين في كتاباته دائما يدهشنا بمفاجآت .. دائما نكتشف حقولا جديدة لم يصلها محراث أديب من قبل.
وأقول إن قراءة معين في هذا الكتاب لا تخلو من الصعوبة، والصعوبة في فهم النص تكمن في هذا المزيج المسكر بين الفلسفة والشعر، النثر والفن، وكثرة الأسئلة المطروحة..!
لقد اعترض بعض الفلاسفة على طريقة سقراط التي تعتمد أكثر على طرح الأسئلة ومحاولة تعريف الأشياء، وقالوا له إنه يسأل أكثر مما يجيب، ويترك عقول الرجال أكثر اضطرابا مما كانت عليه قبل المحاورة والنقاش، ومع ذلك فقد قدم سقراط للفلسفة جوابين هامين حول معنى الفضيلة وأفضل دولة. وحين نذكر سقراط نورد حكمته المشهورة: ( كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئا..!) أما معين فيقول: ( أكثر ما أعرفه عن نفسي هو عجزي الدائم عن الفهم..! ) بهذا القول أدخل معين عنصرا جديدا هاما على هذا المعنى وهو العجز، والعجز من الصفات الإنسانية، فهل يريد معين إنزال الفلسفة من مستواها الذهني التنظيري إلى المستوى المادي التجسيدي؟؟ سؤال من عشرات الأسئلة التي تطرح، والتي تحتاج إلى نقاش وبحث. هذه الأسئلة تفرض نفسها من خلال عبور المؤلف في محطات ومدارس فكرية، يستطلع الافتراضات ويستجوب اليقينات ويصل أحيانا إلى عدة أجوبة هامة حول علاقة السبب باللاسبب ، وحول هدف الوجود، والخلود، والروح الواحدة للكون، حتى يصل إلى نتيجة يتضح فيها بأن السلام ليس مجرد اتفاق إنساني وإنما هو قانون كوني.
عدت إليكم مع أنني كنت بينكم، بهذه الكلمات يخبرنا المؤلف أنه عاد إلينا رغم أنه لم يتركنا! ماذا نفهم من هذا " التعقيد " ؟ إن الكاتب يشير إلى عودة فكرية معنوية، إنه يشير إلى عودة الوعي، هذا الوعي الذي اتخذه ديكارت محورا لفلسفته، إذ قال بأسبقية الوعي وإن العقل يعرف نفسه بسرعة أكثر من مقدرته على معرفة أي شيء آخر. إنه يعرف العالم الخارجي فقط عن طريق اثر ذلك العالم على العقل بالإدراك الحسي، وبناء عليه يجب أن تبدأ كل فلسفة بعقل الفرد وذاته، وتبدأ نقاشها الأول في كلمات: ( أنا أفكر لذلك أنا موجود ) فهل أراد معين في "فلسفة وألم" أن يقول أنا أتألم إذن أنا موجود؟ سؤال للبحث! لقد عاد إلينا رغم أنه لم يتركنا كالذي يغيب عن الوعي فيبقى حيا جسدا بيننا غائبا وعيا عنا، وعندما يعود إلى وعيه أو يعود وعيه إليه نقول عاد إلينا. إنها كما قال المؤلف في نهاية الكتاب العودة الكبرى للجوهر الأول.
وأخيرا ثمة الكثير مما يقال حول الأسلوب المبتكر والمضمون الفكري، إنما هذه أفكار استهلالية، شبه مقدمة قصيرة لمشروع دراسة مستفيضة إذا أردنا أن نعطي الكاتب والكتاب حقهما من التحليل، والنقد والمناقشة.